الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣
بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾، (١) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ قُتِل لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُودَى، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ، (٢) وَمَا رَوَاهُ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِمُ الأَْرْشَ فَأَبَوْا، وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ فَجَاءَ أَخُوهَا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ قَال: فَعَفَا الْقَوْمُ. ثُمَّ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ؛ (٣) وَلأَِنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ كَالنَّفْسِ فِي الْحَاجَةِ إِلَى حِفْظِهِ بِالْقِصَاصِ، فَكَانَ كَالنَّفْسِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ. (٤)
أَسْبَابُ الْقِصَاصِ:
٨ - أَسْبَابُ الْقِصَاصِ هِيَ: الْقَتْل وَالْقَطْعُ وَالْجُرْحُ وَالشِّجَاجُ وَإِزَالَةُ مَعَانِي الأَْعْضَاءِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:
_________
(١) سورة المائدة / ٤٥.
(٢) حديث: " من قتل له قتيل. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٢٠٥)، ومسلم (٢ / ٩٨٩) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.
(٣) حديث أنس: " إن من عباد الله من لو أقسم. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٢١)، ومسلم (٣ / ١٣٠٢) .
(٤) المهذب ٢ / ١٧٨.
الْقِصَاصُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ:
٩ - الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ سَبَبُهُ الْقَتْل الْعَمْدُ بِشُرُوطٍ خَاصَّةٍ سَوْفَ يَأْتِي تَفْصِيلُهَا.
شُرُوطُ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ:
١٠ - لِلْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ شُرُوطٌ فِي الْقَاتِل، وَالْمَقْتُول، وَفِعْل الْقَتْل (١)، لاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِل إِلاَّ بِتَوَفُّرِهَا، وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا الآْخَرِ، كَمَا يَلِي:
أ - التَّكْلِيفُ:
١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْقَاتِل لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا، أَيْ عَاقِلًا بَالِغًا عِنْدَ الْقَتْل، فَلاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِل إِذَا كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا جُنُونًا مُطْبِقًا عِنْدَ الْقَتْل.
فَإِذَا قَتَلَهُ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ دَفَعَهُ الْقَاضِي لِلْوَلِيِّ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ اقْتُصَّ مِنْهُ، وَإِنْ جُنَّ قَبْل دَفْعِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ بَدَلًا مِنْهُ اسْتِحْسَانًا، وَكَذَلِكَ إِذَا جُنَّ قَبْل الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ لاَ يُقْتَصُّ مِنْهُ؛ لأَِنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مُخَاطَبًا حَالَةَ الْوُجُوبِ وَذَلِكَ بِالْقَضَاءِ وَيَتِمُّ بِالدَّفْعِ، فَإِذَا
_________
(١) الدسوقي ٤ / ٢٣٧، والزرقاني ٨ / ٢.
جُنَّ قَبْل الدَّفْعِ تَمَكَّنَ الْخَلَل فِي الْوُجُوبِ فَصَارَ كَمَا لَوْ جُنَّ قَبْل الْقَضَاءِ.
فَإِنْ كَانَ يَجِنُّ وَيُفِيقُ، فَإِنْ قَتَل فِي إِفَاقَتِهِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ، فَإِنْ جُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ مُطْبِقًا سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ غَيْرَ مُطْبِقٍ قُتِل قِصَاصًا بَعْدَ إِفَاقَتِهِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْتَظَرُ إِلَى حِينِ إِفَاقَتِهِ ثُمَّ يُقْتَصُّ مِنْهُ.
فَإِذَا كَانَ الْقَاتِل مَجْنُونًا جُنُونًا مُتَقَطِّعًا، فَإِنْ قَتَلَهُ فِي حَال صَحْوِهِ اقْتُصَّ مِنْهُ فِي حَال صَحْوِهِ، وَإِنْ قَتَلَهُ فِي حَال جُنُونِهِ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ. (٢)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ قَتَلَهُ وَهُوَ مَجْنُونٌ جُنُونًا مُطْبِقًا فَلاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ جُنُونُهُ مُتَقَطِّعًا، فَإِنْ قَتَلَهُ حَال الْجُنُونِ فَلاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ قَتَلَهُ حَال الْجُنُونِ وَهُوَ فِيهَا غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَإِنْ قَتَلَهُ حَال الإِْفَاقَةِ، أَوْ قَتَلَهُ وَهُوَ عَاقِلٌ ثُمَّ جُنَّ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ، وَيُقْتَصُّ مِنْهُ حَال جُنُونِهِ. (٣)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ قَتَلَهُ وَهُوَ عَاقِلٌ ثُمَّ جُنَّ لَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ عَنْهُ، ثُمَّ يُقْتَصُّ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٤٣.
