الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣
دَمِ الْعَمْدِ، ثُمَّ إِذَا كَانَ الْوَلِيُّ أَوِ الأَْوْلِيَاءُ كُلُّهُمْ عَاقِلِينَ بَالِغِينَ جَازَ أَنْ يَكُونَ بَدَل الصُّلْحِ هُوَ الدِّيَةُ أَوْ أَقَل مِنْهَا أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا، مِنْ جِنْسِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا، حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا عَلَى سَوَاءٍ، لأَِنَّ الصُّلْحَ مُعَاوَضَةٌ، فَيَكُونُ عَلَى بَدَلٍ يَتَّفِقُ عَلَيْهِ الطَّرَفَانِ بَالِغًا مَا بَلَغَ مَا دَامَا عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (صُلْح ف ٣١) .
الْقِصَاصُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ:
٣٥ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِشُرُوطِهِ كَمَا فِي الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَْنْفَ بِالأَْنْفِ وَالأُْذُنَ بِالأُْذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَل اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ . (١)
وَرَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارَةٍ لَهَا، فَعَرَضُوا عَلَيْهِمُ الأَْرْشَ فَأَبَوْا، وَطَلَبُوا الْعَفْوَ فَأَبَوْا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ، فَجَاءَ أَخُوهَا أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ
_________
(١) سورة المائدة / ٤٥.
لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ قَال: فَعَفَا الْقَوْمُ، ثُمَّ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ. (١)
وَلأَِنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ كَالنَّفْسِ فِي الْحَاجَةِ إِلَى حِفْظِهِ بِالْقِصَاصِ، فَكَانَ كَالنَّفْسِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ. (٢)
أَسْبَابُ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ:
٣٦ - لِلْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ أَسْبَابٌ هِيَ: إِبَانَةُ الأَْطْرَافِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى الأَْطْرَافِ، وَإِذْهَابُ مَعَانِي الأَْطْرَافِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا وَالْمَقْصُودُ بِهَا الْمَنَافِعُ، وَالشِّجَاجُ وَهِيَ الْجِرَاحُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَالْجِرَاحُ فِي غَيْرِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل أَحْكَامِهَا فِي مُصْطَلَحِ (جِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ ف ١٣ - ٣٢) وَمُصْطَلَحِ (جِرَاح ف ٨ - ١٠) وَمُصْطَلَحِ (شِجَاج ف ٤ - ١١) .
شُرُوطُ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ:
٣٧ - يُشْتَرَطُ لِلْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شُرُوطٌ هِيَ: أَنْ يَكُونَ الْفِعْل عَمْدًا، وَأَنْ
_________
(١) حديث: " إن من عباد الله. . . " سبق تخريجه ف ٧.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٢٩٧، والمهذب ٢ / ١٧٨، وكشاف القناع ٥ / ٥٤٧.
يَكُونَ الْفِعْل عُدْوَانًا، وَالتَّكَافُؤُ فِي الدِّينِ، وَالتَّكَافُؤُ فِي الْعَدَدِ، وَالْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَحَل، وَالْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَإِمْكَانُ الاِسْتِيفَاءِ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل أَحْكَامِهَا فِي مُصْطَلَحِ (جِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ ف ٤ - ١١) .
أَثَرُ السِّرَايَةِ فِي الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ:
٣٨ - سِرَايَةُ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ لأَِنَّهَا أَثَرُ الْجِنَايَةِ، وَالْجِنَايَةُ مَضْمُونَةٌ وَكَذَلِكَ أَثَرُهَا، ثُمَّ إِنْ سَرَتْ إِلَى النَّفْسِ كَأَنْ يَجْرَحَ شَخْصًا عَمْدًا فَصَارَ ذَا فِرَاشٍ (أَيْ مُلاَزِمًا لِفِرَاشِ الْمَرَضِ) حَتَّى يَحْدُثَ الْمَوْتُ، أَوْ سَرَتْ إِلَى مَا لاَ يُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهُ بِالإِْتْلاَفِ، كَأَنْ يَجْنِيَ عَلَى عُضْوٍ عَمْدًا فَيَذْهَبُ أَحَدُ الْمَعَانِي كَالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَنَحْوِهِمَا وَجَبَ الْقِصَاصُ بِلاَ خِلاَفٍ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (سِرَايَة ف ٤) .
