الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣
هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ الإِْمَامُ الْجَصَّاصُ صُوَرًا كَثِيرَةً عَمِلُوا فِي بَعْضِهَا بِالْقَرَائِنِ، كَالاِخْتِلاَفِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِيمَا لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلزَّوْجَةِ، وَمَا لِلرِّجَال فَهُوَ لِلزَّوْجِ، فَحَكَمُوا بِظَاهِرِ هَيْئَةِ الْمَتَاعِ (١) .
وَمِمَّا يُؤْخَذُ مِنْ كُتُبِهِمْ أَنَّهُمْ يُعْمِلُونَ الْقَرَائِنَ - إِنِ اعْتَبَرُوهَا عَامِلَةً - فِي خُصُوصِ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَلاَ يُعْمِلُونَهَا فِي الْقِصَاصِ وَالْحُدُودِ، فَاعْتَبَرُوا مَثَلًا سُكُوتَ الْبِكْرِ أَوْ صَمْتَهَا قَرِينَةً عَلَى الرِّضَا، وَقَبْضَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ بِحَضْرَةِ الْمَالِكِ مَعَ سُكُوتِهِ إِذْنًا بِالْقَبْضِ، وَوَضْعَ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفَ قَرِينَةً عَلَى ثُبُوتِ الْمِلْكِيَّةِ، وَقَبُول التَّهْنِئَةِ فِي وِلاَدَةِ الْمَوْلُودِ أَيَّامَ التَّهْنِئَةِ الْمُعْتَادَةِ قَرِينَةً عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْهُ، وَاعْتَبَرُوا عَلاَمَةَ الْكَنْزِ، وَقَالُوا إِنْ كَانَتْ دَالَّةً عَلَى الإِْسْلاَمِ كَانَتْ لُقَطَةً، وَإِنْ كَانَتْ دَالَّةً عَلَى الْكُفْرِ فَفِيهَا الْخُمُسُ (٢) .
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ الاِبْنُ تَعْلِيقًا عَلَى رِسَالَةِ وَالِدِهِ الْمُسَمَّاةِ نَشْرَ الْعُرْفِ فِي بِنَاءِ بَعْضِ الأَْحْكَامِ عَلَى الْعُرْفِ فَقَال: لِلْمُفْتِي الآْنَ أَنْ يُفْتِيَ عَلَى عُرْفِ أَهْل زَمَانِهِ وَإِنْ خَالَفَ زَمَانَ الْمُتَقَدِّمِينَ.
_________
(١) أحكام القرآن للجصاص ٣ / ١٧١ - ١٧٢.
(٢) مجموع رسائل ابن عابدين ٢ / ١٢٦، والمحلى وحاشية القليوبي عليه ٣ / ٣٥٠، ٤ / ١٦٤.
قَرْيَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْقَرْيَةُ فِي اللُّغَةِ: كُل مَكَانٍ اتَّصَلَتْ بِهِ الأَْبْنِيَةُ وَاتُّخِذَ قَرَارًا.
وَتُطْلَقُ الْقَرْيَةُ عَلَى الْمُدُنِ وَغَيْرِهَا، وَالْقَرْيَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّل هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (١) هُمَا مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ شَرَّفَهَا اللَّهُ وَالطَّائِفُ، كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْمَسَاكِنِ وَالأَْبْنِيَةِ وَالضِّيَاعِ (٢) .
وَاصْطِلاَحًا: عَرَّفَهَا الْقَلْيُوبِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهَا الْعِمَارَةُ الْمُجْتَمِعَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ وَلاَ شُرْطِيٌّ وَلاَ أَسْوَاقٌ لِلْمُعَامَلَةِ (٣) .
وَعَرَّفَهَا الْكَاسَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهَا الْبَلْدَةُ الْعَظِيمَةُ إِلاَّ أَنَّهَا دُونَ الْمِصْرِ (٤) .
_________
(١) سورة الزخرف / ٣١.
