الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 30

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: لَمْ أَقِفْ لأَِحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ضَابِطٍ لِلْكَبِيرَةِ لاَ يَسْلَمُ مِنَ الاِعْتِرَاضِ، وَالأَْوْلَى ضَبْطُهَا بِمَا يُشْعِرُ بِتَهَاوُنِ مُرْتَكِبِهَا بِدِينِهِ إِشْعَارًا دُونَ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، قَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: (وَهُوَ ضَابِطٌ جَيِّدٌ (١» .

وَقَدْ سَلَكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مَسْلَكًا مُشَابِهًا، لَكِنَّهُ عَوَّل عَلَى الْمَفْسَدَةِ، لاَ عَلَى التَّهَاوُنِ، فَكُل مَعْصِيَةٍ سَاوَتْ مَفْسَدَتُهَا أَدْنَى مَفْسَدَةِ كَبِيرَةٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا فَهِيَ كَبِيرَةٌ، وَمَثَّل لِذَلِكَ بِدَلاَلَةِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ هِيَ أَشَدُّ فَسَادًا مِنَ الْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ الْمَنْصُوصِ عَلَى أَنَّهُ كَبِيرَةٌ (٢) . وَمِنَ الضَّوَابِطِ الْمَذْكُورَةِ لِلْكَبِيرَةِ:

قَوْل الزَّيْلَعِيِّ: مَا كَانَ حَرَامًا لِعَيْنِهِ.

وَقَوْل خُوَاهَرْ زَادَهْ: مَا كَانَ حَرَامًا مَحْضًا سَوَاءٌ سُمِّيَ فِي الشَّرْعِ فَاحِشَةً أَمْ لَمْ يُسَمَّ وَلَكِنْ شُرِّعَ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ بِنَصٍّ قَاطِعٍ إِمَّا فِي الدُّنْيَا بِالْحَدِّ أَوِ الْوَعِيدِ بِالنَّارِ فِي الآْخِرَةِ.

وَقَوْل الْمَاوَرْدِيِّ: مَا أَوْجَبَتِ الْحَدَّ أَوْ تَوَجَّهَ بِسَبَبِهَا إِلَى الْفَاعِل وَعِيدٌ.

وَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ بِأَنَّهَا: كُل ذَنْبٍ أَوْجَبَ اللَّهُ فِيهِ حَدًّا فِي

_________

(١) فتح الباري ١٠ / ٤٢٤، والزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي ١ / ٨.

(٢) إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ٢ / ٢٩٤.

الدُّنْيَا أَوْ خَتَمَهُ بِنَارٍ فِي الآْخِرَةِ (١) .

وَمِنَ الضَّوَابِطِ قَوْل ابْنِ الصَّلاَحِ: لِلْكَبَائِرِ أَمَارَاتٌ، مِنْهَا: إِيجَابُ الْحَدِّ، وَمِنْهَا: الإِْيعَادُ عَلَيْهَا بِالْعَذَابِ بِالنَّارِ وَنَحْوِهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمِنْهَا: وَصْفُ صَاحِبِهَا بِالْفِسْقِ، وَمِنْهَا: اللَّعْنُ (٢) .

وَقَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: قَصَدُوا التَّقْرِيبَ وَلَيْسَتْ بِحُدُودٍ جَامِعَةٍ (٣) .

وَنَفَى الْوَاحِدِيُّ وُجُودَ ضَابِطٍ لِلْكَبِيرَةِ وَأَنَّهُ بِقَصْدِ الشَّارِعِ فَقَال: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْكَبَائِرِ حَدٌّ يَعْرِفُهُ الْعِبَادُ وَتَتَمَيَّزُ بِهِ عَنِ الصَّغَائِرِ تَمْيِيزَ إِشَارَةٍ، وَلَوْ عُرِفَ ذَلِكَ لَكَانَتِ الصَّغَائِرُ مُبَاحَةً، وَلَكِنْ أُخْفِيَ ذَلِكَ عَلَى الْعِبَادِ، لِيَجْتَهِدَ كُل وَاحِدٍ فِي اجْتِنَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ، رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا لِلْكَبَائِرِ، وَنَظِيرُهُ إِخْفَاءُ الصَّلاَةِ الْوُسْطَى فِي الصَّلَوَاتِ، وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ (٤) .

قَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ بَعْدَمَا أَوْرَدَ بَعْضَ الْحُدُودِ: (مُقْتَضَى كَلاَمِ الإِْمَامِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْحُدُودَ السَّابِقَةَ هِيَ لِمَا عَدَا الْكُفْرَ، وَإِنْ صَحَّ

_________

(١) تبيين الحقائق للزيلعي ٤ / ٢٢٢، وفتح القدير لابن الهمام ٦ / ٣٨، وجواهر العقود للمنهاجي ٢ / ٤٣٦.

