الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤
مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ، وَإِذَا مَاتَ قَبْل أَنْ يَتُوبَ فَهُوَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ وَعَفْوِهِ: إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِذُنُوبِهِ، وَلاَ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ، بَل تَكُونُ عَاقِبَتُهُ إِلَى الْجَنَّةِ، هَذَا مَا عَلَيْهِ أَهْل السُّنَّةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ فَسَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ مَعَ صُدُورِ الْقِتَال ظُلْمًا مِنْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ (١) .
انْخِرَامُ الْعَدَالَةِ بِارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ:
١٠ - الْعَدَالَةُ: كَمَا قَال الْغَزَالِيُّ هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ تُحْمَل عَلَى مُلاَزَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ جَمِيعًا، حَتَّى تَحْصُل ثِقَةُ النُّفُوسِ بِصِدْقِهِ، فَلاَ ثِقَةَ بِقَوْل مَنْ لاَ يَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى خَوْفًا وَازِعًا عَنِ الْكَذِبِ (٢) .
وَقَدْ نَقَل ابْنُ حَزْمٍ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ ارْتِكَابَ الْكَبَائِرِ جُرْحَةٌ تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَقَال الْكَاسَانِيُّ: الأَْصْل أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ جَرِيمَةً، فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْكَبَائِرِ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ إِلاَّ أَنْ يَتُوبَ (٣) .
_________
(١) لوامع الأنوار البهية للسفاريني ٢ / ٣٦٨، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز ٢٤٧، ٣٠١.
(٢) المستصفى للغزالي ١ / ١٠٠.
(٣) مراتب الإجماع لابن حزم ٢٣، والبدائع ٦ / ٢٧٠.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْعَدْل هُوَ مَنْ لَمْ يَفْعَل مَعْصِيَةً كَبِيرَةً بِلاَ تَوْبَةٍ مِنْهَا بِأَنْ لَمْ يَفْعَلْهَا أَصْلًا أَوْ تَابَ مِنْهَا، فَإِنْ فَعَلَهَا وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا فَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ، فَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الْعَدْل عَدَمُ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ مُطْلَقًا لِتَعَذُّرِهِ (١) .
وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ التَّوْضِيحَاتِ:
أ - صَرَّحَ كُلٌّ مِنْ الْقَرَافِيِّ وَابْنِ الشَّاطِّ أَنَّ انْخِرَامَ الْعَدَالَةِ وَرَدَّ الشَّهَادَةِ بِارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ لَيْسَ سَبَبُهُ الاِرْتِكَابَ نَفْسَهُ، بَل مَا يَلْزَمُ عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّهُ يَدُل عَلَى الْجُرْأَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْمُرْتَكِبِ لِلشَّارِعِ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، أَوْ كَمَا اخْتَارَ ابْنُ الشَّاطِّ (احْتِمَال الْجُرْأَةِ) فَمَنْ دَلَّتْ قَرَائِنُ حَالِهِ عَلَى الْجُرْأَةِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، كَمُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ الْمَعْلُومِ مِنْ دَلاَئِل الشَّرْعِ أَنَّهَا كَبِيرَةٌ، أَوِ الْمُصِرِّ عَلَى الصَّغِيرَةِ إِصْرَارًا يُؤْذِنُ بِالْجُرْأَةِ، وَمَنِ احْتَمَل حَالُهُ أَنَّهُ فَعَل مَا فَعَل مِنْ ذَلِكَ جُرْأَةً أَوْ فَلْتَةً تُوُقِّفَ عَنْ قَبُول شَهَادَتِهِ، وَمَنْ دَلَّتْ دَلاَئِل حَالِهِ أَنَّهُ فَعَل مَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ فَلْتَةً غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِالْجُرْأَةِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَذَلِكَ؛ لأَِنَّ السَّبَبَ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ لَيْسَ إِلاَّ التُّهْمَةَ بِالاِجْتِرَاءِ عَلَى الْكَذِبِ، كَالاِجْتِرَاءِ عَلَى ارْتِكَابِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ. فَإِذَا عَرِيَ عَنِ الاِتِّصَافِ بِالْجُرْأَةِ وَاحْتِمَال الاِتِّصَافِ بِهَا بِظَاهِرِ حَالِهِ
_________
(١) جواهر الإكليل ٢ / ٢٣٣، وكفاية الطالب لأبي الحسن ٢ / ٣١٦.
