الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣ الصفحة 31

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣

بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ مَعَهُ الْجِمَاعُ (١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقَرَنِ وَالرَّتَقِ أَنَّ كِلَيْهِمَا مِنْ عُيُوبِ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اعْتِبَارِ الْقَرَنِ مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْخِيَارُ، فَلِلزَّوْجِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ أَوْ إِمْضَائِهِ إِذَا وَجَدَ زَوْجَتَهُ قَرْنَاءَ حَال الْعَقْدِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا، وَذَلِكَ لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ الأَْصْلِيِّ مِنَ النِّكَاحِ وَهُوَ الْوَطْءُ (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ خِيَارُ فَسْخِ النِّكَاحِ بِعَيْبِ الْقَرَنِ فِي الزَّوْجَةِ، وَهُوَ قَوْل عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي زِيَادٍ وَأَبِي قِلاَبَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالأَْوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ.

وَذَلِكَ أَنَّ فَوْتَ الاِسْتِيفَاءِ أَصْلًا بِالْمَوْتِ لاَ يُوجِبُ الْفَسْخَ فَاخْتِلاَلُهُ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ أَوْلَى، وَهَذَا لأَِنَّ الاِسْتِيفَاءَ مِنَ الثَّمَرَاتِ - وَفَوْتُ الثَّمَرَةِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ - وَالْمُسْتَحَقُّ هُوَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٢ / ٥٩٧، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٢٧٨، روضة الطالبين ٧ / ١٧٧، كشاف القناع ٥ / ١٠٩.

(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٢٧٨، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٨٣، وشرح روض الطالب ٣ / ١٧٦، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٠٣، وكشاف القناع ٥ / ١٠٩، ١١٠.

التَّمَكُّنُ وَهُوَ حَاصِلٌ (١) .

نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ الْقَرْنَاءِ:

٤ - تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلزَّوْجَةِ الْقَرْنَاءِ عَلَى زَوْجِهَا؛ لأَِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي إِيجَابِ النَّفَقَةِ الاِحْتِبَاسُ لاِنْتِفَاعِ مَقْصُودٍ مِنْ وَطْءٍ أَوْ مِنْ دَوَاعِيهِ (٢) .

وُجُوبُ الْقِسْمَةِ لِلْقَرْنَاءِ:

٥ - تَجِبُ الْقِسْمَةُ لِلْقَرْنَاءِ، كَمَا تَجِبُ لِكُل مَنْ قَامَ بِهَا عُذْرٌ شَرْعِيٌّ أَوْ طَبْعِيٌّ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ الأُْنْسُ لاَ الاِسْتِمْتَاعُ (٣) .

إِجْبَارُ الزَّوْجَةِ الْقَرْنَاءِ عَلَى الْمُدَاوَاةِ:

٦ - لاَ تُجْبَرُ الْقَرْنَاءُ عَلَى شَقِّ الْمَوْضِعِ، فَإِنْ فَعَلَتْهُ وَأَمْكَنَ الْوَطْءُ فَلاَ خِيَارَ لِلزَّوْجِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (٤)، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لِلزَّوْجِ شَقُّ مَوْضِعِ الاِنْسِدَادِ مِنْ زَوْجَتِهِ وَتُجْبَرُ عَلَيْهِ إِنْ رَفَضَتْ؛ لأَِنَّ التَّسْلِيمَ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا لاَ يُمْكِنُهُ بِدُونِهِ (٥) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٢ / ٥٩٧. وفتح القدير ٣ / ٢٦٧ - ٢٦٨ ط. الأميرية ١٣١٥هـ.

(٢) رد المحتار ٢ / ٦٤٥، مغني المحتاج ٣ / ٤٣٧، المغني ٧ / ٦٠٣، والشرح الكبير للدردير ٢ / ٥١٧، وعبارته: ولها نفقة وإن كانت رتقاء إن دخل بها عالمًا أو رضي باستمتاعه بما دون الفرج.

(٣) مغني المحتاج ٣ / ٢٥٢، رد المحتار ٢ / ٤٠٠، حاشية الدسوقي ٢ / ٣٣٩.

(٤) نهاية المحتاج ٦ / ٣٠٣، أسنى المطالب ٣ / ١٧٦، حاشية الدسوقي ٢ / ٢٨٤.

(٥) رد المحتار ٢ / ٥٩٧.

