الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤
لاَ أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلاَ صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ، وَلاَ صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ (١) .
وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْل؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ، فَقَال: فَلاَ تَفْعَل، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنْ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا (٢) .
وَاسْتَثْنَوْا لَيَالِيَ مَخْصُوصَةً لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَل الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْل وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ (٣) .
عَدَدُ رَكَعَاتِهِ:
٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ افْتِتَاحُ قِيَامِ اللَّيْل بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، لِمَا رَوَى
_________
(١) حديث عائشة: " لا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٥١٤) .
(٢) حديث: أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: " ألم أخبر أنك تصوم بالنهار. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢١٨) .
(٣) حديث عائشة: " كان إذا دخل العشر أحيا الليل. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢٦٩) ومسلم (٢ / ٨٣٢) واللفظ لمسلم.
أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْل فَلْيَفْتَتِحْ صَلاَتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ (١) .
وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مُنْتَهَى رَكَعَاتِهِ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ (٢)، وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَشْرُ رَكَعَاتٍ، أَوِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً (٣) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ حَصْرَ لِعَدَدِ رَكَعَاتِهِ (٤) لِخَبَرِ: الصَّلاَةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَسْتَكْثِرَ فَلْيَسْتَكْثِرْ (٥) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِ صَلاَتِهِ ﷺ بِاللَّيْل (٦): قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْل ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً (٧)، وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: مَا كَانَ
_________
(١) حديث: " إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين ". أخرجه مسلم (١ / ٥٣٢) .
(٢) ابن عابدين ١ / ٤٦٠ ط. دار إحياء التراث العربي، وفتح القدير ١ / ٣٩٠ دار إحياء التراث العربي.
(٣) الفواكه الدواني ١ / ٢٣٤ ط. دار المعرفة، والمغني لابن قدامة ١ / ١٣٨.
(٤) نهاية المحتاج للرملي ٢ / ١٣٤ - ١٤٨.
(٥) حديث: " الصلاة خير موضوع. . . ". أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٢ / ٢٤٩) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد المنعم بن بشير وهو ضعيف.
(٦) المغني ٢ / ١٣٨ ط. مطبعة الرياض الحديثة، وانظر نيل المآرب ١ / ١٦٣.
(٧) حديث ابن عباس: " كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة. ". أخرجه مسلم (١ / ٥٣١) .
رَسُول اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً: يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسْأَل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلاَ تَسْأَل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا (١)، وَفِي لَفْظٍ قَالَتْ: كَانَتْ صَلاَتُهُ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ بِاللَّيْل ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ (٢) .
وَفِي كُل ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ (تَهَجُّدٌ ف ٦، وَصَلاَةُ التَّرَاوِيحِ ف ١١) .
وَهَل يُصَلِّي أَرْبَعًا أَرْبَعًا، أَوْ مَثْنَى مَثْنَى؟
ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهُ يُصَلِّي مَثْنَى مَثْنَى، احْتِجَاجًا بِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: صَلاَةُ اللَّيْل مَثْنَى مَثْنَى (٣) . . .؛ وَلأَِنَّ عَمَل الأُْمَّةِ فِي التَّرَاوِيحِ مَثْنَى مَثْنَى، مِنْ لَدُنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، فَدَل أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَل.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يُصَلَّى أَرْبَعًا أَرْبَعًا،
_________
(١) حديث عائشة: " ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١ / ٢٨٢) .
(٢) حديث: " كانت صلاته ﷺ في شهر رمضان وغيره. . . ". أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١ / ٢٨٢) .
(٣) حديث: " صلاة الليل مثنى مثنى. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٤٧٧)، ومسلم (١ / ٥١٦) .
لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا السَّابِقِ (١) .
وَقَال الْمَوْصِلِيُّ: صَلاَةُ اللَّيْل رَكْعَتَانِ بِتَسْلِيمَةٍ، أَوْ سِتٌّ أَوْ ثَمَانٍ؛ لأَِنَّ كُل ذَلِكَ نُقِل فِي تَهَجُّدِهِ ﷺ وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُنْقَل (٢) .
تَرْكُ قِيَامِ اللَّيْل لِمُعْتَادِهِ:
٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَرْكُ تَهَجُّدٍ اعْتَادَهُ بِلاَ عُذْرٍ (٣)، لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَكُنْ مِثْل فُلاَنٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْل فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْل (٤)، فَيَنْبَغِي لِلْمُكَلَّفِ الأَْخْذُ مِنَ الْعَمَل بِمَا يُطِيقُهُ، وَلِذَا قَال ﷺ: أَحَبُّ الأَْعْمَال إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَل (٥) .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ
_________
(١) بدائع الصنائع ١ / ٢٩٤ - ٢٩٥، وابن عابدين ١ / ٤٦٠، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد ١ / ٢٥٥.
(٢) الاختيار ١ / ٦٧.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٦٠، والإقناع للشربيني الخطيب ١ / ١٠٧ ط. دار المعرفة، وحاشية الجمل ١ / ٤٩٦، والمغني لابن قدامة ٢ / ١٤٠ - ١٤١ ط. الرياض الحديثة.