(٢) مطالب أولي النهى ٦ / ٦١٢، وفتح الباري ١٠ / ١٥٠، والفروع لابن مفلح ٦ / ٥٦٤، والزاوجر للهيتمي ١ / ٥ - ٨.

(٣) نهاية المحتاج بحاشية الشبراملسي ٨ / ٢٧٨، والزواجر ١ / ٧.

(٤) البحر المحيط ٤ / ٢٧٦.

أَنْ يُسَمَّى كَبِيرَةً بَل هُوَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ (١» .

تَعْدَادُ الْكَبَائِرِ:

٦ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَصْرِ الْكَبَائِرِ بِعَدَدٍ أَوْ عَدَمِ حَصْرِهَا.

فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّ مَا وَرَدَ مِنْهَا بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْحَصْرَ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحِكْمَةِ فِي الاِقْتِصَارِ فِي بَعْضِ الأَْحَادِيثِ عَلَى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، كَسَبْعٍ مَثَلًا بِأَجْوِبَةٍ عَدِيدَةٍ، مِنْهَا:

أ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُعْلِمَ بِالْكَبَائِرِ الْمَذْكُورَاتِ أَوَّلًا، ثُمَّ أُعْلِمَ بِمَا زَادَ، فَيَجِبُ الأَْخْذُ بِالزَّائِدِ.

ب - أَنَّ الاِقْتِصَارَ وَقَعَ بِحَسَبِ الْمَقَامِ، بِالنِّسْبَةِ لِلسَّائِل أَوْ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ (٢) .

وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى حَصْرِهَا فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ هُوَ:

أ - ثَلاَثٌ: رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ (٣) .

ب - أَرْبَعٌ: رُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَال: الْكَبَائِرُ أَرْبَعٌ: الْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالأَْمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَالشِّرْكُ بِاللَّهِ، دَل عَلَيْهَا

_________

(١) الزواجر / ٦.

(٢) تفسير ابن كثير ١ / ٤٨١ - ٤٨٦، وفتح الباري ١٠ / ١٤٩، وتفسير القرطبي ٥ / ١٦٠، والبحر المحيط للزركشي ٤ / ٢٧٦.

(٣) الزواجر ١ / ٩.

الْقُرْآنُ (١)، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الْكَبَائِرُ: الإِْشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْل النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ (٢)، وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، ذَكَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْكَبَائِرَ، أَوْ سُئِل عَنِ الْكَبَائِرِ فَقَال: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتْل النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، فَقَال: أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَال: قَوْل الزُّورِ، أَوْ شَهَادَةُ الزُّورِ (٣) .

وَأَشَارَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ إِلَى ضَبْطِ بَعْضِهِمُ الْكَبَائِرَ بِأَنَّهَا كُل فِعْلٍ نَصَّ الْكِتَابُ عَلَى تَحْرِيمِهِ (أَيْ بِصَرِيحِ التَّحْرِيمِ) وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: أَكْل لَحْمِ الْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَمَال الْيَتِيمِ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ (٤) .

ج - سَبْعٌ: وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَال: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْل النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْل الرِّبَا، وَأَكْل مَال الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ،

_________

(١) تفسير القرطبي ٥ / ١٦٠.

(٢) حديث عبد الله بن عمرو: " الكبائر: الإشراك بالله. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٦ / ٥٥٥) .

(٣) حديث أنس: " ذكر رسول الله ﷺ الكبائر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٠٥) ومسلم (١ / ٩٢) .

(٤) الزواجر ١ / ٧.

وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ (١) .

قَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْكَبَائِرَ سَبْعٌ: عَلِيٌّ ﵁، وَعَطَاءٌ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ (٢) .

د - ثَمَانٍ: وَذَلِكَ بِزِيَادَةِ (عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ) عَلَى السَّبْعِ الَّتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ.

وَقَدْ وَفَّقَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بَيْنَ عَدِّ الْكَبَائِرِ سَبْعًا، وَعَدِّهَا ثَمَانِيًا، بِاعْتِبَارِ أَكْل الرِّبَا وَأَكْل مَال الْيَتِيمِ كَبِيرَةً وَاحِدَةً، بِجَامِعِ الظُّلْمِ (٣) .

هـ - تِسْعٌ: أَشَارَ إِلَى هَذَا الزَّرْكَشِيُّ (٤) لِحَدِيثِ: الْكَبَائِرُ تِسْعٌ، وَزَادَ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ: الإِْلْحَادُ فِي الْحَرَمِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ (٥) .

وعَشْرٌ: رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

ز - أَرْبَعَ عَشْرَةَ: أَشَارَ إِلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ.

ح - خَمْسَ عَشْرَةَ: أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ (٦) .

