الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٤
فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا (١) .
قَالُوا: وَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ، لَكِنْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، سَوَاءٌ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا.
أَمَّا مَحَلُّهُ، فَبَعْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الصُّبْحِ، فَلَوْ قَنَتَ قَبْل الرُّكُوعِ لَمْ يُحْسَبْ لَهُ عَلَى الأَْصَحِّ (٢)، وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ ثُمَّ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ (٣) .
وَأَمَّا لَفْظُهُ، فَالاِخْتِيَارُ أَنْ يَقُول فِيهِ مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ قَال: عَلَّمَنِي رَسُول اللَّهِ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ، وَأَنَّهُ لاَ يَذِل مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ (٤)، وَزَادَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ: وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ قَبْل: تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ وَبَعْدَهُ: فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
قَال النَّوَوِيُّ: قَال أَصْحَابُنَا: لاَ بَأْسَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَقَال أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيُّ
_________
(١) حديث أنس بن مالك. تقدم آنفًا.
(٢) المجموع شرح المهذب ٣ / ٤٩٥، والأذكار للنووي ص٨٦.
(٣) الفتوحات الربانية لابن علان ٢ / ٢٩٣.
(٤) حديث الحسن بن علي: " علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر. . . ". أخرجه الترمذي (٢ / ٣٢٨) وقال: حديث حسن ولا نعرف عن النبي صلى الله عيه وسلم في القنوت شيئًا أحسن من هذا.
وَآخَرُونَ: مُسْتَحَبَّةٌ (١) .
وَيُسَنُّ أَنْ يَقُول عَقِبَ هَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ وَسَلِّمْ.
وَذَلِكَ فِي الْوَجْهِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ (٢) .
قَال النَّوَوِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْقُنُوتَ لاَ يَتَعَيَّنُ فِيهِ دُعَاءٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ، فَأَيُّ دُعَاءٍ دَعَا بِهِ حَصَل الْقُنُوتُ، وَلَوْ قَنَتَ بِآيَةٍ أَوْ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الدُّعَاءِ حَصَل الْقُنُوتُ (٣)، وَلَكِنَّ الأَْفْضَل مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ (٤) .
وَلَوْ قَنَتَ بِالْمَنْقُول عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ حَسَنًا، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَنَتَ فِي الصُّبْحِ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ، اللَّهُمَّ الْعَنْ كَفَرَةَ أَهْل الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ خَالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ، وَزَلْزِل أَقْدَامَهُمْ، وَأَنْزِل بِهِمْ بَأْسَكَ الَّذِي لاَ تَرُدُّهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ، بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ
_________
(١) روضة الطالبين ١ / ٢٥٤، والمجموع ٣ / ٤٩٦.
(٢) المجموع ٣ / ٤٩٩.
(٣) المجموع شرح المهذب ٣ / ٤٩٧.
(٤) الأذكار للنووي ص ٨٨، وانظر روضة الطالبين ١ / ٢٥٤.
وَلاَ نَكْفُرُكَ، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَلَكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، وَنَخْشَى عَذَابَكَ الْجِدَّ، وَنَرْجُو رَحْمَتَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكَافِرِينَ مُلْحَقٌ (١) .
ثُمَّ إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَ قُنُوتِ عُمَرَ ﵁ وَمَا سَبَقَ، فَإِنْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا، فَالأَْصَحُّ تَأْخِيرُ قُنُوتِ عُمَرَ، وَإِنِ اقْتَصَرَ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى الأَْوَّل، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ إِمَامَ جَمَاعَةٍ مَحْصُورِينَ يَرْضَوْنَ بِالتَّطْوِيل (٢) .
وَيُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي إِمَامًا أَلاَّ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ، بَل يُعَمِّمَ، فَيَأْتِيَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ " اللَّهُمَّ اهْدِنَا. . . إِلَخْ "، لِمَا رُوِيَ عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يَؤُمُّ امْرُؤٌ قَوْمًا، فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَل فَقَدْ خَانَهُمْ (٣) .
