الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 22

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ أَوِ الْجُلُوسِ أَنْ يُصَلِّيَ النَّفَل مُضْطَجِعًا إِلاَّ لِعُذْرٍ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّنَفُّل مُضْطَجِعًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ فِي الأَْصَحِّ، لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّهُ سَأَل النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلاَةِ الرَّجُل قَاعِدًا قَال: مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَل وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ (١) .

وَالأَْفْضَل أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ فَإِنِ اضْطَجَعَ عَلَى الأَْيْسَرِ جَازَ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقْعُدَ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ قِيل: يُومِئُ بِهِمَا أَيْضًا (٢) .

الْجَمْعُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ فِي صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:

١٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (٣) إِلَى أَنَّ لِلْمُصَلِّي تَطَوُّعًا الْقِيَامَ إِذَا ابْتَدَأَ الصَّلاَةَ جَالِسًا، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا لَمْ تَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي صَلاَةَ اللَّيْل قَاعِدًا

_________

(١) حديث عمران بن حصين: " من صلى قائمًا فهو أفضل. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥٨٦) .

(٢) الدر المختار ١ / ٤٦٨، ٦٥٢ وما بعدها، وفتح القدير ١ / ٣٢٨، والشرح الصغير ١ / ٣٥٩ وما بعدها، والشرح الكبير ١ / ٢٥٨، والقوانين الفقهية ص٥٩، ومغني المحتاج ١ / ١٥٥، وكشاف القناع ١ / ٤٥١، ٥١٦، ٥١٧، ٥٨٨، وغاية المنتهى ١ / ١٥٨.

(٣) الدر المختار ورد المحتار ١ / ٦٥٢، وفتح القدير ١ / ٣٢٨، والشرح الصغير ١ / ٣٥٩، ونهاية المحتاج ١ / ٤٥٢، وكشاف القناع ١ / ٥١٧، ونيل الأوطار ٣ / ٨٣، وغاية المنتهى ١ / ١٥٨، والقوانين الفقهية ص ٥٩.

قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلاَثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ رَكَعَ (١) .

وَيَجُوزُ لِلْمُصَلِّي أَيْضًا أَنْ يُصَلِّيَ بَعْضَ الرَّكْعَةِ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسَ أَوِ الْعَكْسُ.

وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى كَرَاهَةِ الْقُعُودِ بَعْدَ الْقِيَامِ، وَمَنَعَ أَشْهَبُ الْجُلُوسَ بَعْدَ أَنْ نَوَى الْقِيَامَ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةُ التَّطَوُّعِ فِقْرَةُ ٢٠) .

الْقِيَامُ فِي الصَّلاَةِ فِي السَّفِينَةِ:

١٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الأَْظْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ، إِلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ فَرْضًا فِي السَّفِينَةِ وَنَحْوِهَا كَالْمِحَفَّةِ وَالْهَوْدَجِ وَالطَّائِرَةِ وَالسَّيَّارَةِ قَاعِدًا إِلاَّ لِعُذْرٍ.

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ صَلَّى فِي الْفُلْكِ قَاعِدًا بِلاَ عُذْرٍ صَحَّ لِغَلَبَةِ الْعَجْزِ وَأَسَاءَ، أَيْ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ لاَ مُومِئًا، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لِغَلَبَةِ الْعَجْزِ أَيْ؛ لأَِنَّ دَوَرَانَ الرَّأْسِ فِيهَا غَالِبٌ وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ فَأُقِيمَ مَقَامَهُ، ثُمَّ قَال: وَأَسَاءَ: أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَل؛ لأَِنَّهُ أَبْعَدُ

_________

(١) حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: " أنها لم تر رسول الله ﷺ يصلي. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥٨٩) .

عَنْ شُبْهَةِ الْخِلاَفِ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (سَفِينَةٌ ف ٣) .

الْقِيَامُ فِي الأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ:

١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْمُؤَذِّنِ وَالْمُقِيمِ أَنْ يُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ قَائِمًا، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي حَدِيثِ بَدْءِ الأَْذَانِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: يَا بِلاَل، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاَةِ (٢)؛ وَلأَِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الإِْعْلاَمِ، وَتَرْكُ الْقِيَامِ مَكْرُوهٌ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَذَانٌ ف ٣٧، وَإِقَامَةٌ ف ١٥) .

