الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣ الصفحة 53

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣

وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ فِي وَصْفَيِ الأَْصْلِيَّةِ وَالسِّيَادَةِ.

وَالشَّافِعِيَّةُ يَعْتَبِرُونَ الْمُسَاوَاةَ الْمَشْرُوطَةَ فِي الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَقْتَ الْقَتْل، وَهُوَ وَقْتُ انْعِقَادِ سَبَبِ الْقِصَاصِ، وَعَلَى ذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ، الَّذِي قَتَل كَافِرًا مُكَافِئًا لَهُ لَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ لِتَكَافُئِهِمَا حَالَةَ الْجِنَايَةِ؛ لأَِنَّ الاِعْتِبَارَ فِي الْعُقُوبَاتِ بِحَال الْجِنَايَةِ، وَلاَ نَظَرَ لِمَا يَحْدُثُ بَعْدَهَا، وَلِذَلِكَ لَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ أَوْ نَحْوُهُ ذِمِّيًّا أَوْ نَحْوَهُ وَأَسْلَمَ الْجَارِحُ، ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ بِسِرَايَةِ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ لاَ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ فِي الأَْصَحِّ، لِلتَّكَافُؤِ حَالَةَ الْجَرْحِ. (١)

د - أَنْ لاَ يَكُونَ الْقَاتِل حَرْبِيًّا:

١٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ عَلَى الْقَاتِل إِذَا كَانَ حَرْبِيًّا، حَتَّى وَلَوْ أَسْلَمَ، قَال الشَّافِعِيَّةُ، لِمَا تَوَاتَرَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ وَالصَّحَابَةِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ عَدَمِ الْقِصَاصِ مِمَّنْ أَسْلَمَ كَوَحْشِيٍّ قَاتِل حَمْزَةَ وَلِعَدَمِ الْتِزَامِهِ أَحْكَامَ الإِْسْلاَمِ، وَلَكِنْ يُقْتَل بِمَا هُدِرَ بِهِ دَمُهُ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَوْ قَتَل حَرْبِيٌّ مُسْلِمًا لَمْ يُقْتَل بِهِ قِصَاصًا، وَيُقْتَل لإِهْدَارِ دَمِهِ، فَإِذَا أَسْلَمَ سَقَطَ الْقَتْل وَالْقِصَاصُ. (٢)

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ١٦.

(٢) بدائع الصناع ٧ / ٢٣٦، والدردير مع الدسوقي ٤ / ٢٣٨، والزرقاني ٨ / ٣، ومغني المحتاج ٤ / ١٥ - ١٦، وكشاف القناع ٥ / ٥٢٤.

هـ - أَنْ يَكُونَ الْقَاتِل مُتَعَمِّدًا الْقَتْل:

١٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ لاَ يَجِبُ فِي غَيْرِ الْقَتْل الْعَمْدِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْعَمْدُ قَوَدٌ، (١) قَال الْكَاسَانِيُّ: لأَِنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ فَلاَ تَجِبُ إِلاَّ فِي جِنَايَةٍ مُتَنَاهِيَةٍ، وَالْجِنَايَةُ لاَ تَتَنَاهَى إِلاَّ بِالْعَمْدِ، وَالْقَتْل الْعَمْدُ هُوَ قَصْدُ الْفِعْل وَالشَّخْصِ بِمَا يَقْتُل غَالِبًا.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (قَتْل عَمْدٍ ف ١) .

و أَنْ يَكُونَ الْقَاتِل مُخْتَارًا:

١٦ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الإِْكْرَاهَ لاَ أَثَرَ لَهُ فِي إِسْقَاطِ الْقِصَاصِ عَنِ الْمُكْرَهِ، فَإِذَا قَتَل غَيْرَهُ مُكْرَهًا لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَلَزِمَ الْقِصَاصُ الْمُكْرَهَ أَيْضًا وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ. (٢)

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْقِصَاصِ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِل مُخْتَارًا اخْتِيَارَ الإِْيثَارِ، فَلاَ قِصَاصَ عَلَى مُكْرَهٍ إِكْرَاهًا مُلْجِئًا اسْتَوْفَى شُرُوطَهُ الأُْخْرَى (٣)، وَهَل يَجِبُ

_________

(١) حديث: " العمد قود ". أخرجه ابن أبي شيبة (٩ / ٣٦٥) من حديث ابن عباس.

(٢) الدسوقي ٤ / ٢٤٤، ومغني المحتاج ٤ / ٩، والمغني ٧ / ٦٤٥.

(٣) بدائع الصنائع ٧ / ٢٣٥.

الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرَهِ؟

فِيهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِكْرَاه ف ١٩) .

أَمَّا الإِْكْرَاهُ غَيْرُ الْمُلْجِئِ فَلاَ أَثَرَ لَهُ وَيُقْتَصُّ مَعَهُ مِنَ الْقَاتِل.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِكْرَاه ف ١٩ - ٢٤) .

ز - أَنْ لاَ يَكُونَ الْمَقْتُول جُزْءَ الْقَاتِل أَوْ مِنْ فُرُوعِهِ:

١٧ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقْتَل وَالِدٌ بِوَلَدِهِ مُطْلَقًا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يُقَادُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ؛ (١) وَلأَِنَّهُ كَانَ سَبَبَ حَيَاتِهِ فَلاَ يَكُونُ الْوَلَدُ سَبَبًا فِي مَوْتِهِ، وَفِي حُكْمِ الْوَالِدِ هُنَا كُل الأُْصُول مِنَ الذُّكُورِ وَالإِْنَاثِ مَهْمَا بَعُدُوا، فَيَدْخُل فِي ذَلِكَ الأُْمُّ وَالْجَدَّاتُ وَإِنْ عَلَوْنَ مِنَ الأَْبِ كُنَّ أَمْ مِنَ الأُْمِّ، كَمَا يَدْخُل الأَْجْدَادُ وَإِنْ عَلَوْا مِنَ الأَْبِ كَانُوا أَوْ مِنَ الأُْمِّ؛ لِشُمُول لَفْظِ الْوَالِدِ لَهُمْ جَمِيعًا. (٢)

وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الأُْمَّ تُقْتَل بِالاِبْنِ خِلاَفًا لِلأَْبِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا كَالأَْبِ فَلاَ

_________

(١) حديث: " لا يقاد الوالد بالولد. . " أخرجه الترمذي (٤ / ١٨) من حديث عمر بن الخطاب، وصحح إسناده البيهقي في المعرفة (١٢ / ٤٠) بلفظ: " لا يقاد الأب من ابنه ".

(٢) البدائع ٧ / ٢٣٥، ومغني المحتاج ٤ / ١٨، والمغني ٧ / ٦٦٦، وكشاف القناع ٥ / ٥٢٧.

تُقْتَل بِالاِبْنِ. (١)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْبَ إِذَا قَتَل ابْنَهُ قُتِل بِهِ إِذَا كَانَ قَصَدَ إِزْهَاقَ رُوحِهِ وَاضِحًا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاضِحًا لَمْ يُقْتَل بِهِ، قَال الدَّرْدِيرُ: وَضَابِطُهُ أَنْ لاَ يَقْصِدَ إِزْهَاقَ رُوحِهِ، فَإِنْ قَصَدَهُ كَأَنْ يَرْمِيَ عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ، أَوْ يُضْجِعَهُ فَيَذْبَحَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَالْقِصَاصُ. (٢)

وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْوَالِدِ النَّسَبِيِّ، قَال الْحَنَابِلَةُ: أَمَّا الْوَالِدُ مِنَ الرَّضَاعِ فَإِنَّهُ يُقْتَل بِوَلَدِهِ مِنَ الرَّضَاعِ لِعَدَمِ الْجُزْئِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ. (٣)

ح - أَنْ لاَ يَكُونَ الْمَقْتُول مَمْلُوكًا لِلْقَاتِل:

١٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَتَل سَيِّدَهُ قُتِل بِهِ، أَمَّا السَّيِّدُ إِذَا قَتَل عَبْدًا أَوْ أَمَةً مَمْلُوكَيْنِ لَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يُقْتَل بِهِمَا، لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ يُقْتَل حُرٌّ بِعَبْدِهِ. (٤)

وَمِثْل الْمَمْلُوكِ هُنَا مَنْ لَهُ فِيهِ شُبْهَةُ مِلْكٍ، أَوْ كَانَ يَمْلِكُ جُزْءًا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لاَ قِصَاصَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ بَعْضِ الْقِصَاصِ دُونَ بَعْضٍ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُتَجَزِّئٍ.

كَمَا لاَ يُقْتَل الْمَوْلَى بِمُدَبَّرِهِ، وَأُمِّ وَلَدِهِ،

_________

(١) المغني ٧ / ٦٦٧.

(٢) الشرح الكبير ٤ / ٢٦٧.

(٣) كشاف القناع ٥ / ٥٢٨.

(٤) حديث: " لا يقتل حر بعبد " أخرجه الدارقطني (٣ / ١٣٣) من حديث ابن عباس وأعله ابن حجر في التلخيص (٤ / ١٦) بتضعيف أحد رواته.