أَمَّا رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الْقُنُوتِ فَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، أَصَحُّهُمَا اسْتِحْبَابُ رَفْعِ
_________
(١) حديث " عمر في القنوت ". أخرجه البيهقي في سننه (٢ / ٢١٠ - ٢١١) وله ألفاظ أخرى في مصنف عبد الرزاق (٣ / ١١٠، ١١١) ومصنف ابن أبي شيبة (٢ / ٣١٤)، وانظر الأذكار ٨٧، والمجموع شرح المهذب ٣ / ٤٩٨.
(٢) المجموع ٣ / ٤٩٩.
(٣) حديث: " لا يؤم امرؤ قومًا. . . ". أخرجه الترمذي (٢ / ١٨٩) .
الْيَدَيْنِ فِيهِ (١) .
وَأَمَّا مَسْحُ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الدُّعَاءِ - إِنْ قُلْنَا بِالرَّفْعِ - فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عَدَمُ اسْتِحْبَابِ الْمَسْحِ (٢) .
وَأَمَّا الْجَهْرُ بِالْقُنُوتِ أَوِ الإِْسْرَارُ بِهِ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي إِمَامًا، أَوْ مُنْفَرِدًا، أَوْ مَأْمُومًا.
فَإِنْ كَانَ إِمَامًا: فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْجَهْرُ بِالْقُنُوتِ فِي الأَْصَحِّ.
وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَيُسِرُّ بِهِ بِلاَ خِلاَفٍ.
وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا: فَإِنْ لَمْ يَجْهَرِ الإِْمَامُ قَنَتَ سِرًّا كَسَائِرِ الدَّعَوَاتِ، وَإِنْ جَهَرَ الإِْمَامُ بِالْقُنُوتِ، فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ يَسْمَعُهُ أَمَّنَ عَلَى دُعَائِهِ، وَشَارَكَهُ فِي الثَّنَاءِ عَلَى آخِرِهِ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَسْمَعُهُ قَنَتَ سِرًّا (٣) .
ب - الْقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ:
٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْقُنُوتِ فِي صَلاَةِ الْوِتْرِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
(الأَْوَّل) لأَِبِي حَنِيفَةَ: وَهُوَ أَنَّ الْقُنُوتَ وَاجِبٌ فِي الْوِتْرِ قَبْل الرُّكُوعِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَقَال الصَّاحِبَانِ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: هُوَ سُنَّةٌ
_________
(١) الأذكار ص٨٨.
(٢) المجموع شرح المهذب ٣ / ٥٠٠ - ٥٠١.
(٣) الأذكار للنووي (ط. دار البيان بدمشق) ص٨٦ - ٨٩، وروضة الطالبين ١ / ٢٥٣ - ٢٥٥، والمجموع شرح المهذب ٣ / ٤٩٢ - ٥١١.
فِي كُل السَّنَةِ قَبْل الرُّكُوعِ.
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا فَرَغَ مُصَلِّي الْوِتْرِ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ كَبَّرَ رَافِعًا يَدَيْهِ، ثُمَّ يَقْرَأُ دُعَاءَ الْقُنُوتِ (١)، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَنَتَ فِي آخِرِ الْوِتْرِ قَبْل الرُّكُوعِ (٢) .
وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ مِقْدَارَ الْقِيَامِ فِي الْقُنُوتِ مِقْدَارُ سُورَةِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْقُنُوتِ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ. . . إِلَخْ (٣) " " اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ. . . إِلَخْ " وَكِلاَهُمَا عَلَى مِقْدَارِ هَذِهِ السُّورَةِ (٤) .