(٤) حديث: " يا عبد الله لا تكن مثل فلان. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣٧)، ومسلم (٢ / ٨١٤) .
(٥) حديث: " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٢٩٤)، ومسلم (١ / ٥٤١) من حديث عائشة واللفظ لمسلم.
النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلاَةً دَاوَمَ عَلَيْهَا (١) .
وَقَالَتْ: كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً (٢)، وَقَالَتْ: كَانَ إِذَا عَمِل عَمَلًا أَثْبَتَهُ (٣) .
الاِجْتِمَاعُ لِقِيَامِ اللَّيْل:
٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّطَوُّعُ جَمَاعَةً وَفُرَادَى؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَل الأَْمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا.
وَالأَْفْضَل فِي غَيْرِ التَّرَاوِيحِ الْمَنْزِل، لِحَدِيثِ: عَلَيْكُمْ بِالصَّلاَةِ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلاَةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (٤) .
وَفِي رِوَايَةٍ: صَلاَةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَل مِنْ صَلاَتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (٥) .
وَلَكِنْ إِذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ مَا يَشْغَل بَالَهُ، وَيُقَلِّل خُشُوعَهُ، فَالأَْفْضَل أَنْ يُصَلِّيَهَا فِي الْمَسْجِدِ فُرَادَى؛ لأَِنَّ اعْتِبَارَ الْخُشُوعِ أَرْجَحُ (٦) .
_________
(١) حديث: " كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة دوام عليها ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢١٣) من حديث عائشة.
(٢) حديث: " كان عمله ديمة ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٢٩٤)، ومسلم (١ / ٥٤١) .
(٣) حديث: " كان إذا عمل عملًا أثبته ". أخرجه مسلم (١ / ٥١٥) .
(٤) حديث: " عليكم بالصلاة في بيوتكم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥١٧)، ومسلم (١ / ٥٤٠) من حديث زيد بن ثابت.
(٥) حديث: " صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٦٣٢ - ٦٣٣) .
(٦) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٥٨ ط. دار إحياء التراث العربي، وحاشية الجمل ١ / ٤٧٨، والمغني لابن قدامة ٢ / ٢٤٢.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى كَرَاهَةِ الْجَمَاعَةِ فِي التَّطَوُّعِ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيل التَّدَاعِي، بِأَنْ يَقْتَدِيَ أَرْبَعَةٌ بِوَاحِدٍ (١) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ الْجَمْعُ فِي النَّافِلَةِ غَيْرِ التَّرَاوِيحِ إِنْ كَثُرَتِ الْجَمَاعَةُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَكَانُ الَّذِي أُرِيدَ الْجَمْعُ فِيهِ مُشْتَهِرًا كَالْمَسْجِدِ، أَوْ لاَ كَالْبَيْتِ، أَوْ قَلَّتِ الْجَمَاعَةُ وَكَانَ الْمَكَانُ مُشْتَهِرًا، وَذَلِكَ لِخَوْفِ الرِّيَاءِ.
فَإِنْ قَلَّتْ وَكَانَ الْمَكَانُ غَيْرَ مُشْتَهِرٍ فَلاَ كَرَاهَةَ، إِلاَّ فِي الأَْوْقَاتِ الَّتِي صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ بِبِدْعَةِ الْجَمْعِ فِيهَا، كَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَأَوَّل جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةِ عَاشُورَاءَ، فَإِنَّهُ لاَ خِلاَفَ فِي الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا (٢) .
قِيَامُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ:
٨ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى نَدْبِ إِحْيَاءِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ (٣) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ. أَيْ بِصَلاَةٍ (٤)، لِحَدِيثِ: لاَ تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي (٥) .
أَمَّا تَخْصِيصُ غَيْرِهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالصَّلاَةِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٧٦.
(٢) حاشية الدسوقي ١ / ١٣٦، ١٣٧.
(٣) مراقي الفلاح ص٢١٩.
(٤) حاشية الجمل ١ / ٤٩٦، ٤٩٧.
(٥) حديث: " لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ". أخرجه مسلم (٢ / ٨٠١) من حديث أبي هريرة.
أَوْ بِغَيْرِهَا، فَلاَ يُكْرَهُ.
وَكَذَلِكَ لاَ يُكْرَهُ تَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِغَيْرِ الصَّلاَةِ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَوِ الذِّكْرِ، أَوِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (١) .
قِيَامُ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ قِيَامُ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ (٢) لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ قَامَ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ مُحْتَسِبًا لِلَّهِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ (٣) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْيَاءُ اللَّيْل ف ١١) .
قِيَامُ لَيَالِي رَمَضَانَ:
١٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي سُنِّيَّةِ قِيَامِ لَيَالِي رَمَضَانَ، لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (٤) .
وَقَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ التَّرَاوِيحَ هِيَ قِيَامُ رَمَضَانِ، وَلِذَلِكَ فَالأَْفْضَل اسْتِيعَابُ أَكْثَرِ
_________
(١) حاشية الجمل ١ / ٤٩٧.
