الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 28

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

لاَ يَجُوزَ السَّلَمُ فِيهَا؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الأَْمْثَال لِلتَّفَاوُتِ الْفَاحِشِ بَيْنَ ثَوْبٍ وَثَوْبٍ، وَلِهَذَا لَمْ تُضْمَنْ بِالْمِثْل فِي ضَمَانِ الْعَدَدِيَّاتِ بَل بِالْقِيمَةِ فَأَشْبَهَ السَّلَمَ فِي اللآَّلِئِ وَالْجَوَاهِرِ إِلاَّ أَنَّا اسْتَحْسَنَّا الْجَوَازَ لِقَوْل اللَّهِ ﷿ فِي آيَةِ الدَّيْنِ: ﴿وَلاَ تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾، وَالْمَكِيل وَالْمَوْزُونُ لاَ يُقَال فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَإِنَّمَا يُقَال ذَلِكَ فِي الذَّرْعِيَّاتِ وَالْعَدَدِيَّاتِ؛ وَلأَِنَّ النَّاسَ تَعَامَلُوا السَّلَمَ فِي الثِّيَابِ لِحَاجَتِهِمْ إِلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى الْجَوَازِ فَيُتْرَكُ الْقِيَاسُ بِمُقَابَلَتِهِ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا بُيِّنَ جِنْسُهُ وَصِفَتُهُ وَنَوْعُهُ وَطُولُهُ وَعَرْضُهُ يَتَقَارَبُ التَّفَاوُتُ فَيُلْحَقُ بِالْمِثْل فِي بَابِ السَّلَمِ لِحَاجَةِ النَّاسِ (١) .

(ر: سَلَمٌ ف ٢١)

٦ - وَاخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ فِيمَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالصِّفَاتِ مِنَ الْقِيَمِيَّاتِ فَيَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ وَمَا لاَ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالصِّفَاتِ فَلاَ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ.

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ كُل الْقِيَمِيَّاتِ يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا؛ لأَِنَّهَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا بِالصِّفَاتِ، وَلِذَلِكَ أَجَازُوا السَّلَمَ فِي الثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَاللُّؤْلُؤِ وَالْجَوَاهِرِ الْكَبِيرَةِ؛ لأَِنَّ كُل ذَلِكَ يُمْكِنُ

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٠٨ - ٢٠٩.

ضَبْطُهُ بِالصِّفَاتِ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا فِي اللُّؤْلُؤِ: يُمْكِنُ حَصْرُ صِفَتِهِ بِذِكْرِ جِنْسِهِ وَعَدَدِهِ وَوَزْنِ كُل حَبَّةٍ وَبَيَانِ صِفَتِهَا وَهَكَذَا (١) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الثِّيَابِ وَالأَْصْوَافِ وَالأَْخْشَابِ وَالأَْحْجَارِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ عِنْدَهُمْ ضَبْطُهُ بِالْوَصْفِ كَمَا أَجَازُوا السَّلَمَ فِي الْحَيَوَانِ، قَالُوا:؛ لأَِنَّهُ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ قَرْضًا بِحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِل الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُل بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَال: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَّ خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَال: أَعْطِهِ إِيَّاهُ. إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً (٢) فَقِيسَ السَّلَمُ عَلَى الْقَرْضِ، وَلَمْ يُجِيزُوا السَّلَمَ فِي الْجَوَاهِرِ كَاللُّؤْلُؤِ وَالْعَقِيقِ وَالْيَاقُوتِ وَلاَ فِي الْجُلُودِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالْوَصْفِ (٣) .

وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي السَّلَمِ فِي الأَْشْيَاءِ الْقِيَمِيَّةِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ، فَرُوِيَ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالْجُوزَجَانِيِّ؛ لِمَا

_________

(١) جواهر الإكليل ٢ / ٧٢ - ٧٣، حاشية الدسوقي ٣ / ٢١٥.

(٢) حديث: " أن النبي ﷺ استسلف من رجل بكرًا. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢٢٤) .

(٣) المهذب ١ / ٣٠٤، ومغني المحتاج ٢ / ١٠٧ - ١١٠.

رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَال: إِنَّ مِنَ الرِّبَا أَبْوَابًا لاَ تَخْفَى وَإِنَّ مِنْهَا السَّلَمَ فِي السِّنِّ؛ وَلأَِنَّ الْحَيَوَانَ يَخْتَلِفُ اخْتِلاَفًا مُتَبَايِنًا فَلاَ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ السَّلَمِ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الأَْثْرَمِ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَمِمَّنْ رَوَيْنَا عَنْهُ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ؛ وَلأَِنَّ أَبَا رَافِعٍ قَال: اسْتَسْلَفَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا؛ وَلأَِنَّهُ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ صَدَاقًا فَثَبَتَ فِي السَّلَمِ كَالثِّيَابِ.

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي السَّلَمِ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ مِمَّا لاَ يُكَال وَلاَ يُوزَنُ وَلاَ يُذْرَعُ فَنَقَل إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَال: لاَ أَرَى السَّلَمَ إِلاَّ فِيمَا يُكَال أَوْ يُوزَنُ أَوْ يُوقَفُ عَلَيْهِ، قَال أَبُو الْخَطَّابِ: مَعْنَاهُ يُوقَفُ عَلَيْهِ بِحَدٍّ مَعْلُومٍ لاَ يَخْتَلِفُ كَالذَّرْعِ، فَأَمَّا الرُّمَّانُ وَالْبَيْضُ فَلاَ أَرَى السَّلَمَ فِيهِ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ وَعَنْ إِسْحَاقَ: أَنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي الرُّمَّانِ وَالسَّفَرْجَل وَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُكَال وَلاَ يُوزَنُ وَمِنْهُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لاَ يَصِحُّ السَّلَمُ فِي كُل مَعْدُودٍ مُخْتَلِفٍ كَالْبُقُول؛ لأَِنَّهُ يَخْتَلِفُ وَلاَ يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْبَقْل بِالْحُزَمِ؛ لأَِنَّ

الْحُزَمَ يُمْكِنُ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فَلَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ فِيهِ كَالْجَوَاهِرِ، وَنَقَل إِسْمَاعِيل بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ مَنْصُورٍ جَوَازَ السَّلَمِ فِي الْفَوَاكِهِ وَالسَّفَرْجَل وَالرُّمَّانِ وَالْمَوْزِ وَالْخَضْرَاوَاتِ وَنَحْوِهَا؛ لأَِنَّ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يَتَقَارَبُ وَيَنْضَبِطُ بِالصِّغَرِ وَالْكُبْرِ، وَمَا لاَ يَتَقَارَبُ يَنْضَبِطُ بِالْوَزْنِ (١) .

ب - الْقَرْضُ:

٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَرْضِ الأَْشْيَاءِ الْقِيَمِيَّةِ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَصِحُّ قَرْضُ الْقِيَمِيَّاتِ كَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ وَكُل شَيْءٍ مُتَفَاوِتٍ؛ لأَِنَّ الْقَرْضَ إِعَارَةٌ ابْتِدَاءً حَتَّى صَحَّ بِلَفْظِهَا، مُعَاوَضَةٌ انْتِهَاءً؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ إِلاَّ بِاسْتِهْلاَكِ عَيْنِهِ فَيَسْتَلْزِمُ إِيجَابَ الْمِثْل فِي الذِّمَّةِ، وَهَذَا لاَ يَتَأَتَّى فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ، قَال فِي الْبَحْرِ: وَلاَ يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجِبُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، وَيَمْلِكُهُ الْمُسْتَقْرِضُ بِالْقَبْضِ الصَّحِيحِ، وَالْمَقْبُوضُ بِقَرْضٍ فَاسِدٍ يَتَعَيَّنُ لِرَدٍّ، وَفِي الْقَرْضِ الْجَائِزِ لاَ يَتَعَيَّنُ بَل يُرَدُّ الْمِثْل وَإِنْ كَانَ قَائِمًا.

وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ قَرْضَ مَا لاَ يَجُوزُ قَرْضُهُ مِنَ الْقِيَمِيَّاتِ يُعْتَبَرُ عَارِيَّةً مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَجِبُ رَدُّ عَيْنِهِ (٢) .