(٢) المصباح المنير، لسان العرب، المعجم الوسيط، المفردات في غريب القرآن.
(٣) حاشية القليوبي وعميرة ٣ / ١٢٥، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٩.
(٤) بدائع الصنائع ١ / ٢٥٩.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمِصْرُ:
٢ - الْمِصْرُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لِكُل بَلَدٍ مَحْصُورٍ أَيْ مَحْدُودٍ تُقَامُ فِيهَا الدُّورُ وَالأَْسْوَاقُ وَالْمَدَارِسُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ، وَيُقْسَمُ فِيهَا الْفَيْءُ وَالصَّدَقَاتُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهَا الاِصْطِلاَحِيِّ، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الْمِصْرَ بَلْدَةٌ كَبِيرَةٌ فِيهَا سَكٌّ وَأَسْوَاقٌ، وَلَهَا رَسَاتِيقُ وَفِيهَا وَالٍ يَقْدِرُ عَلَى إِنْصَافِ الْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ بِحَشَمِهِ وَعِلْمِهِ أَوْ عِلْمِ غَيْرِهِ، وَالنَّاسُ يَرْجِعُونَ فِي الْحَوَادِثِ إِلَيْهِ.
قَال الْكَرْخِيُّ: إِنَّ الْمِصْرَ الْجَامِعَ مَا أُقِيمَتْ فِيهِ الْحُدُودُ وَنُفِّذَتْ فِيهِ الأَْحْكَامُ.
وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: الْمِصْرُ الْعِمَارَةُ الْمُجْتَمِعَةُ الَّذِي فِيهِ حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ وَشُرْطِيٌّ وَأَسْوَاقٌ لِلْمُعَامَلاَتِ.
وَالْمِصْرُ أَعْظَمُ مِنَ الْقَرْيَةِ (١) .
ب - الْبَلَدُ:
٣ - الْبَلَدُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لِلْمَكَانِ الْمُخْتَطِّ الْمَحْدُودِ الْمُتَأَنَّسِ بِاجْتِمَاعِ قُطَّانِهِ وَإِقَامَتِهِمْ
_________
(١) لسان العرب، المصباح المنير، غريب القرآن، المعجم الوسيط مادة (مصر)، بدائع الصنائع ١ / ٢٥٩، الفواكه الدواني ١ / ٣٠٥، حاشية القليوبي وعميرة ٣ / ١٢٥، مغني المحتاج ٢ / ٤١٩.
فِيهِ، وَيَسْتَوْطِنُ فِيهِ جَمَاعَاتٌ وَيُسَمَّى الْمَكَانُ الْوَاسِعُ مِنَ الأَْرْضِ بَلَدًا.
وَالْبَلَدُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَرْيَةِ (١) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقَرْيَةِ:
أ - فِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ:
٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى أَهْل الْقُرَى فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى أَهْل الْقُرَى الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ تَوَابِعِ الْمِصْرِ، وَلاَ يَصِحُّ أَدَاءُ الْجُمُعَةِ فِيهَا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ جُمُعَةَ وَلاَ تَشْرِيقَ وَلاَ فِطْرَ وَلاَ أَضْحَى إِلاَّ فِي مِصْرٍ جَامِعٍ (٢)، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: لاَ جُمُعَةَ وَلاَ تَشْرِيقَ إِلاَّ فِي مِصْرٍ جَامِعٍ (٣)، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقِيمُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَدِينَةِ وَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَقَامَهَا فِي الْقُرَى الَّتِي حَوْلَهَا، وَكَذَا الصَّحَابَةُ ﵃ فَتَحُوا الْبِلاَدَ وَمَا نَصَبُوا الْمَنَابِرَ إِلاَّ فِي الأَْمْصَارِ، وَلأَِنَّ الظُّهْرَ فَرِيضَةٌ فَلاَ يُتْرَكُ إِلاَّ بِنَصٍّ قَاطِعٍ وَالنَّصُّ وَرَدَ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ إِلاَّ فِي الأَْمْصَارِ وَلِهَذَا لاَ تُؤَدَّى الْجُمُعَةُ فِي الْبَرَارِيِّ؛ وَلأَِنَّ الْجُمُعَةَ مِنْ أَعْظَمِ الشَّعَائِرِ فَتَخْتَصُّ
_________
(١) لسان العرب، المصباح المنير، المعجم الوسيط، المفردات في غريب القرآن مادة: (بلد)، وحاشية القليوبي ٣ / ١٢٥.
