الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤
خَيْرِكُمْ (١) . .
قَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢) مُعَلِّقًا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: فِيهِ إِكْرَامُ أَهْل الْفَضْل، وَتَلَقِّيهِمْ بِالْقِيَامِ لَهُمْ، إِذَا أَقْبَلُوا، وَاحْتَجَّ بِهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ لاِسْتِحْبَابِ الْقِيَامِ، قَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْقِيَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِيمَنْ يَقُومُونَ عَلَيْهِ، وَهُوَ جَالِسٌ، وَيَمْثُلُونَ قِيَامًا طِوَال جُلُوسِهِ، وَأَضَافَ النَّوَوِيُّ: قُلْتُ: الْقِيَامُ لِلْقَادِمِ مِنْ أَهْل الْفَضْل مُسْتَحَبٌّ، وَقَدْ جَاءَ فِيهِ أَحَادِيثُ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي النَّهْيِ عَنْهُ شَيْءٌ صَرِيحٌ.
وَيُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ لأَِهْل الْفَضْل كَالْوَالِدِ وَالْحَاكِمِ؛ لأَِنَّ احْتِرَامَ هَؤُلاَءِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا وَأَدَبًا.
وَقَال الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ أَبُو الْمَعَالِي فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَإِكْرَامُ الْعُلَمَاءِ وَأَشْرَافِ الْقَوْمِ بِالْقِيَامِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ (٣) .
وَنَقَل ابْنُ الْحَاجِّ عَنِ ابْنِ رُشْدٍ - فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيل - أَنَّ الْقِيَامَ يَكُونُ عَلَى أَوْجُهٍ:
الأَْوَّل: يَكُونُ الْقِيَامُ مَحْظُورًا، وَهُوَ أَنْ يَقُومَ
_________
(١) حديث أبي سعيد الخدري: " أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد بن معاذ. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٧ / ٤١١) .
(٢) شرح مسلم ١٢ / ٩٣.
(٣) الآداب الشرعية لابن مفلح ٢ / ٢٦٠.
إِكْبَارًا وَتَعْظِيمًا لِمَنْ يُحِبُّ أَنْ يُقَامَ إِلَيْهِ تَكَبُّرًا وَتَجَبُّرًا.
الثَّانِي: يَكُونُ مَكْرُوهًا، وَهُوَ قِيَامُهُ إِكْبَارًا وَتَعْظِيمًا وَإِجْلاَلًا لِمَنْ لاَ يُحِبُّ أَنْ يُقَامَ إِلَيْهِ، وَلاَ يَتَكَبَّرُ عَلَى الْقَائِمِينَ إِلَيْهِ.
الثَّالِثِ: يَكُونُ جَائِزًا، وَهُوَ أَنْ يَقُومَ تَجِلَّةً وَإِكْبَارًا لِمَنْ لاَ يُرِيدُ ذَلِكَ، وَلاَ يُشْبِهُ حَالُهُ حَال الْجَبَابِرَةِ، وَيُؤْمَنُ أَنْ تَتَغَيَّرَ نَفْسُ الْمَقُومِ إِلَيْهِ.
الرَّابِعِ: يَكُونُ حَسَنًا، وَهُوَ أَنْ يَقُومَ لِمَنْ أَتَى مِنْ سَفَرٍ فَرَحًا بِقُدُومِهِ، أَوْ لِلْقَادِمِ عَلَيْهِ سُرُورًا بِهِ لِتَهْنِئَتِهِ بِنِعْمَةٍ، أَوْ يَكُونَ قَادِمًا لِيُعَزِّيَهُ بِمُصَابٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (١) .
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَقَدْ قَال الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالإِْمَامِ الْعَادِل وَفُضَلاَءِ النَّاسِ، وَقَدْ صَارَ هَذَا كَالشِّعَارِ بَيْنَ الأَْفَاضِل. فَإِذَا تَرَكَهُ الإِْنْسَانُ فِي حَقِّ مَنْ يَصْلُحُ أَنْ يَفْعَل فِي حَقِّهِ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَنْسُبَهُ إِلَى الإِْهَانَةِ وَالتَّقْصِيرِ فِي حَقِّهِ، فَيُوجِبُ ذَلِكَ حِقْدًا، وَاسْتِحْبَابُ هَذَا فِي حَقِّ الْقَائِمِ لاَ يَمْنَعُ الَّذِي يُقَامَ لَهُ أَنْ يَكْرَهَ ذَلِكَ، وَيَرَى أَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ (٢) .
وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: وَيُسَنُّ الْقِيَامُ لِنَحْوِ عَالِمٍ وَمُصَالِحٍ وَصَدِيقٍ وَشَرِيفٍ لاَ لأَِجْل غِنًى،
_________
(١) المدخل لابن الحاج ١ / ١٣٩ طبع. الإسكندرية سنة ١٢٩١هـ.
(٢) مختصر منهاج القاصدين ص٢٤٩.
وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ وُجُوبَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الأَْزْمِنَةِ؛ لأَِنَّ تَرْكَهُ صَارَ قَطِيعَةً (١) .
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَل عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا (٢) .
وَوَرَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلاَلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَال: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ قُمْنَا لَهُ حَتَّى يَدْخُل بَيْتَهُ (٣) .
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا، فَقُمْنَا لَهُ، فَقَال: لاَ تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الأَْعَاجِمُ، يُعَظِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا (٤) .
وَوَرَدَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانُوا
_________
(١) القليوبي ٣ / ٢١٣.
(٢) حديث: " أن النبي ﷺ كان إذا دخلت عليه فاطمة. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٧٠٠) من حديث عائشة، وقال: حديث حسن غريب.
(٣) حديث: " أن النبي ﷺ كان إذا خرج قمنا له. . . ". أورده الهيثمي في مجمع الزاوئد (٨ / ٤٠) وعزاه إلى البزار وقال: رجاله ثقات.
(٤) حديث ابن أمامة: " لا تقوموا كما تقوم الأعاجم. . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ٣٩٨)، ونقل ابن حجر في الفتح (١١ / ٥٠) عن الطبري ضعفه بالاضطراب في السند وجهالة فيه.
إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا، لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ (١) .
الْقِيَامُ فِي الْعُقُوبَاتِ:
إِقَامَةُ الْحَدِّ جَلْدًا أَوْ رَجْمًا أَثْنَاءَ الْقِيَامِ أَوِ الْقُعُودِ:
٢٣ - إِذَا كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ، فَيُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الرَّجُل قَائِمًا، وَلَمْ يُوثَقْ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُحْفَرْ لَهُ، سَوَاءٌ أَثَبَتَ الزِّنَا بِبَيِّنَةٍ أَمْ بِإِقْرَارٍ، وَتُضْرَبُ الْمَرْأَةُ قَاعِدَةً عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٢»؛ لأَِنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لِلْمَرْأَةِ، وَلِقَوْل عَلِيٍّ ﵁: يُضْرَبُ الرِّجَال فِي الْحُدُودِ قِيَامًا وَالنِّسَاءُ قُعُودًا.
وَذَهَبَ الإِْمَامُ مَالِكٌ (٣) إِلَى أَنَّ الرَّجُل يُضْرَبُ قَاعِدًا، وَكَذَا الْمَرْأَةُ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا، كَمَا فِي رَجْمِ الزُّنَاةِ الْمُحْصَنِينَ، فَتُرْجَمُ الْمَرْأَةُ بِالاِتِّفَاقِ قَاعِدَةً.
وَيُخَيَّرُ الإِْمَامُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْحَفْرِ لَهَا: إِنْ شَاءَ حَفَرَ لَهَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ الْحَفْرَ، أَمَّا الْحَفْرُ؛ فَلأَِنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، وَقَدْ رُوِيَ ﴿أَنَّ الرَّسُول ﷺ حَفَرَ لِلْمَرْأَةِ الْغَامِدِيَّةِ إِلَى ثَنْدُوَتِهَا (أَيْ
_________
(١) حديث أنس: " لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٩٠) وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) فتح القدير مع العناية ٤ / ١٢٨، والمغني ٨ / ١٥٨، وبداية المجتهد ٢ / ٤٢٩.
(٣) بداية المجتهد ٢ / ٤٢٩.
ثَدْيِهَا)، وَأَمَّا تَرْكُ الْحَفْرِ فَلأَِنَّ الْحَفْرَ لِلسَّتْرِ، وَهِيَ مَسْتُورَةٌ بِثِيَابِهَا؛ لأَِنَّهَا لاَ تُجَرَّدُ عِنْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ.
وَهَذَا قَوْل بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا بِالْحَفْرِ لِلْمَرْأَةِ إِلَى الصَّدْرِ إِنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ، أَمَّا إِنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِالإِْقْرَارِ، فَلَمْ يُحْفَرْ لَهَا.
وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اسْتِحْبَابُ الْحَفْرِ لِلْمَرْأَةِ إِنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ لِئَلاَّ تَنْكَشِفَ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا ثَبَتَ زِنَاهَا بِالإِْقْرَارِ، لِتَتَمَكَّنَ مِنَ الْهَرَبِ إِنْ رَجَعَتْ عَنْ إِقْرَارِهَا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الرَّاجِحِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُحْفَرُ لِلْمَرْأَةِ وَلاَ لِلرَّجُل، لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: أَكْثَرُ الأَْحَادِيثِ عَلَى تَرْكِ الْحَفْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحْفِرْ لِلْجُهَنِيَّةِ وَلاَ لِمَاعِزٍ وَلاَ لِلْيَهُودِيَّيْنِ.
وَأَمَّا الرَّجُل فَيُرْجَمُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ قَائِمًا، وَقَال مَالِكٌ: يُرْجَمُ قَاعِدًا (١) .
_________
(١) فتح القدير ٤ / ١٢٩، والقوانين الفقهية: ص٣٥٦، وبداية المجتهد ٢ / ٤٢٩، والمجموع ١٨ / ٢٧٥، ٢٨٣، ومغني المحتاج ٤ / ١٥٣ - ١٥٤، والمغني ٨ / ١٥٨ وما بعدها.
قِيَامُ اللَّيْل
التَّعْرِيفُ:
١ - (الْقِيَامُ فِي اللُّغَةِ: نَقِيضُ الْجُلُوسِ) .
وَاللَّيْل فِي اللُّغَةِ مِنْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ (١) .
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: قَضَاءُ اللَّيْل وَلَوْ سَاعَةً بِالصَّلاَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا لأَِكْثَرِ اللَّيْل.
وَيَرَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ يَحْصُل بِصَلاَةِ الْعِشَاءِ جَمَاعَةً وَالْعَزْمِ عَلَى صَلاَةِ الصُّبْحِ جَمَاعَةً، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْل، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْل كُلَّهُ (٢)» .
وَجَاءَ فِي مَرَاقِي الْفَلاَحِ: مَعْنَى الْقِيَامِ أَنْ يَكُونَ مُشْتَغِلًا مُعْظَمَ اللَّيْل بِطَاعَةٍ، وَقِيل: سَاعَةً مِنْهُ، يَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَوْ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ أَوْ
_________
(١) القاموس المحيط، والمصباح المنير.
(٢) حديث: " من صلى العشاء في جماعة. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٤٥٤) من حديث عثمان بن عفان.
يُسَبِّحُ أَوْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّهَجُّدُ:
٢ - التَّهَجُّدُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْهُجُودِ، وَيُطْلَقُ عَلَى النَّوْمِ وَالسَّهَرِ: يُقَال: هَجَدَ: نَامَ بِاللَّيْل، فَهُوَ هَاجِدٌ، وَالْجَمْعُ هُجُودٌ، وَهَجَدَ: صَلَّى بِاللَّيْل، وَيُقَال تَهَجَّدَ: إِذَا نَامَ، وَتَهَجَّدَ إِذَا صَلَّى، فَهُوَ مِنَ الأَْضْدَادِ، وَمِنْهُ قِيل لِصَلاَةِ اللَّيْل: التَّهَجُّدُ (٢) .
قَال الأَْزْهَرِيُّ: الْمَعْرُوفُ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ: أَنَّ الْهَاجِدَ هُوَ النَّائِمُ، هَجَدَ، هُجُودًا إِذَا نَامَ، وَأَمَّا الْمُتَهَجِّدُ فَهُوَ الْقَائِمُ إِلَى الصَّلاَةِ مِنَ النَّوْمِ، وَكَأَنَّهُ قِيل لَهُ مُتَهَجِّدٌ لإِلْقَائِهِ الْهُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ (٣) .
وَقَدْ فَسَّرَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَمُجَاهِدٌ، قَوْله تَعَالَى: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْل﴾، بِالْقِيَامِ لِلصَّلاَةِ مِنَ النَّوْمِ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِلتَّهَجُّدِ (٤) .
وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ: فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ التَّهَجُّدَ فِي
_________
(١) مراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص٢١٩ ط. المطبعة العثمانية، وابن عابدين ١ / ٤٦٠ - ٤٦١. ط. دار إحياء التراث العربي.
(٢) مختار الصحاح، والمصباح المنير.
(٣) لسان العرب.
(٤) تفسير القرطبي ١٩ / ٣٩.