سَقَطَتِ التُّهْمَةُ (١) .
ب - بَيَّنَ الْخَرَشِيُّ أَنَّ الْعَدَالَةَ الْمُشْتَرَطَ فِيهَا اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ هِيَ مُطْلَقُ الْعَدَالَةِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَوْفِ هَذَا الشَّرْطَ يَكُونُ فَاسِقًا، بِخِلاَفِ الْعَدَالَةِ الْخَاصَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ لِلشَّهَادَةِ، فَمِنْ شُرُوطِهَا اجْتِنَابُ مَا يَخِل بِالْمُرُوءَةِ، وَعَدَمُهُ لَيْسَ فِسْقًا (٢) .
ج - لاَ يَتَرَتَّبُ انْخِرَامُ الْعَدَالَةِ إِلاَّ عَلَى الاِرْتِكَابِ لِلْكَبِيرَةِ فِعْلًا، فَلَوْ نَوَى الْعَدْل فِعْل كَبِيرَةٍ غَدًا لَمْ يَصِرْ بِذَلِكَ فَاسِقًا، بِخِلاَفِ نِيَّةِ الْكُفْرِ (٣) .
تَفْسِيقُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ:
١١ - عُرِفَ مِمَّا سَبَقَ فِي الْكَلاَمِ عَنِ انْخِرَامِ عَدَالَةِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ أَنَّهُ يَفْسُقُ بِذَلِكَ. قَال الزَّرْكَشِيُّ: مَنْ أَتَى بِشَيْءٍ مِنَ الْكَبَائِرِ فَسَقَ وَسَقَطَتْ عَدَالَتُهُ ثُمَّ نَقَل عَنِ الصَّيْرَفِيِّ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ (٤) .
أَثَرُ الإِْصْرَارِ فِي تَحَوُّل الصَّغِيرَةِ إِلَى كَبِيرَةٍ:
١٢ - قَال الْقَرَافِيُّ: الصَّغِيرَةُ لاَ تَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ وَلاَ تُوجِبُ فُسُوقًا، إِلاَّ أَنْ يُصِرَّ عَلَيْهَا فَتَكُونُ كَبِيرَةً. . . فَإِنَّهُ لاَ صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ،
_________
(١) الفروق وحاشية ابن الشاط ٤ / ٦٥، وتهذيب الفروق ٤ / ١١١.
(٢) الخرشي ٧ / ٦٧٧.
(٣) مغني المحتاج ٤ / ٤٢٨.
(٤) البحر المحيط للزركشي ٤ / ٢٧٤.
وَلاَ كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ كَمَا قَال السَّلَفُ. . . وَيَعْنُونَ بِالاِسْتِغْفَارِ التَّوْبَةَ بِشُرُوطِهَا، لاَ طَلَبَ الْمَغْفِرَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَزْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يُزِيل كُبْرَ الْكَبِيرَةِ أَلْبَتَّةَ (١) .
وَقَدْ أَوْرَدَ الزَّرْكَشِيُّ فِي عِدَادِ الْكَبَائِرِ إِدْمَانَ الصَّغِيرَةِ (٢) .
وَخَالَفَ فِي هَذَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، كَأَبِي طَالِبٍ الْقُضَاعِيِّ، حَيْثُ نَقَل عَنْهُ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ الإِْصْرَارَ لَهُ حُكْمُ مَا أَصَرَّ بِهِ عَلَيْهِ فَالإِْصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ صَغِيرَةٌ (٣) .
وَاعْتِبَارُ الإِْصْرَارِ عَلَى الصَّغِيرَةِ كَبِيرَةً هُوَ مِنْ بَابِ الإِْلْحَاقِ كَمَا قَال الرَّمْلِيُّ، فَهُوَ لاَ يُصَيِّرُ الصَّغِيرَةَ كَبِيرَةً حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يُلْحِقُهَا بِهَا فِي الْحُكْمِ، وَبِعِبَارَةِ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ شُرَّاحِ الْمَنَارِ: الإِْصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ هُوَ كَبِيرَةٌ لِغَيْرِهَا، أَمَّا الْكَبِيرَةُ بِالضَّابِطِ الأَْصْلِيِّ فَهِيَ كَبِيرَةٌ بِنَفْسِهَا (٤) .