ط - سَبْعَ عَشْرَةَ: نَقَل الْقَوْل بِذَلِكَ

_________

(١) حديث: " اجتنبوا السبع الموبقات. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٩٣) ومسلم (١ / ٩٢) .

(٢) الزواجر ١ / ٧.

(٣) فتح الباري ١٠ / ١٤٩.

(٤) البحر المحيط للزركشي ٤ / ٢٧٦ - ٢٧٧، والكبائر للذهبي ص٢.

(٥) حديث: " الكبائر تسع. . . ". أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص١٣) من حديث ابن عمر موقوفًا عليه.

(٦) الزواجر ١ / ٩.

الشَّيْخُ عُلَيْشٌ (١) .

ي - سَبْعُونَ: قَال الزَّرْكَشِيُّ: أَنْهَاهَا الذَّهَبِيُّ إِلَى سَبْعِينَ فِي جُزْءٍ صَنَّفَهُ فِي الْكَبَائِرِ.

ك - أَرْبَعُمِائَةٍ وَسَبْعٌ وَسِتُّونَ: أَنْهَى ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ الْكَبَائِرَ إِلَى هَذَا الْعَدَدِ، مِنْهَا سِتٌّ وَسِتُّونَ كَبَائِرُ بَاطِنَةٌ مِمَّا لَيْسَ لَهُ مُنَاسَبَةٌ بِخُصُوصِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، أَيْ تَتَعَلَّقُ بِأَعْمَال الْقُلُوبِ، وَالْبَاقِي كَبَائِرُ ظَاهِرَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْجَوَارِحِ (٢) .

ل - سَبْعُمِائَةٍ: رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قِيل لَهُ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ، فَقَال: هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ، وَفِي رِوَايَةٍ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ، قَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُحْمَل كَلاَمُهُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى السَّبْعِ (٣) .

قَال الْقَرَافِيُّ: مَا وَرَدَتِ السُّنَّةُ أَوِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ بِجَعْلِهِ كَبِيرَةً أَوْ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُْمَّةُ أَوْ ثَبَتَ فِيهِ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، كَقَطْعِ السَّرِقَةِ وَجَلْدِ الشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّهَا كُلَّهَا كَبَائِرُ قَادِحَةٌ فِي الْعَدَالَةِ إِجْمَاعًا وَكَذَلِكَ مَا فِيهِ وَعِيدٌ صُرِّحَ بِهِ فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي السُّنَّةِ فَنَجْعَلُهُ أَصْلًا وَنَنْظُرُ، فَمَا سَاوَى أَدْنَاهُ

_________

(١) منح الجليل شرح مختصر خليل للشيخ عليش ٤ / ٢١٩.

(٢) الزواجر ١ / ٤.

(٣) فتح الباري ١٠ / ١٤٨.

مَفْسَدَةً، أَوْ رَجَحَ عَلَيْهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ أَلْحَقْنَاهُ بِهِ (١) . . . .

أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ:

٧ - قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الْكَبَائِرَ إِلَى كَبِيرَةٍ وَأَكْبَرَ، وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ (قَال ثَلاَثًا): الإِْشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَال: أَلاَ وَقَوْل الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلاَ وَقَوْل الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ " فَمَا زَال يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لاَ يَسْكُتُ، وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ (٢)، أَيْ إِشْفَاقًا عَلَيْهِ ﷺ قَال الْحَافِظُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: " أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ " انْقِسَامُ الذُّنُوبِ إِلَى كَبِيرٍ وَأَكْبَرَ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَفَاسِدِهَا، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ هَذِهِ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ اسْتِوَاءُ رُتَبِهَا أَيْضًا فِي نَفْسِهَا (٣) .

وَقَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: حَدِيثُ " أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ " لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنَ الْحَصْرِ، بَل " مِنْ " فِيهِ مُقَدَّرَةٌ، أَيْ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي أَشْيَاءَ أُخَرَ أَنَّهَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ (٤)،

_________

(١) الفروق للقرافي ٤ / ٦٦.

(٢) حديث أبي بكرة: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٠٥) ومسلم (١ / ٩١)، والرواية الأخرى أخرجها البخاري (٥ / ٢٦١) .

(٣) إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ٢ / ٢٩٤.

(٤) فتح الباري ١٠ / ٤٢٥.

ثُمَّ ذَكَرَ الأَْحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، فَبَلَغَتْ عِشْرِينَ كَبِيرَةً، وَبَعْدَ إِسْقَاطِهِ الْمُتَدَاخِل مِنْهَا بَلَغَتْ ثَلاَثَ عَشْرَةَ هِيَ:

أ - الإِْشْرَاكُ بِاللَّهِ.

ب - عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ.