(٢) حديث: " لا جمعة ولا تشريق. . . " أورده الزيلعي في نصب الراية (٢ / ١٩٥) وقال: " غريب مرفوعًا، وإنما وجدناه موقوفًا على علي ".
(٣) قول علي: " لا جمعة ولا تشريق. . . " أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٣ / ١٦٨.
بِمَكَانِ إِظْهَارِ الشَّعَائِرِ وَهُوَ الْمِصْرُ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى أَهْل الْقَرْيَةِ بِشَرْطِ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا عَدَدٌ تَتَقَرَّى بِهِمُ الْقَرْيَةُ مِنْ أَهْل الْجُمُعَةِ، يُمْكِنُهُمُ الإِْقَامَةُ آمَنِينَ مُسْتَغْنِينَ عَنْ غَيْرِهِمْ فِي الدِّفَاعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَعَنْ قَرْيَتِهِمْ، وَلَمْ يُحَدِّدُوا ذَلِكَ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ بَل قَالُوا: إِنَّ ذَلِكَ الْعَدَدَ يَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجِهَاتِ وَالأَْوْطَانِ فِي كَثْرَةِ الأَْمْنِ وَالْخَوْفِ، فَفِي الْجِهَاتِ الآْمِنَةِ تَتَقَرَّى الْقَرْيَةُ بِالنَّفَرِ الْيَسِيرِ بِخِلاَفِ غَيْرِهَا مِمَّا يُتَوَقَّعُ فِيهِ الْخَوْفُ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا فِي الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّهَا لاَ تَجِبُ عَلَى الثَّلاَثَةِ وَالأَْرْبَعَةِ وَعَلَى أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِمَا دُونَ الأَْرْبَعِينَ، قَال الْمَوَّاقُ بَعْدَمَا اسْتَعْرَضَ أَقْوَال عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ فِي عَدَدِ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمُ الْقَرْيَةُ: وَقَدْ حَصَل مِنْ هَذَا صِحَّةُ مَا صَدَرَتْ مِنِّي بِهَا فُتْيَا وَهِيَ: أَنَّ مِنْ شَرْطِ إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ أَنْ تَكُونَ الْقَرْيَةُ بِهَا ثَلاَثُونَ رَجُلًا فَإِنْ حَضَرُوا فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَإِلاَّ صَلَّوْا ظُهْرًا فَإِنْ صَلَّوْا جُمُعَةً أَجْزَأَتْهُمْ، إِنْ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَأَكْثَرَ، فَأَجَزْتُ الصَّلاَةَ مُرَاعَاةً لِقَوْل ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِ - فِي هَذَا الْمَجَال (٢) -.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَهْل الْقَرْيَةِ إِنْ كَانَ فِيهِمْ جَمْعٌ تَصِحُّ بِهِ الْجُمُعَةُ وَجَبَتْ عَلَيْهِمُ
_________
(١) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ١ / ٢٥٩.
(٢) مواهب الجليل ٢ / ١٦١ وما بعدها، التاج والإكليل لمختصر خليل بالهامش ٢ / ١٦١.
الْجُمُعَةُ لأَِنَّ الْقَرْيَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْمَدِينَةِ، وَكَذَا إِنْ بَلَغَهُمْ صَوْتٌ مِنْ مُؤَذِّنٍ يُؤَذِّنُ فِي الْبَلْدَةِ الْمُجَاوِرَةِ بِصُورَةٍ عَادِيَّةٍ فِي الأَْوْقَاتِ الْهَادِئَةِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ (١) .
