الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤
قَيْلُولَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْقَيْلُولَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنْ قَال يَقِيل قَيْلًا وَقَيْلُولَةً، وَقَائِلَةً: نَامَ نِصْفَ النَّهَارِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: الْقَيْلُولَةُ هِيَ النَّوْمُ قَبْل الزَّوَال (٢) .
وَقَال الْعَيْنِيُّ: الْقَيْلُولَةُ مَعْنَاهَا النَّوْمُ فِي الظَّهِيرَةِ (٣) .
وَقَال الْمُنَاوِيُّ: الْقَيْلُولَةُ: النَّوْمُ وَسْطَ النَّهَارِ عِنْدَ الزَّوَال وَمَا قَارَبَهُ مِنْ قَبْل أَوْ بَعْدُ (٤) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - نَوْمُ الْقَائِلَةِ مُسْتَحَبٌّ (٥) .
قَال الْمَوْصِلِيُّ: تُسْتَحَبُّ الْقَيْلُولَةُ (٦) .
_________
(١) القاموس المحيط، والمصباح المنير.
(٢) الإقناع للشربيني الخطيب ١ / ١٠٦.
(٣) عمدة القاري ٦ / ٢٠١.
(٤) فيض القدير ١ / ٤٩٤.
(٥) عمدة القاري ٦ / ٢٥٣.
(٦) الاختيار ٤ / ١٦٨.
قَال ﵊: قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لاَ تَقِيل (١)، وَقَال: اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ، وَبِالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْل (٢)، يَعْنِي الصَّلاَةَ فِيهِ. وَهُوَ التَّهَجُّدُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ ذِكْرٍ وَقِرَاءَةٍ فَإِنَّ النَّفْسَ إِذَا أَخَذَتْ حَظَّهَا مِنْ نَوْمِ النَّهَارِ اسْتَقْبَلَتِ السَّهَرَ بِنَشَاطٍ وَقُوَّةِ انْبِسَاطٍ، فَأَفَادَ نَدْبَ التَّسَحُّرِ وَالنَّوْمِ وَسْطَ النَّهَارِ وَبِقَصْدِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ (٣) .
وَقَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: يُسَنُّ لِلْمُتَهَجِّدِ الْقَيْلُولَةُ وَهِيَ النَّوْمُ قَبْل الزَّوَال وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السُّحُورِ لِلصَّائِمِ (٤) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: نَوْمٌ) .
الاِسْتِئْذَانُ لِلدُّخُول وَقْتَ الْقَيْلُولَةِ:
٣ - وَقْتُ الْقَائِلَةِ هُوَ مِنَ الأَْوْقَاتِ الَّتِي تَقْتَضِي عَادَةُ النَّاسِ الاِنْكِشَافَ فِيهَا وَمُلاَزَمَةَ التَّعَرِّي، وَهِيَ ثَلاَثَةُ أَوْقَاتٍ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿مِنْ قَبْل صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ
_________
(١) حديث: " قيلوا فإن الشياطين لا تقيل ". أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في ذكر أخبار أصبهان (١ / ١٩٥) من حديث أنس بن مالك.
(٢) حديث: " استعينوا بطعام السحر على صيام النهار ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٥٤٠) من حديث ابن عباس، وأورده البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٣٠٢)، وذكر أن في إسناده راويًا ضعيفًا.
(٣) فيض القدير ١ / ٤٩٤، والآداب للبيهقي ص٢٧٧.
(٤) القناع ١ / ١٠٦.
الْعِشَاءِ﴾، فَمَا قَبْل الْفَجْرِ وَقْتُ انْتِهَاءِ النَّوْمِ وَوَقْتُ وَضْعِ ثِيَابِ النَّوْمِ وَلُبْسِ ثِيَابِ النَّهَارِ، وَوَقْتُ الْقَائِلَةِ وَقْتُ التَّجَرُّدِ أَيْضًا وَهِيَ الظَّهِيرَةُ، وَبَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ وَقْتُ التَّعَرِّي لِلنَّوْمِ فَالتَّكَشُّفُ غَالِبٌ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ، يُرْوَى أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعَثَ غُلاَمًا مِنَ الأَْنْصَارِ يُقَال لَهُ مُدْلِجٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ ظَهِيرَةً لِيَدْعُوَهُ فَوَجَدَهُ نَائِمًا قَدْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ فَدَقَّ الْغُلاَمُ الْبَابَ فَنَادَاهُ وَدَخَل فَاسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَجَلَسَ فَانْكَشَفَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَقَال عُمَرُ: وَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ نَهَى أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا وَخَدَمَنَا عَنِ الدُّخُول عَلَيْنَا فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ إِلاَّ بِإِذْنٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ هَذِهِ الآْيَةَ قَدْ أُنْزِلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْل صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾، فَخَرَّ سَاجِدًا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى (١)، فَقَدْ أَدَّبَ اللَّهُ ﷿ عِبَادَهُ فِي هَذِهِ الآْيَةِ بِأَنْ يَكُونَ الْعَبِيدُ إِذْ لاَ بَال لَهُمْ، وَالأَْطْفَال الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ إِلاَّ أَنَّهُمْ عَقَلُوا مَعَانِيَ الْكَشْفَةِ
_________
(١) سبب نزول آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) . أورده القرطبي في تفسيره (١٢ / ٣٠٤) ولم يعزه إلى أي مصدر، وأورده البغوي في تفسيره (٣ / ٣٣٥) مختصرًا بدون إسناد.