جَاءَ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْمَنَارِ أَنَّ الإِْصْرَارَ تَكْرَارُ الْفِعْل تَكَرُّرًا يُشْعِرُ بِقِلَّةِ الْمُبَالاَةِ بِأَمْرِ الدِّينِ، وَقَال أَمِيرُ بَادْشَاهْ: الإِْصْرَارُ أَنْ تَتَكَرَّرَ مِنْهُ الصَّغِيرَةُ تَكْرَارًا يُشْعِرُ بِقِلَّةِ مُبَالاَتِهِ بِأَمْرِ دِينِهِ إِشْعَارَ ارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ بِذَلِكَ (٥) .
_________
(١) الفروق للقرافي وحاشية ابن الشاط ٤ / ٦٧.
(٢) البحر المحيط ٤ / ٢٧٧.
(٣) البحر المحيط ٤ / ٢٧٧.
(٤) نهاية المحتاج ٨ / ٢٧٩، وشرح المنار وحواشيه ٢ / ٦٣٦.
(٥) حواشي شرح المنار نقلًا عن قمر الأقمار ٢ / ٦٣٦، وتيسير التحرير لأمير بادشاه ٣ / ٤٤، وتقرير التحبير لابن أمير حاج ٢ / ٢٤٢.
وَأَمَّا حَقِيقَةُ التَّكْرَارِ الْمُشْتَرَطِ فِي تَحَقُّقِ الإِْصْرَارِ فَيُعْرَفُ مِنْ تَقْسِيمِ الزَّرْكَشِيِّ الإِْصْرَارَ إِلَى قِسْمَيْنِ:
(أَحَدِهِمَا) حُكْمِيٌّ، وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى فِعْل الصَّغِيرَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ كَرَّرَهَا فِعْلًا، بِخِلاَفِ التَّائِبِ مِنْهَا، فَلَوْ ذَهِل عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَى شَيْءٍ فَهَذَا هُوَ الَّذِي تُكَفِّرُهُ الأَْعْمَال الصَّالِحَةُ.
(وَالثَّانِي) الإِْصْرَارُ بِالْفِعْل، وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِالْمُدَاوَمَةِ أَوِ الإِْدْمَانِ، وَعَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ قَال: لاَ أَجْعَل الْمُقِيمَ عَلَى الصَّغِيرَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا مُرْتَكِبًا لِلْكَبِيرَةِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا عَلَى الْمَعْصِيَةِ الْمُخَالِفَةِ أَمْرَ اللَّهِ دَائِمًا (١)، وَنَحْوُهُ فِي الْمُغْنِي لاِبْنِ قُدَامَةَ (٢) .
أَثَرُ الْكَبِيرَةِ فِي إِحْبَاطِ الثَّوَابِ:
١٣ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الشِّرْكَ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ يُحْبِطُ الثَّوَابَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، فَمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ بَعْدَ تَوْحِيدِهِ لَهُ تَعَالَى، أَوْ كَفَرَ مُرْتَدًّا عَنْ إِيمَانِهِ، أَوْ كَانَتْ كَبِيرَتُهُ اسْتِحْلاَل مُحَرَّمٍ أَوْ
_________
(١) البحر المحيط للزركشي ٤ / ٢٧٤، ٢٧٧.
(٢) المغني لابن قدامة ١٠ / ٢٣٥ وذكر أن القاضي أبا يعلى ضبطه بالمداومة.
تَحْرِيمَ حَلاَلٍ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحْبَطُ ثَوَابُ أَعْمَالِهِ لِلرِّدَّةِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ.
وَاخْتُلِفَ هَل يَحْبَطُ الْعَمَل أَيْضًا، بِحَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الْحَجِّ بَعْدَ عَوْدَتِهِ لِلإِْسْلاَمِ، وَهَل يَتَرَتَّبُ الْحُبُوطُ عَلَى مُجَرَّدِ الرِّدَّةِ أَوْ بِالْمَوْتِ عَلَيْهَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ - إِلَى أَنَّ الْحُبُوطَ بِالْمَوْتِ عَلَى الرِّدَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، فَعَلَيْهِ لاَ يَجِبُ إِعَادَةُ الْحَجِّ الَّذِي فَعَلَهُ قَبْل رِدَّتِهِ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَهَا، قَال الْقَلْيُوبِيُّ: قَيَّدَ بَعْضُهُمُ الْعَمَل الَّذِي تُحْبِطُهُ الرِّدَّةُ بِمَا وَقَعَ حَال التَّكْلِيفِ لاَ قَبْلَهُ (١) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (رِدَّةٌ ف ٤٨) .