الإِْيلاَءُ مِنَ الزَّوْجَةِ الْقَرْنَاءِ:

٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ إِيلاَءِ الزَّوْجِ مِنْ زَوْجَتِهِ الْقَرْنَاءِ.

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الإِْيلاَءُ مِنَ الْقَرْنَاءِ وَالرَّتْقَاءِ، قَالُوا: لأَِنَّهُ لاَ يَتَحَقَّقُ الْغَرَضُ مِنَ الإِْيلاَءِ مِنْ قَصْدِ إِيذَاءِ الزَّوْجَةِ بِالاِمْتِنَاعِ مِنْ وَطْئِهَا؛ لاِمْتِنَاعِهِ فِي نَفْسِهِ (١)، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَصِحُّ الإِْيلاَءُ مِنَ الْقَرْنَاءِ وَالرَّتْقَاءِ لِعُمُومِ آيَةِ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٢) الآْيَةَ، وَيَكُونُ فَيْؤُهُ بِالْقَوْل كَأَنْ يَقُول: فِئْتُ إِلَيْهَا (٣) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِيلاَء) .

قَرْنُ الْمَنَازِل

انْظُرْ: قَرْن

قَرِين

انْظُرْ: جِنّ

_________

(١) المحلي على القليوبي ٣ / ٩، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣١٣.

(٢) سورة البقرة / ٢٢٦.

(٣) تبيين الحقائق ٢ / ١٦٦، ابن عابدين ٢ / ٥٥٢.

قَرِينَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْقَرِينَةُ لُغَةً: مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَرَنَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ، أَيْ شَدَّهُ إِلَيْهِ وَوَصَلَهُ بِهِ، كَجَمْعِ الْبَعِيرَيْنِ فِي حَبْلٍ وَاحِدٍ، وَكَالْقَرْنِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، أَوْ كَالْجَمْعِ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ أَوِ اللُّقْمَتَيْنِ عِنْدَ الأَْكْل، وَتَأْتِي الْمُقَارَنَةُ بِمَعْنَى الْمُرَافَقَةِ وَالْمُصَاحَبَةِ، وَمِنْهُ مَا يُطْلَقُ عَلَى الزَّوْجَةِ قَرِينَةٌ، وَعَلَى الزَّوْجِ قَرِينٌ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مَا يَدُل عَلَى الْمُرَادِ مِنْ غَيْرِ كَوْنِهِ صَرِيحًا (٢) .

مَشْرُوعِيَّةُ الْقَرِينَةِ:

٢ - الْقَرِينَةُ مَشْرُوعَةٌ فِي الْجُمْلَةِ لِمَا وَرَدَ فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ يُوسُفَ ﴿وَجَاءُو عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ (٣) .

قَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ (٤): إِنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط.

(٢) قواعد الفقه للبركتي، والتعريفات للجرجاني.

(٣) سورة يوسف / ١٨.

(٤) تفسير القرطبي ٩ / ١٧٣ - ١٧٤.

أَنْ يَجْعَلُوا الدَّمَ عَلاَمَةَ صِدْقِهِمْ، قَرَنَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْعَلاَمَةِ عَلاَمَةً تُعَارِضُهَا، وَهِيَ سَلاَمَةُ الْقَمِيصِ مِنَ التَّمْزِيقِ، إِذْ لاَ يُمْكِنُ افْتِرَاسُ الذِّئْبِ لِيُوسُفَ وَهُوَ لاَبِسُ الْقَمِيصِ وَيَسْلَمُ الْقَمِيصُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ ﵇ اسْتَدَل عَلَى كَذِبِهِمْ بِصِحَّةِ الْقَمِيصِ، فَاسْتَدَل الْعُلَمَاءُ بِهَذِهِ الآْيَةِ عَلَى إِعْمَال الأَْمَارَاتِ فِي مَسَائِل كَثِيرَةٍ مِنَ الْفِقْهِ (١) .

كَمَا اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢)، عَلَى جَوَازِ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالْعَلاَمَةِ، إِذْ أَثْبَتُوا بِذَلِكَ كَذِبَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فِيمَا نَسَبَتْهُ لِيُوسُفَ ﵊ (٣) .

وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ: الأَْيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا (٤)، فَجَعَل صُمَاتَهَا قَرِينَةً دَالَّةً عَلَى الرِّضَا، وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا رَضِيَتْ، وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الأَْدِلَّةِ عَلَى الْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ.

