الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣
جَمِيعًا (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَوَاطُؤ ف ٧) .
وَلِيُّ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ:
٢٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوَّلًا؛ لأَِنَّ الْجِنَايَةَ وَقَعَتْ عَلَيْهِ فَكَانَ الْجَزَاءُ حَقَّهُ، وَعَلَى ذَلِكَ فَإِذَا عَفَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِشُرُوطِهِ سَقَطَ الْقِصَاصُ، فَإِذَا مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عَفْوٍ، انْتَقَل الْقِصَاصُ إِلَى الْوَرَثَةِ عَلَى سَبِيل الاِشْتِرَاكِ بَيْنَهُمْ، كُلٌّ مِنْهُمْ حَسَبَ حِصَّتِهِ فِي التَّرِكَةِ، (٢) يَسْتَوِي فِيهِمُ الْعَاصِبُ وَصَاحِبُ الْفَرْضِ، وَالذَّكَرُ وَالأُْنْثَى، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، فَإِذَا مَاتَ مَدِينًا بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ، أَوْ مَاتَ لاَ عَنْ تَرِكَةٍ فَالْقِصَاصُ لِوَرَثَتِهِ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَرِثُوا شَيْئًا؛ لأَِنَّ فِيهِمْ قُوَّةَ الإِْرْثِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ زَائِدٌ عَنِ الدَّيْنِ لَوَرِثُوهُ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ الْقِصَاصُ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: الْمَقْصُودُ مِنَ الْقِصَاصِ هُوَ التَّشَفِّي، وَأَنَّهُ لاَ يَحْصُل لِلْمَيِّتِ، وَيَحْصُل لِوَرَثَتِهِ، فَكَانَ حَقًّا لَهُمُ ابْتِدَاءً، وَثَبَتَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْكَمَال لاَ عَلَى الشَّرِكَةِ، وَلاَ
_________
(١) أثر عمر ﵁: " لو تمالأ عليه أهل صنعاء. . . . " أخرجه البيهقي (٨ / ٤١)، والبخاري تعليقًا (فتح الباري ١٢ / ٢٢٧) واللفظ للبيهقي، وصحح إسناده، ووصله ابن حجر في فتح الباري (٢ / ٢٢٧) .
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٢٤٨ - ٢٤٩، والدسوقي ٤ / ٢٤٠، ومغني المحتاج ٤ / ٣٩، ٥٠، ٥١، وكشاف القناع ٥ / ٥٤٦.
يَمْنَعُ ذَلِكَ أَنَّ لِلْمَيِّتِ فِيهِ حَقًّا حَتَّى يَسْقُطَ بِعَفْوِهِ. (١)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ لِعَصَبَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الذُّكُورِ فَقَطْ، سَوَاءٌ كَانُوا عَصَبَةً بِالنَّسَبِ كَالاِبْنِ، أَوْ بِالسَّبَبِ كَالْوَلاَءِ، فَلاَ دَخْل فِيهِ لِزَوْجٍ وَلاَ أَخٍ لأُِمٍّ أَوْ جَدٍّ لأُِمٍّ، يُقَدَّمُ فِيهِ الاِبْنُ ثُمَّ ابْنُ الاِبْنِ، وَيُقَدَّمُ الأَْقْرَبُ مِنَ الْعَصَبَاتِ عَلَى الأَْبْعَدِ، إِلاَّ الْجَدُّ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ مَعَ الإِْخْوَةِ بِخِلاَفِ الأَْبِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَصَبَةِ هُنَا الْعَصَبَةُ بِنَفْسِهِ لاِشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ فِيهِ، فَلاَ يَسْتَحِقُّهُ عَصَبَتُهُ بِغَيْرِهِ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ. (٢)
إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ يَكُونُ لِلنِّسَاءِ بِشُرُوطٍ ثَلاَثَةٍ:
الأَْوَّل: أَنْ يَكُنْ مِنْ وَرَثَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، كَالْبِنْتِ وَالأُْخْتِ.
وَالثَّانِي: أَنْ لاَ يُسَاوِيَهُنَّ عَاصِبٌ، فَإِنْ سَاوَاهُنَّ فَلاَ قِصَاصَ لَهُنَّ، كَالْبِنْتِ مَعَ الاِبْنِ، وَالأُْخْتِ مَعَ الأَْخِ، فَإِنَّهُ لاَ حَقَّ لَهُمَا فِي الْقِصَاصِ، وَالْحَقُّ فِيهِ لِلاِبْنِ وَحْدَهُ، وَلِلأَْخِ وَحْدَهُ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الْوَارِثَةُ مِمَّنْ لَوْ ذُكِّرَتْ عُصِّبَتْ، كَالْبِنْتِ وَالأُْخْتِ الشَّقِيقَةِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٤٢، وابن عابدين ٥ / ٣٦٤.
