الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣
قَزَعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الْقَزَعِ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ - فِي اللُّغَةِ: قِطَعٌ مِنَ السَّحَابِ رَقِيقَةٌ وَاحِدُهَا قَزَعَةٌ، وَصِغَارُ الإِْبِل، وَأَنْ يُحْلَقَ الرَّأْسُ وَيُتْرَكَ شَعْرٌ مُتَفَرِّقٌ فِي مَوَاضِعَ فَذَلِكَ الشَّعْرُ قَزَعٌ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْقَزَعُ: هُوَ أَنْ يُحْلَقَ بَعْضُ الرَّأْسِ وَيُتْرَكَ الْبَعْضُ قِطَعًا مِقْدَارَ ثَلاَثَةِ أَصَابِعَ كَذَا فِي الْغَرَائِبِ.
وَقَال النَّوَوِيُّ: الْقَزَعُ حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ مُطْلَقًا، مِنْهُمْ مَنْ قَال: هُوَ حَلْقُ مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنْهُ (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ الْقَزَعِ (٣)؛ لأَِنَّ
_________
(١) القاموس المحيط، والمغرب للمطرزي، والنهاية لابن الأثير، والصحاح.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١٣ / ٣٤٧ ط. دار القلم، وانظر فتح الباري ١٠ / ٣٦٥، وتحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص ٣٤ ط. دار القلم، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦١.
(٣) ابن عابدين ٥ / ٢٦١، القوانين الفقهية ص ٤٤٩ نشر الدار العربية للكتاب، وأسنى المطالب ١ / ٥٥١، والمغني ١ / ٩٠، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٣٥٠ - ٣٥١.
النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْقَزَعِ وَقَال: احْلِقُوهُ كُلَّهُ أَوِ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ (١) .
وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ النَّهْيِ فَقِيل: لِكَوْنِهِ يُشَوِّهُ الْخِلْقَةَ، وَقِيل: لأَِنَّهُ زِيُّ الشَّيْطَانِ، وَقِيل لأَِنَّهُ زِيُّ الْيَهُودِ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا فِي رِوَايَةٍ لأَِبِي دَاوُدَ (٢)، وَقِيل زِيُّ أَهْل الشَّرِّ وَالدَّعَارَةِ (٣) .
قَال النَّوَوِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى كَرَاهِيَتِهِ إِذَا كَانَ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ إِلاَّ لِلْمُدَاوَاةِ أَوْ نَحْوِهَا، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ فِي الْجَارِيَةِ وَالْغُلاَمِ، وَقِيل فِي رِوَايَةٍ لَهُمْ: لاَ بَأْسَ بِهِ فِي الْقُصَّةِ، وَالْقَفَا لِلْغُلاَمِ وَالْجَارِيَةِ قَال: وَمَذْهَبُنَا كَرَاهَتُهُ مُطْلَقًا (٤) .
وَالْقُصَّةُ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: شَعْرُ الصُّدْغَيْنِ (٥) .
_________
(١) حديث: نهى النبي ﷺ عن القزع وقال: " احلقوه كله أو اتركوه كله ". أخرجه أبو داود (٤ / ٤١١) وأصله في البخاري (فتح الباري ١٠ / ٣٦٣ - ٣٦٤) ومسلم (٣ / ١٦٧٥) .
(٢) فتح الباري ١٠ / ٣٦٥. وحديث: " أن القزع من زي اليهود ". أخرجه أبو داود (٤ / ٤١٢) من حديث أنس بن مالك، وفي إسناده رواية مجهولة كما في الميزان للذهبي (٤ / ٦١٠) .
(٣) عمدة القاري ٢٢ / ٥٨.
(٤) فتح الباري ١٠ / ٣٦٥.
(٥) عمدة القاري ٢٢ / ٥٨.
قَسَامَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الْقَسَامَةِ فِي اللُّغَةِ: الأَْيْمَانُ تُقْسَمُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيل إِذَا ادَّعَوُا الدَّمَ.
وَمِنْ مَعَانِيهَا الْهُدْنَةُ: تَكُونُ بَيْنَ الْعَدُوِّ وَالْمُسْلِمِينَ.
وَمِنْ مَعَانِيهَا: الْحُسْنُ (١) .
وَالْقَسَامَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: هِيَ أَنْ يَقُول خَمْسُونَ مِنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِيهَا: بِاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ وَلاَ عَلِمْنَا لَهُ قَاتِلًا (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ - كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ - إِنَّ الْقَسَامَةَ هِيَ حَلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ جُزْءًا مِنْهَا عَلَى إِثْبَاتِ الدَّمِ (٣) .
وَهِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: اسْمٌ لِلأَْيْمَانِ الَّتِي تُقْسَمُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الدَّمِ (٤) .
_________
(١) المصباح المنير، وترتيب القاموس المحيط.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٢٨٦، وتكملة فتح القدير ٨ / ٣٨٤.
(٣) مواهب الجليل شرح مختصر خليل ٦ / ٢٧٣، والقوانين الفقهية ص ٢٢٨.
(٤) مغني المحتاج ٤ / ١٠٩.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: هِيَ الأَْيْمَانُ الْمُكَرَّرَةُ فِي دَعْوَى الْقَتِيل (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْيَمِينُ:
٢ - مِنْ مَعَانِي الْيَمِينِ لُغَةً: الْقُوَّةُ، وَالْقَسَمُ، وَالْبَرَكَةُ (٢) .
وَاصْطِلاَحًا: تَوْكِيدُ حُكْمٍ بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ (٣) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْيَمِينِ وَبَيْنَ الْقَسَامَةِ: أَنَّ الْيَمِينَ أَعَمُّ.
ب - اللَّوْثُ:
٣ - اللَّوْثُ قَرِينَةٌ تُثِيرُ الظَّنَّ وَتُوقِعُ فِي الْقَلْبِ صِدْقَ الْمُدَّعِي (٤) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ اللَّوْثِ وَبَيْنَ الْقَسَامَةِ أَنَّ اللَّوْثَ شَرْطٌ فِي الْقَسَامَةِ.
حُكْمُ الْقَسَامَةِ:
٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْقَسَامَةِ: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْقَسَامَةَ مَشْرُوعَةٌ وَأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهَا الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ إِذَا لَمْ تَقْتَرِنِ الدَّعْوَى بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، وَوُجِدَ اللَّوْثُ.
_________
(١) المغني والشرح الكبير ١٠ / ٢، والفروع لابن مفلح ٦ / ٤٦.
(٢) القاموس المحيط.
(٣) مطالب أولي النهى ٦ / ٣٥٧، ٣٥٨.
(٤) روضة الطالبين ١٠ / ١٠.
وَدَلِيل مَشْرُوعِيَّتِهَا: " مَا رُوِيَ عَنْ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِل وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ فَقِيرٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَال: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبَل حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ ثُمَّ أَقْبَل هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِمُحَيِّصَةَ: كَبِّرْ كَبِّرْ - يُرِيدُ السِّنّ - َ فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ، فَكَتَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: لاَ، قَال: فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودٌ؟ قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ، فَقَال سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ (١) .
_________
(١) حديث: سهل بن أبي حثمة. أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٢٢٩) ومسلم (٣ / ١٢٩١ - ١٢٩٢) واللفظ لمسلم.
وَبِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ الأَْنْصَارِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَقَضَى بِهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بَيْنَ نَاسٍ مِنَ الأَْنْصَارِ فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَأَبُو قِلاَبَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عُلَيَّةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، إِلَى عَدَمِ الأَْخْذِ بِالْقَسَامَةِ، وَعَدَمِ وُجُوبِ الْعَمَل بِهَا؛ لأَِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لأُِصُول الشَّرْعِ الْمُجْمَعِ عَلَى صِحَّتِهَا.
وَمِنْ هَذِهِ الأُْصُول: أَنْ لاَ يَحْلِفَ أَحَدٌ إِلاَّ عَلَى مَا عَلِمَ قَطْعًا أَوْ شَاهَدَ حِسًّا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُقْسِمُ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ وَهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا الْقَاتِل، بَل قَدْ يَكُونُونَ فِي بَلَدٍ وَالْقَاتِل فِي بَلَدٍ آخَرَ (٢)، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (٣) .
_________
(١) حديث: " رجل من الأنصار. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٢٩٥) .
(٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١٢ / ٢٣٥.
(٣) حديث: أن النبي ﷺ قال: " لو يعطى الناس بدعواهم. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٣٣٦) من حديث ابن عباس.