(٢) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص٢١٨، وابن عابدين ١ / ٤٦٠، والمجموع ٤ / ٤٥، وشرح المنهاج ٢ / ١٧٢، الشرح الصغير ١ / ٥٢٧، وكشف المخدرات ص٨٦.
(٣) حديث: " من قام ليلتي العيدين محتسبًا. . . ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٥٦٧) من حديث أبي أمامة، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٣١٣) .
(٤) حديث: " من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٩٢)، ومسلم (١ / ٥٢٣) من حديث أبي هريرة.
اللَّيْل بِهَا؛ لأَِنَّهَا قِيَامُ اللَّيْل (١) .
قِيَامُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَالاِجْتِمَاعُ لَهُ:
١١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى نَدْبِ قِيَامِ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ (٢)، لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا، وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِل فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُول: أَلاَ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرَ لَهُ، أَلاَ مِنْ مُسْتَرْزِقٍ فَأَرْزُقَهُ، أَلاَ مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ. . . أَلاَ كَذَا. . . أَلاَ كَذَا. . . حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ (٣) .
وَالتَّفْصِيل فِي (إِحْيَاءُ اللَّيْل ف ١٣) .
قِيَامُ لَيَالِي الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ:
١٢ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قِيَامُ اللَّيَالِيِ الْعَشْرِ الأُْوَّل مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (٤)،
_________
(١) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص٢١٨، وابن عابدين ١ / ٤٦٠، والاختيار ١ / ٦٩، وحاشية الدسوقي ١ / ٣١٥، وحاشية الجمل ١ / ٤٩٦، ومغني المحتاج ١ / ٢٢٧، والمغني لابن قدامة ٢ / ١٦٦.
(٢) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص٢١٩، ومواهب الجليل ١ / ٧٤، والفروع ١ / ٤٤٠، وإحياء علوم الدين ٣ / ٤٢٣.
(٣) حديث: " إذا كانت ليلة النصف من شعبان. . . ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٤٤٤) من حديث علي بن أبي طالب، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٢٤٧): هذا إسناد فيه لين ابن أبي سبرة، واسمه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة قال أحمد: وابن معين يضع الحديث.
(٤) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٦٠، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص ٢١٩، والفروع ١ / ٣٩٨.
لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، يَعْدِل صِيَامُ كُل يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُل لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) .
قِيَامُ أَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ:
١٣ - يَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قِيَامُ أَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ؛ لأَِنَّهَا مِنَ اللَّيَالِي الْخَمْسِ الَّتِي لاَ يُرَدُّ فِيهَا الدُّعَاءُ، وَهِيَ: لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَأَوَّل لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَتَا الْعِيدِ (٢) .
مَا يُسْتَحَبُّ فِي قِيَامِ اللَّيْل:
يُسْتَحَبُّ فِي قِيَامِ اللَّيْل مَا يَلِي:
أ - الاِفْتِتَاحُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ:
١٤ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِقَائِمِ اللَّيْل أَنْ يَفْتَتِحَ تَهَجُّدَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ (٣) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْل فَلْيَفْتَتِحْ صَلاَتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ
_________
(١) حديث: " ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد فيها. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ١٢٢)، وأورده الذهبي في الميزان (٤ / ١٠٠) في ترجمة أحد رواته، وذكر تضعيف ذلك الراوي وكذا ضعف راويًا آخر.
(٢) مراقي الفلاح ٢١٩، والفروع ١ / ٤٣٨.
(٣) حاشية الجمل ١ / ٤٩٦، والمغني ٢ / ١٣٨، ونيل المآرب ١ / ١٦٣.
خَفِيفَتَيْنِ (١)، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: لأَرْمُقَنَّ صَلاَةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. . . الْحَدِيثَ (٢) .
ب - مَا يَقُولُهُ الْقَائِمُ لِلتَّهَجُّدِ:
١٥ - اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يَقُولُهُ قَائِمُ اللَّيْل إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل يَتَهَجَّدُ، تَبَعًا لاِخْتِلاَفِ الرِّوَايَاتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
فَقَال سُلَيْمَانُ الْجَمَل: إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ الْمُسْتَيْقِظُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَأَنْ يَنْظُرَ إِلَى السَّمَاءِ وَلَوْ أَعْمَى وَتَحْتَ سَقْفٍ، وَأَنْ يَقْرَأَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضِ﴾ إِلَى آخِرِ الآْيَاتِ (٣) .
وَعَنْ عُبَادَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ تَعَارَّ اسْتَيْقَظَ (٤)، مِنَ اللَّيْل فَقَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَال:
_________
(١) حديث: " إذا قام أحدكم من الليل. . . ". تقدم تخريجه ف / ٥.
(٢) حديث زيد بن خالد " لأرمقن صلاة رسول الله ﷺ ". أخرجه مسلم (١ / ٥٣١ - ٥٣٢) .
(٣) حاشية الجمل ١ / ٤٩٦، والمغني لابن قدامة ٢ / ١٣٧، ونيل المآرب ١ / ١٦٢.
(٤) النهاية لابن الأثير.