الْقِصَاصُ فِي الْجِنَايَتَيْنِ:
٣٩ - إِذَا قَطَعَ أُصْبُعَ آخَرَ مِنْ مُنْتَصَفِ الْمَفْصِل، ثُمَّ قَطَعَهَا مِنَ الْمَفْصِل بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْجِنَايَةَ الثَّانِيَةَ إِنْ كَانَتْ قَبْل الْبُرْءِ مِنَ الأُْولَى اقْتُصَّ مِنْهُ مِنَ الْمَفْصِل؛ لأَِنَّهُ قَطْعٌ وَاحِدٌ فِي الْحُكْمِ، وَلَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ الثَّانِيَةُ بَعْدَ الْبُرْءِ مِنَ الأُْولَى لَمْ
يُقْتَصَّ مِنْهُ؛ لأَِنَّ الْجِنَايَةَ الأُْولَى لاَ قِصَاصَ فِيهَا؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْمَفْصِل فَتَعَذَّرَتِ الْمُسَاوَاةُ، وَالثَّانِيَةُ قَطْعٌ لِعُضْوٍ نَاقِصٍ فَلاَ قِصَاصَ فِيهَا أَيْضًا. (١)
وَلَوْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ ثُمَّ قَتَلَهُ، فَإِنْ بَرِئَ بَعْدَ الْقَطْعِ اقْتُصَّ مِنْهُ بِالْقَطْعِ وَالْقَتْل؛ لأَِنَّ كُل جِنَايَةٍ مِنْهُمَا مُسْتَقْبَلَةٌ فَيُقَادُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ بَعْدَ الْقَطْعِ فَقَوْلاَنِ لِلْحَنَفِيَّةِ، قَوْلٌ لأَِبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الظَّاهِرُ بِأَنَّهُمَا كَجِنَايَتَيْنِ فَيُقْطَعُ وَيُقْتَل كَمَا إِذَا بَرِئَ، وَقَوْلٌ لِلصَّاحِبَيْنِ يُقْتَل وَلاَ يُقْطَعُ. (٢)
وَأَطْلَقَ الشَّافِعِيَّةُ الْقَوْل بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجِنَايَتَيْنِ إِذَا كَانَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا تُوجِبُ الْقِصَاصَ، مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ الْبُرْءِ أَوْ عَدَمِهِ، قَال الشِّيرَازِيُّ: وَإِنْ جَنَى عَلَى رَجُلٍ جِنَايَةً يَجِبُ فِيهَا الْقِصَاصُ ثُمَّ قَتَلَهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِيهِمَا؛ لأَِنَّهُمَا جِنَايَتَانِ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، فَوَجَبَ الْقِصَاصُ فِيهِمَا عِنْدَ الاِجْتِمَاعِ، كَقَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْل. (٣)
فَإِذَا جَنَى عَلَى اثْنَيْنِ فَقَطَعَ يَمِينَ كُلٍّ مِنْهُمَا اقْتُصَّ مِنْهُ بِقَطْعِ يَمِينِهِ، ثُمَّ إِنْ حَضَرَا مَعًا فَلَهُمَا أَنْ يَقْطَعَا يَمِينَهُ، وَيَأْخُذَا مِنْهُ دِيَةً بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ حَضَرَ الأَْوَّل فَقَطَعَ لَهُ، ثُمَّ حَضَرَ الثَّانِي فَلَهُ الدِّيَةُ وَحْدَهُ - دِيَةُ الْيَدِ - وَهَذَا
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣٠٢.
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٦٠.
(٣) المهذب ٢ / ١٨٤.
عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (١)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْقَطْعَ يَنْدَرِجُ فِي الْقَتْل سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْجِنَايَتَانِ عَلَى وَاحِدٍ أَوْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ مَا لَمْ يَقْصِدْ مُثْلَةً، فَإِنْ قَصَدَ مُثْلَةً لَمْ تَنْدَرِجِ الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ إِنْ كَانَتَا عَلَى وَاحِدٍ، فَإِنْ تَعَدَّدَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِمُ انْدَرَجَتْ مُطْلَقًا، وَقَال الزَّرْقَانِيُّ: وَانْدَرَجَ فِي قَتْل النَّفْسِ طَرَفٌ إِنْ تَعَمَّدَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ، وَإِنْ كَانَ الطَّرَفُ لِغَيْرِهِ كَقَطْعِ يَدِ شَخْصٍ وَفَقْءِ عَيْنِ آخَرَ وَقَتْل آخَرَ عَمْدًا فَيَنْدَرِجَانِ فِي النَّفْسِ، ثُمَّ قَال: لَمْ يَقْصِدْ مُثْلَةً، خَاصٌّ بِطَرَفِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الَّذِي قَتَلَهُ بَعْدَ قَطْعِ طَرَفِهِ، أَمَّا طَرَفُ غَيْرِهِ فَيَنْدَرِجُ. (٢)
سُقُوطُ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ:
٤٠ - يَسْقُطُ الْقَوَدُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِمَوْتِ الْجَانِي قَبْل الْقِصَاصِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، كَمَا يَسْقُطُ بِعَفْوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ صُلْحِهِ، وَكَذَلِكَ بِعَفْوِ الأَْوْلِيَاءِ إِنْ مَاتَ أَوْ صَالَحَهُمْ أَوْ صَالَحَ أَحَدَهُمْ عَلَى مَالٍ وَإِنْ قَل، وَكَذَلِكَ بِفَوَاتِ مَحَل الْقِصَاصِ فِي الْجَانِي. (٣)
طَرِيقَةُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ:
٤١ - يَكُونُ الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِالآْلَةِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٩٩ - ٣٠٠، والمغني ٧ / ٧٠١.