وَلَيْسَ فِي الْقُنُوتِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ، كَذَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ، لأَِنَّهُ رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ أَدْعِيَةٌ فِي حَال الْقُنُوتِ، وَلأَِنَّ الْمُؤَقَّتَ مِنَ الدُّعَاءِ يَجْرِي عَلَى لِسَانِ الدَّاعِي مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجِهِ إِلَى إِحْضَارِ قَلْبِهِ وَصِدْقِ الرَّغْبَةِ مِنْهُ
_________
(١) البحر الرائق ٢ / ٤٣ - ٤٥، والبدائع ١ / ٢٧٣، ومجمع الأنهر ١ / ١٢٨.
(٢) حديث أنه ﷺ " قنت في آخر الوتر قبل الركوع ". أخرجه الدارقطني (٢ / ٣٢)، وذكر ابن حجر في الدراية (١ / ١٩٣) أن في إسناده عمرو بن شمر، وهو واهٍ.
(٣) حديث أنه كان يقرأ في القنوت: " اللهم إنا نستعينك. . . ". وحديث: " اللهم اهدنا فيمن هديت. . . ". ذكر الدعاء الأول ورد من حديث ابن عباس، أورده ابن حجر في التلخيص (١ / ٢٤٩ - ٢٥٠) معزوًا إلى الحاكم وضعفه والآخر ورد من تعليمه الحسن بن علي، وقد تقدم في ف٣.
(٤) البحر الرائق ٢ / ٤٤، والبدائع ١ / ٢٧٣.
إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَيَبْعُدُ عَنِ الإِْجَابَةِ، وَلأَِنَّهُ لاَ تَوْقِيتَ فِي الْقِرَاءَةِ لِشَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ، فَفِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ أَوْلَى، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَال: التَّوْقِيتُ فِي الدُّعَاءِ يُذْهِبُ رِقَّةَ الْقَلْبِ، وَقَال بَعْضُ مَشَايِخِنَا: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: لَيْسَ فِي الْقُنُوتِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ مَا سِوَى قَوْلِهِ: " اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ. . " لأَِنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقُوا عَلَى هَذَا فِي الْقُنُوتِ، فَالأَْوْلَى أَنْ يَقْرَأَهُ، وَلَوْ قَرَأَ غَيْرَهُ جَازَ، وَلَوْ قَرَأَ مَعَهُ غَيْرَهُ كَانَ حَسَنًا، وَالأَْوْلَى أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَهُ مَا عَلَّمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ فِي قُنُوتِهِ " اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَا هَدَيْتَ (١) . . "، إِلَى آخِرِهِ (٢) .
وَمَنْ لاَ يُحْسِنُ الْقُنُوتَ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ لاَ يَحْفَظُهُ، فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ مُخْتَارَةٍ، قِيل: يَقُول: " يَا رَبِّ " ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَقِيل: يَقُول: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَقِيل: يَقُول: اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآْخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، قَال ابْنُ نُجَيْمٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الأَْقْوَال الثَّلاَثَةَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الاِخْتِلاَفَ فِي الأَْفْضَلِيَّةِ لاَ فِي الْجَوَازِ، وَأَنَّ الأَْخِيرَ أَفْضَل لِشُمُولِهِ، وَأَنَّ التَّقْيِيدَ بِمَنْ لاَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، بَل يَجُوزُ لِمَنْ يَعْرِفُ الدُّعَاءَ الْمَعْرُوفَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى وَاحِدٍ
_________
(١) حديث " أن رسول الله ﷺ علم الحسن بن علي في قنوته ". تقدم ف٣.
(٢) البدائع ١ / ٢٧٣.
مِمَّا ذُكِرَ لَمَا عَلِمْتَ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَدَمُ تَوْقِيتِهِ (١) .
وَأَمَّا صِفَةُ دُعَاءِ الْقُنُوتِ مِنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ غَيْرَهُ، وَإِنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَسَرَّ كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ.
وَإِنْ كَانَ إِمَامًا يَجْهَرُ بِالْقُنُوتِ، لَكِنْ دُونَ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ، وَالْقَوْمُ يُتَابِعُونَهُ هَكَذَا إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ (٢) .