وَلَوْ سَمِعَ أَهْل الْقَرْيَةِ النِّدَاءَ مِنْ بَلَدَيْنِ مُجَاوِرَيْنِ فَعَلَيْهِمْ حُضُورُ الأَْكْثَرِ جَمَاعَةً فَإِنِ اسْتَوَيَا فَمُرَاعَاةُ الأَْقْرَبِ أَوْلَى كَنَظِيرِهِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَقِيل: الأَْوْلَى مُرَاعَاةُ الأَْبْعَدِ لِكَثْرَةِ الأَْجْرِ بِسَبَبِ الْمَشْيِ الزَّائِدِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْقَرْيَةِ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ نِدَاءُ الأَْذَانِ مِنْ بَلَدٍ مُجَاوِرٍ فَلاَ جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ، قَالُوا: حَتَّى لَوْ كَانَتْ قَرْيَتَانِ أَوْ قُرًى مُتَقَارِبَةٌ يَبْلُغُ بَعْضَهَا نِدَاءُ بَعْضٍ، وَكُل وَاحِدَةٍ مِنْهَا يَنْقُصُ أَهْلُهَا عَنْ أَرْبَعِينَ لَمْ تَجِبِ الْجُمُعَةُ عَلَيْهِمْ وَلَمْ تَصِحَّ مِنْهُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ فِي إِحْدَى قُرَاهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ غَيْرُ مُتَوَطِّنِينَ فِي مَحَل الْجُمُعَةِ (٢) .
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَهْل الْقَرْيَةِ لاَ يَخْلُونَ مِنْ حَالَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ
_________
(١) حديث: " الجمعة على من سمع النداء ". أخرجه أبو داود (١ / ٦٤٠) من حديث عبد الله بن عمرو، وأشار إلى إعلاله بالوقف، وقال ابن حجر في الفتح (٢ / ٣٨٥) يؤيده قوله ﷺ لابن أم مكتوم: أتسمع النداء؟ قال: نعم. قال: فأجب.
(٢) مغني المحتاج ١ / ٢٧٨، المجموع للنووي ٤ / ٤٨٦ وما بعدها.
الْمِصْرِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ أَوْ لاَ؟ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمِصْرِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمُ السَّعْيُ إِلَى الْمِصْرِ، وَحَالُهُمْ مُعْتَبَرٌ بِأَنْفُسِهِمْ فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعِينَ وَاجْتَمَعَتْ فِيهِمْ شَرَائِطُ الْجُمُعَةِ، فَعَلَيْهِمْ إِقَامَةُ الْجُمُعَةِ وَهُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ السَّعْيِ إِلَى الْمِصْرِ وَبَيْنَ إِقَامَتِهَا فِي قَرْيَتِهِمْ، وَالأَْفْضَل إِقَامَتُهَا فِي قَرْيَتِهِمْ لأَِنَّهُ إِذَا سَعَى بَعْضُهُمْ أَخَل عَلَى الْبَاقِينَ الْجُمُعَةَ، وَإِذَا أَقَامُوهَا فِي قَرْيَتِهِمْ حَضَرَهَا جَمِيعُهُمْ؛ وَلأَِنَّ إِقَامَتَهَا بِمَوْضِعِهِمْ تَكْثِيرٌ لِجَمَاعَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ بِأَنْفُسِهِمْ فَهُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ السَّعْيِ إِلَيْهَا وَبَيْنَ أَنْ يُصَلُّوا ظُهْرًا، وَالأَْفْضَل السَّعْيُ إِلَيْهَا لِيَنَالُوا فَضْل السَّاعِي إِلَى الْجُمُعَةِ وَيَخْرُجُوا مِنَ الْخِلاَفِ.