وَمُكَاتَبِهِ؛ لأَِنَّهُمْ مَمَالِيكُهُ حَقِيقَةً. (١)

ط - أَنْ يَكُونَ الْقَتْل مُبَاشِرًا:

١٩ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْمُبَاشَرَةِ وَالتَّسَبُّبِ عَلَى سَوَاءٍ، إِذَا تَوَافَرَتْ شُرُوطُ الْقِصَاصِ الأُْخْرَى.

وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنْ يَكُونَ الْقَتْل مُبَاشَرَةً، فَلَوْ قَتَلَهُ بِالسَّبَبِ كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الطَّرِيقِ فَوَقَعَ فِيهَا إِنْسَانٌ فَمَاتَ فَلاَ قِصَاصَ عَلَى الْحَافِرِ، وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ إِذَا شَهِدَ بِالْقَتْل فَاقْتُصَّ مِنَ الْقَاتِل بِشَهَادَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنِ الشَّهَادَةِ، أَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا لِثُبُوتِ حَيَاةِ الْمَقْتُول، فَإِنَّهُ لاَ يُقْتَصُّ مِنْهُ عِنْدَهُمْ. (٢)

ي - أَنْ يَكُونَ الْقَتْل قَدْ حَدَثَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ:

٢٠ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ قَتَل مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، لإِطْلاَقِ الآْيَاتِ الْكَرِيمَةِ وَالأَْحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَ دَارٍ وَدَارٍ. (٣)

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ وَلَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْنَا فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُقْتَل بِهِ؛

_________

(١) البدائع ٧ / ٢٣٥، والشرح الكبير للدردير ٤ / ٢٦٧، والقرطبي ٢ / ٢٤٨ - ٢٤٩، ومغني المحتاج ٤ / ١٧، والمغني ٧ / ٦٥٩.

(٢) البدائع ٧ / ٢٣٩ - ٢٤٠، والدسوقي ٤ / ٢٤٤، ٢٤٦، ومغني المحتاج ٤ / ٧، والمغني ٧ / ٦٤٥ - ٦٤٦.

(٣) الأم ٦ / ٣٠، ومغني المحتاج ٤ / ١٣، والمغني ٧ / ٦٤٨.

لأَِنَّهُ مِنْ أَهْل دَارِ الْحَرْبِ مَكَانًا، فَكَانَ كَالْمُحَارِبِ لاَ عِصْمَةَ لَهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ تَاجِرَانِ مُسْلِمَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَتَل أَحَدُهُمَا الآْخَرَ فَإِنَّهُ لاَ قِصَاصَ فِيهِ أَيْضًا. (١)

ك - الْعُدْوَانُ:

٢١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ لاَ يَجِبُ فِي الْقَتْل الْعَمْدِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ عُدْوَانٌ، وَالْعُدْوَانُ يَعْنِي تَجَاوُزَ الْحَدِّ وَالْحَقِّ، فَإِذَا قَتَلَهُ بِحَقٍّ أَوْ بِإِذْنِ الْقَتِيل لَمْ يُقْتَل بِهِ لِعَدَمِ الاِعْتِدَاءِ، وَعَلَى ذَلِكَ يُخَرَّجُ الْقَتْل قِصَاصًا، أَوْ حَدًّا، أَوْ دِفَاعًا عَنِ النَّفْسِ، أَوْ دِفَاعًا عَنِ الْمَال كَقَتْل السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ، أَوْ تَأْدِيبًا، أَوْ تَطْبِيبًا فِي الْجُمْلَةِ، فَإِنَّ الْقَتْل فِي هَذِهِ الأَْحْوَال كُلِّهَا لاَ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ لِعَدَمِ الاِعْتِدَاءِ.

وَالتَّفْصِيل فِي (إِذْن ف ٣٩ وَ٥٨ وَ٦٠، وَتَأْدِيب ف ١١، وَتَطْبِيب ف ٧، وَصِيَال ف ٦)

ل - أَنْ لاَ يَكُونَ وَلِيُّ الدَّمِ فَرْعًا لِلْقَاتِل:

٢٢ - لَوْ كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ فَرْعًا لِلْقَاتِل، كَأَنْ وَرِثَ الْقِصَاصَ عَلَيْهِ، سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ لِلْجُزْئِيَّةِ، لأَِنَّهُ لاَ يُقْتَل وَالِدٌ بِوَلَدِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْفَرْعُ أَحَدَ الْمُسْتَحِقِّينَ

_________

(١) البدائع ٧ / ٢٣٧.

لِلْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ كُلُّهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَجَزَّأُ. (١)

م - أَنْ يَكُونَ وَلِيُّ الدَّمِ فِي الْقِصَاصِ مَعْلُومًا:

٢٣ - وَهَذَا شَرْطٌ نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ، فَإِذَا كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ مَجْهُولًا لاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ؛ لأَِنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ وُجُوبٌ لِلاِسْتِيفَاءِ، وَاسْتِيفَاءُ الْمَجْهُول مُتَعَذِّرٌ فَتَعَذَّرَ الإِْيجَابُ. (٢)

ن - أَنْ لاَ يَكُونَ لِلْقَاتِل شَرِيكٌ فِي الْقَتْل سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ:

٢٤ - إِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْ أَحَدِ الْمُشَارِكِينَ فِي الْقَتْل لأَِيِّ سَبَبٍ كَانَ غَيْرِ الْعَفْوِ عَنْهُ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِ الْجَمِيعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، (٣) لأَِنَّ الْقَتْل وَاحِدٌ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَغَيَّرَ مُوجِبُهُ بِتَغَيُّرِ الْمُشَارِكِينَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْقَاتِلِينَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ أَبًا أَوْ مُدَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ. . . سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِ الْجَمِيعِ.

أَمَّا إِذَا قَتَل اثْنَانِ رَجُلًا، فَعَفَا الْوَلِيُّ عَنْ أَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ لاَ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنِ الثَّانِي بِذَلِكَ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ، وَلَهُ أَنْ

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٤٠، والدر المختار ٥ / ٣٤٥، ومغني المحتاج ٤ / ١٨، والمغني ٧ / ٦٦٨.

(٢) (٢) بدائع الصنائع ٧ / ٢٤٠.

(٣) ابن عابدين ٥ / ٣٥٠ و٣٥٩، وبدائع الصنائع ٧ / ٢٣٥ - ٢٣٦.

يَعْفُوَ عَنْهُ كَالأَْوَّل، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِذَا عَفَا عَنْ أَحَدِهِمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِ الثَّانِي.

هَذَا مَا دَامَ الْوَلِيُّ الْعَافِي وَاحِدًا، فَإِذَا كَانَ لِلْقَتِيل أَوْلِيَاءٌ فَعَفَا أَحَدُهُمْ، سَقَطَ الْقِصَاصُ لِلْبَاقِينَ بِاتِّفَاقِ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْقِصَاصَ لاَ يَتَجَزَّأُ، فَإِذَا قَتَل إِنْسَانٌ رَجُلَيْنِ، فَعَفَا وَلِيُّ أَحَدِهِمَا دُونَ الآْخَرِ، سَقَطَ حَقُّ الأَْوَّل وَبَقِيَ حَقُّ الثَّانِي فِي الْقِصَاصِ عَلَى حَالِهِ. (١)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى شَرِيكِ الصَّبِيِّ إِنْ تَمَالآَ عَلَى قَتْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَالآَ عَلَى قَتْلِهِ وَتَعَمَّدَا قَتْلَهُ، أَوِ الْكَبِيرُ فَقَطْ، فَلاَ قِصَاصَ عَلَى الْكَبِيرِ؛ لاِحْتِمَال أَنَّ ضَرْبَ الصَّغِيرِ هُوَ الْقَاتِل، إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيل أَنَّهُ مَاتَ بِضَرْبِ الْكَبِيرِ، وَيُقْسِمُونَ عَلَى ذَلِكَ فَيُقْتَل الْكَبِيرُ.

وَلاَ قِصَاصَ عَلَى شَرِيكِ مُخْطِئٍ أَوْ مَجْنُونٍ، وَهَل يُقْتَصُّ مِنْ شَرِيكِ سَبْعٍ، أَوْ جَارِحٍ نَفْسَهُ جُرْحًا يَمُوتُ مِنْهُ غَالِبًا، أَوْ شَرِيكِ حَرْبِيٍّ لَمْ يَتَمَالآَ عَلَى قَتْلِهِ، وَإِلاَّ اقْتُصَّ مِنَ الشَّرِيكِ. أَوْ شَرِيكِ مَرَضٍ، بِأَنْ جَرَحَهُ ثُمَّ مَرِضَ مَرَضًا يَمُوتُ مِنْهُ غَالِبًا ثُمَّ مَاتَ، وَلَمْ يُدْرَ أَمَاتَ مِنَ الْجُرْحِ أَمْ مِنَ الْمَرَضِ؟ قَوْلاَنِ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَالرَّاجِحُ فِي شَرِيكِ الْمَرَضِ الْقِصَاصُ، وَفِي غَيْرِهِ لاَ يُوجَدُ تَرْجِيحٌ، قَال

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٤٧.