قَال أَبُو يُوسُفَ: يُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ الْمُقْتَدِي أَيْضًا وَهُوَ الْمُخْتَارُ، لأَِنَّهُ دُعَاءٌ كَسَائِرِ الأَْدْعِيَةِ، وَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ يَقْرَأُ بَل يُؤَمِّنُ لأَِنَّ لَهُ شُبْهَةَ الْقُرْآنِ احْتِيَاطًا.
وَقَال فِي الذَّخِيرَةِ: اسْتَحْسَنُوا الْجَهْرَ فِي بِلاَدِ الْعَجَمِ لِلإِْمَامِ لِيَتَعَلَّمُوا، كَمَا جَهَرَ عُمَرُ ﵁ بِالثَّنَاءِ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ الْعِرَاقِ، وَنَصَّ فِي الْهِدَايَةِ عَلَى أَنَّ الْمُخْتَارَ الْمُخَافَتَةُ، وَفِي الْمُحِيطِ عَلَى أَنَّهُ الأَْصَحُّ (٣) .
وَفِي الْبَدَائِعِ: وَاخْتَارَ مَشَايِخُنَا بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ الإِْخْفَاءَ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ فِي حَقِّ الإِْمَامِ وَالْقَوْمِ جَمِيعًا (٤)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ
_________
(١) البحر الرائق ٢ / ٤٥.
(٢) ابن عابدين ١ / ٤٤٩، وبدائع الصنائع ١ / ٢٧٤.
(٣) البحر الرائق ٢ / ٤٦.
(٤) بدائع الصنائع ١ / ٢٧٤.
تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (١) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ (٢) .
أَمَّا الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقُنُوتِ. فَقَدْ قَال أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ: لاَ يُفْعَل، لأَِنَّ هَذَا لَيْسَ مَوْضِعَهَا، وَقَال الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: يَأْتِي بِهَا، لأَِنَّ الْقُنُوتَ دُعَاءٌ، فَالأَْفْضَل أَنْ يَكُونَ فِيهِ الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرَهُ فِي الْفَتَاوَى (٣) .
وَأَمَّا حُكْمُ الْقُنُوتِ إِذَا فَاتَ عَنْ مَحَلِّهِ، فَقَالُوا: إِذَا نَسِيَ الْقُنُوتَ حَتَّى رَكَعَ ثُمَّ تَذَكَّرَ بَعْدَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لاَ يَعُودُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقُنُوتُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ تَذَكَّرَهُ فِي الرُّكُوعِ، فَكَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، كَمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْفَتَاوَى الْخَانِيَّةِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يَعُودُ إِلَى الْقُنُوتِ، لأَِنَّ لَهُ شَبَهًا بِالْقِرَاءَةِ فَيَعُودُ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ أَوِ السُّورَةَ فَتَذَكَّرَهَا فِي الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَعُودُ وَيُنْتَقَضُ رُكُوعُهُ، كَذَا هَاهُنَا (٤) .
(وَالثَّانِي) لِلْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ وَطَاوُسٍ،
_________
(١) سورة الأعراف / ٥٥.
(٢) حديث: " خير الذكي الخفي ". أخرجه أحمد (١ / ١٧٢) من حديث سعد بن أبي وقاص، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠ / ٨١): فيه محمد بن عبد الرحمن ابن لبيبة، وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين.
(٣) بدائع الصنائع ١ / ٢٧٤.
(٤) البحر الرائق ٢ / ٤٥، وبدائع الصنائع ١ / ٢٧٤، والدر المنتقي شرح الملتقى ١ / ١٢٨، وحاشية ابن عابدين ١ / ٤٥٠.
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ لاَ يُشْرَعُ الْقُنُوتُ فِي صَلاَةِ الْوِتْرِ مِنَ السَّنَةِ كُلِّهَا، فَعَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَال: الْقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ بِدْعَةٌ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ لاَ يَقْنُتُ فِي صَلاَةٍ بِحَالٍ، وَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ كَرَاهَةُ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ فِي النِّصْفِ الأَْخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ (١) .