(٢) الدسوقي ٤ / ٢٥٦.
أَوْ لأَِبٍ، فَأَمَّا الزَّوْجَةُ وَالْجَدَّةُ لأُِمٍّ وَالأُْخْتُ لأُِمٍّ. . . فَلاَ قِصَاصَ لَهُنَّ مُطْلَقًا.
فَإِذَا كَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَارِثٌ مِنَ النِّسَاءِ، وَعَصَبَتُهُ مِنَ الرِّجَال أَبْعَدُ مِنْهُنَّ، كَانَ حَقُّ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ لَهُنَّ وَلِلْعَصَبَةِ الأَْبْعَدِ مِنْهُنَّ. (١)
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الأَْوْلِيَاءِ الْمُنْفَرِدِينَ وَالْمُتَعَدِّدِينَ تَوْكِيل وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (وَكَالَةٌ) .
وَلِلأَْبِ حَقُّ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ عَنِ ابْنِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِوِلاَيَتِهِ عَلَيْهِ، أَمَّا غَيْرُ الأَْبِ مِنْ أَوْلِيَاءِ النَّفْسِ كَالأَْخِ وَالْعَمِّ فَلَهُ ذَلِكَ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ. أَمَّا الْوَصِيُّ فَلَيْسَ لَهُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ عَنِ الْقَاصِرِ الْمَشْمُول بِوِصَايَتِهِ؛ لأَِنَّ الْوِصَايَةَ عَلَى الْمَال فَقَطْ وَلَيْسَ الْقِصَاصُ مِنْهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْوَلِيَّ لاَ يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ عَمَّنْ يَلِي عَلَيْهِ، أَبًا أَوْ غَيْرَهُ. (٢)
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُول وَارِثٌ وَلاَ عَصَبَةٌ، كَانَ حَقُّ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ لِلسُّلْطَانِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِوِلاَيَتِهِ الْعَامَّةِ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ:
_________
(١) الدسوقي ٤ / ٢٥٨.
(٢) المغني ٧ / ٧٤٠، والمهذب ٢ / ١٨٥، وبدائع الصنائع ٧ / ٢٤٣ - ٢٤٤، وكشاف القناع ٥ / ٥٣٣.
لاَ وِلاَيَةَ لِلسُّلْطَانِ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ إِذَا كَانَ الْمَقْتُول فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: حَقُّ الْقِصَاصِ لِلسُّلْطَانِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ. (١)
طَرِيقَةُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ:
٢٧ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ لِلْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْقَاتِل يُقْتَصُّ مِنْهُ بِمِثْل الطَّرِيقَةِ وَالآْلَةِ الَّتِي قَتَل بِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، (٢) إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الطَّرِيقَةُ مُحَرَّمَةً، كَأَنْ يَثْبُتَ الْقَتْل بِخَمْرٍ فَيُقْتَصَّ بِالسَّيْفِ عِنْدَهُمْ، وَإِنْ ثَبَتَ الْقَتْل بِلِوَاطٍ أَوْ بِسِحْرٍ فَيُقْتَصَّ بِالسَّيْفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَكَذَا فِي الأَْصَحِّ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْخَمْرِ بِإِيجَارِهِ مَائِعًا كَخَلٍّ أَوْ مَاءٍ، وَفِي اللِّوَاطِ بِدَسِّ خَشَبَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ آلَتِهِ وَيُقْتَل بِهَا. (٣)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْقِصَاصَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالسَّيْفِ، وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي الْعُنُقِ مَهْمَا كَانَتِ الآْلَةُ وَالطَّرِيقَةُ الَّتِي قَتَل بِهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٤٣، والدسوقي ٤ / ٢٥٦، والمهذب ٢ / ١٨٥.
(٢) سورة النحل / ١٢٦.
(٣) الدسوقي ٤ / ٢٦٥ - ٢٦٦، والمهذب ٢ / ١٨٦، والمغني ٧ / ٦٨٨.
