الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ (١) .
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل يَتَهَجَّدُ، قَال: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَوْ لاَ إِلَهَ غَيْرُكَ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: " وَلاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ (٢) ".
ج - كَيْفِيَّةُ الْقِرَاءَةِ فِي قِيَامِ اللَّيْل:
١٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ قَائِمَ اللَّيْل
_________
(١) حديث عباد بن الصامت: " من تعار من الليل. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣٩) .
(٢) حديث ابن عباس: " كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣)، ومسلم (١ / ٥٣٢ - ٥٣٣) واللفظ للبخاري.
مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَالإِْسْرَارِ بِهَا، غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: إِنَّ الْجَهْرَ أَفْضَل مَا لَمْ يُؤْذِ نَائِمًا وَنَحْوَهُ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الْجَهْرُ أَنْشَطَ لَهُ فِي الْقِرَاءَةِ، أَوْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ، أَوْ يَنْتَفِعُ بِهَا، فَالْجَهْرُ أَفْضَل، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ مَنْ يَتَهَجَّدُ، أَوْ مَنْ يَسْتَضِرُّ بِرَفْعِ صَوْتِهِ، فَالإِْسْرَارُ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لاَ هَذَا وَلاَ هَذَا فَلْيَفْعَل مَا شَاءَ (١)، قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَيْسٍ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، كَيْفَ كَانَ قِرَاءَةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَتْ: كُل ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَل، رُبَّمَا أَسَرَّ بِالْقِرَاءَةِ، وَرُبَّمَا جَهَرَ (٢)، وَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي اللَّيْل يَرْفَعُ طَوْرًا وَيَخْفِضُ طَوْرًا (٣) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يُنْدَبُ الْجَهْرُ فِي صَلاَةِ اللَّيْل مَا لَمْ يُشَوِّشْ عَلَى مُصَلٍّ آخَرَ، وَإِلاَّ حَرُمَ، وَالسِّرُّ فِيهَا خِلاَفُ الأَْوْلَى.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ التَّوَسُّطُ بَيْنَ الإِْسْرَارِ
_________
(١) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٣٨، والمغني لابن قدامة ٢ / ١٣٩.
(٢) حديث عبد الله بن أبي قيس: " سألت عائشة ﵂: كيف كان قراءة النبي ﷺ. . . ". أخرجه الترمذي (٢ / ٣١١) وقال: " حديث حسن صحيح ".
(٣) حديث أبي هريرة: " كانت قراءة رسول الله ﷺ في الليل يرفع طورًا ويخفض طورًا ". أخرجه أبو داود (٢ / ٨١)، والحاكم (م ١ / ٣١٠) وصححه ووافقه الذهبي.
وَالْجَهْرِ إِنْ لَمْ يُشَوِّشْ عَلَى نَائِمٍ أَوْ مُصَلٍّ أَوْ نَحْوِهِمَا (١) .
د - إِيقَاظُ مِنْ يُرْجَى تَهَجُّدُهُ:
١٧ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَامَ يَتَهَجَّدُ أَنْ يُوقِظَ مَنْ يَطْمَعُ فِي تَهَجُّدِهِ إِذَا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا (٢)، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْل وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ (٣) .
هـ - إِطَالَةُ الْقِيَامِ وَتَكْثِيرُ الرَّكَعَاتِ:
١٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ فِي قَوْلٍ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّ طُول الْقِيَامِ أَفْضَل مِنْ كَثْرَةِ الْعَدَدِ، فَمَنْ صَلَّى أَرْبَعًا مَثَلًا وَطَوَّل الْقِيَامَ أَفْضَل مِمَّنْ صَلَّى ثَمَانِيًا وَلَمْ يُطَوِّلْهُ، لِلْمَشَقَّةِ الْحَاصِلَةِ بِطُول الْقِيَامِ، وَلِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَفْضَل الصَّلاَةِ طُول الْقُنُوتِ (٤) وَالْقُنُوتُ: الْقِيَامُ.
