الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤
فَكَانَ مَقْصُورًا عَلَى مَا أَذِنَ لَهُ (١) .
الثَّالِثَةُ: جَاءَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ لاَ يَجُوزُ لِلْقَيِّمِ أَنْ يُؤَجِّرَ الصَّغِيرَ لِعَمَلٍ مَا، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى تَسْلِيمُهُ فِي حِرْفَةٍ. وَفِي أَدَبِ الأَْوْصِيَاءِ: لِلْوَصِيِّ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَ الْيَتِيمِ وَعَقَارَاتِهِ وَسَائِرَ أَمْوَالِهِ وَلَوْ بِيَسِيرِ الْغَبْنِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ وَلِلْحَاكِمِ أَوْ مَنْ يُقِيمُهُ أَنْ يَبِيعَ مَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ لِبَيْعِهِ مِنْ مَال الْيَتِيمِ وَالتَّسَوُّقُ بِالْمَبِيعِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يُجْبِرُ الْقَاضِي الصَّبِيَّ وَالسَّفِيهَ عَلَى الاِكْتِسَابِ إِنْ كَانَ لَهُمَا كَسْبٌ لِيَرْتَفِقَا بِهِ فِي النَّفَقَةِ وَغَيْرِهَا (٢) .
الرَّابِعَةُ: لَيْسَ لِلْقَاضِي عَزْل وَصِيِّ الأَْصْل إِنْ ضَعُفَ عَنِ الْكِفَايَةِ، بَل يَضُمُّ إِلَيْهِ مَنْ يُعِينُهُ، فَمَنْصُوبُ الأَْصْل يُحْتَفَظُ بِهِ مَا أَمْكَنَ وَلاَ يُعْزَل عَنِ التَّصَرُّفِ، وَلَهُ عَزْل الْقَيِّمِ؛ لأَِنَّهُ هُوَ الَّذِي وَلاَّهُ (٣) .
الْخَامِسَةُ: لاَ يَمْلِكُ الْقَيِّمُ الْقَبْضَ إِلاَّ بِإِذْنٍ مُبْتَدَأٍ مِنَ الْقَاضِي بَعْدَ الإِْيصَاءِ، بِخِلاَفِ وَصِيِّ الأَْصْل (٤) .
_________
(١) الشرح الصغير ٢ / ٤٧٣ ط. الحلبي، والقليوبي ٣ / ١٧٩، والمغني ٦ / ١٣٤ - ١٣٥.
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٥ / ٤٦١، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٠٠، وأسنى المطالب ٢ / ٢١٤.
(٣) روضة الطالب ٣ / ٦٧، والمغني ٦ / ١٤١، وابن عابدين ٥ / ٤٦٢، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢٩٤.
(٤) الأشباه لابن نجيم ص ٢٩٤.
السَّادِسَةُ: لِلْقَاضِي نَهْيُ الْقَيِّمِ عَنْ بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ وَلَيْسَ لَهُ نَهْيُ وَصِيِّ الْمَيِّتِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: يَسْتَوِيَانِ فِي امْتِنَاعِ مَا مَنَعَ مِنْهُمَا (١) .
(ر: وَصِيٌّ) .
السَّابِعَةُ: لَيْسَ لِلْقَيِّمِ نَصْبُ وَصِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ وَإِذَا فَعَل لاَ يَصِيرُ الثَّانِي وَصِيًّا، بِخِلاَفِ وَصِيِّ الأَْصْل، هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَال الْجُمْهُورُ: لاَ يَكُونُ وَصِيُّ وَصِيِّ الأَْصْل وَصِيًّا إِلاَّ إِذَا أَذِنَ الأَْصْل فِي حَيَاتِهِ لِوَصِيِّهِ بِذَلِكَ (٢) .
(ر: وَصِيٌّ) .
كَاتِب
انْظُرْ: تَوْثِيق
_________
(١) المغني ٦ / ١٣٥ - ١٣٦، والقليوبي ٣ / ١٧٩، ومنح الجليل ٣ / ١٧٧.
