الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤ الصفحة 21

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤

فِي بَطْنِهِ وَتَحَامَل عَلَيْهِ حَتَّى نَبَعَ ظَهْرُهُ، فَلَمَّا رَجَعُوا وَقَدْ قَتَلُوهُ نَظَرَ ﵊ إِلَى سُيُوفِهِمْ فَقَال: هَذَا قَتَلَهُ لأَِنَّهُ رَأَى عَلَى السَّيْفِ أَثَرَ الطِّعَانِ (١) .

وَقَدِ اسْتَنَدَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ إِلَى الأَْثَرِ حِينَ اخْتَصَمَ عِنْدَهُ رَجُلاَنِ فِي قَطِيفَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا حَمْرَاءُ وَالأُْخْرَى خَضْرَاءُ، وَأَحَدُهُمَا يَدَّعِي الَّتِي بِيَدِ الآْخَرِ، وَأَنَّهُ تَرَكَ قَطِيفَتَهُ لِيَغْتَسِل، فَأَخَذَهَا الآْخَرُ وَتَرَكَ قَطِيفَتَهُ هُوَ فِي مَحَلِّهَا، وَلَمْ تُوجَدْ بَيِّنَةٌ، فَطَلَبَ إِيَاسٌ أَنْ يُؤْتَى بِمُشْطٍ، فَسَرَّحَ رَأْسَ هَذَا وَرَأْسَ هَذَا، فَخَرَجَ مِنْ رَأْسِ أَحَدِهِمَا صُوفٌ أَحْمَرُ، وَمِنْ رَأْسِ الآْخَرِ صُوفٌ أَخْضَرُ، فَقَضَى بِالْحَمْرَاءِ لِلَّذِي خَرَجَ مِنْ رَأْسِهِ الصُّوفُ الأَْحْمَرُ وَبِالْخَضْرَاءِ لِلَّذِي خَرَجَ مِنْ رَأْسِهِ الصُّوفُ الأَْخْضَرُ (٢) .

وَفِي إِحْدَى الْقَضَايَا هَرَبَ الْقَاتِل وَانْدَسَّ بَيْنَ النَّاسِ فَلَمْ يُعْرَفْ، فَمَرَّ الْمُعْتَضِدُ عَلَى النَّاسِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى قَلْبِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَيَجِدُهُ سَاكِنًا، حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فُؤَادِ ذَلِكَ الْغُلاَمِ، فَإِذَا بِهِ يَخْفِقُ خَفْقًا شَدِيدًا، فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ، وَاسْتَقَرَّهُ فَأَقَرَّ فَقَتَلَهُ (٣) .

_________

(١) حديث " قصة عبد الله بن أنيس ". ذكره ابن سعد في الطبقات (٢ / ٩١ - ٩٢) بدون إسناد.

(٢) الطرق الحكمية ص٣٢.

(٣) الطرق الحكمية ص٤١.

وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الاِسْتِنَادَ إِلَى الأَْثَرِ لَيْسَ قَرِينَةً قَطْعِيَّةً عَلَى ارْتِكَابِ الْجَرِيمَةِ، تُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَضِيَّةُ الْقَصَّابِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَى خَرِبَةٍ لِلتَّبَوُّل وَمَعَهُ سِكِّينُهُ، فَإِذَا بِهِ أَمَامَ مَقْتُولٍ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، وَمَا أَفَاقَ مِنْ ذُهُولِهِ حَتَّى وَجَدَ الْعَسَسَ يَقْبِضُونَ عَلَيْهِ، وَقَدْ عَجَزَ الرَّجُل عَنِ الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ مُعْتَقِدًا أَنَّ الأَْدِلَّةَ جَمِيعَهَا ضِدُّهُ، وَلَمْ يُنْقِذْهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ الْمَحْتُومَةِ - وَهِيَ الْقَتْل - إِلاَّ إِقْرَارُ الْقَاتِل الْحَقِيقِيِّ بِالْجَرِيمَةِ (١) .

_________

(١) الطرق الحكمية ص٢٨ - ٢٩.

قِيَامٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْقِيَامُ لُغَةً: مِنْ قَامَ يَقُومُ قَوْمًا وَقِيَامًا: انْتَصَبَ، وَهُوَ نَقِيضُ الْجُلُوسِ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْقُعُودُ:

٢ - الْقُعُودُ فِي اللُّغَةِ: الْجُلُوسُ، أَوْ هُوَ مِنَ الْقِيَامِ، وَالْجُلُوسُ مِنَ الضَّجْعَةِ وَمِنَ السُّجُودِ (٣) .

وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٤) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ التَّضَادُّ.

الاِضْطِجَاعُ:

٣ - الاِضْطِجَاعُ: وَضْعُ الْجَنْبِ بِالأَْرْضِ،

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير.