وَالْحَال الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ قَرْيَتِهِمْ وَبَيْنَ الْمِصْرِ فَرْسَخٌ فَمَا دُونَ فَيُنْظَرُ فِيهِمْ فَإِنْ كَانُوا أَقَل مِنْ أَرْبَعِينَ - مِنْ أَهْل الْجُمُعَةِ - فَعَلَيْهِمُ السَّعْيُ إِلَى الْجُمُعَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) الآْيَةَ.
وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ بِأَنْفُسِهِمْ وَكَانَ مَوْضِعُ الْجُمُعَةِ الْقَرِيبُ مِنْهُمْ
_________
(١) سورة الجمعة / ٩.
قَرْيَةً أُخْرَى لَمْ يَلْزَمْهُمُ السَّعْيُ إِلَيْهَا وَصَلَّوْا فِي مَكَانِهِمْ إِذْ لَيْسَتْ إِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ بِأَوْلَى مِنَ الأُْخْرَى، وَإِنْ أَحَبُّوا السَّعْيَ إِلَيْهَا جَازَ وَلَكِنَّ الأَْفْضَل أَنْ يُصَلُّوا فِي مَكَانِهِمْ، فَإِنْ سَعَى بَعْضُهُمْ فَنَقَصَ عَدَدُ الْبَاقِينَ لَزِمَهُمُ السَّعْيُ لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ.
وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ الْجُمُعَةِ الْقَرِيبُ مِصْرًا فَهُمْ مُخَيَّرُونَ أَيْضًا بَيْنَ السَّعْيِ إِلَى الْمِصْرِ وَبَيْنَ إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي قَرْيَتِهِمْ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ السَّعْيَ إِلَى الْمِصْرِ يَلْزَمُهُمْ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عُذْرٌ فَيُصَلُّوا جُمُعَةً فِي قَرْيَتِهِمْ، وَالأَْوَّل أَصَحُّ لأَِنَّ أَهْل الْقُرَى يُقِيمُونَ الْجُمَعَ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ وَإِنْ كَانُوا قَرِيبِينَ مِنَ الْمِصْرِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
وَإِذَا كَانَ أَهْل الْمِصْرِ دُونَ الأَْرْبَعِينَ فَجَاءَهُمْ أَهْل الْقَرْيَةِ فَأَقَامُوا الْجُمُعَةَ فِي الْمِصْرِ لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّ أَهْل الْقَرْيَةِ غَيْرُ مُسْتَوْطِنِينَ فِي الْمِصْرِ وَأَهْل الْمِصْرِ لاَ تَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمُعَةُ لِقِلَّتِهِمْ.
وَإِنْ كَانَ أَهْل الْقَرْيَةِ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ بِأَنْفُسِهِمْ لَزِمَ أَهْل الْمِصْرِ السَّعْيُ إِلَيْهِمْ، إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ أَقَل مِنْ فَرْسَخٍ كَمَا يَلْزَمُ أَهْل الْقَرْيَةِ السَّعْيُ إِلَى الْمِصْرِ إِذَا أُقِيمَتْ بِهِ، وَكَانَ أَهْل الْقَرْيَةِ أَقَل مِنْ أَرْبَعِينَ.
أَمَّا إِنْ كَانَ فِي كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمِصْرِ وَالْقَرْيَةِ
دُونَ الأَْرْبَعِينَ لَمْ تَجُزْ إِقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا (١) .