_________

(١) المغني ٤ / ٣٠٧ - ٣٠٩.

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٧١ - ١٧٢.

وَفِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ الْقِيَمِيَّاتِ الَّتِي لاَ تَنْضَبِطُ أَوْ يَنْدُرُ وُجُودُهَا لاَ يَجُوزُ قَرْضُهَا؛ لأَِنَّهُ يَتَعَذَّرُ أَوْ يَتَعَسَّرُ رَدُّ الْمِثْل، وَرَدُّ الْمِثْل هُوَ الْوَاجِبُ فِي الأَْظْهَرِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ قَرْضُ الْقِيَمِيَّاتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ رَدُّ مِثْل الْمُتَقَوِّمِ صُورَةً؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا وَرَدَّ رَبَاعِيًا (١)؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ وَجَبَتِ الْقِيمَةُ لاَفْتَقَرَ إِلَى الْعِلْمِ بِهَا (٢) .

قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَرْضُ كُل شَيْءٍ وَاسْتِقْرَاضُهُ جَائِزٌ مِنَ الْعُرُوضِ وَالْعَيْنِ وَالْحَيَوَانِ (٣) .

ج - الشَّرِكَةُ:

٨ - لاَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَال الشَّرِكَةِ مِنَ الأَْمْوَال الْقِيَمِيَّةِ؛ لِتَعَذُّرِ الْخَلْطِ فِي الْمُتَقَوَّمَاتِ؛ لأَِنَّهَا أَعْيَانٌ مُتَمَيِّزَةٌ، حِينَئِذٍ تَتَعَذَّرُ الشَّرِكَةُ؛ لأَِنَّ بَعْضَهَا قَدْ يَتْلَفُ فَيَذْهَبُ عَلَى صَاحِبِهِ وَحْدَهُ؛ وَلأَِنَّهَا تَقْتَضِي الرُّجُوعَ عِنْدَ فَسْخِهَا بِرَأْسِ الْمَال أَوْ مِثْلِهِ، وَلاَ مِثْل لَهَا يُرْجَعُ إِلَيْهِ

_________

(١) حديث: " أن النبي ﷺ استسلف بكرًا. . . ". سبق تخريجه ف٦.

(٢) مغني المحتاج ٢ / ١١٩، والمغني ٤ / ٣٥٠، وكشاف القناع ٣ / ٣١٤ - ٣١٥.

(٣) الكافي لابن عبد البر ٢ / ٧٢٨.

وَقِيمَتُهَا لاَ يَجُوزُ عَقْدُهَا عَلَيْهَا؛ لأَِنَّهَا قَدْ تَزِيدُ فِي أَحَدِهِمَا قَبْل بَيْعِهِ فَيُشَارِكُهُ الآْخَرُ فِي الْعَيْنِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ وَثَمَنُهَا مَعْدُومٌ حَال الْعَقْدِ وَغَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُمَا (١) .

وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ فِي الْمُتَقَوِّمِ كَالْعُرُوضِ وَالأَْعْيَانِ، وَكُلٌّ بِالْقِيمَةِ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (شَرِكَةٌ ف ٤٤) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ٥٩، وجواهر الإكليل ٢ / ١١٦، ونهاية المحتاج ٥ / ٦، ومنتهى الإرادات ٢ / ٣٢٠.

قَيِّمٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْقَيِّمُ فِي اللُّغَةِ: مَنْ قَامَ بِالأَْمْرِ قِيَامًا وَقَوْمًا: اهْتَمَّ بِهِ بِالرِّعَايَةِ وَالْحِفْظِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، وَالْقَوَّامُ اسْمٌ لِمَنْ يَكُونُ مُبَالِغًا فِي الْقِيَامِ بِالأَْمْرِ، وَقَيِّمُ الْيَتِيمِ هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِأَمْرِهِ، وَيَتَعَهَّدُ شُئُونَهُ بِالرِّعَايَةِ وَالْحِفْظِ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ مَنْ يُعَيِّنُهُ الْحَاكِمُ لِتَنْفِيذِ وَصَايَا مَنْ لَمْ يُوصِ مُعَيَّنًا لِتَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ، وَالْقِيَامِ بِأَمْرِ الْمَحْجُورِينَ مِنْ أَوْلاَدِهِ مِنْ أَطْفَالٍ، وَمَجَانِينَ وَسُفَهَاءَ، وَحِفْظِ أَمْوَال الْمَفْقُودِينَ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُمْ وَكِيلٌ (٢) .