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٤٦، والأشباه لابن نجيم ص٢٩٢، والمراجع السابقة.
كَافِر
انْظُرْ: كُفْر
كَافِل
انْظُرْ: قَيِّم، وِلاَيَة
كَافُور
انْظُرْ: تَطَيُّب، تَكْفِين
كَالِئٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْكَالِئُ فِي اللُّغَةِ: النَّسِيئَةُ وَالسَّلَفُ، يُقَال: كَلأَ الدَّيْنَ يَكْلأَُ: تَأَخَّرَ فَهُوَ كَالِئٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ (١)، قَال أَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي النَّسِيئَةَ بِالنَّسِيئَةِ (٢) .
وَالْمُرَادُ بِهِ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: الدَّيْنُ.
وَيَذْكُرُونَ لَفْظَ الْكَالِئِ فِي الْكَلاَمِ عَلَى بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ مُسْتَدِلِّينَ بِالنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
فَفِي مِنَحِ الْجَلِيل أَثْنَاءَ الْكَلاَمِ عَلَى ذِكْرِ الْبُيُوعِ الْمَمْنُوعَةِ قَال: وَكَالِئٌ بِمِثْلِهِ ثُمَّ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، أَيِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ (٣) .
_________
(١) حديث: " نهى عن بيع الكالئ. . . ". أخرجه البيهقي (٥ / ٢٩٠) ط. دار المعارف العثمانية وضعفه ابن حجر في بلوغ المرام (ص١٩٣) ط. عبد المجيد حنفي.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٣) منح الجليل ٢ / ٥٦٢، وانظر منتهى الإرادات ٢ / ٢٠٠، والفروق ٣ / ٢٩٠، وإعلام الموقعين ٢ / ٨، والمهذب ١ / ٢٧٨، ومغني المحتاج ٢ / ٧١، ومنحة الخالق على البحر الرائق ٥ / ٢٨١، والحديث سبق تخريجه.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْعَيْنُ:
٢ - تُطْلَقُ الْعَيْنُ فِي اللُّغَةِ عَلَى أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ، فَمِنْهَا الْعَيْنُ الْبَاصِرَةُ، وَمِنْهَا الْعَيْنُ الْجَارِيَةُ.
وَتُطْلَقُ الْعَيْنُ أَيْضًا عَلَى مَا ضُرِبَ مِنَ الدَّنَانِيرِ، وَقَدْ يُقَال لِغَيْرِ الْمَضْرُوبِ: عَيْنٌ أَيْضًا، قَال فِي التَّهْذِيبِ وَالْعَيْنُ: النَّقْدُ، يُقَال: اشْتَرَيْتُ بِالدَّيْنِ أَوْ بِالْعَيْنِ (١) .
وَيُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ فِي اصْطِلاَحِهِمْ كَلِمَةَ الْعَيْنِ فِي مُقَابِل الدَّيْنِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الدَّيْنَ هُوَ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا مُشَخَّصًا، سَوَاءٌ كَانَ نَقْدًا أَوْ غَيْرَهُ، أَمَّا الْعَيْنُ فَهِيَ الشَّيْءُ الْمُعَيَّنُ الْمُشَخَّصُ.
قَال النَّوَوِيُّ: الْمَال الْمُسْتَحَقُّ عِنْدَ غَيْرِهِ قِسْمَانِ: دَيْنٌ، وَعَيْنٌ (٢) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ: أَنَّ الْعَيْنَ مُقَابِل الدَّيْنِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - مِنَ الْبُيُوعِ الْمَمْنُوعَةِ شَرْعًا بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، أَيْ: بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: نَهَى عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٢) المجموع للنووي ٩ / ٢٥٤ تحقيق المطيعي، والمادة (١٥٨، ١٥٩) من المجلة، والفروق ٣ / ٢٨٩.