؛ وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَكْثَرُ صَلاَتِهِ التَّهَجُّدَ، وَكَانَ يُطِيلُهُ، وَهُوَ ﷺ لاَ يُدَاوِمُ إِلاَّ عَلَى الأَْفْضَل.
_________
(١) حاشية الدسوقي ١ / ٣١٣، وحاشية الجمل ١ / ٤٩٦.
(٢) حاشية الجمل ١ / ٤٩٦.
(٣) حديث: " من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته. . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ١٤٧)، والحاكم (١ / ٣١٦) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(٤) حديث: " أفضل الصلاة طول القنوت ". أخرجه مسلم (١ / ٥٢٠) من حديث جابر بن عبد الله.
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ قَوْلَهُمْ: هَذَا إِنْ صَلَّى قَائِمًا، فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَالأَْقْرَبُ أَنَّ كَثْرَةَ الْعَدَدِ أَفْضَل، لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقُعُودِ الَّذِي لاَ مَشَقَّةَ فِيهِ، حَيْثُ زَادَتْ كَثْرَةُ الْعَدَدِ بِالرُّكُوعَاتِ وَالسُّجُودَاتِ وَغَيْرِهَا.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وِرْدٌ فَطُول الْقِيَامِ أَفْضَل، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ وِرْدٌ مِنَ الْقُرْآنِ يَقْرَؤُهُ، فَكَثْرَةُ السُّجُودِ أَفْضَل (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّ الأَْفْضَل كَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ، فَإِنَّكَ لاَ تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلاَّ رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً (٢)؛ وَلأَِنَّ السُّجُودَ فِي نَفْسِهِ أَفْضَل وَآكَدُ، بِدَلِيل أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَل، وَلاَ يُبَاحُ بِحَالٍ إِلاَّ لِلَّهِ تَعَالَى، بِخِلاَفِ الْقِيَامِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِي النَّفْل، وَيُبَاحُ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ لِلْوَالِدَيْنِ، وَالْحَاكِمِ، وَسَيِّدِ الْقَوْمِ وَالاِسْتِكْثَارُ مِمَّا هُوَ آكَدُ وَأَفْضَل أَوْلَى.
وَلِلْحَنَابِلَةِ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، لِتَعَارُضِ الأَْخْبَارِ فِي ذَلِكَ (٣) .
_________
(١) بدائع الصنائع ١ / ٢٩٥.
(٢) حديث: " عليك بكثرة السجود. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٣٥٣) من حديث ثوبان.
(٣) بدائع الصنائع ١ / ٢١٥، وحاشية الدسوقي ١ / ٣١٩، وحاشية الجمل ١ / ٤٩٣، والمغني لابن قدامة ٢ / ١٤٠ - ١٤١، ونيل المآرب ١ / ١٦٣.
و- نِيَّةُ قِيَامِ اللَّيْل عِنْدَ النَّوْمِ:
١٩ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُنْدَبُ أَنْ يَنْوِيَ الشَّخْصُ قِيَامَ اللَّيْل عِنْدَ النَّوْمِ (١)، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْل فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ﷿ (٢) .
_________
(١) حاشية الجمل ١ / ٤٩٦، ونيل المآرب ١ / ١٦٣.
(٢) حديث: " من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم. . . ". أخرجه النسائي (٣ / ٢٥٨) والحاكم (١ / ٣١١) من حديث أبي الدرداء، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
قَيْحٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْقَيْحُ فِي اللُّغَةِ: الْمِدَّةُ الْخَالِصَةُ الَّتِي لاَ يُخَالِطُهَا دَمٌ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الصَّدِيدُ:
٢ - الصَّدِيدُ هُوَ مَاءُ الْجُرْحِ الرَّقِيقُ الْمُخْتَلِطُ بِدَمٍ قَبْل أَنْ تَغْلُظَ الْمِدَّةُ (٣)، وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الصَّدِيدَ يَكُونُ فِي الْجُرْحِ قَبْل الْقَيْحِ.