وَيُسَمِّيهِ الْمَالِكِيَّةُ: مُقَدَّمَ الْقَاضِي أَوْ نَائِبَ الْقَاضِي (٣)

_________

(١) لسان العرب.

(٢) المحلي مع القليوبي ٣ / ١٧٧.

(٣) الخرشي ٥ / ٢٩٧، والدسوقي ٣ / ٢٩٩.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْوَصِيُّ:

٢ - الْوَصِيُّ هُوَ مَنْ يَعْهَدُ إِلَيْهِ الأَْبُ أَوِ الْجَدُّ أَوِ الْقَاضِي بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ مَوْتِ الأَْبِ أَوِ الْجَدِّ فِيمَا كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ شُئُونِهِ: كَقَضَاءِ دُيُونِهِ وَاقْتِضَائِهَا، وَرَدِّ الْمَظَالِمِ وَالْوَدَائِعِ، وَاسْتِرْدَادِهَا، وَتَنْفِيذِ وَصَايَاهُ وَالْوِلاَيَةِ عَلَى أَوْلاَدِهِ الَّذِينَ لَهُ الْوِلاَيَةُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَطْفَالٍ وَمَجَانِينَ وَسُفَهَاءَ، وَالنَّظَرِ فِي أَمْوَالِهِمْ، بِحِفْظِهَا وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا بِمَا لَهُمْ فِيهِ الْحَظُّ (١) .

وَالصِّلَةُ أَنَّ الْوَصِيَّ أَعَمُّ مِنَ الْقَيِّمِ.

ب - الْوَكِيل:

٣ - الْوَكِيل هُوَ مَنْ يَقُومُ بِشُئُونِ الْغَيْرِ بِتَفْوِيضٍ مِنْهُ فِي حَال حَيَاتِهِ (٢)، وَالْوَكِيل يُنَصِّبُهُ الشَّخْصُ فِي حَال حَيَاتِهِ، وَالْقَيِّمُ يُنَصِّبُهُ الْقَاضِي. الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقَيِّمِ:

يَتَعَلَّقُ بِالْقَيِّمِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

تَرْتِيبُهُ فِي وِلاَيَةِ الْمَحْجُورِينَ:

٤ - وِلاَيَةُ الْقَيِّمِ، بَعْدَ وِلاَيَةِ الأَْبِ، وَالْجَدِّ، وَوَصِيِّهِمَا وَوَصِيِّ وَصِيِّهِمَا مُطْلَقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْهُ الْوَلِيُّ مِنَ الإِْيصَاءِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ،

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٤٦١، ومغني المحتاج ٣ / ٧٤، والمحلي ٣ / ١٧٧، والمغني ٦ / ١٣٤ - ١٣٥.

(٢) مغني المحتاج ٢ / ٢١٧، والدسوقي ٣ / ٢٩٦.

وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ فِي الإِْيصَاءِ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهُ: يَسْتَفِيدُهَا مِنَ الْقَاضِي، وَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ هَؤُلاَءِ (١)، لِخَبَرِ: السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ (٢)؛ وَلأَِنَّ الأُْبُوَّةَ دَاعِيَةٌ إِلَى كَمَال النَّظَرِ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ لِوُفُورِ شَفَقَةِ الأَْبِ، وَوَصِيُّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ؛ لأَِنَّهُ اخْتَارَهُ وَرَضِيَهُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَا اخْتَارَهُ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ إِلاَّ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ شَفَقَتَهُ عَلَى وَرَثَتِهِ مِثْل شَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ وَكَذَا الْجَدُّ، وَوَصِيُّهُ؛ وَلأَِنَّ شَفَقَةَ الأَْبِ وَالْجَدِّ تَنْشَأُ عَنِ الْقَرَابَةِ، وَوَصِيُّهُمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا، بِخِلاَفِ الْقَاضِي وَوَصِيِّهِ، فَإِنَّهَا تَنْشَأُ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ الْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ وَالتَّقْوَى فَتَأَخَّرَتْ وِلاَيَتُهُ عَنْ وِلاَيَتِهِمَا، وَوَصِيُّهُ نَائِبٌ عَنْهُ (٣) .