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْقَسَامَةِ:
٥ - شُرِعَتِ الْقَسَامَةُ لِصِيَانَةِ الدِّمَاءِ وَعَدَمِ إِهْدَارِهَا، حَتَّى لاَ يُهْدَرَ دَمٌ فِي الإِْسْلاَمِ أَوْ يُطَل، وَكَيْ لاَ يَفْلِتَ مُجْرِمٌ مِنَ الْعِقَابِ، قَال عَلِيٌّ لِعُمَرَ ﵄ فِيمَنْ مَاتَ مِنْ زِحَامٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَوْ فِي الطَّوَافِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لاَ يُطَل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِنْ عَلِمْتَ قَاتِلَهُ، وَإِلاَّ فَأَعْطِهِ دِيَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال (١) .
فَالشَّرِيعَةُ الإِْسْلاَمِيَّةُ تَحْرِصُ أَشَدَّ الْحِرْصِ عَلَى حِفْظِ الدِّمَاءِ وَصِيَانَتِهَا وَعَدَمِ إِهْدَارِهَا، وَلَمَّا كَانَ الْقَتْل يَكْثُرُ بَيْنَمَا تَقِل الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْقَاتِل يَتَحَرَّى بِالْقَتْل مَوَاضِعَ الْخَلَوَاتِ، جُعِلَتِ الْقَسَامَةُ حِفْظًا لِلدِّمَاءِ (٢) .
شُرُوطُ الْقَسَامَةِ:
الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ لَوْثٌ:
٦ - سَبَقَ تَعْرِيفُ اللَّوْثِ فِي الأَْلْفَاظِ ذَاتِ الصِّلَةِ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (٣) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (لَوْث) .
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُكَلَّفًا:
٧ - يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ بِالْقَتْل مُكَلَّفًا حَتَّى تَصِحَّ الدَّعْوَى بِالْقَسَامَةِ حَيْثُ
_________
(١) المغني والشرح الكبير ١٠ / ٩.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٤٢٨.
(٣) مغني المحتاج ٤ / ١١١، وروضة الطالبين ١٠ / ١٠، والمغني والشرح الكبير ١٠ / ٧، ٨، وشرح الخرشي ٨ / ٥١، وحاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٧ / ٣٧٠.
لاَ قَسَامَةَ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) .
أَمَّا غَيْرُهُمْ فَعَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، وَأَنَّ الْمُكَلَّفَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ فِي الْقَسَامَةِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مُكَلَّفًا:
٨ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي مُكَلَّفًا، فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَى صَبِيٍّ وَلاَ مَجْنُونٍ، بَل يَدَّعِي لَهُمَا الْوَلِيُّ أَوْ يُوقَفُ إِلَى كَمَالِهِمَا، وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا وَقْتَ الْقَتْل كَامِلًا مُكَلَّفًا عِنْدَ الدَّعْوَى سُمِعَتْ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يُعْلَمُ الْحَال بِالتَّسَامُعِ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ إِذَا عَرَفَ مَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِ الْجَانِي، أَوْ بِسَمَاعٍ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ (٢) .
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُعَيَّنًا:
٩ - قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِنَّهُ لَوْ كَانَتِ الدَّعْوَى عَلَى أَهْل مَدِينَةٍ أَوْ مَحَلَّةٍ أَوْ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ جَمَاعَةٍ بِغَيْرِ أَعْيَانِهَا لاَ تَجِبُ الْقَسَامَةُ (٣)، فَإِنِ ادَّعَى الْقَتْل عَلَى شَخْصٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، فَهِيَ مَسْمُوعَةٌ، إِذَا ذَكَرَهُمْ لِلْقَاضِي وَطَلَبَ إِحْضَارَهُمْ أَجَابَهُ إِلَى طَلَبِهِ، وَإِنْ ذَكَرَ جَمَاعَةً لاَ يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى
_________
(١) منتهى الإرادات ٣ / ٣٣٣، ومطالب أولي النهى ٦ / ١٤٨، والوجيز في الفقه للغزالي ٢ / ١٥٩، وروضة الطالبين ١٠ / ٤.
(٢) الوجيز في الفقه للغزالي ٢ / ١٥٩، ومغني المحتاج ٤ / ١١٠.
(٣) المغني والشرح الكبير ١٠ / ٤، ٥، وشرح الخرشي ٨ / ٥٥.