ج - قَوْل الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ (وَهَذِهِ ثَلاَثَةٌ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ) .

د - قَتْل النَّفْسِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ (١) .

هـ - الزِّنَا بِحَلِيلَةِ الْجَارِ، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ قَال: أَنْ تَجْعَل لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَال: أَنْ تَقْتُل وَلَدَكَ مِنْ أَجْل أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَال. أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ (٢) فَأَوْرَدَ هَذِهِ بَيْنَهَا.

والْيَمِينُ الْغَمُوسُ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: الْكَبَائِرُ: الإِْشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ قَال: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ (٣) .

ز - اسْتِطَالَةُ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ اسْتِطَالَةَ الْمَرْءِ

_________

(١) حديث أنس. . . سبق تخريجه ف٦.

(٢) حديث ابن مسعود: " أي الذنب أعظم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ١١٤) .

(٣) حديث عبد الله بن عمرو في الكبائر. أخرجه الترمذي (٥ / ٢٣٦) وقال: " حديث حسن صحيح ".

فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ (١) .

ح - مَنْعُ فَضْل الْمَاءِ وَمَنْعُ الْفَحْل، لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ الإِْشْرَاكَ بِاللَّهِ، وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، وَمَنْعَ فَضْل الْمَاءِ وَمَنْعَ الْفَحْل (٢) .

ط - سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ (٣) .

ي - مُضَاهَاةُ الْخِلْقَةِ بِالتَّصْوِيرِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي (٤) .

ك - اللَّدَدُ فِي الْخُصُومَةِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا: أَبْغَضُ الرِّجَال إِلَى اللَّهِ الأَْلَدُّ الْخَصِمُ (٥) .

_________

(١) حديث " استطالة المرء. . . ". عزاه ابن حجر في فتح الباري (١٠ / ١١٤) إلى ابن أبي حاتم وحسن إسناده.

(٢) حديث بريدة في منع فضل الماء والفحل. عزاه ابن حجر في الفتح (١٠ / ٤١١) إلى البزار وضعف إسناده.

(٣) حديث ابن عمر في سوء الظن بالله. عزاه ابن حجر في الفتح (١٠ / ٤١١) إلى ابن مردويه وضعف إسناده.

(٤) حديث أبي هريرة: " ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٥٢٨) .

(٥) حديث عائشة: " أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ١٨٠) ومسلم (٤ / ٢٠٥٤) .

ل - سَبُّ الأَْبَوَيْنِ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ مَرْفُوعًا: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُل وَالِدَيْهُ (١) . . . . قَال السِّيوَاسِيُّ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ، وَأَصْغَرُ الصَّغَائِرِ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَبَيْنَهُمَا وَسَائِطُ (٢) .

تَرْتِيبُ الْكَبَائِرِ مِنْ حَيْثُ الْمَفْسَدَةُ وَالضَّرَرُ:

٨ - قَال الْقَرَافِيُّ: رُتَبُ الْمَفَاسِدِ مُخْتَلِفَةٌ، وَأَدْنَى رُتَبِ الْمَفَاسِدِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْكَرَاهَةُ، ثُمَّ كُلَّمَا ارْتَقَتِ الْمَفْسَدَةُ عَظُمَتِ الْكَرَاهَةُ، حَتَّى تَكُونَ أَعْلَى رُتَبِ الْمَكْرُوهَاتِ، تَلِيهَا أَدْنَى رُتَبِ الْمُحَرَّمَاتِ، ثُمَّ تَتَرَقَّى رُتَبُ الْمُحَرَّمَاتِ حَتَّى تَكُونَ أَعْلَى رُتَبِ الصَّغَائِرِ، يَلِيهِ أَدْنَى الْكَبَائِرِ ثُمَّ تَتَرَقَّى رُتَبُ الْكَبَائِرِ بِعِظَمِ الْمَفْسَدَةِ حَتَّى تَكُونَ أَعْلَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ، يَلِيهَا الْكُفْرُ (٣) .

الْكَبِيرَةُ وَالإِْيمَانُ مِنْ حَيْثُ الزَّوَال وَالنُّقْصَانُ وَالْبَقَاءُ:

٩ - لاَ يَخْرُجُ الْمُؤْمِنُ مِنَ الإِْيمَانِ بِارْتِكَابِهِ الْكَبَائِرَ؛ لأَِنَّ أَصْل الإِْيمَانِ مِنَ التَّصْدِيقِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَالإِْيمَانُ وَالتَّصْدِيقُ مَوْجُودَانِ فِي

_________

(١) حديث عبد الله بن عمرو: " إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٠٣) ومسلم (١ / ٩٢) واللفظ للبخاري.

(٢) شرح السيواسي لرسالة الصغائر والكبائر ٣٩.

(٣) الفروق ٤ / ٦٦.