بِالْكَالِئِ (١)، قَال ابْنُ عَرَفَةَ: تَلَقِّي الأَْئِمَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ بِالْقَبُول يُغْنِي عَنْ طَلَبِ الإِْسْنَادِ فِيهِ، وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لاَ يَجُوزُ (٢) .
وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ هِيَ - كَمَا يَقُول الْقَرَافِيُّ -: أَنَّهُ إِذَا اشْتَمَلَتِ الْمُعَامَلَةُ عَلَى شَغْل الذِّمَّتَيْنِ تَوَجَّهَتِ الْمُطَالَبَةُ مِنَ الْجِهَتَيْنِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الْخُصُومَاتِ وَالْعَدَاوَاتِ، فَمَنَعَ الشَّرْعُ مَا يُفْضِي لِذَلِكَ وَهِيَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ (٣) .
أَمَّا بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْعَيْنِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَاخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
وَالتَّفْصِيل فِي (بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ف ٥٣ - ٥٧ وَدَيْنٌ ف ٥٨ - ٦٢) .
كَاهِن
انْظُرْ: كَهَانَة
_________
(١) حديث: " نهى عن بيع الكالئ. . . ". تقدم تخريجه ف١.
(٢) التاج والإكليل للمواق بهامش الحطاب ٤ / ٣٦٧، ومنحة الخالق على البحر الرائق ٥ / ٢٨١، والمجموع شرح المهذب ١٠ / ٩٢. تحقيق المطيعي، والمغني ٤ / ٥٣ - ٥٤.
(٣) الفروق للقرافي ٣ / ٢٩٠.
كَبَائِر
التَّعْرِيفُ:
١ - الْكَبَائِرُ جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وَهِيَ لُغَةً: الإِْثْمُ (١) .
وَاصْطِلاَحًا: كَمَا قَال الْقُرْطُبِيُّ: كُل ذَنْبٍ عَظَّمَ الشَّرْعُ التَّوَعُّدَ عَلَيْهِ بِالْعِقَابِ وَشَدَّدَهُ، أَوْ عَظُمَ ضَرَرُهُ فِي الْوُجُودِ (٢) .
وَلَهَا تَعْرِيفَاتٌ أُخْرَى.
وَهُنَاكَ مَنْ عَرَّفَ الْكَبَائِرَ بِالْعَدِّ، قَال الزَّرْكَشِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي الْكَبِيرَةِ، هَل تُعَرَّفُ بِالْحَدِّ أَوْ بِالْعَدِّ، عَلَى وَجْهَيْنِ. وَبِالأَْوَّل قَال الْجُمْهُورُ (٣) .
وَقَدْ جَاءَ فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ وَكَلاَمِ الْفُقَهَاءِ التَّعْبِيرُ عَنِ الْكَبِيرَةِ أَيْضًا بِالْمُوبِقَةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ (٤) . . .، وَبِالْفَاحِشَةِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ
_________
(١) المصباح المنير للفيومي مادة (كبر) .
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير ٤ / ٥، وتفسير القرطبي ٥ / ١٦١ و١٧ / ١٠٦.
(٣) البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي ٤ / ٢٧٦.
(٤) حديث: " اجتنبوا السبع الموبقات. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٩٣) ومسلم (١ / ٩٢) من حديث أبي هريرة.
يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ خِلاَفًا لِلْحَلِيمِيِّ، فَإِنَّهُ قَسَّمَ الذُّنُوبَ إِلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ هِيَ الصَّغَائِرُ، وَالْكَبَائِرُ، وَالْفَوَاحِشُ، وَمَثَّل لِذَلِكَ بِقَتْل النَّفْسِ هُوَ كَبِيرَةٌ، فَإِنْ قَتَل ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ فَاحِشَةٌ، وَهَكَذَا تَنْقَسِمُ سَائِرُ الذُّنُوبِ عِنْدَهُ بِحَسَبِ مَا يُلاَبِسُ الذَّنْبَ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمَعْصِيَةُ:
٢ - الْمَعْصِيَةُ، أَوِ الْعِصْيَانُ لُغَةً: خِلاَفُ الطَّاعَةِ (٢) .