بَقَاءُ الدَّاخِل إِلَى الْمَسْجِدِ قَائِمًا أَثْنَاءَ الأَْذَانِ:

١٥ - إِذَا دَخَل الْمُسْلِمُ الْمَسْجِدَ، وَالْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ، فَهَل يَظَل قَائِمًا أَوْ يَجْلِسُ؟ لِلْفُقَهَاءِ اتِّجَاهَانِ:

ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٣) إِلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَل الْمُصَلِّي الْمَسْجِدَ، وَالْمُؤَذِّنُ قَدْ شَرَعَ فِي الأَْذَانِ، لَمْ يَأْتِ بِتَحِيَّةٍ وَلاَ بِغَيْرِهَا، بَل يُجِيبُ الْمُؤَذِّنَ وَاقِفًا، حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ أَذَانِهِ، لِيَجْمَعَ بَيْنَ أَجْرِ الإِْجَابَةِ وَالتَّحِيَّةِ.

_________

(١) الدر المختار ورد المحتار ١ / ٤١٥، ٧١٣ - ٧١٧، والشرح الصغير ١ / ٣٠٠، ٣٠٢، ٣٠٧، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ٢٢٥، ٢٢٨ - ٢٣٠، ومغني المحتاج ١ / ١٥٣، وكشاف القناع ١ / ٥٩٣.

(٢) حديث ابن عمر: " قم فناد بالصلاة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٧٧)، ومسلم (١ / ٢٥٨) .

(٣) مغني المحتاج ١ / ١٤٠، وكشاف القناع ١ / ٢٨٥.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (١) إِلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَل الْمُصَلِّي الْمَسْجِدَ، وَالْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ قَعَدَ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ أَذَانِهِ، فَيُصَلِّي التَّحِيَّةَ بَعْدَئِذٍ، لِيَجْمَعَ بَيْنَ أَجْرِ الإِْجَابَةِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.

وَقْتُ الْقِيَامِ لِلصَّلاَةِ:

١٦ - يَنْبَغِي أَنْ لاَ يَقُومَ الْمُصَلُّونَ لِلصَّلاَةِ عِنْدَ الإِْقَامَةِ حَتَّى يَقُومَ الإِْمَامُ أَوْ يُقْبِل، أَيْ عِنْدَ الإِْمَامِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ (٢) .

وَأَمَّا تَعْيِينُ وَقْتِ قِيَامِ الْمُصَلِّينَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَفِيهِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ.

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ مَا عَدَا زُفَرَ إِلَى أَنَّ الْقِيَامَ لِلإِْمَامِ وَالْمُؤْتَمِّ حِينَ قَوْل الْمُقِيمِ: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، أَيْ عِنْدَ الْحَيْعَلَةِ الثَّانِيَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ عِنْدَ قَوْلِهِ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، أَيْ عِنْدَ الْحَيْعَلَةِ الأُْولَى؛ لأَِنَّهُ أُمِرَ بِهِ فَيُجَابُ، هَذَا إِذَا كَانَ الإِْمَامُ حَاضِرًا بِقُرْبِ الْمِحْرَابِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا، يَقُومُ كُل صَفٍّ حِينَ يَنْتَهِي إِلَيْهِ الإِْمَامُ عَلَى الأَْظْهَرِ، وَإِنْ دَخَل الإِْمَامُ مِنْ قُدَّامٍ، قَامُوا حِينَ يَقَعُ بَصَرُهُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ

_________

(١) الدر المختار ١ / ٣٧١.

(٢) حديث: " إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١١٩)، ومسلم (١ / ٤٥٢) من حديث أبي قتادة واللفظ لمسلم.

أَقَامَ الإِْمَامُ بِنَفْسِهِ فِي مَسْجِدٍ، فَلاَ يَقِفُ الْمُؤْتَمُّونَ حَتَّى يُتِمَّ إِقَامَتَهُ (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُصَلِّي الْقِيَامُ حَال الإِْقَامَةِ أَوْ أَوَّلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، فَلاَ يُطْلَبُ لَهُ تَعْيِينُ حَالٍ، بَل بِقَدْرِ الطَّاقَةِ لِلنَّاسِ، فَمِنْهُمُ الثَّقِيل وَالْخَفِيفُ، إِذْ لَيْسَ فِي هَذَا شَرْعٌ مَسْمُوعٌ إِلاَّ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ ﵊ قَال: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ، وَقَال ابْنُ رُشْدٍ: فَإِنْ صَحَّ هَذَا وَجَبَ الْعَمَل بِهِ، وَإِلاَّ فَالْمَسْأَلَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِهَا الْمَعْفُوِّ عَنْهُ، أَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا شَرْعٌ، وَأَنَّهُ مَتَى قَامَ كُل وَاحِدٍ، فَحَسَنٌ (٢) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ وَالإِْمَامِ أَنْ لاَ يَقُومَا حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الإِْقَامَةِ، وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ شَيْخًا بَطِيءَ النَّهْضَةِ أَنْ يَقُومَ عِنْدَ قَوْلِهِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ، وَلِسَرِيعِ النَّهْضَةِ أَنْ يَقُومَ بَعْدَ الْفَرَاغِ، لِيَسْتَوُوا قِيَامًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.

فَإِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ الإِْمَامُ مَعَ الْقَوْمِ بَل يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ فَإِنَّ الْمَأْمُومِينَ لاَ يَقُومُونَ حَتَّى يَرَوُا الإِْمَامَ لِمَا رَوَاهُ أَبُو قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ

_________

(١) الدر المختار ورد المحتار ١ / ٣٧٢، ٤٤٧.

(٢) الشرح الصغير ١ / ٢٥٦، وبداية المجتهد ١ / ١٥٠. ط. دار المعرفة، والدسوقي ١ / ٢٠٠.

تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ (١) .

وَرَأْيُ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ الْمُصَلِّي عِنْدَ قَوْل الْمُؤَذِّنِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ: " أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ إِذَا قَال الْمُؤَذِّنُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ (٢) ".

الْقِيَامُ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَنَحْوِهِمَا:

١٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ قِيَامِ الْخَطِيبِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالاِسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفَيْنِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٣) وَابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، إِلَى أَنَّ قِيَامَ الْخَطِيبِ فِي الْخُطْبَةِ سُنَّةٌ، لِفِعْلِهِ ﷺ وَلَمْ يَجِبْ؛ لأَِنَّهُ ذِكْرٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ الْقِيَامُ، كَالأَْذَانِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ قِيَامَ الْخَطِيبِ حَال الْخُطْبَةِ شَرْطٌ، إِنْ قَدَرَ، وَذَهَبَ الدَّرْدِيرُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ الأَْظْهَرَ أَنَّ الْقِيَامَ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ، فَإِنْ جَلَسَ أَسَاءَ وَصَحَّتْ.

وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ خَطَبَ قَاعِدًا ثُمَّ مُضْطَجِعًا كَالصَّلاَةِ،

_________

(١) المجموع ٣ / ٢٥٥، ٢٥٦ ط. السلفية.

(٢) المغني ١ / ٤٥٨.

(٣) الدر المختار ورد المحتار ١ / ٧٦٠، وفتح القدير ١ / ٤١٤، وكشاف القناع ٢ / ٤٣، ٣٩، والمغني ٢ / ٣٠٢ وما بعدها.

وَيَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ بِهِ، وَالأَْوْلَى لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا لِلْقِيَامِ فِي الْخُطْبَةِ بِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ (٢) . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ حَال الْخُطْبَةِ مَشْرُوعٌ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَل أَهْل الْعِلْمِ مِنْ عُلَمَاءِ الأَْمْصَارِ.

الْقِيَامُ فِي حَال تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالذِّكْرِ:

١٨ - تَجُوزُ تِلاَوَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَتَرْدَادُ الأَْذْكَارِ مِنْ تَهْلِيلٍ وَتَسْبِيحٍ وَتَحْمِيدٍ وَغَيْرِهَا فِي أَيِّ حَالٍ، قِيَامًا وَقُعُودًا، وَفِي حَالَةِ الْوُقُوفِ وَالْمَشْيِ، قَال الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: وَلَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ قَائِمًا، أَوْ رَاكِبًا، أَوْ جَالِسًا، أَوْ مُضْطَجِعًا، أَوْ فِي فِرَاشِهِ، أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْحْوَال، جَازَ، وَلَهُ أَجْرٌ (٣)، قَال اللَّهُ ﷿: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ .

_________

(١) الشرح الصغير ١ / ٤٩٩، والشرح الكبير ١ / ٣٧٩، المهذب ١ / ٢٨٥، ومغني المحتاج ١ / ٢٨٧.

(٢) حديث ابن عمر: " كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا. . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٢ / ٤٠١)، ومسلم (٢ / ٥٨٩) واللفظ لمسلم.

(٣) التبيان في آداب حملة القرآن للنووي: ص٤٣.

الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ عِنْدَ مُرُورِهَا:

١٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ عِنْدَ مُرُورِهَا:

فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُكْرَهُ الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ إِذَا مَرُّوا بِهَا عَلَى جَالِسٍ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ عَمَل السَّلَفِ.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الْمُخْتَارُ أَنْ لاَ يَقُومَ لَهَا، وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: يُنْدَبُ الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَنْ يَدْعُوَ لَهَا وَيُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، إِنْ كَانَتْ أَهْلًا لَهُ (١) .

الْقِيَامُ عِنْدَ الأَْكْل وَالشُّرْبِ:

٢٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ قَائِمًا تَنْزِيهًا، وَاسْتَثْنَوُا الشُّرْبَ مِنْ زَمْزَمَ وَالشُّرْبَ مِنْ مَاءِ الْوُضُوءِ بَعْدَهُ، حَيْثُ نَفَوُا الْكَرَاهَةَ عَنْهُمَا (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُبَاحُ الأَْكْل وَالشُّرْبُ قَائِمًا (٣) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ شُرْبَ الشَّخْصِ قَائِمًا بِلاَ عُذْرٍ خِلاَفُ الأَْوْلَى (٤) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ كَرَاهَةِ الشُّرْبِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٩٨، والشرح الصغير ١ / ٥٧٠، والبدائع ١ / ٣١٠، والقليوبي ١ / ٣٣٠، وغاية المنتهى ١ / ٢٤٦.