(٢) نهاية المحتاج ١ / ٣٤٧، ومغني المحتاج ١ / ١٥٣ - ١٥٤.

(٣) القاموس المحيط.

(٤) الدر المختار ١ / ٤١٥، ومغني المحتاج ١ / ١٥٣، ونهاية المحتاج ١ / ٣٤٧، وقواعد الفقه للبركتي.

وَالاِضْطِجَاعُ فِي السُّجُودِ: أَنْ يَتَضَامَّ وَيُلْصِقَ صَدْرَهُ بِالأَْرْضِ.

وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالاِضْطِجَاعِ التَّضَادُّ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٤ - يَتَرَدَّدُ حُكْمُ الْقِيَامِ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ حَرَامًا أَوْ سُنَّةً أَوْ مَكْرُوهًا أَوْ مُبَاحًا، بِحَسَبِ نَوْعِ الْفِعْل الْمُرْتَبِطِ بِهِ، وَالدَّلِيل الْوَارِدِ فِيهِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

الْقِيَامُ فِي الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ فِي الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهِ، وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ، كَنَذْرٍ وَسُنَّةِ صَلاَةِ الْفَجْرِ فِي الأَْصَحِّ (٢)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أَيْ: مُطِيعِينَ، وَمُقْتَضَى هَذَا الأَْمْرِ الاِفْتِرَاضُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَفْرِضِ الْقِيَامَ خَارِجَ الصَّلاَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الاِفْتِرَاضُ

_________

(١) الصحاح، والقاموس المحيط.

(٢) فتح القدير ١ / ١٩٢، وتبيين الحقائق ١ / ١٠٤، والدر المختار ١ / ٤١٤ - ٤١٥، والشرح الكبير للدردير ١ / ٢٣١، والشرح الصغير للدردير ١ / ٣٠٧، ونهاية المحتاج ١ / ٣٤٦، ومغني المحتاج ١ / ١٥٣، وكشاف القناع ١ / ٤٥٠، والمغني ١ / ٤٦٣، وغاية المنتهى ١ / ١٣٨.

الْوَاقِعُ فِي الصَّلاَةِ. إِعْمَالًا لِلنَّصِّ فِي حَقِيقَتِهِ حَيْثُ أَمْكَنَ.

وَأَكَّدَتِ السُّنَّةُ فَرْضِيَّةَ الْقِيَامِ فِيمَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلاَّ مُسْلِمًا، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَال: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاَةِ فَقَال: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (١) .

كَيْفِيَّةُ الْقِيَامِ:

٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ الْمَطْلُوبَ شَرْعًا فِي الصَّلاَةِ هُوَ الاِنْتِصَابُ مُعْتَدِلًا، وَلاَ يَضُرُّ الاِنْحِنَاءُ الْقَلِيل الَّذِي لاَ يَجْعَلُهُ أَقْرَبَ إِلَى أَقَل الرُّكُوعِ بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ يَدَيْهِ لاَ يَنَال رُكْبَتَيْهِ (٢) .

مِقْدَارُ الْقِيَامِ:

٧ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٣) إِلَى أَنَّ الْقِيَامَ الْمَفْرُوضَ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ يَكُونُ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ؛ لأَِنَّ

_________

(١) حديث عمران بن حصين: " كانت بي بواسير. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥٨٧ ط. السلفية) .

(٢) الدر المختار ورد المحتار ١ / ٤١٤ ط. الأميرية والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٢٣١، ونهاية المحتاج ١ / ٣٤٧، ومغني المحتاج ١ / ١٥٣، ١٥٤، وكشاف القناع ١ / ٤٥١، والمغني ١ / ٤٦٣.

(٣) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ١ / ٣٠٧، ٣٠٩، والشرح الكبير مع الدسوقي ١ / ٢٥٥، والمهذب ١ / ٧٢ - ٧٣، ٨٢، وكشاف القناع ١ / ٤٥١، وغاية المنتهى ١ / ١٣٨

الْفَرْضَ عِنْدَهُمْ ذَلِكَ؛ وَلأَِنَّ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِرَاءَةِ وَبَدَلِهَا مِنَ الذِّكْرِ، وَقَفَ بِقَدْرِهَا، وَأَمَّا السُّورَةُ بَعْدَهَا فَهِيَ سُنَّةٌ.