لاَ قَوَدَ إِلاَّ بِالسَّيْفِ، (١) وَالْمُرَادُ بِالسَّيْفِ هُنَا السِّلاَحُ مُطْلَقًا، فَيَدْخُل السِّكِّينُ وَالْخَنْجَرُ وَغَيْرُ ذَلِكَ. (٢)
٢٨ - وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ إِلاَّ بِإِذْنِ الإِْمَامِ فِيهِ لِخَطَرِهِ؛ وَلأَِنَّ وُجُوبَهُ يَفْتَقِرُ إِلَى اجْتِهَادٍ لاِخْتِلاَفِ النَّاسِ فِي شَرَائِطِ الْوُجُوبِ وَالاِسْتِيفَاءِ، لَكِنْ يُسَنُّ حُضُورُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنْ لاَ يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ إِلاَّ بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ، فَإِذَا اسْتَوْفَاهُ الْوَلِيُّ بِنَفْسِهِ بِدُونِ إِذْنِ السُّلْطَانِ جَازَ، وَيُعَزَّرُ لاِفْتِئَاتِهِ عَلَى الإِْمَامِ. (٣)
اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ:
٢٩ - يُشْتَرَطُ لاِسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ كَامِل الأَْهْلِيَّةِ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ وَلِيَّ الْقِصَاصِ إِذَا كَانَ كَامِل الأَْهْلِيَّةِ وَاحِدًا كَانَ أَوْ أَكْثَرَ أَنَّ لَهُ طَلَبَ الْقِصَاصِ وَاسْتِيفَاءَهُ، فَإِنْ طَلَبَهُ أُجِيبَ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ وَاحِدًا أُجِيبَ إِلَيْهِ إِذَا طَلَبَهُ مُطْلَقًا، وَإِذَا كَانُوا مُتَعَدِّدِينَ أُجِيبُوا إِلَيْهِ إِذَا
_________
(١) حديث: " لا قود إلا بالسيف " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٨٩) من حديث النعمان بن بشير، وضعفه ابن حجر كما في فتح الباري (١٢ / ٢٠٠) .
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٢٤٥، والدر المختار ٥ / ٣٤٦، والمغني ٧ / ٦٨٨، والإنصاف ٩ / ٤٩٠.
(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٥٢، ومنح الجليل ٤ / ٣٤٥، ومغني المحتاج ٤ / ٤٠، والإنصاف ٩ / ٤٨٧، والمغني ٧ / ٦٩٠.
طَلَبُوهُ جَمِيعًا، فَإِذَا أَسْقَطَهُ أَحَدُهُمْ سَقَطَ الْقِصَاصُ - كَمَا تَقَدَّمَ -
فَإِذَا كَانَ وَلِيُّ الْقِصَاصِ قَاصِرًا، أَوْ كَانُوا مُتَعَدِّدِينَ بَعْضُهُمْ كَامِل الأَْهْلِيَّةِ وَبَعْضُهُمْ نَاقِصَ الأَْهْلِيَّةِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي الظَّاهِرِ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُنْتَظَرُ الصَّغِيرُ حَتَّى يَكْبَرَ، وَالْمَجْنُونُ حَتَّى يُفِيقَ؛ لأَِنَّهُ رُبَّمَا يَعْفُو فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ؛ لأَِنَّ الْقِصَاصَ عِنْدَهُمْ يَثْبُتُ لِكُل الْوَرَثَةِ عَلَى سَبِيل الاِشْتِرَاكِ؛ وَلأَِنَّ الْقِصَاصَ لِلتَّشَفِّي، فَحَقُّهُ التَّفْوِيضُ إِلَى خِيرَةِ الْمُسْتَحِقِّ، فَلاَ يَحْصُل بِاسْتِيفَاءِ غَيْرِهِ مِنْ وَلِيٍّ أَوْ حَاكِمٍ أَوْ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ يُحْبَسُ الْقَاتِل حَتَّى الْبُلُوغِ وَالإِْفَاقَةِ، وَلاَ يُخَلَّى بِكَفِيلٍ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَهْرُبُ فَيَفُوتُ الْحَقُّ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ يَكُونُ لِكَامِلِي الأَْهْلِيَّةِ وَحْدَهُمْ حَقُّ طَلَبِ الْقِصَاصِ، لأَِنَّ الْقِصَاصَ ثَابِتٌ لِكُلٍّ مِنْهُمْ كَامِلًا - عِنْدَهُ - عَلَى سَبِيل الاِسْتِقْلاَل، فَإِذَا طَلَبُوهُ أُجِيبُوا إِلَيْهِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِالآْخَرِينَ نَاقِصِي الأَْهْلِيَّةِ؛ لأَِنَّ عَفْوَهُمْ لاَ يَصِحُّ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُنْتَظَرُ صَغِيرٌ لَمْ يَتَوَقَّفِ الثُّبُوتُ عَلَيْهِ، وَلاَ يُنْتَظَرُ مَجْنُونٌ مُطْبِقٌ لاَ تُعْلَمُ إِفَاقَتُهُ بِخِلاَفِ مَنْ يُفِيقُ أَحْيَانًا فَتُنْتَظَرُ