(٢) الدسوقي ٤ / ٢٣٧، والزرقاني ٨ / ٢.
(٣) مغني المحتاج ٤ / ١٥، وروضة الطالبين ٩ / ١٤٩، وحاشية القليوبي ٤ / ١٠٥.
مِنْهُ فِي حَال جُنُونِهِ إِنْ ثَبَتَ الْقَتْل بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ حَتَّى يَصْحُوَ؛ لاِحْتِمَال رُجُوعِهِ عَنْ إِقْرَارِهِ. (١)
وَمِثْل الْجُنُونِ: النَّوْمُ وَالإِْغْمَاءُ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ، (٢) لِلْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. (٣)
أَمَّا السَّكْرَانُ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمَا إِلَى أَنَّهُ إِنْ قَتَل وَهُوَ سَكْرَانُ، فَإِنْ كَانَ سُكْرُهُ بِمُحَرَّمٍ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ سُكْرُهُ لِعُذْرٍ كَالإِْكْرَاهِ فَلاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى وُقُوعِ طَلاَقِهِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، فَيَكُونُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ. (٤)
ب - عِصْمَةُ الْقَتِيل:
١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْقَاتِل أَنْ يَكُونَ الْقَتِيل
_________
(١) المغني ٧ / ٦٦٥.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٧٦، والزرقاني ٨ / ٢، والمغني ٧ / ٦٦٤.
(٣) حديث: " إن الله وضع عن أمتي. . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٥٩) من حديث ابن عباس، وحسنه النووي كما في جامع العلوم والحكم (٢ / ٣٦١) .
(٤) ابن عابدين ٥ / ٣٧٦، والدسوقي ٤ / ٢٣٧، والزرقاني ٨ / ٢، ومغني المحتاج ٤ / ١٥، والمغني ٧ / ٦٦٥.
مَعْصُومَ الدَّمِ، أَوْ مَحْقُونَ الدَّمِ فِي حَقِّ الْقَاتِل.
فَإِذَا كَانَ الْقَتِيل مُهْدَرَ الدَّمِ فِي حَقِّ جَمِيعِ النَّاسِ - كَالْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ - لَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ قِصَاصٌ مُطْلَقًا.
فَإِذَا كَانَ مُهْدَرَ الدَّمِ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ دُونَ سَائِرِهِمْ، كَالْقَاتِل الْمُسْتَحِقِّ لِلْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ مُهْدَرُ الدَّمِ فِي حَقِّ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيل خَاصَّةً، فَإِنْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ قُتِل بِهِ قِصَاصًا؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُهْدَرِ الدَّمِ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ قَتَلَهُ وَلِيُّ الدَّمِ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ مُهْدَرُ الدَّمِ فِي حَقِّهِ.
إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ اشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُول مَحْقُونَ الدَّمِ فِي حَقِّ الْقَاتِل عَلَى التَّأْبِيدِ كَالْمُسْلِمِ، فَإِنْ كَانَتْ عِصْمَتُهُ مُؤَقَّتَةً كَالْمُسْتَأْمَنِ لَمْ يُقْتَل بِهِ قَاتِلُهُ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَأْمَنَ مَصُونُ الدَّمِ فِي حَال أَمَانِهِ فَقَطْ، وَهُوَ مُهْدَرُ الدَّمِ فِي الأَْصْل، لأَِنَّهُ حَرْبِيٌّ، فَلاَ قِصَاصَ فِي قَتْلِهِ، (١) إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَاتِلُهُ مُسْتَأْمَنًا أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَيُقْتَل بِهِ لِلْمُسَاوَاةِ لاَ اسْتِحْسَانًا، وَقِيل: لاَ يُقْتَل عَلَى الاِسْتِحْسَانِ (٢)، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ الْقِصَاصُ فِي قَتْل الْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمَنِ؛ لِقِيَامِ الْعِصْمَةِ وَقْتَ الْقَتْل. (٣)
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٤٣، والمغني ٧ / ٦٥٣.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٤٤، والبدائع ٧ / ٢٣٦.