الدُّسُوقِيُّ: وَالرَّاجِحُ فِي شَرِيكِ الْمَرَضِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْجُرْحِ الْقَسَامَةُ وَيَثْبُتُ الْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ، وَكُل الدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَرَضُ قَبْل الْجُرْحِ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنَ الْجَارِحِ اتِّفَاقًا، وَقَال: وَأَمَّا الْمَسَائِل الثَّلاَثُ الأُْوَل فَالْقَوْلاَنِ فِيهَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا. (١)

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقْتَصُّ مِنْ شَرِيكٍ مُخْطِئٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ، وَيُقْتَصُّ مِنْ شَرِيكِ مَنِ امْتَنَعَ قَوَدُهُ لِمَعْنًى فِيهِ إِذَا تَعَمَّدَا جَمِيعًا، فَلاَ يُقْتَل شَرِيكُ مُخْطِئٍ وَشِبْهِ مُخْطِئٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ؛ لأَِنَّ الزُّهُوقَ حَصَل بِفِعْلَيْنِ أَحَدُهُمَا يُوجِبُهُ وَالآْخَرُ يَنْفِيهِ، فَغَلَبَ الْمُسْقِطُ.

وَيُقْتَل شَرِيكُ الأَْبِ فِي قَتْل وَلَدِهِ، وَعَلَى الأَْبِ نِصْفُ الدِّيَةِ مُغَلَّظَةً، وَفَارَقَ شَرِيكُ الأَْبِ شَرِيكَ الْمُخْطِئِ بِأَنَّ الْخَطَأَ شُبْهَةٌ فِي فِعْل الْخَاطِئِ وَالْفِعْلاَنِ مُضَافَانِ إِلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَأَوْرَثَ شُبْهَةً فِي الْقِصَاصِ كَمَا لَوْ صَدَرَا مِنْ وَاحِدٍ، وَشُبْهَةُ الأُْبُوَّةِ فِي ذَاتِ الأَْبِ لاَ فِي ذَاتِ الْفِعْل، وَذَاتُ الأَْبِ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ ذَاتِ الأَْجْنَبِيِّ، فَلاَ تُورِثُ شُبْهَةً فِي حَقِّهِ. (٢)

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ قَتَل جَمَاعَةٌ وَاحِدًا، وَكَانَ أَحَدُ الْجَمَاعَةِ أَبًا لِلْقَتِيل سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِ الأَْبِ وَحْدَهُ، وَوَجَبَ عَلَى

_________

(١) الدردير والدسوقي عليه ٤ / ٢٧٤، والزرقاني ٨ / ١١.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ٢٠.

الآْخَرِينَ، لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمْ قَاتِلٌ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ مُنْفَرِدًا، فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي جَمَاعَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: لاَ قِصَاصَ عَلَى الأَْبِ وَلاَ عَلَى شُرَكَائِهِ كَالْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْقَتْل مِنْهُمْ جَمِيعًا، فَلاَ يَخْتَلِفُ وَصْفُهُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنِ الآْخَرِ، وَمَا دَامَ قَدْ سَقَطَ عَنْ أَحَدِهِمْ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنِ الْبَاقِينَ.

وَمِثْل الأَْبِ هُنَا كُل مَنْ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ لِمَعْنًى فِيهِ مِنْ غَيْرِ قُصُورٍ فِي السَّبَبِ فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، كَالذِّمِّيِّ مَعَ الْمُسْلِمِ، وَالْحُرِّ مَعَ الْعَبْدِ فِي قَتْل الْعَبْدِ، فَإِذَا اشْتَرَكَ فِي الْقَتْل صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَعَاقِلٌ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُمْ جَمِيعًا فِي الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ سُقُوطَ الْقِصَاصِ عَنِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِمَعْنًى فِي فِعْلِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فَقَطْ، وَيَجِبُ عَلَى الْعَاقِل. (١)

قَتْل الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ:

٢٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَوَاطَأَ جَمَاعَةٌ عَلَى قَتْل وَاحِدٍ مَعْصُومِ الدَّمِ، فَإِنَّ الْجَمْعَ يُقْتَلُونَ بِالْفَرْدِ الَّذِي تَمَّ التَّوَاطُؤُ عَلَى قَتْلِهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَتَل سَبْعَةً مِنْ صَنْعَاءَ قَتَلُوا رَجُلًا، وَقَال: لَوْ تَمَالأَ عَلَيْهِ أَهْل صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ

_________

(١) المغني ٧ / ٦٧٦ - ٦٧٨.