إِفَاقَتُهُ. (١)
فَإِذَا كَانَ أَحَدُ الأَْوْلِيَاءِ كَامِلِي الأَْهْلِيَّةِ غَائِبًا انْتُظِرَتْ عَوْدَتُهُ بِالاِتِّفَاقِ؛ لأَِنَّ لَهُ الْعَفْوَ فَيَسْقُطُ بِهِ الْقِصَاصُ؛ وَلأَِنَّ الْقِصَاصَ لِلتَّشَفِّي كَمَا سَبَقَ. (٢)
زَمَانُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ:
٣٠ - إِذَا ثَبَتَ الْقِصَاصُ بِشُرُوطِهِ جَازَ لِلْوَلِيِّ اسْتِيفَاؤُهُ فَوْرًا مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ لأَِنَّهُ حَقُّهُ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يُعَدُّ مُسْتَحِقًّا لَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، فَإِذَا جَرَحَهُ جُرْحًا نَافِذًا لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ حَتَّى يَمُوتَ؛ لأَِنَّهُ رُبَّمَا شُفِيَ مِنْ جُرْحِهِ فَلاَ قِصَاصَ لِعَدَمِ تَوَفُّرِ سَبَبِهِ وَهُوَ الْمَوْتُ، فَإِذَا مَاتَ ثَبَتَ الْقِصَاصُ فَيُسْتَوْفَى فَوْرًا.
وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِل مُعَافًى أَوْ مَرِيضًا، وَسَوَاءٌ أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ بَارِدًا أَوْ حَارًّا؛ لأَِنَّ الْمُسْتَحَقَّ الْمَوْتُ، وَلاَ يُؤَثِّرُ فِي الْمَوْتِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْقَاتِل إِذَا كَانَ امْرَأَةً حَامِلًا يُؤَخَّرُ الْقِصَاصُ حَتَّى تَلِدَ، حِفَاظًا عَلَى سَلاَمَةِ الْجَنِينِ وَحَقِّهِ فِي الْحَيَاةِ، بَل إِنَّهَا تُنْظَرُ إِلَى الْفِطَامِ أَيْضًا إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٤٣، والزيلعي ٦ / ١٠٨، والزرقاني ٨ / ٢١ - ٢٣، ومغني المحتاج ٤ / ٤٠، والمغني ٧ / ٧٣٩، والشرح الصغير ٤ / ٣٥٩ - ٣٦٠.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٢٤٣، والزيلعي ٦ / ١٠٩، ومغني المحتاج ٤ / ٤٠، والمغني ٧ / ٧٣٩، والشرح الصغير ٤ / ٣٥٩ - ٣٦٠.
لإِرْضَاعِهِ، فَإِذَا ادَّعَتِ الْحَمْل وَشَكَّ فِي دَعْوَاهَا أُرِيَتِ النِّسَاءَ، فَإِنْ قُلْنَ: هِيَ حَامِلٌ أُجِّلَتْ، ثُمَّ إِنْ ثَبَتَ حَمْلُهَا حُبِسَتْ حَتَّى تَلِدَ وَإِنْ قُلْنَ: غَيْرُ حَامِلٍ اقْتُصَّ مِنْهَا فَوْرًا. (١)
مَكَانُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ:
٣١ - لَيْسَ لِلْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ مَكَانٌ مُعَيَّنٌ، إِلاَّ أَنَّهُ إِذَا الْتَجَأَ الْجَانِي إِلَى الْحَرَمِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ مَنْ تَوَجَّبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، إِذَا لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ قُتِل فِيهِ، فَإِنْ دَخَل الْكَعْبَةَ أَوِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ أُخْرِجَ مِنْهُ وَقُتِل خَارِجَهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُخْرَجُ مِنْهُ وَلاَ يُقْتَل فِيهِ، وَلَكِنْ يُمْنَعُ عَنْهُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ بِنَفْسِهِ وَيُقْتَصُّ مِنْهُ.