كَمَا سَارَ عَلَى ذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالصَّحَابَةُ فِي الْقَضَايَا الَّتِي عَرَضَتْ، وَمِنْ

_________

(١) التبصرة ٢ / ٩٥، والقرطبي ٩ / ١٧٣.

(٢) سورة يوسف / ٢٦، ٢٧.

(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٤٤٠.

(٤) حديث: " الأيم أحق بنفسها. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ١٠٣٧) من حديث ابن عباس.

ذَلِكَ مَا حَكَمَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَعُثْمَانُ، ﵃ وَلاَ يُعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفٌ - بِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ رَائِحَةُ الْخَمْرِ، أَوْ قَاءَهَا، وَذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀، وَمِنْهُ مَا قَضَى بِهِ عُمَرُ ﵁ بِرَجْمِ الْمَرْأَةِ إِذَا ظَهَرَ لَهَا حَمْلٌ وَلاَ زَوْجَ لَهَا، وَقَدْ قَال بِذَلِكَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ (١) .

وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (٢) .

الْقَرَائِنُ الْقَاطِعَةُ وَغَيْرُ الْقَاطِعَةِ:

٣ - إِنَّ مِنَ الْقَرَائِنِ مَا يَقْوَى حَتَّى يُفِيدَ الْقَطْعَ، وَمِنْهَا مَا يَضْعُفُ (٣)، وَيُمَثِّلُونَ لِحَالَةِ الْقَطْعِ بِمُشَاهَدَةِ شَخْصٍ خَارِجٍ مِنْ دَارٍ خَالِيَةٍ خَائِفًا مَدْهُوشًا فِي يَدِهِ سِكِّينٌ مُلَوَّثَةٌ بِالدَّمِ، فَلَمَّا وَقَعَ الدُّخُول لِلدَّارِ رُئِيَ فِيهَا شَخْصٌ مَذْبُوحٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَتَشَخَّطُ فِي دِمَائِهِ، فَلاَ يُشْتَبَهُ هُنَا فِي كَوْنِ ذَلِكَ الشَّخْصِ هُوَ الْقَاتِل، لِوُجُودِ هَذِهِ الْقَرِينَةِ الْقَاطِعَةِ (٤) .

وَأَمَّا الْقَرِينَةُ غَيْرُ قَطْعِيَّةِ الدَّلاَلَةِ وَلَكِنَّهَا ظَنِّيَّةٌ أَغْلَبِيَّةٌ، وَمِنْهَا الْقَرَائِنُ الْعُرْفِيَّةُ أَوِ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْ

_________

(١) التبصرة لابن فرحون ٢ / ٩٧.

(٢) سورة الأنبياء / ٧٩.

(٣) الطرق الحكمية ص ١٩٤.

(٤) المادة (١٧٤١) مجلة الأحكام العدلية.

وَقَائِعِ الدَّعْوَى وَتَصَرُّفَاتِ الْخُصُومِ، فَهِيَ دَلِيلٌ أَوَّلِيٌّ مُرَجِّحٌ لِزَعْمِ أَحَدِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ مَعَ يَمِينِهِ مَتَى اقْتَنَعَ بِهَا الْقَاضِي وَلَمْ يَثْبُتْ خِلاَفُهَا.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لاَ تَرُدُّ حَقًّا وَلاَ تُكَذِّبُ دَلِيلًا وَلاَ تُبْطِل أَمَارَةً صَحِيحَةً، هَذَا وَقَدْ دَرَجَتْ مَجَلَّةُ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ الْقَرِينَةِ الْقَاطِعَةِ أَحَدَ أَسْبَابِ الْحُكْمِ فِي الْمَادَّةِ (١٧٤٠) وَعَرَّفَتْهَا بِأَنَّهَا الأَْمَارَةُ الْبَالِغَةُ حَدَّ الْيَقِينِ وَذَلِكَ فِي الْمَادَّةِ (١٧٤١) .

الأَْخْذُ بِالْقَرَائِنِ:

٤ - قَال ابْنُ فَرْحُونَ ﵀ فِي تَبْصِرَتِهِ نَاقِلًا عَنِ الإِْمَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ الْفَقِيهِ الْمَالِكِيِّ قَوْلَهُ: عَلَى النَّاظِرِ أَنْ يَلْحَظَ الأَْمَارَاتِ وَالْعَلاَمَاتِ إِذَا تَعَارَضَتْ، فَمَا تَرَجَّحَ مِنْهَا مَضَى بِجَانِبِ التَّرْجِيحِ، وَهُوَ قُوَّةُ التُّهْمَةِ، وَلاَ خِلاَفَ فِي الْحُكْمِ بِهَا، وَقَدْ جَاءَ الْعَمَل بِهَا فِي مَسَائِل اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ، وَبَعْضُهَا قَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ خَاصَّةً (١) .