ب - الدَّمُ:
٣ - الدَّمُ - بِالتَّخْفِيفِ - هُوَ ذَلِكَ السَّائِل الأَْحْمَرُ الَّذِي يَجْرِي فِي عُرُوقِ الْحَيَوَانَاتِ وَعَلَيْهِ
_________
(١) لسان العرب مادة (قيح) .
(٢) حاشية الدسوقي ١ / ٥٦، والحطاب ١ / ١٠٤، ومغني المحتاج ١ / ٧٩.
(٣) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، ولسان العرب مادة (صدد) .
تَقُومُ الْحَيَاةُ (١) .
وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ الدَّمَ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَكَذَلِكَ بِمَعْنَى الْقِصَاصِ وَالْهَدْيِ (٢) .
وَالدَّمُ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل أَصْل الْقَيْحِ.
الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْقَيْحِ:
(حُكْمُ الْقَيْحِ مِنْ حَيْثُ النَّجَاسَةُ وَالطَّهَارَةُ:)
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَيْحَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَدَنِ الإِْنْسَانِ فَهُوَ نَجِسٌ؛ لأَِنَّهُ مِنَ الْخَبَائِثِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، وَالطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ تَسْتَخْبِثُهُ، وَالتَّحْرِيمُ لاَ لِلاِحْتِرَامِ دَلِيل النَّجَاسَةِ؛ لأَِنَّ مَعْنَى النَّجَاسَةِ مَوْجُودٌ فِي الْقَيْحِ إِذِ النَّجِسُ اسْمٌ لِلْمُسْتَقْذَرِ وَهَذَا مِمَّا تَسْتَقْذِرُهُ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ لاِسْتِحَالَتِهِ إِلَى خَبَثٍ وَنَتْنِ رَائِحَةٍ؛ وَلأَِنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنَ الدَّمِ وَالدَّمُ نَجِسٌ (٣) .
انْتِقَاضُ الْوُضُوءِ بِالْقَيْحِ:
٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِالْقَيْحِ، فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُنْتَقَضُ
_________
(١) متن اللغة، ولسان العرب، ومختار الصحاح مادة (دمي) .
(٢) الاختيار ١ / ٣٠، ٤٣، والقوانين الفقهية ص٤٤، ١٣٧، وروضة الطالبين ١ / ١٣٤، ١٧٤.
(٣) بدائع الصنائع ١ / ٦٠، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٦ ط. دار الفكر، ومغني المحتاج ١ / ٧٧ - ٧٩ ط. مصطفى الحلبي، والمغني لابن قدامة ١ / ١٨٦ ط. الرياض، والإنصاف ١ / ٣٢٥.
الْوُضُوءُ بِخُرُوجِ الْقَيْحِ مِنَ الْبَدَنِ؛ لأَِنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي تَنْقُضُ الْوُضُوءَ عِنْدَهُمْ هِيَ مَا خَرَجَتْ مِنَ السَّبِيلَيْنِ فَقَطْ، فَلاَ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِالنَّجَاسَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ كَالْحِجَامَةِ وَالْقَيْحِ؛ لِمَا رُوِيَ: أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ حَرَسَا الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَقَامَ أَحَدُهُمَا يُصَلِّي فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْكُفَّارِ بِسَهْمٍ فَنَزَعَهُ وَصَلَّى وَدَمُهُ يَجْرِي (١) . وَعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ خُرُوجَ الْقَيْحِ مِنَ الْبَدَنِ إِلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، قَال السَّرَخْسِيُّ: لَوْ تَوَرَّمَ رَأْسُ الْجُرْحِ فَظَهَرَ بِهِ قَيْحٌ وَنَحْوُهُ لاَ يَنْقُضُ مَا لَمْ يَتَجَاوَزِ الْوَرَمَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجِبُ غَسْل مَوْضِعِ الْوَرَمِ فَلَمْ يَتَجَاوَزْ إِلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ؛ لأَِنَّ الدَّمَ إِذَا لَمْ يَسِل كَانَ فِي مَحَلِّهِ؛ لأَِنَّ الْبَدَنَ مَحَل الدَّمِ وَالرُّطُوبَاتِ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَتِرًا بِالْجِلْدَةِ وَانْشِقَاقُهَا يُوجِبُ زَوَال السُّتْرَةِ لاَ زَوَال الدَّمِ عَنْ مَحَلِّهِ وَلاَ حُكْمَ لِلنَّجِسِ مَا دَامَ فِي مَحَلِّهِ وَكَذَا هَاهُنَا، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ تَجُوزُ الصَّلاَةُ مَعَ مَا
_________
(١) حديث: " أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ حرسا المسلمين في غزوة ذات الرقاع. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ١٣٦)، والحاكم (١ / ١٥٧) من حديث جابر بن عبد الله وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) حاشية الدسوقي ١ / ١١٥، وشرح الزرقاني ١ / ٤٣، والإقناع شرح أبي شجاع ١ / ٥٤. ط. مصطفى الحلبي، والغاية القصوى ١ / ٢١٤. ط. دار الإصلاح، ومغني المحتاج ١ / ٣٢.