(٢) ابن عابدين ١ / ٣٨٧، ٨٨.

(٣) الفواكه الدواني ٢ / ٤١٧، والقوانين الفقهية ص٢٨٨.

(٤) روضة الطالبين ٧ / ٣٤٠، ومغني المحتاج ١ / ٢٥٠.

قَائِمًا، أَمَّا الأَْكْل قَائِمًا فَقَدْ قَال الْبُهُوتِيُّ: وَظَاهِرُ كَلاَمِهِمْ لاَ يُكْرَهُ أَكْلُهُ قَائِمًا، وَيَتَوَجَّهُ كَشُرْبٍ.

وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يُكْرَهُ الأَْكْل وَالشُّرْبُ، قَائِمًا (١) .

وَسَبَبُ الاِخْتِلاَفِ أَنَّهُ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُتَعَارِضَةٌ فِي الأَْكْل وَالشُّرْبِ قَائِمًا.

مِنْهَا: عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَجَرَ وَفِي رِوَايَةٍ: نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا، قَال قَتَادَةَ: فَقُلْنَا: فَالأَْكْل، فَقَال: ذَاكَ شَرٌّ وَأَخْبَثُ (٢) "، وَيَدُل هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَنْعِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ قَائِمًا.

وَهُنَاكَ أَحَادِيثُ أُخْرَى تُجِيزُ الأَْكْل وَالشُّرْبَ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمَاشِيًا.

مِنْهَا: مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: كُنَّا نَأْكُل عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نَمْشِي، وَنَشْرَبُ وَنَحْنُ قِيَامٌ (٣) .

وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ قَال: شَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ وَهُوَ قَائِمٌ (٤) .

_________

(١) كشاف القناع ٥ / ١٧٧. والآداب الشرعية ٣ / ١٧٥، ١٧٦.

(٢) حديث أنس بن مالك: " أن النبي ﷺ زجر (وفي رواية: نهى) عن الشرب قائمًا ". أخرجه مسلم (٢ / ١٦٠٠ - ١٦٠١) .

(٣) حديث ابن عمر: " كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ ونحن نمشي. . . ". أخرجه الترمذي (٤ / ٣٠٠) وقال: حديث حسن صحيح.

(٤) حديث ابن عباس: " شرب النبي ﷺ من زمزم وهو قائم ". أخرجه الترمذي (٤ / ٣٠١) وقال: حديث حسن صحيح.

الْقِيَامُ حَال التَّبَوُّل:

٢١ - يُسْتَحَبُّ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (١) أَنْ يَبُول الإِْنْسَانُ قَاعِدًا؛ لأَِنَّهُ أَسْتَرُ وَأَبْعَدُ مِنْ مُمَاسَّةِ الْبَوْل؛ وَلِئَلاَّ يُصِيبَهُ الرَّشَاشُ، فَيَتَنَجَّسَ، وَيُكْرَهُ الْبَوْل قَائِمًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إِلاَّ لِعُذْرٍ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قَضَاءُ الْحَاجَةِ ف ٩) .

الْقِيَامُ لِلْقَادِمِ وَالْوَالِدِ وَالْحَاكِمِ وَالْعَالِمِ وَأَشْرَافِ الْقَوْمِ:

٢٢ - وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْقِيَامِ لِلْقَادِمِ إِذَا كَانَ بِقَصْدِ الْمُبَاهَاةِ وَالسُّمْعَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّل لَهُ الرِّجَال قِيَامًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ (٢)، وَثَبَتَ جَوَازُ الْقِيَامِ لِلْقَادِمِ إِذَا كَانَ بِقَصْدِ إِكْرَامِ أَهْل الْفَضْل، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ أَهْل قُرَيْظَةَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ - سَيِّدِ الأَْوْسِ - فَأَرْسَل رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى سَعْدٍ، فَأَتَاهُ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْمَسْجِدِ، قَال لِلأَْنْصَارِ: قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ

_________

(١) الدر المختار ١ / ٣١٨، والشرح الصغير ١ / ٨٧، والمهذب ١ / ٢٦، ومغني المحتاج ١ / ٤٠، والمغني ١ / ١٦٤.

(٢) حديث: " من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا. . . ". أخرجه الترمذي (٥ / ٩١) من حديث معاوية بن أبي سفيان، وحسنه الترمذي.