وَنَحْوَهَا يَسْتَأْذِنُونَ عَلَى أَهْلِيهِمْ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ الثَّلاَثَةِ وَهِيَ الأَْوْقَاتُ الَّتِي تَقْتَضِي عَادَةُ النَّاسِ الاِنْكِشَافَ فِيهَا وَمُلاَزَمَةَ التَّعَرِّي (١) .
ثُمَّ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي هَذِهِ الآْيَةِ هَل هِيَ مُحْكَمَةٌ أَوْ مَنْسُوخَةٌ؟ فَقَال ابْنُ عُمَرَ ﵄: هِيَ مُحْكَمَةٌ: يَعْنِي فِي الرِّجَال خَاصَّةً، وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَدْ ذَهَبَ حُكْمُهَا. رَوَى عِكْرِمَةُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَهْل الْعِرَاقِ سَأَلُوا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، كَيْفَ تَرَى فِي هَذِهِ الآْيَةِ الَّتِي أُمِرْنَا فِيهَا بِمَا أُمِرْنَا فَلاَ يَعْمَل بِهَا أَحَدٌ، قَوْل اللَّهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ. . .﴾، وَقَرَأَهَا. فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ بِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ يُحِبُّ السَّتْرَ وَكَانَ النَّاسُ لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سُتُورٌ وَلاَ حِجَالٌ (٢)، فَرُبَّمَا دَخَل الْخَادِمُ أَوْ وَلَدُهُ أَوْ يَتِيمُهُ، وَالرَّجُل عَلَى أَهْلِهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِالاِسْتِئْذَانِ فِي تِلْكَ الْعَوْرَاتِ. فَجَاءَهُمُ اللَّهُ بِالسُّتُورِ وَالْخَيْرِ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَعْمَل بِذَلِكَ (٣) .
_________
(١) تفسير القرطبي ١٢ / ٣٠٤.
(٢) الحجال: جمع الحجلة - بالتحريك - وهو بيت كالقبة يستر بالثياب.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي (٣ / ١٣٨٤) .
قِيمَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْقِيمَةُ فِي اللُّغَةِ: الثَّمَنُ الَّذِي يُقَوَّمُ بِهِ الْمَتَاعُ، وَالْقِيمَةُ وَاحِدَةُ الْقِيَمِ، وَهِيَ ثَمَنُ الشَّيْءِ بِالتَّقْوِيمِ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مَا قُوِّمَ بِهِ الشَّيْءُ بِمَنْزِلَةِ الْمِعْيَارِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلاَ نُقْصَانٍ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الثَّمَنُ:
٢ - الثَّمَنُ فِي اللُّغَةِ: الْعِوَضُ، وَالْجَمْعُ أَثْمَانٌ، وَثَمَّنْتُهُ تَثْمِينًا: جَعَلْتُ لَهُ ثَمَنًا، وَالثَّمَنُ: اسْمٌ لِمَا يَأْخُذُهُ الْبَائِعُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَبِيعِ، عَيْنًا كَانَ أَوْ سِلْعَةً، كُل مَا يَحْصُل عِوَضًا عَنْ شَيْءٍ فَهُوَ ثَمَنُهُ (٣) .
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: مَا يَبْذُلُهُ الْمُشْتَرِي مِنْ عِوَضٍ لِلْحُصُول عَلَى الْمَبِيعِ، وَتُطْلَقُ الأَْثْمَانُ أَيْضًا عَلَى الدَّرَاهِمِ
_________
(١) المصباح المنير، ولسان العرب، وتاج العروس.
(٢) جواهر الإكليل ٢ / ٢١. وحاشية ابن عابدين ٤ / ٥١، ١٦٦.