(٣) البدائع ٧ / ٢٣٦.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْعِصْمَةِ التَّأْبِيدُ، وَعَلَى ذَلِكَ يُقْتَل قَاتِل الْمُسْتَأْمَنِ، (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ . (٢)
ج - الْمُكَافَأَةُ بَيْنَ الْقَاتِل وَالْقَتِيل:
١٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْل الْمُكَافَأَةُ بَيْنَ الْقَاتِل وَالْقَتِيل فِي أَوْصَافٍ اعْتَبَرُوهَا، فَلاَ يُقْتَل الأَْعْلَى بِالأَْدْنَى، وَلَكِنْ يُقْتَل الأَْدْنَى بِالأَْعْلَى وَبِالْمُسَاوِي.
وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ، وَقَالُوا: لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْقَاتِل وَالْقَتِيل، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يُقْتَل عِنْدَهُمُ الْمُسْلِمُ وَلاَ الذِّمِّيُّ بِالْحَرْبِيِّ، لاَ لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ بَل لِعَدَمِ الْعِصْمَةِ. (٣)
إِلاَّ أَنَّ الْجُمْهُورَ اخْتَلَفُوا فِي الأَْوْصَافِ الَّتِي اعْتَبَرُوهَا لِلْمُكَافَأَةِ.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اشْتِرَاطِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْقَاتِل وَالْقَتِيل فِي الإِْسْلاَمِ وَالْحُرِّيَّةِ. أَوْ أَنْ يَكُونَ الْقَتِيل أَزْيَدَ مِنَ الْقَاتِل فِي ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ الْقَاتِل أَزْيَدَ مِنَ الْقَتِيل فِيهِمَا فَلاَ قِصَاصَ، فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْقَصَ
_________
(١) الشرح الكبير ٤ / ٢٤١، ومغني المحتاج ٤ / ١٤.
(٢) سورة التوبة / ٦.
(٣) الدر المختار ٥ / ٣٤٣ - ٣٤٤.
مِنَ الآْخَرِ فِي أَحَدِهِمَا، كَانَ نَقْصُ الْكُفْرِ أَكْثَرَ مِنْ نَقْصِ الرِّقِّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يُقْتَل مُسْلِمٌ وَلَوْ عَبْدًا بِكَافِرٍ وَلَوْ حُرًّا، وَلاَ حُرٌّ بِرَقِيقٍ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُول زَائِدَ إِسْلاَمٍ، فَيُقْتَل حُرٌّ كِتَابِيٌّ بِرَقِيقٍ مُسْلِمٍ كَمَا سَيَأْتِي تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الإِْسْلاَمِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ. (١)
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يُقْتَل الْكَافِرُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ؛ لأَِنَّ الْحُرَّ لاَ يُقْتَل بِالْعَبْدِ مُطْلَقًا عِنْدَهُمْ، كَمَا لاَ يُقْتَل الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ بِالْحُرِّ الْكَافِرِ؛ لأَِنَّ الْمُسْلِمَ لاَ يُقْتَل بِالْكَافِرِ مُطْلَقًا، فَإِذَا قَتَل مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ عَبْدًا لَمْ يُقْتَل بِهِ، وَإِذَا قَتَل حُرٌّ مَنْ نِصْفُهُ عَبْدٌ لَمْ يُقْتَل بِهِ أَيْضًا لِعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ. (٢)
وَيُقْتَل الْعَبْدُ الْقِنُّ بِالْمُكَاتَبِ، وَيُقْتَل الْمُكَاتَبُ بِهِ، وَيُقْتَل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ - وَالْعَكْسُ - لأَِنَّ الْكُل عَبِيدٌ.