أَمَّا الْكَبَائِرُ الأُْخْرَى فَقَدْ وَرَدَتْ نُصُوصٌ فِي شَأْنِ بَعْضِهَا بِأَنَّهُ يُحْبِطُ ثَوَابَ الْعَمَل، مِثْل:
الْقَذْفِ: عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ قَذْفَ الْمُحْصَنَةِ يَهْدِمُ عَمَل مِائَةِ سَنَةٍ (٢) .
الرِّبَا: وَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ وَقَوْلُهَا لأُِمِّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁:
_________
(١) القليوبي ٤ / ١٧٤.
(٢) حديث حذيفة: " إن قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة ". أورده الهيثمي في المجمع (٦ / ٢٧٩) وقال: رواه الطبراني والبزار، وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف، وقد يحسن حديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح.
لَقَدْ أَبْطَل جِهَادَهُ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ (١) "، وَذَلِكَ فِي شَأْنِ مُعَامَلَةٍ فِيهَا رِبًا.
سُؤَال الْعَرَّافِ: عَنْ صَفِيَّةَ ﵂ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﵅ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَل لَهُ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (٢) .
الْعَفْوُ عَنِ الْكَبَائِرِ:
١٤ - يَخْتَلِفُ الْمَقْصُودُ بِالْعَفْوِ عَنِ الْكَبَائِرِ بِحَسَبِ نَوْعِ الْكَبِيرَةِ، هَل هِيَ اعْتِدَاءٌ عَلَى مَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، كَشُرْبِ الْخَمْرِ، أَوِ اعْتِدَاءٌ عَلَى مَا فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلْعَبْدِ، كَالْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ:
فَالْعَفْوُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّوْعِ الأَْوَّل هُوَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالآْخِرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَتُبْ مُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ فَهُوَ عِنْدَ أَهْل السُّنَّةِ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ وَعَفْوِهِ (٣)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وَقَوْلُهُ ﷺ: تُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ،
_________
(١) حديث عائشة وقولها: " لقد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ ". أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨ / ١٨٥) .
(٢) الزواجر ٢ / ١٠٢، وحديث: " من أتى عرافًا فسأله. . . ". أخرجه مسلم (٤ / ١٧٥١) .
(٣) لوامع الأنوار للسفاريني ١ / ٣٦٨، وشرح العقيدة الطحاوية ٣٠٣.
وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ: إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ قَال: فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ (١) .
قَال الْقُرْطُبِيُّ: الْكَبَائِرُ عِنْدَ أَهْل السُّنَّةِ تُغْفَرُ لِمَنْ أَقْلَعَ عَنْهَا قَبْل الْمَوْتِ، وَقَدْ يَغْفِرُ لِمَنْ مَاتَ عَلَيْهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ مَنْ مَاتَ عَلَى الذُّنُوبِ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَنْ تَابَ قَبْل الْمَوْتِ لَمْ تَكُنْ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الإِْشْرَاكِ وَغَيْرِهِ مَعْنًى، إِذِ التَّائِبُ مِنَ الشِّرْكِ أَيْضًا مَغْفُورٌ لَهُ (٢) .
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْكَبَائِرِ الَّتِي فِيهَا اعْتِدَاءٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ فَالْحُكْمُ فِي الْعَفْوِ عَنْهَا فِيهِ تَفْصِيلٌ:
أ - إِنْ كَانَتِ الْكَبِيرَةُ جِنَايَةً عَلَى النَّفْسِ أَوْ مَا دُونَهَا عَمْدًا عُدْوَانًا فَلأَِوْلِيَاءِ الدَّمِ - أَوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِنْ بَقِيَ حَيًّا - الْمُطَالَبَةُ بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ أَوِ الْعَفْوِ (٣)، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ
_________
(١) حديث: " تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٢٠٣) من حديث عبادة بن الصامت. وانظر لوامع الأنوار للسفاريني ١ / ٣٦٨، وشرح العقيدة الطحاوية ٣٠٣.