فِي الْبَطْنِ مِنَ الأَْنْجَاسِ (١) .
وَقَال زُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ سَوَاءٌ سَال الْقَيْحُ أَوْ لَمْ يَسِل؛ لأَِنَّ ظُهُورَ النَّجِسِ اعْتُبِرَ حَدَثًا فِي السَّبِيلَيْنِ سَال عَنْ رَأْسِ الْمَخْرَجِ أَوْ لَمْ يَسِل كَذَا فِي غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ (٢) .
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ انْتِقَاضُ الْوُضُوءِ بِالْقَيْحِ إِلاَّ أَنَّ الَّذِي يَنْقُضُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْكَثِيرُ مِنْ ذَلِكَ دُونَ الْيَسِيرِ، أَمَّا كَوْنُ الْكَثِيرِ يَنْقُضُ فَلِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، فَتَوَضَّئِي لِكُل صَلاَةٍ (٣)؛ وَلأَِنَّهَا نَجَاسَةٌ خَارِجَةٌ عَنِ الْبَدَنِ أَشْبَهَتِ الْخَارِجَ مِنَ السَّبِيل، وَأَمَّا كَوْنُ الْيَسِيرِ مِنْ ذَلِكَ لاَ يَنْقُضُ فَلِمَفْهُومِ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي الدَّمِ: إِذَا كَانَ فَاحِشًا فَعَلَيْهِ الإِْعَادَةُ.
قَال أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِنَّ الْكَثِيرَ هُوَ مَا فَحُشَ فِي نَفْسِ كُل أَحَدٍ بِحَسْبِهِ، لِقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: " الْفَاحِشُ مَا فَحُشَ فِي قَلْبِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ يَنْقُضُ قَل أَوْ كَثُرَ (٤) .
_________
(١) بدائع الصنائع ١ / ٢٥، والعناية بهامش فتح القدير ١ / ٢٥.
(٢) المراجع السابقة.
(٣) حديث: " إنما ذلك عرق. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٣٢) من حديث عائشة.
(٤) كشاف القناع ١ / ١٢٤، والإنصاف ١ / ١٩٧، والمغني لابن قدامة ١ / ١٨٤.
صَلاَةُ مَنْ كَانَ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ قَيْحٌ:
٦ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْل جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِنْ أَصَابَ بَدَنَ الإِْنْسَانِ أَوْ ثَوْبَهُ شَيْءٌ مِنَ الْقَيْحِ فَإِنَّهُ لاَ تَجُوزُ الصَّلاَةُ إِنْ كَانَ كَثِيرًا؛ لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ الصَّلاَةِ طَهَارَةَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقَيْحُ يَسِيرًا فَإِنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ يُعْفَى عَنِ الْيَسِيرِ وَتَجُوزُ الصَّلاَةُ بِهِ؛ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ غَالِبًا لاَ يَسْلَمُ مِنْ مِثْل هَذَا؛ وَلأَِنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَدْرِ الْيَسِيرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ، انْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَدِيدٌ ف ١٧) .
قِيرَاط
انْظُرْ: مَقَادِير