وَيُقْتَل الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ مُطْلَقًا. (٣)
وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُسَاوَاةُ فِي الْقَتْل الْمُوجِبِ لِلْقَوَدِ، قَال الدُّسُوقِيُّ: لاَ بُدَّ فِي الْقَوَدِ مِنَ الْمُكَافَأَةِ فِي الْحَالاَتِ الثَّلاَثِ: حَالَةُ الرَّمْيِ وَحَالَةُ الإِْصَابَةِ وَحَالَةُ الْمَوْتِ، وَمَتَى فُقِدَ التَّكَافُؤُ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَبَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ فِي الْخَطَأِ
_________
(١) الشرح الكبير ٤ / ٢٣٧ - ٢٣٨، والزرقاني ٨ / ٣.
(٢) المغني ٧ / ٦٦٣.
(٣) المغني ٧ / ٦٦٠، ٦٦٢.
وَالْعَمْدِ الَّذِي فِيهِ مَالٌ إِذَا زَالَتِ الْمُكَافَأَةُ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ، أَوْ عُدِمَتْ قَبْل السَّبَبِ وَحَدَثَتْ بَعْدَهُ وَقَبْل الْمُسَبَّبِ وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ، كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِي ضَمَانِهَا وَقْتَ الْمُسَبَّبِ، وَهُوَ وَقْتُ الإِْصَابَةِ فِي الْجُرْحِ وَوَقْتُ التَّلَفِ فِي الْمَوْتِ، وَلاَ يُرَاعَى فِيهِ وَقْتُ السَّبَبِ وَهُوَ الرَّمْيُ عَلَى قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ سَحْنُونٌ خِلاَفًا لأَِشْهَبَ (١) .
إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اسْتَثْنَوْا مِنِ اشْتِرَاطِ الْمُسَاوَاةِ فِي الإِْسْلاَمِ وَالْحُرِّيَّةِ هُنَا الْقَتْل غِيلَةً، وَقَالُوا بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ، قَال الدَّرْدِيرُ: إِلاَّ الْغِيلَةَ - بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَهِيَ الْقَتْل لأَِخْذِ الْمَال - فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ، بَل يُقْتَل الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَالْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ. (٢)
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَوَقْتُ الْمُسَاوَاةِ الْمُشْتَرَطِ عِنْدَهُمْ هُوَ وَقْتُ الْقَتْل، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَإِنْ قَتَل كَافِرٌ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِل. . . فَقَال أَصْحَابُنَا: يُقْتَصُّ مِنْهُ. . . لأَِنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ فَكَانَ الاِعْتِبَارُ فِيهَا بِحَال وُجُوبِهَا دُونَ حَال اسْتِيفَائِهَا كَالْحُدُودِ، وَيُحْتَمَل أَنْ لاَ يُقْتَل بِهِ، وَهُوَ قَوْل الأَْوْزَاعِيِّ (٣) .
وَيَسْتَوِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ الْقَتْل غِيلَةً وَغَيْرَهُ،
_________
(١) الدسوقي ٤ / ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٢) الدسوقي ٤ / ٢٣٨.
(٣) المغني ٧ / ٦٥٣.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَقَتْل الْغِيلَةِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ فِي الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ، وَذَلِكَ لِلْوَلِيِّ دُونَ السُّلْطَانِ. (١)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى اشْتِرَاطِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْقَاتِل وَالْقَتِيل فِي الإِْسْلاَمِ وَالأَْمَانِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالأَْصْلِيَّةِ وَالسِّيَادَةِ، فَلاَ يُقْتَل مُسْلِمٌ وَلَوْ زَانِيًا مُحْصَنًا بِذِمِّيٍّ لِخَبَرِ: لاَ يُقْتَل مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. (٢)
وَلأَِنَّهُ لاَ يُقَادُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِالإِْجْمَاعِ، فَفِي النَّفْسِ أَوْلَى. . . وَيُقْتَل ذِمِّيٌّ بِهِ أَيِ الْمُسْلِمِ لِشَرَفِهِ عَلَيْهِ، وَيُقْتَل أَيْضًا بِذِمِّيٍّ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا، وَمُعَاهَدٍ وَمُسْتَأْمَنٍ وَمَجُوسِيٍّ وَعَكْسُهُ؛ لأَِنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّسْخَ شَمِل الْجَمِيعَ.