(٢) تفسير القرطبي ٥ / ١٦١.
(٣) المبسوط ٢٦ / ١٥٨، والدسوقي ٢ / ٣٠٧، والمهذب ٢ / ٢٠١، والسياسة الشرعية لابن تيمية ١٤٨، والمغني ٩ / ٤٦٣، ٤٦٩.
عَفْوٌ. ف ١٨ وَمَا بَعْدَهَا) .
ب - وَإِذَا كَانَتِ الْكَبِيرَةُ سَرِقَةً يَجُوزُ عَفْوُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ عَنِ السَّارِقِ قَبْل بُلُوغِ الإِْمَامِ، فَيَسْقُطُ الْحَدُّ (١)، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (سَرِقَةٌ ف ٧٢) .
ج - وَإِذَا كَانَتِ الْكَبِيرَةُ حِرَابَةً وَتَابَ الْمُحَارِبُونَ قَبْل أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِمْ سَقَطَ عَنْهُمْ حَدُّ الْحِرَابَةِ مِنَ الْقَتْل أَوِ الصَّلْبِ أَوِ الْقَطْعِ أَوِ النَّفْيِ، لاَ إِنْ تَابُوا بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، وَفِي الْحَالَتَيْنِ لاَ تَسْقُطُ عَنْهُمْ حُقُوقُ الْعِبَادِ مِنَ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا وَالدِّيَاتِ وَغَرَامَةِ الْمَال فِيمَا لاَ قِصَاصَ فِيهِ.
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (حِرَابَةٌ ف ٢٤) .
د - لاَ يَجُوزُ الْعَفْوُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحُدُودِ بَعْدَ أَنْ تَبْلُغَ الإِْمَامَ، كَمَا تَحْرُمُ الشَّفَاعَةُ وَطَلَبُ الْعَفْوِ (٢)، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمُ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ حِبُّ رَسُول اللَّهِ ﷺ؟ فَكَلَّمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ فَقَال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا ضَل مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ
_________
(١) السياسة الشرعية لابن تيمية ٦٥، والمغني ١٠ / ٢٩٤، ٣٠٠، ٣٠٤.
(٢) السياسة الشرعية لابن تيمية ٦٥.
الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا (١) .
هـ - الْعَفْوُ فِي الْكَبَائِرِ الَّتِي فِيهَا تَعْزِيرٌ جَائِزٌ لِلإِْمَامِ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي الْعَفْوِ، وَاسْتَثْنَى ابْنُ قُدَامَةَ مَا لَوْ كَانَ التَّعْزِيرُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ (٢)، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (عَفْوٌ ف ٣٢) .
أَثَرُ التَّوْبَةِ فِي انْتِفَاءِ الْفِسْقِ عَنْ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ، وَأَثَرُهَا فِي تَكْفِيرِ الْكَبَائِرِ:
١٥ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ رَأْيُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَصَفْوَانِ بْنِ سُلَيْمٍ، إِلَى أَنَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ لَيْسَ بِكَفَّارَةٍ، وَلاَ بُدَّ مَعَهُ مِنَ التَّوْبَةِ؛ لأَِنَّهَا فَرْضٌ لاَزِمٌ عَلَى الْعِبَادِ، قَال ابْنُ رُشْدٍ (الْجَدُّ) الْحَدُّ يَرْفَعُ الإِْثْمَ وَيَبْقَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْفِسْقِ، مَا لَمْ يَتُبْ وَتَظْهَرْ تَوْبَتُهُ.
وَذَهَبَ مُجَاهِدٌ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ إِلَى أَنَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ بِمُجَرَّدِهِ كَفَّارَةٌ (٣)، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ
_________
(١) حديث عائشة: " أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٨٧) ومسلم (٣ / ١٣١٥) واللفظ للبخاري.
(٢) المغني لابن قدامة ١٠ / ٣٤٩.
(٣) لوامع الأنوار للسفاريني ١ / ٣٧٦، البيان والتحصيل لابن رشد ١٠ / ١٤٩.