(٢) الزرقاني ٨ / ٢٩.
(٣) بدائع الصنائع ٧ / ٢٩٨.
الْمُنَاسِبَةِ لَهُ، كَالسِّكِّينِ وَمَا سِوَاهَا كَيْ لاَ يَتَعَدَّى الْقِصَاصُ الْجِنَايَةَ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِيهِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يُقْتَصُّ بِالسَّيْفِ فِي الْجِرَاحِ، لأَِنَّهُ قَدْ يَتَعَدَّى الْجُرْحُ الْمُرَادُ فَيُهَشِّمُ الْعَظْمَ.
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَوْفِي عَالِمًا بِطَرِيقَةِ الْقَطْعِ وَمِقْدَارِهِ لِئَلاَّ يُجَاوِزَ الْحَدَّ كَالطَّبِيبِ الْجَرَّاحِ وَنَحْوِهِ.
فَإِذَا كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَالِمًا بِذَلِكَ مُكِّنَ مِنَ الاِقْتِصَاصِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِلاَّ قَامَ بِهِ نَائِبُ الإِْمَامِ الْمُفَوَّضُ وَالْعَالِمُ بِذَلِكَ. (١)
مَنْ يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ:
٤٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الدَّمِ الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْجِرَاحَةِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ لاَ يُمَكَّنُ مِنَ الاِسْتِيفَاءِ بِنَفْسِهِ، وَلاَ يَلِيهِ إِلاَّ نَائِبُ الإِْمَامِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مَعَ قَصْدِ التَّشَفِّي أَنْ يَجْنِيَ عَلَيْهِ بِمَا لاَ يُمْكِنُ تَلاَفِيهِ. (٢)
_________
(١) المهذب ٢ / ١٨٧، والمغني ٧ / ٧٠٤.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٢٤٤، والمدونة ٦ / ٤٣٣، والمهذب ٢ / ١٨٦، والجمل على شرح المنهج ٥ / ٤٩، والمغني مع الشرح الكبير ٩ / ٤١٢.
قَصَبَةٌ
انْظُرْ: مَقَادِير.
قَصْدٌ
انْظُرْ: نِيَّة
قَصْرُ الصَّلاَةِ
انْظُرْ: صَلاَةُ الْمُسَافِرِ
قَصَّةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْقَصَّةُ - بِالْفَتْحِ - فِي اللُّغَةِ: الْجِصُّ بِلُغَةِ الْحِجَازِ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى التَّشْبِيهِ: لاَ تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ، (١) قَال أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ أَنْ تَخْرُجَ الْقُطْنَةُ وَالْخِرْقَةُ الَّتِي تَحْتَشِي بِهَا الْمَرْأَةُ كَأَنَّهَا قَصَّةٌ لاَ يُخَالِطُهَا صُفْرَةٌ، وَقِيل: الْمُرَادُ النَّقَاءُ مِنْ أَثَرِ الدَّمِ، وَرُؤْيَةُ الْقَصَّةِ مَثَلٌ لِذَلِكَ. (٢)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: قَال الزَّيْلَعِيُّ: الْقَصَّةُ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْخَيْطَ الأَْبْيَضَ يَخْرُجُ مِنْ قُبُل النِّسَاءِ فِي آخِرِ أَيَّامِهِنَّ يَكُونُ عَلاَمَةً عَلَى طُهْرِهِنَّ.
وَقِيل: هُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ فِي آخِرِ الْحَيْضِ (٣) .
_________
(١) حديث: " لا تعجلن. . . . " أخرجه مالك في الموطأ (١ / ٥٩) ط. الحلبي عن عائشة.
(٢) المصباح المنير، والقاموس المحيط.
(٣) تبيين الحقائق ١ / ٥٥، وانظر فتح القدير ١ / ١١٣ ط. بولاق، ومواهب الجليل ١ / ٣٧٠، ٣٧١، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي ١ / ٤٣٢، ٤٣٣.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْجُفُوفُ:
٢ - الْجُفُوفُ: هُوَ أَنْ تُدْخِل الْمَرْأَةُ الْخِرْقَةَ فَتُخْرِجَهَا جَافَّةً لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الدَّمِ وَلاَ مِنَ الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ (١) .