وَالأَْظْهَرُ: قَتْل مُرْتَدٍّ بِذِمِّيٍّ وَمُسْتَأْمَنٍ وَمُعَاهَدٍ سَوَاءٌ عَادَ الْمُرْتَدُّ إِلَى الإِْسْلاَمِ أَمْ لاَ؛ لاِسْتِوَائِهِمَا فِي الْكُفْرِ، بَل الْمُرْتَدُّ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الذِّمِّيِّ لأَِنَّهُ مُهْدَرُ الدَّمِ. وَالثَّانِي: لاَ يُقْتَل بِهِ لِبَقَاءِ عُلْقَةِ الإِْسْلاَمِ فِي الْمُرْتَدِّ، وَالأَْظْهَرُ أَيْضًا: قَتْل مُرْتَدٍّ بِمُرْتَدٍّ لِتَسَاوِيهِمَا، كَمَا لَوْ قَتَل ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا، وَالثَّانِي: لاَ؛ لأَِنَّ الْمَقْتُول مُبَاحُ الدَّمِ، لاَ ذِمِّيٌّ بِمُرْتَدٍّ فِي الأَْظْهَرِ، وَالثَّانِي يُقْتَل بِهِ أَيْضًا،
_________
(١) المغني ٧ / ٦٤٨.
(٢) حديث: " لا يقتل مسلم بكافر ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٢٦٠) من حديث علي.
وَيُقْتَل الْمُرْتَدُّ بِالزَّانِي الْمُسْلِمِ الْمُحْصَنِ كَمَا يُقْتَل بِالذِّمِّيِّ، وَلاَ يُقْتَل زَانٍ مُحْصَنٌ بِهِ لاِخْتِصَاصِهِ بِفَضِيلَةِ الإِْسْلاَمِ، وَلِخَبَرِ: لاَ يُقْتَل مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلاَ يُقْتَل حُرٌّ بِمَنْ فِيهِ رِقٌّ وَإِنْ قَل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، (١) وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُكَاتَبُ وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَعَبْدُهُ وَعَبْدُ غَيْرِهِ.
وَيُقْتَل قِنٌّ وَمُدَبَّرٌ وَمُكَاتَبٌ وَأُمُّ وَلَدٍ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَلَوْ كَانَ الْمَقْتُول لِكَافِرٍ وَالْقَاتِل لِمُسْلِمٍ لِلتَّسَاوِي فِي الْمِلْكِ، وَاسْتُثْنِيَ الْمُكَاتَبُ إِذَا قَتَل عَبْدَهُ لاَ يُقْتَل بِهِ كَمَا لاَ يُقْتَل الْحُرُّ بِعَبْدِهِ. (٢)
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ لَوْ قَتَل مِثْلَهُ أَيْ مُبَعَّضًا، سَوَاءٌ ازْدَادَتْ حُرِّيَّةُ الْقَاتِل عَلَى حُرِّيَّةِ الْمَقْتُول أَمْ لاَ، لاَ قِصَاصَ، وَقِيل: إِنْ لَمْ تَزِدْ حُرِّيَّةُ الْقَاتِل وَجَبَ الْقِصَاصُ، سَوَاءٌ أَتَسَاوَيَا أَمْ كَانَتْ حُرِّيَّةُ الْمَقْتُول أَكْثَرَ، أَمَّا إِنْ كَانَتْ حُرِّيَّةُ الْقَاتِل أَكْثَرَ فَلاَ قِصَاصَ قَطْعًا؛ لاِنْتِفَاءِ الْمُسَاوَاةِ.
وَالْفَضِيلَةُ فِي شَخْصٍ لاَ تُجْبِرُ النَّقْصَ فِيهِ، فَلاَ قِصَاصَ وَاقِعٌ بَيْنَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ وَحُرٍّ ذِمِّيٍّ؛ لأَِنَّ الْمُسْلِمَ لاَ يُقْتَل بِالذِّمِّيِّ، وَالْحُرُّ لاَ يُقْتَل بِالْعَبْدِ، وَلاَ تُجْبَرُ فَضِيلَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا نَقِيصَتَهُ. (٣)
_________
(١) سورة البقرة / ١٧٨.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ١٦ - ١٨.
(٣) مغني المحتاج ٤ / ١٨.