الاِصْطِلاَحِ هُوَ صَلاَةُ التَّطَوُّعِ فِي اللَّيْل بَعْدَ النَّوْمِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَال: يَحْسِبُ أَحَدُكُمْ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل يُصَلِّي حَتَّى يُصْبِحَ أَنَّهُ قَدْ تَهَجَّدَ، إِنَّمَا التَّهَجُّدُ: الْمَرْءُ يُصَلِّي الصَّلاَةَ بَعْدَ رَقْدَةٍ (١)، وَقِيل: إِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى صَلاَةِ اللَّيْل مُطْلَقًا (٢) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (تَهَجُّدٌ ف ٤ - ٦) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ قِيَامِ اللَّيْل وَالتَّهَجُّدِ: أَنَّ قِيَامَ اللَّيْل أَعَمُّ مِنَ التَّهَجُّدِ (٣) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ قِيَامِ اللَّيْل، وَهُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَمَنْدُوبٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٤) .
وَاخْتَلَفُوا فِي فَرْضِيَّتِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (اخْتِصَاصٌ ف ٤) .
كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّ صَلاَةَ اللَّيْل أَفْضَل مِنْ صَلاَةِ النَّهَارِ، قَال أَحْمَدُ: لَيْسَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ عِنْدِي أَفْضَل مِنْ قِيَامِ اللَّيْل، وَقَدْ صَرَّحَتِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٥٩. ومغني المحتاج ١ / ٢٢٨.
(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٢١١.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٦٠.
(٤) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٦٠، الفواكه الدواني ٢ / ٣٦٠ - ٣٦١، والمجموع ٤ / ٤٧، وكشاف القناع ١ / ٤٣٥.
الأَْحَادِيثُ بِفَضْلِهِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، كَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْل، فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِْثْمِ (١) .
الْوَقْتُ الأَْفْضَل لِقِيَامِ اللَّيْل:
٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ قِيَامَ اللَّيْل لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ، سَوَاءٌ سَبَقَهُ نَوْمٌ أَوْ لَمْ يَسْبِقْهُ، وَأَنَّ كَوْنَهُ بَعْدَ النَّوْمِ أَفْضَل.
وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَفْضَل الأَْوْقَاتِ لِقِيَامِ اللَّيْل عَلَى أَقْوَالٍ:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الأَْفْضَل مُطْلَقًا السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ مِنَ اللَّيْل، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللَّهِ صَلاَةُ دَاوُدَ ﵇، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْل، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا (٢) .
وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَل اللَّيْل نِصْفَيْنِ:
_________
(١) حديث: " عليكم بقيام الليل. . . ". أخرجه الحاكم (١ / ٣٠٨) من حديث أبي أمامة الباهلي، وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) حديث عبد الله بن عمرو: " أحب الصلاة إلى الله صلاة داود. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ١٦) .
أَحَدَهُمَا لِلنَّوْمِ، وَالآْخَرَ لِلْقِيَامِ، فَالنِّصْفُ الأَْخِيرُ أَفْضَل، لِقِلَّةِ الْمَعَاصِي فِيهِ غَالِبًا، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: يَنْزِل رَبُّنَا ﵎ كُل لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْل الآْخِرِ، يَقُول: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مِنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ (١) .
وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ أَثْلاَثًا، فَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ ثُلُثَيْهِ، فَالثُّلُثُ الأَْوْسَطُ أَفْضَل مِنْ طَرَفَيْهِ؛ لأَِنَّ الْغَفْلَةَ فِيهِ أَتَمُّ، وَالْعِبَادَةَ فِيهِ أَثْقَل، وَالْمُصَلِّينَ فِيهِ أَقَل، وَلِهَذَا قَال النَّبِيُّ ﷺ: ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ مِثْل الشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ فِي وَسَطِ الشَّجَرِ (٢) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الأَْفْضَل قِيَامُ ثُلُثِ اللَّيْل الآْخِرِ لِمَنْ تَكُونُ عَادَتُهُ الاِنْتِبَاهَ آخِرَ اللَّيْل، أَمَّا مَنْ كَانَ غَالِبُ حَالِهِ أَنْ لاَ يَنْتَبِهَ آخِرَهُ، فَالأَْفْضَل أَنْ يَجْعَلَهُ أَوَّل اللَّيْل احْتِيَاطًا (٣) .
أَمَّا اللَّيْل كُلُّهُ، فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ قِيَامِهِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا:
_________
(١) حديث: " ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢٩) ومسلم (١ / ٥٢١) .
(٢) حديث: " ذكر الله في الغافلين مثل الشجرة الخضراء. . . ". أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٦ / ١٨١) وضعف إسناده العراقي كما في فيض القدير للمناوي (٣ / ٥٥٩) .
(٣) ابن عابدين ١ / ٤٦٠، والفواكه الدواني ١ / ٢٣٤ دار المعرفة، وحاشية الجمل ١ / ٤٩٥، ونهاية المحتاج للرملي ٢ / ١٦٢، والمغني لابن قدامة ٢ / ١٣٦، ونيل المآرب ١ / ١٦٢.