وَكُلٌّ مِنَ الْقَصَّةِ وَالْجُفُوفِ عَلاَمَةٌ عَلَى الطُّهْرِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ كُلًّا مِنَ الْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ وَالْجُفُوفِ عَلاَمَةٌ لِلطُّهْرِ، فَإِذَا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَيًّا مِنْهُمَا عَقِبَ الْحَيْضِ طَهُرَتْ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ عَادَتُهَا أَنْ تَطْهُرَ بِالْقَصَّةِ أَوْ بِالْجُفُوفِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لَوْ وَضَعَتِ الْكُرْسُفَ فِي اللَّيْل وَهِيَ حَائِضَةٌ أَوْ نُفَسَاءُ فَنَظَرَتْ فِي الصَّبَاحِ فَرَأَتْ عَلَيْهِ الْبَيَاضَ الْخَالِصَ حُكِمَ بِطَهَارَتِهَا مِنْ حِينِ وَضَعَتْ لِلتَّيَقُّنِ بِطَهَارَتِهَا وَقْتَهُ. (٢)
وَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْحَنَفِيَّةِ فِي اعْتِبَارِ الْجُفُوفِ عَلاَمَةً لِلطُّهْرِ، وَقَدْ عَبَّرَ ابْنُ نُجَيْمٍ عَنْ هَذَا الاِخْتِلاَفِ بِقَوْلِهِ: وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَمُقْتَضَى الْمَرْوِيِّ فِي الْمُوَطَّأِ وَالْبُخَارِيِّ أَنَّ مُجَرَّدَ
_________
(١) مواهب الجليل ١ / ٣٧٠، الشرح الصغير ١ / ٢١٤.
(٢) مجموعة رسائل ابن عابدين ص ٨٥.
الاِنْقِطَاعِ دُونَ رُؤْيَةِ الْقَصَّةِ لاَ يَجِبُ مَعَهُ أَحْكَامُ الطَّاهِرَاتِ، وَكَلاَمُ الأَْصْحَابِ فِيمَا يَأْتِي كُلُّهُ بِلَفْظِ الاِنْقِطَاعِ، حَيْثُ يَقُولُونَ: وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فَكَذَا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الاِنْقِطَاعُ بِجَفَافٍ مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ ثُمَّ تَرَى الْقَصَّةَ، فَإِنْ كَانَتِ الْغَايَةُ الْقَصَّةَ لَمْ تَجِبْ تِلْكَ الصَّلاَةُ، وَإِنْ كَانَ الاِنْقِطَاعُ عَلَى سَائِرِ الأَْلْوَانِ وَجَبَتْ، وَأَنَا مُتَرَدِّدٌ فِيمَا هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ بِالنَّظَرِ إِلَى دَلِيلِهِمْ وَعِبَارَاتِهِمْ فِي إِعْطَاءِ الأَْحْكَامِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَرَأَيْتُ فِي مَرْوِيِّ: عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ رَيْطَةَ مَوْلاَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُول لِلنِّسَاءِ: إِذَا أَدْخَلَتْ إِحْدَاكُنَّ الْكُرْسُفَ فَخَرَجَتْ مُتَغَيِّرَةً فَلاَ تُصَلِّي حَتَّى لاَ تَرَى شَيْئًا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْغَايَةَ الاِنْقِطَاعُ.
وَقَدْ يُقَال هَذَا التَّرَدُّدُ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ إِذَا فُسِّرَتِ الْقَصَّةُ بِأَنَّهَا بَيَاضٌ مُمْتَدٌّ كَالْخَيْطِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِهِمْ ضَعْفُ هَذَا التَّفْسِيرِ، فَقَدْ قَال فِي الْمُغْرِبِ: قَال أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ: أَنْ تَخْرُجَ الْقُطْنَةُ أَوِ الْخِرْقَةُ الَّتِي تَحْتَشِي بِهَا الْمَرْأَةُ كَأَنَّهَا قَصَّةٌ لاَ تُخَالِطُهَا صُفْرَةٌ وَلاَ تُرَبِيَّةٌ، وَيُقَال إِنَّ الْقَصَّةَ شَيْءٌ كَالْخَيْطِ الأَْبْيَضِ يَخْرُجُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ كُلِّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا انْتِفَاءُ اللَّوْنِ وَأَنْ لاَ يَبْقَى مِنْهُ أَثَرٌ أَلْبَتَّةَ، فَضَرَبَ رُؤْيَةَ الْقَصَّةِ مَثَلًا لِذَلِكَ؛ لأَِنَّ رَائِيَ الْقَصَّةِ غَيْرُ