(٣) لسان العرب، والمصباح المنير، وتاج العروس.
وَالدَّنَانِيرِ (١) .
وَعَلَى ذَلِكَ فَالثَّمَنُ مَا يَقَعُ بِهِ التَّرَاضِي بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ سَوَاءٌ أَكَانَ مُسَاوِيًا لِلْقِيمَةِ أَمْ أَزْيَدَ مِنْهَا أَمْ أَنْقَصَ.
ب - السِّعْرُ:
٣ - السِّعْرُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الَّذِي يُقَوَّمُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، وَالْجَمْعُ أَسْعَارٌ، وَقَدْ سَعَّرُوا: اتَّفَقُوا عَلَى سِعْرٍ، وَسَعَّرْتُ الشَّيْءَ تَسْعِيرًا: جَعَلْتُ لَهُ سِعْرًا مَعْلُومًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ.
وَيُقَال: لَهُ سِعْرٌ: إِذَا زَادَتْ قِيمَتُهُ، وَلَيْسَ لَهُ سِعْرٌ: إِذَا أَفْرَطَ رُخْصُهُ، وَسِعْرُ السُّوقِ: مَا يَكُونُ شَائِعًا بَيْنَ التُّجَّارِ، وَالتَّسْعِيرُ: تَقْدِيرُ السُّلْطَانِ لِلنَّاسِ سِعْرًا مُحَدَّدًا (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلَفْظِ سِعْرٍ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) .
وَعَلَى ذَلِكَ فَالسِّعْرُ: مَا يُحَدِّدُهُ الْبَائِعُ ثَمَنًا لِلسِّلْعَةِ أَوْ مَا يُحَدِّدُهُ السُّلْطَانُ.
أَمَّا الْقِيمَةُ فَهِيَ مَا يُسَاوِيهِ الشَّيْءُ فِي تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ.
ج - الْمِثْل:
٤ - الْمِثْل فِي اللُّغَةِ: الشَّبَهُ، يُقَال: هَذَا مِثْلُهُ
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ١٣٤، والبحر الرائق ٥ / ٢٧٧.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، وتاج العروس.
(٣) شرح منتهى الإرادات ٢ / ١٥٦ - ١٥٧، وقواعد الفقه للبركتي ص٣٢١، وأسنى المطالب ٢ / ٣٨.
وَمَثَلُهُ كَمَا يُقَال: شَبِيهُهُ وَشَبَهُهُ (١) .
وَيُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ الْمِثْلِيَّ عَلَى مَا تَمَاثَلَتْ آحَادُهُ وَأَجْزَاؤُهُ مِنَ الأَْمْوَال بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ دُونَ فَرْقٍ يُعْتَدُّ بِهِ.
وَفِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: هُوَ مَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي السُّوقِ بِدُونِ تَفَاوُتٍ يُعْتَدُّ بِهِ، وَهُوَ يَشْمَل الْمَكِيلاَتِ وَالْمَوْزُونَاتِ وَالْمَعْدُودَاتِ، وَالْمِثْلِيُّ مِنَ الأَْمْوَال قَسِيمُ الْقِيَمِيِّ (٢) .
وَعَلَى ذَلِكَ فَالْقِيمَةُ يُقَدَّرُ بِهَا الأَْشْيَاءُ الْقِيَمِيَّةُ، أَمَّا الْمِثْل فَيُقَدَّرُ بِهِ الْمِثْلِيَّاتُ.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِيمَةِ مِنْ أَحْكَامٍ:
مَا تَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ:
تَجِبُ الْقِيمَةُ فِيمَا يَأْتِي:
أَوَّلًا - فِي الأَْشْيَاءِ الْقِيَمِيَّةِ إِذَا وَجَبَ ضَمَانُهَا:
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ:
أ - الْمَبِيعُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ:
٥ - الْبَيْعُ الْفَاسِدُ وَاجِبُ الْفَسْخِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَجِبُ رَدُّ الْمَبِيعِ إِلَى الْبَائِعِ، وَرَدُّ الثَّمَنِ إِلَى الْمُشْتَرِي، فَإِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَكَانَ قِيَمِيًّا كَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ وَالْعَقَارِ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهُ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٢) مجلة الأحكام العدلية مادة ١٤٥ - ١٤٦، وبدائع الصنائع ٥ / ١٥٨ و٧ / ١٥٠ - ١٥١، ومغني المحتاج ٢ / ٢٨١.
الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَأَبِي طَالِبٍ.
وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُول عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ يُضْمَنُ بِالْمُسَمَّى، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَقَال: إِنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ (١) .
وَيُفَصِّل الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ الْمُخْتَلَفِ فِي فَسَادِهِ وَبَيْنَ الْفَاسِدِ الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ.
فَفِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ الْمُخْتَلَفِ فِي فَسَادِهِ - وَلَوْ خَارِجَ الْمَذْهَبِ - إِذَا فَاتَ الْمَبِيعُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ إِلاَّ مَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ إِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا، وَمِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَهَذَا مَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَهِيَ طَرِيقَةُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَأَصْلُهَا لاِبْنِ يُونُسَ وَعَزَاهَا لاِبْنِ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ.
وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ لاِبْنِ رُشْدٍ وَابْنِ بَشِيرٍ وَاللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ أَنَّ اللاَّزِمَ مَعَ الْفَوَاتِ هُوَ الْقِيمَةُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَبِيعُ قِيَمِيًّا أَمْ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٢٥، والاختيار ٢ / ٢٣، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٤١٩، والقواعد لابن رجب ص٦٧ - ٦٨، والمغني ٤ / ٢٥٣.
مِثْلِيًّا (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَضْمَنُ مِثْلَهُ فِي الْمِثْلِيِّ، وَأَقْصَى قِيَمِهِ إِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا، وَهَذَا مَا جَاءَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ كَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ، وَقَال الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ تَعْلِيقًا عَلَى قَوْل الرَّوْضِ: (يُضْمَنُ الْمَبِيعُ التَّالِفُ بِالْمِثْل فِي الْمِثْلِيِّ)، هَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَإِنْ صَحَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ أَيْضًا، وَادَّعَى فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ لاَ خِلاَفَ فِيهِ.
كَذَلِكَ ذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ الرَّافِعِيَّ أَطْلَقَ وُجُوبَ الْقِيمَةِ دُونَ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْمِثْلِيِّ وَالْمُتَقَوِّمِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ، لَكِنَّ الزَّرْكَشِيَّ قَال: إِنَّهُ ضَعِيفٌ (٢) .
هَذَا الَّذِي سَبَقَ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَيْعِ الْفَاسِدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ وَالْبَاطِل سَوَاءٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْبَيْعِ الْبَاطِل فَإِنَّ الْمَبِيعَ إِذَا تَلِفَ بِيَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنَفِيَّةَ؛ لأَِنَّهُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ فَيَهْلِكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ؛ لأَِنَّ
_________
(١) منح الجليل ٢ / ٥٨٠ - ٥٨١، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٧، وحاشية الدسوقي ٣ / ٧١ - ٧٢.
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٤٠، وأسنى المطالب ٢ / ٣٦، والمنثور في القواعد ٢ / ٣٣٩ - ٣٤٠.
الْبَائِعَ مَا رَضِيَ بِقَبْضِهِ مَجَّانًا (١) .
وَقْتُ وُجُوبِ الْقِيمَةِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ:
٦ - إِذَا وَجَبَتْ قِيمَةُ الْمَبِيعِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَلِلْفُقَهَاءِ اتِّجَاهَاتٌ فِي وَقْتِ وُجُوبِ الْقِيمَةِ.
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يَجِبُ ضَمَانُ الْقِيمَةِ يَوْمَ قَبْضِ الْمَبِيعِ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ فِي يَدِهِ فَأَتْلَفَهُ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا يَدْخُل فِي ضَمَانِهِ بِالْقَبْضِ فَلاَ يَتَغَيَّرُ كَالْغَصْبِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ - وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يَجِبُ ضَمَانُ الْقِيمَةِ يَوْمَ تَلَفِ الْمَبِيعِ قَالُوا:؛ لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ فِي إِمْسَاكِهِ فَأَشْبَهَ الْعَارِيَّةَ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْقِيمَةَ تَجِبُ بِأَقْصَى الْقِيَمِ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ إِلَى حِينِ التَّلَفِ؛ لأَِنَّهُ مُخَاطَبٌ فِي كُل لَحْظَةٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِرَدِّهِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ فِي الْغَصْبِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَيَخْرُجُ هَاهُنَا (الْبَيْعُ الْفَاسِدُ)، بَل هُوَ هُنَا أَوْلَى؛ لأَِنَّ الْعَيْنَ كَانَتْ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا فِي حَال زِيَادَتِهَا وَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِهَا مَعَ زِيَادَتِهَا، فَكَذَلِكَ فِي حَال تَلَفِهَا.
_________
(١) الاختيار ٢ / ٢٣.