هَذَا مَا دَامَتِ الْجِنَايَةُ وَقَعَتْ خَارِجَ الْحَرَمِ فِي الأَْصْل، فَإِذَا كَانَتْ وَقَعَتْ فِي الْحَرَمِ أَصْلًا، جَازَ الاِقْتِصَاصُ مِنْهُ فِي الْحَرَمِ وَخَارِجَهُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. (٢)
_________
(١) الدر المختار ٣ / ١٤٨، والدردير مع الدسوقي ٤ / ٢٦٠، والزرقاني ٨ / ٢٤، ومغني المحتاج ٤ / ٤٣، والمغني ٧ / ٧٣١.
(٢) الدر المختار ٥ / ٣٥٢، والزرقاني ٨ / ٢٤، والدسوقي ٤ / ٢٦١، والمهذب ٢ / ١٨٩، ومغني المحتاج ٤ / ٤٣، والمغني ٨ / ٢٣٦ و٢٣٩.
مَا يَسْقُطُ بِهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ:
يَسْقُطُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ بِأُمُورٍ، هِيَ:
أ - فَوَاتُ مَحَل الْقِصَاصِ:
٣٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا مَاتَ الْقَاتِل قَبْل أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ سَقَطَ الْقِصَاصُ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ؛ لأَِنَّ الْقَتْل لاَ يَرِدُ عَلَى مَيِّتٍ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ قَدْ حَصَل حَتْفَ أَنْفِهِ، أَوْ بِقَتْل آخَرَ لَهُ بِحَقٍّ كَالْقِصَاصِ وَالْحَدِّ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا إِذَا قَتَل الْقَاتِل عَمْدًا عُدْوَانًا، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى سُقُوطِ الْقِصَاصِ مَعَ وُجُوبِ الدِّيَةِ فِي مَال الْقَاتِل الأَْوَّل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِل الثَّانِي لأَِوْلِيَاءِ الْمَقْتُول الأَْوَّل. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْقَتْل خَطَأً فَتَجِبُ الدِّيَةُ لأَِوْلِيَاءِ الْمَقْتُول الأَْوَّل فِي مَال الْقَاتِل الثَّانِي. (١)
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٤٦، والشرح الصغير ٤ / ٣٣٧، وشرح الزرقاني ٨ / ١٨، والأم ٦ / ١٠، ومغني المحتاج ٤ / ٤٨، والشرح الكبير بهامش المغني ٩ / ٤١٧، والإنصاف ١٠ / ٦.
ب - الْعَفْوُ عَنِ الْقِصَاصِ.
٣٣ - الْقِصَاصُ حَقٌّ لأَِوْلِيَاءِ الدَّمِ، فَإِذَا عَفَوْا عَنِ الْقِصَاصِ عَفْوًا مُسْتَوْفِيًا لِشُرُوطِهِ سَقَطَ الْقِصَاصُ بِالاِتِّفَاقِ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ لَهُمْ فَيَسْقُطُ بِعَفْوِهِمْ، وَالْعَفْوُ عَنِ الْقِصَاصِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ شَرْعًا (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، (٢) وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (٣) وَلِحَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ رُفِعَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِ قِصَاصٌ إِلاَّ أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ. (٤)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عَفْو ف ١٨ - ٣٠) .
ج - الصُّلْحُ عَنِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ:
٣٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ الصُّلْحِ بَيْنَ الْقَاتِل وَوَلِيِّ الْقِصَاصِ عَلَى إِسْقَاطِ الْقِصَاصِ بِمُقَابِل بَدَلٍ يَدْفَعُهُ الْقَاتِل لِلْوَلِيِّ مِنْ مَالِهِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لأَِنَّ الْعَاقِلَةَ لاَ تَعْقِل الْعَمْدَ، وَيُسَمَّى هَذَا الْبَدَل بَدَل الصُّلْحِ عَنْ
_________
(١) الشرح الكبير مع المغني ٩ / ٤١٤، والمهذب ٢ / ١٨٩.
(٢) سورة البقرة / ١٧٨.
(٣) سورة المائدة / ٤٥.
(٤) حديث: " ما رأيت النبي رفع إليه شيء. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٦٣٧) من حديث أنس، وسكت عنه المنذري في مختصر السنن (٦ / ٢٩٨) .