(وَالثَّالِثُ) لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ: وَهُوَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ فِي النِّصْفِ الأَْخِيرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ خَاصَّةً، فَإِنْ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ قَنَتَ فِيهَا، وَإِنْ أَوْتَرَ بِأَكْثَرَ قَنَتَ فِي الأَْخِيرَةِ (٢) .
وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يَقْنُتُ فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ.
وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يَجُوزُ الْقُنُوتُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ بِلاَ كَرَاهَةٍ، وَلاَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِتَرْكِهِ فِي غَيْرِ النِّصْفِ الأَْخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، قَال: وَهَذَا حَسَنٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِ طَبَرِسْتَانَ (٣) .
قَال الرَّافِعِيُّ: وَظَاهِرُ كَلاَمِ الشَّافِعِيِّ
_________
(١) الكافي لابن عبد البر (ط. دار الكتب العلمية في بيروت) ص٧٤، والتفريع لابن الجلاب ١ / ٢٦٦، والقوانين الفقهية ص٦٦، ومنح الجليل ١ / ١٥٧، والزرقاني على خليل ١ / ٢١٢، والمغني لابن قدامة ٢ / ٥٨٠، والمجموع للنووي ٤ / ٢٤.
(٢) الأذكار للنووي ص٨٦، والفتوحات الربانية لبن علان ٢ / ٢٩١، وروضة الطالبين ١ / ٢٥٣، ٣٣٠، والمجموع شرح المهذب ٤ / ١٥.
(٣) المجموع ٤ / ١٥، الروضة ١ / ٣٣٠.
كَرَاهَةُ الْقُنُوتِ فِي غَيْرِ النِّصْفِ الأَْخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ (١) .
أَمَّا مَحَل الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ، فَهُوَ بَعْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ (٢) .
أَمَّا لَفْظُ الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ فَكَالصُّبْحِ (٣) .
وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَضُمَّ إِلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ دُعَاءِ الْقُنُوتِ قُنُوتَ عُمَرَ ﵁ (٤) .
أَمَّا الْجَهْرُ بِالْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ وَمَسْحُ الْوَجْهِ فَحُكْمُهَا مَا سَبَقَ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ نَفْسِهِ (٥) .
(وَالرَّابِعُ) لِلْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يُسَنُّ الْقُنُوتُ جَمِيعَ السَّنَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ الأَْخِيرَةِ مِنَ الْوِتْرِ بَعْدَ الرُّكُوعِ (٦)، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ (٧)، قَال ابْنُ قُدَامَةَ فِي تَعْلِيل مَشْرُوعِيَّتِهِ كُل السَّنَةِ: لأَِنَّهُ وِتْرٌ، فَيُشْرَعُ فِيهِ الْقُنُوتُ، كَالنِّصْفِ الأَْخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَلأَِنَّهُ ذِكْرٌ شُرِعَ فِي الْوِتْرِ، فَشُرِعَ
_________
(١) المجموع ٤ / ١٥، وانظر روضة الطالبين ١ / ٣٣٠.
(٢) روضة الطالبين ١ / ٣٣٠، والمجموع ٤ / ١٥.
(٣) روضة الطالبين ١ / ٢٥٣.
(٤) الروضة ١ / ٣٣١.
(٥) المجموع ٤ / ١٦، الروضة ١ / ٣٣١.
(٦) شرح منتهى الإرادات ١ / ٢٢٦، وكشاف القناع ١ / ٤٨٩، والمغني ٢ / ٥٨٠، وما بعدها (ط. هجر) والمبدع ٢ / ٧.
(٧) حديث أبي هريرة " أن النبي ﷺ قنت بعد الركوع ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٢٨٤)، ومسلم (١ / ٤٦٨)، وحديث أنس أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٤٨٩)، ومسلم (١ / ٤٦٨) .