تَصَرُّفَاتُ الْقَيِّمِ:

٥ - الْقَيِّمُ كَوَصِيِّ الْمَيِّتِ فِي التَّصَرُّفَاتِ (٤) إِلاَّ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل ذَكَرَهَا الْحَنَفِيَّةُ، وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ فِي مُعْظَمِهَا.

الأُْولَى: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَيِّمِ الشِّرَاءُ لِنَفْسِهِ وَلاَ أَنْ يَبِيعَ مِمَّنْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَهُ، بِخِلاَفِ

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٥٥، والشرح الصغير وحاشية الصاوي ٢ / ٤٧٤ ط. الحلبي، ومغني المحتاج ٢ / ١٧٣، ٣ / ٧٦، والمحلي ٣ / ٣٠٤، والروض المربع ٢ / ٢٤٩.

(٢) حديث: " السلطان ولي من لا ولي له ". أخرجه الترمذي (٣ / ٣٩٩) من حديث أبي موسى وقال: حديث حسن.

(٣) بدائع الصنائع ٥ / ١٥٢، والدسوقي ٣ / ٢٩٩، والمغني ٦ / ١٤١، والمحلي ٣ / ١٧٩.

(٤) القليوبي ٢ / ٣٠٤.

وَصِيِّ الأَْصْل فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِيهِ لِلْمَحْجُورِ غِبْطَةٌ ظَاهِرَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَشْتَرِي الْوَصِيُّ مُطْلَقًا مِنَ التَّرِكَةِ عَلَى جِهَةِ الْكَرَاهَةِ؛ لأَِنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى الْمُحَابَاةِ فَإِنِ اشْتَرَى شَيْئًا مِنَ التَّرِكَةِ تَعَقَّبَهُ الْحَاكِمُ بِالنَّظَرِ فِي الْمَصْلَحَةِ فَإِنْ كَانَ صَوَابًا أَمْضَاهُ وَإِلاَّ رَدَّهُ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ لِلْوَصِيِّ بَيْعُ مَال الْمُوصَى عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ وَلاَ بَيْعُ مَال نَفْسِهِ لَهُ، وَالْقَاضِي وَأَمِينُهُ كَالْوَصِيِّ، وَالْمَجْنُونُ وَالسَّفِيهُ كَالطِّفْل أَمَّا الأَْبُ وَالْجَدُّ فَلَهُمَا ذَلِكَ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَصِحُّ أَنْ يَبِيعَ وَلِيُّ صَغِيرٍ وَسَفِيهٍ وَمَجْنُونٍ مِنْ مَال مُوَلِّيهِ لِنَفْسِهِ أَوْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ؛ لأَِنَّهُ مَظِنَّةُ التُّهْمَةِ أَمَّا الأَْبُ فَلَهُ ذَلِكَ (٣) .

الثَّانِيَةُ: إِذَا خَصَّصَ الْقَاضِي وِلاَيَةَ الْقَيِّمِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ تَخَصَّصَ بِهِ فَلاَ يُجَاوِزُهُ، بِخِلاَفِ وَصِيِّ الأَْصْل.

وَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: لَيْسَ لِلْوَصِيِّ مُطْلَقًا أَنْ يَتَجَاوَزَ مَا خَصَّصَ لَهُ الْمُوصِي فِي التَّصَرُّفَاتِ وَلاَ يَكُونُ وَصِيًّا فِي غَيْرِ مَا خَصَّصَ لَهُ الْمُوصِي؛ لأَِنَّهُ اسْتَفَادَ التَّصَرُّفَ بِإِذْنِ الْمُوصِي

_________

(١) الشرح الصغير ٢ / ٤٧٦ ط. الحلبي.

(٢) أسنى المطالب ٢ / ٢١٢.

(٣) مطالب أولي النهى ٣ / ٤٠٨، ٤٠٩.