وَاصْطِلاَحًا: مُخَالَفَةُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، بِتَرْكِ مَا أَمَرَ بِهِ، أَوْ فِعْل مَا نَهَى عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ الذَّنْبُ كَبِيرًا أَمْ صَغِيرًا، فَهِيَ أَعَمُّ مِنَ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ (٣) .
ب - اللَّمَمُ:
٣ - مِنْ مَعَانِي (اللَّمَمِ) فِي اللُّغَةِ: صِغَارُ الذُّنُوبِ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٤) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ اللَّمَمَ قَسِيمُ الْكَبَائِرِ
_________
(١) البحر المحيط للزركشي ٤ / ٢٧٦.
(٢) القاموس، والنهاية.
(٣) الفروق للقرافي ٤ / ٦٦.
(٤) الصحاح والنهاية وتفسير القرطبي ١٧ / ١٠٦ - ١٠٧، والمغني ١٠ / ٢٣٥.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَحْرِيمِ الْكَبَائِرِ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ (١) . . . .
مَنَاطُ تَقْسِيمِ الْمَعَاصِي إِلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ.
وَضَابِطُ الْكَبِيرَةِ:
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَقْسِيمِ الْمَعَاصِي إِلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَونَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي مَدْحِ الْمُؤْمِنِينَ الأَْتْقِيَاءِ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ .
وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ: أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ (٢) . . .، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَْحَادِيثِ.
وَقَدْ قَال الْغَزَالِيُّ: إِنْكَارُ الْفَرْقِ بَيْنَ
_________
(١) حديث: " اجتنبوا السبع الموبقات. . . ". سبق تخريجه ف١.
(٢) حديث: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٠٥) ومسلم (١ / ٩١) من حديث أبي بكرة.
الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ لاَ يَلِيقُ بِالْفَقِيهِ (١) .
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ، كَأَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ (الْبَاقِلاَّنِيِّ)، وَأَبِي إِسْحَاقَ الإِْسْفَرَايِينِيِّ، وَأَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ، وَأَبِي نَصْرٍ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقُشَيْرِيِّ، وَهُوَ مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ، وَنَسَبَهُ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى الأَْشْعَرِيَّةِ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَعَاصِي كَبَائِرُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَنْ عُصِيَ سُبْحَانَهُ، فَكُلُّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَلاَلِهِ كَبَائِرُ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَعْظَمَ وَقْعًا مِنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا يُقَال لِبَعْضِهَا صَغَائِرُ بِالإِْضَافَةِ إِلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا، كَالْقُبْلَةِ الْمُحَرَّمَةِ صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزِّنَا، لاَ أَنَّهَا صَغِيرَةٌ فِي نَفْسِهَا (٢)، كَمَا اسْتَدَلُّوا بِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: كُل مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كَبِيرَةٌ (٣) .
وَقَال الْقَرَافِيُّ: الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ فِي الْمَعَاصِي لَيْسَ مِنْ جِهَةِ مَنْ عَصَى، بَل مِنْ جِهَةِ الْمَفْسَدَةِ الْكَائِنَةِ فِي ذَلِكَ الْفِعْل، فَالْكَبِيرَةُ مَا عَظُمَتْ مَفْسَدَتُهَا، وَالصَّغِيرَةُ مَا قَلَّتْ مَفْسَدَتُهَا (٤) .
أَمَّا ضَابِطُ الْكَبِيرَةِ، فَقَدْ قَال
_________
(١) فتح الباري ١٠ / ٤٢٣، والزواجر ١ / ٥.
(٢) تفسير القرطبي ٥ / ١٥٩، والفروق للقرافي ٤ / ٦٦، والزواجر ١ / ٥، وفتح الباري ١٠ / ٤٢٤.
(٣) أثر ابن عباس: " كل ما نهى الله عنه كبيرة ". أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥ / ٤٠) .
(٤) الفروق للقرافي ٤ / ٦٦.