ب - فِي السَّفَرِ:
٥ - قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِنَّ مَنْ سَافَرَ مِنْ قَرْيَةٍ لَهَا سُورٌ فَأَوَّل سَفَرِهِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ الأَْخْذُ بِرُخَصِ السَّفَرِ - مِنْ قَصْرٍ لِلصَّلاَةِ الرُّبَاعِيَّةِ وَجَمْعٍ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ - هُوَ مُجَاوَزَةُ سُورِهَا الْمُخْتَصِّ بِهَا وَإِنْ تَعَدَّدَ السُّورُ أَوْ كَانَ فِي دَاخِلِهِ مَزَارِعُ وَبَسَاتِينُ وَخَرَابٌ؛ لأَِنَّ مَا فِي دَاخِل السُّورِ مَعْدُودٌ مِنْ نَفْسِ الْقَرْيَةِ مَحْسُوبٌ مِنْ مَوْضِعِ الإِْقَامَةِ، وَمِثْل السُّورِ الْخَنْدَقُ، أَوِ الْحَاجِزُ التُّرَابِيُّ الَّذِي يَحُوطُهُ أَهْل الْقُرَى بِقُرَاهُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَرْيَةِ سُورٌ أَوْ نَحْوُهُ أَوْ لَهَا سُورٌ غَيْرُ خَاصٍّ بِهَا، كَأَنْ جَمَعَ مَعَهَا قَرْيَةً أُخْرَى أَوْ أَكْثَرَ وَلَوْ مَعَ التَّقَارُبِ، فَأَوَّل سَفَرِهِ مُجَاوَزَةُ الْعُمْرَانِ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْ بُيُوتِ قَرْيَتِهِ وَيَجْعَلَهَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ؛ لأَِنَّ الضَّرْبَ فِي الأَْرْضِ الْمَذْكُورَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ﴾ (٢) الآْيَةَ، يَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ.
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ أَنَّ لِلَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلاَةَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بُيُوتِ الْقَرْيَةِ الَّتِي
_________
(١) المغني لابن قدامة ٢ / ٣٦١ وما بعدها.
(٢) سورة النساء / ١٠١.
يَخْرُجُ مِنْهَا.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلاَ يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ الْبَسَاتِينِ وَالْمَزَارِعِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْقَرْيَةِ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقَرْيَةِ، وَلأَِنَّهَا لاَ تُتَّخَذُ لِلإِْقَامَةِ عَادَةً.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ الْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ الْمُتَّصِلَةِ أَوْ مَا فِي حُكْمِهَا كَالْبَسَاتِينِ الَّتِي يَرْتَفِقُ أَهْلُهَا بِالْمَرَافِقِ الْمُتَّصِلَةِ مِنْ أَخْذِ نَارٍ وَطَبْخٍ وَخَبْزٍ وَمَا يُحْتَاجُ إِلَى شِرَائِهِ، وَأَمَّا الْمَزَارِعُ وَالْبَسَاتِينُ الْمُنْفَصِلَةُ حَقِيقَةً حُكْمًا فَلاَ يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا.
وَالْقَرْيَتَانِ الْمُتَّصِلَتَانِ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَمِثْلُهُمَا الْمُتَقَارِبَتَانِ بِحَيْثُ يَرْتَفِقُ أَهْل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَهْل الأُْخْرَى - يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُمَا لأَِنَّهُمَا فِي حُكْمِ الْقَرْيَةِ الْوَاحِدَةِ.
وَأَمَّا الْمُنْفَصِلَتَانِ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ كَانَ الاِنْفِصَال يَسِيرًا - فَلاَ يُشْتَرَطُ تَجَاوُزُهُمَا بَل يَكْفِي لِتَحَقُّقِ سَفَرِهِ مُجَاوَزَةُ قَرْيَتِهِ فَقَطْ، قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَمِثْل الْمُنْفَصِلَتَيْنِ الْمُتَعَادِيَتَانِ بِحَيْثُ لاَ يَرْتَفِقُ أَهْل إِحْدَاهُمَا بِالأُْخْرَى بِسَبَبِ الْعَدَاوَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا فَلاَ يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُمَا.
وَيَنْتَهِي سَفَرُ الْمُسَافِرِ إِذَا رَجَعَ إِلَى قَرْيَتِهِ بِبُلُوغِهِ مَا اشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهُ ابْتِدَاءً (١) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٢٥، الفواكه الدواني ١ / ٢٩٨، المجموع للنووي ٤ / ٣٤٦ وما بعدها، مغني المحتاج ١ / ٢٦٤، المغني لابن قدامة ٢ / ٢٥٩.