الْقَتْل لاَ يُبَالِي بِقَوْلِهِ، فَإِنَّهُ دَعْوَى مُحَالٍ. وَلَوْ قَال: قَتَل أَبِي أَحَدُ هَذَيْنِ، أَوْ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلاَءِ الْعَشَرَةِ، وَطَلَبَ مِنَ الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُمْ، وَيُحَلِّفَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَهَل يُجِيبُهُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لاَ، وَلَوْ قَال فِي دَعْوَاهُ عَلَى حَاضِرِينَ قَتَلَهُ أَحَدُهُمْ، أَوْ قَتَلَهُ هَذَا أَوْ هَذَا، وَطَلَبَ تَحْلِيفَهُمْ لَمْ يُحَلِّفْهُمُ الْقَاضِي عَلَى الأَْصَحِّ، لإِبْهَامِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلاَ تُسْمَعُ هَذِهِ الدَّعْوَى (١)، وَذَلِكَ مِثْل لَوِ ادَّعَى وَدِيعَةً، أَوْ دَيْنًا عَلَى أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ أَوِ الرِّجَال، لَمْ يُسْمَعْ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ تَعْيِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لاَ يُشْرَطُ لِلْقَسَامَةِ، بَل إِنَّهُ إِذَا عَيَّنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: لاَ تَسْقُطُ الْقَسَامَةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُعَيِّنْ؛ لأَِنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ الْقَسَامَةَ ابْتِدَاءً عَلَى أَهْل الْمَحَلَّةِ، فَتَعْيِينُهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ لاَ يُنَافِي مَا شَرَعَهُ الشَّارِعُ، فَتَثْبُتُ الْقَسَامَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى أَهْل الْمَحَلَّةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الأُْصُول: أَنَّ الْقَسَامَةَ وَالدِّيَةَ تَسْقُطُ عَنِ الْبَاقِينَ مِنْ أَهْل الْمَحَلَّةِ، وَيُكَلَّفُ الْوَلِيُّ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِلاَّ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينًا وَاحِدًا (٢) .
_________
(١) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٧ / ٣٦٨، والوجيز في الفقه للغزالي ٢ / ١٥٨.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٤٠٣، وتكملة فتح القدير ٨ / ٣٨٨.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَلاَّ تَتَنَاقَضَ دَعْوَى الْمُدَّعِي:
١٠ - يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْقَسَامَةِ أَلاَّ تَتَنَاقَضَ دَعْوَى الْمُدَّعِينَ، فَإِنْ قَال الْقَتِيل قَبْل مَوْتِهِ: قَتَلَنِي فُلاَنٌ عَمْدًا، وَقَالُوا: بَل قَتَلَهُ خَطَأً أَوِ الْعَكْسَ، فَإِنَّهُ لاَ قَسَامَةَ لَهُمْ وَبَطَل حَقُّهُمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى قَوْل الْمَيِّتِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلاَ يُجَابُونَ لِذَلِكَ؛ لأَِنَّهُمْ كَذَّبُوا أَنْفُسَهُمْ (١) .
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ انْفِرَادَهُ بِالْقَتْل، ثُمَّ ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَنَّهُ شَرِيكُهُ، أَوْ أَنَّهُ الْقَاتِل مُنْفَرِدًا لَمْ تُسْمَعِ الدَّعْوَى الثَّانِيَةُ لِمُنَاقَضَتِهَا الدَّعْوَى الأُْولَى وَتَكْذِيبِهَا، وَلَوِ ادَّعَى عَمْدًا وَوَصَفَهُ بِغَيْرِهِ مِنْ خَطَأٍ أَوْ شِبْهِ عَمْدٍ أَوْ عَكْسُهُ بَطَل الْوَصْفُ، وَلَمْ يَبْطُل أَصْل دَعْوَى الْقَتْل فِي الأَْظْهَرِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يُظَنُّ مَا لَيْسَ بِعَمْدٍ عَمْدًا، أَوْ عَكْسُهُ فَيَعْتَمِدُ تَفْسِيرَهُ (٢) .
الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيل ذُكُورًا مُكَلَّفِينَ:
١١ - عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى بِالْقَتْل
_________
(١) شرح الخرشي ٨ / ٥١، والأنوار لأعمال الأبرار ٢ / ٥٨، والمغني والشرح الكبير ١٠ / ٤، وكشاف القناع ٦ / ٧٣.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ١١٠ - ١١١، والوجيز في الفقه للغزالي ٢ / ١٥٩.