فَإِنْ أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ الإِْمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَقَطْ، فَالرُّكْنُ مِنَ الْقِيَامِ بِقَدْرِ التَّحْرِيمَةِ؛ لأَِنَّ الْمَسْبُوقَ يُدْرِكُ فَرْضَ الْقِيَامِ بِذَلِكَ، وَهَذَا رُخْصَةٌ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ خَاصَّةً، لإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (١) إِلَى أَنَّ فَرْضَ الْقِيَامِ وَوَاجِبَهُ وَمَسْنُونَهُ وَمَنْدُوبَهُ لِقَادِرٍ عَلَيْهِ وَعَلَى السُّجُودِ يَكُونُ بِقَدْرِ الْقِرَاءَةِ الْمَطْلُوبَةِ فِيهِ، وَهُوَ بِقَدْرِ آيَةٍ فَرْضٌ، وَبِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ وَاجِبٌ، وَبِطِوَال الْمُفَصَّل وَأَوْسَاطِهِ وَقِصَارِهِ فِي مَحَالِّهَا الْمَطْلُوبَةِ مَسْنُونٌ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ فِي نَحْوِ تَهَجُّدٍ مَنْدُوبٌ، فَلَوْ قَدَرَ الْمُصَلِّي عَلَى الْقِيَامِ دُونَ السُّجُودِ، نُدِبَ إِيمَاؤُهُ قَاعِدًا، لِقُرْبِهِ مِنَ السُّجُودِ، وَجَازَ إِيمَاؤُهُ قَائِمًا.

سُقُوطُ الْقِيَامِ:

٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ يَسْقُطُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّافِلَةِ لِعَاجِزٍ عَنْهُ، لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الْمُتَقَدِّمِ: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (٢) .

_________

(١) الدر المختار ورد المحتار ١ / ٤١٤ - ٤١٥، ٤٢٢.

(٢) انظر فقرة ٥.

فَإِنْ قَدَرَ الْمَرِيضُ عَلَى بَعْضِ الْقِرَاءَةِ وَلَوْ آيَةً قَائِمًا، لَزِمَهُ بِقَدْرِهَا.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةُ الْمَرِيضِ ف ٥، ٦) .

وَيَسْقُطُ الْقِيَامُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَنِ الْعَارِي، فَإِنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا بِالإِْيمَاءِ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَاتِرًا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي عِنْدَهُمْ قَائِمًا وُجُوبًا.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (عُرْيَانٌ ف ٧) .

وَيَسْقُطُ الْقِيَامُ كَذَلِكَ حَالَةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، فَيُصَلِّي قَاعِدًا أَوْ مُومِيًا، وَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةُ الْخَوْفِ ف ٩) .

الاِسْتِقْلاَل فِي الْقِيَامِ:

٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى اشْتِرَاطِ الاِسْتِقْلاَل فِي الْقِيَامِ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ فِي الْفَرَائِضِ دُونَ النَّوَافِل، عَلَى تَفْصِيلٍ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ (١)، إِلَى أَنَّ مَنِ اتَّكَأَ عَلَى عَصَاهُ، أَوْ عَلَى حَائِطٍ وَنَحْوِهِ، بِحَيْثُ يَسْقُطُ لَوْ زَال لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ صَحَّتْ، أَمَّا فِي التَّطَوُّعِ أَوِ النَّافِلَةِ: فَلاَ

_________

(١) الدر المختار ١ / ٤١١، ٤١٤، ٤١٥، والكتاب للقدوري وشرحه اللباب ١ / ٦٩.

يُشْتَرَطُ الاِسْتِقْلاَل بِالْقِيَامِ، سَوَاءٌ أَكَانَ لِعُذْرٍ أَمْ لاَ، إِلاَّ أَنَّ صَلاَتَهُ تُكْرَهُ؛ لأَِنَّهُ إِسَاءَةُ أَدَبٍ، وَثَوَابُهُ يَنْقُصُ إِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ.

وَالْقِيَامُ فَرْضٌ بِقَدْرِ التَّحْرِيمَةِ وَالْقِرَاءَةِ الْمَفْرُوضَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَرْضٍ، وَمُلْحَقٌ بِهِ كَنَذْرٍ وَسُنَّةِ فَجْرٍ فِي الأَْصَحِّ، لِقَادِرٍ عَلَيْهِ وَعَلَى السُّجُودِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (١) إِلَى إِيجَابِ الْقِيَامِ مُسْتَقِلًّا فِي الْفَرَائِضِ لِلإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ حَال تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَالْهُوِيِّ لِلرُّكُوعِ، فَلاَ يُجْزِئُ إِيقَاعُ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَالْفَاتِحَةِ فِي الْفَرْضِ لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ جَالِسًا أَوْ مُنْحَنِيًا، وَلاَ قَائِمًا مُسْتَنِدًا لِعِمَادٍ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيل الْعِمَادُ لَسَقَطَ، وَأَمَّا حَال قِرَاءَةِ السُّورَةِ فَالْقِيَامُ سُنَّةٌ، فَلَوِ اسْتَنَدَ إِلَى شَيْءٍ لَوْ أُزِيل لَسَقَطَ، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ قِرَاءَةِ السُّورَةِ، بَطَلَتْ صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْفَرْضِ الرُّكْنِيِّ، وَإِنْ كَانَ فِي حَال قِرَاءَةِ السُّورَةِ لَمْ تَبْطُل، وَكُرِهَ اسْتِنَادُهُ، وَلَوْ جَلَسَ فِي حَال قِرَاءَةِ السُّورَةِ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ؛ لإِخْلاَلِهِ بِهَيْئَةِ الصَّلاَةِ، أَمَّا الْمَأْمُومُ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، فَلَوِ اسْتَنَدَ حَال قِرَاءَتِهَا لِعَمُودٍ بِحَيْثُ لَوْ أُزِيل لَسَقَطَ، صَحَّتْ صَلاَتُهُ.

وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ (٢) فِي الأَْصَحِّ فَلَمْ يَشْتَرِطُوا

_________

(١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ١ / ٣١٢.

(٢) نهاية المحتاج ١ / ٣٤٧، والمجموع ٣ / ٢٥٨ - ٢٦٠.

الاِسْتِقْلاَل فِي الْقِيَامِ، فَلَوِ اسْتَنَدَ الْمُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ بِحَيْثُ لَوْ رُفِعَ السِّنَادُ لَسَقَطَ أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، لِوُجُودِ اسْمِ الْقِيَامِ، وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ وَلاَ تَصِحُّ مَعَ الاِسْتِنَادِ فِي حَال الْقُدْرَةِ بِحَالٍ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ يَجُوزُ الاِسْتِنَادُ إِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ رُفِعَ السِّنَادُ لَمْ يَسْقُطْ، وَإِلاَّ فَلاَ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ (١) إِلَى أَنَّهُ لَوِ اسْتَنَدَ اسْتِنَادًا قَوِيًّا عَلَى شَيْءٍ بِلاَ عُذْرٍ، بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَالْقِيَامُ فَرْضٌ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى، وَفِيمَا بَعْدَ الرَّكْعَةِ الأُْولَى بِقَدْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ.

صَلاَةُ الْقَاعِدِ خَلْفَ الْقَائِمِ وَبِالْعَكْسِ:

١٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ صَلاَةِ الْقَاعِدِ لِعُذْرٍ خَلْفَ الْقَائِمِ، لِمَا ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ مِنْ وَقَائِعَ، مِنْهَا: مَا وَرَدَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: صَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ قَاعِدًا، فِي ثَوْبٍ، مُتَوَشِّحًا بِهِ (٢) وَمِنْهَا مَا ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: صَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدًا (٣) .

_________

(١) كشاف القناع ١ / ٤٥٠ - ٤٥١، ٥٨٧.

(٢) حديث أنس: " صلى رسول الله ﷺ في مرضه خلف أبي بكر. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ١٩٧ - ١٩٨) وقال: حديث حسن صحيح.

(٣) حديث عائشة: " صلى رسول الله ﷺ خلف أبي بكر في مرضه. . . ". أخرجه الترمذي (٢ / ١٩٦) وقال: حديث حسن صحيح.

وَأَمَّا صَلاَةُ الْقَائِمِ خَلْفَ الْجَالِسِ أَوِ الْقَاعِدِ: فَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ ﷺ صَلَّى آخِرَ صَلاَتِهِ قَاعِدًا وَالنَّاسُ قِيَامٌ، وَأَبُو بَكْرٍ يَأْتَمُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالنَّاسُ بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ وَهِيَ صَلاَةُ الظُّهْرِ (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا (٢)؛ وَلأَِنَّ حَال الْقَائِمِ أَقْوَى مِنْ حَال الْقَاعِدِ، وَلاَ يَجُوزُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ اسْتَثْنَوْا مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ إِمَامَ الْحَيِّ الْمَرْجُوَّ زَوَال عِلَّتِهِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ النَّفْل، أَمَّا فِي النَّفْل فَيَجُوزُ اتِّفَاقًا (٣) .

الْقِيَامُ فِي النَّوَافِل:

١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّنَفُّل قَاعِدًا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ، أَمَّا الاِضْطِجَاعُ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ

_________

(١) حديث: " صلى آخر صلاته قاعدًا. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١٧٣)، ومسلم (١ / ٣١١، ٣١٢) من حديث عائشة.

(٢) حديث: " لا يؤمن أحد بعدي جالسًا. . . ". أخرجه الدارقطني (١ / ٣٩٨) من حديث الشعبي مرسلًا، وذكر الدارقطني أن فيه راويًا متروكًا.

(٣) الدر المختار ورد المحتار ١ / ٥٥١، ومغني المحتاج ١ / ٢٤٠، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٢٧، ومنار السبيل ١ / ١٢٤، وكشاف القناع ١ / ٤٧٦، ٤٧٧. ط. دار الفكر.