عَلَى أَنَّ ضَبْطَ كُل الصُّوَرِ الَّتِي تَعْمَل فِيهَا الْقَرِينَةُ أَمْرٌ مُسْتَبْعَدٌ، إِذْ أَنَّ الْوَقَائِعَ غَيْرُ مَحْدُودَةٍ، وَالْقَضَايَا مُتَنَوِّعَةٌ، فَيَسْتَخْلِصُهَا الْقَاضِي بِفَهْمِهِ وَذَكَائِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ جَانِبًا مِنَ الصُّوَرِ لِلاِسْتِنَارَةِ بِهَا، وَلِلتَّدْلِيل عَلَى

_________

(١) التبصرة ص ٩٧ - ٩٨.

اعْتِبَارِ الْعُلَمَاءِ بِالْقَرَائِنِ الَّتِي تَوَلَّدَتْ عَنْهَا، وَهَذَا الْبَعْضُ مِنْهَا:

الأُْولَى: أَنَّ الْفُقَهَاءَ كُلَّهُمْ يَقُولُونَ بِجَوَازِ وَطْءِ الرَّجُل الْمَرْأَةَ إِذَا أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ لَيْلَةَ الزِّفَافِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَهُ عَدْلاَنِ أَنَّ هَذِهِ فُلاَنَةُ بِنْتُ فُلاَنٍ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَنْطِقِ النِّسَاءُ أَنَّ هَذِهِ امْرَأَتُهُ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا، اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ، الْمُنَزَّلَةِ مَنْزِلَةَ الشَّهَادَةِ.

الثَّانِيَةُ: اعْتِمَادُ النَّاسِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى الصِّبْيَانِ وَالإِْمَاءِ الْمُرْسَلَةِ مَعَهُمُ الْهَدَايَا إِلَيْهِمْ، فَيَقْبَلُونَ أَقْوَالَهُمْ، وَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ الْمُرْسَل بِهِ.

الثَّالِثَةُ: أَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ إِذْنَ الصِّبْيَانِ فِي الدُّخُول لِلْمَنْزِل.

الرَّابِعَةُ: جَوَازُ أَخْذِ مَا يَسْقُطُ مِنَ الإِْنْسَانِ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ صَاحِبُهُ، وَمَا لاَ يَتْبَعُهُ الإِْنْسَانُ نَفْسُهُ لِحَقَارَتِهِ، كَالتَّمْرَةِ وَالْفَلْسِ، وَكَجِوَازِ أَخْذِ مَا بَقِيَ فِي الْحَوَائِطِ مِنَ الثِّمَارِ وَالْحَبِّ بَعْدَ انْتِقَال أَهْلِهِ مِنْهُ وَتَخْلِيَتِهِ وَتَسْيِيبِهِ، كَجَوَازِ أَخْذِ مَا يَسْقُطُ مِنَ الْحَبِّ عِنْدَ الْحَصَادِ مِمَّا لاَ يَعْتَنِي صَاحِبُ الزَّرْعِ بِلَقْطِهِ، وَكَأَخَذِ مَا يَنْبِذُهُ النَّاسُ رَغْبَةً عَنْهُ مِنَ الطَّعَامِ وَالْخِرَقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَقَّرَاتِ.

الْخَامِسَةُ: الشُّرْبُ مِنَ الْمَصَانِعِ الْمَوْضُوعَةِ

عَلَى الطُّرُقَاتِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الشَّارِبُ إِذْنَ أَرْبَابِهَا فِي ذَلِكَ لَفْظًا، اعْتِمَادًا عَلَى دَلاَلَةِ الْحَال.

السَّادِسَةُ: قَوْلُهُمْ فِي الرِّكَازِ: إِذَا كَانَ عَلَيْهِ عَلاَمَةُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ كَنْزٌ، وَيَأْخُذُ حُكْمَ اللُّقَطَةِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ عَلاَمَاتُ الْكُفْرِ كَالصَّلِيبِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ رِكَازٌ.

السَّابِعَةُ: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَكِيل عَلَى بَيْعِ السِّلْعَةِ قَبْضُ ثَمَنِهَا، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُوَكِّل فِي ذَلِكَ لَفْظًا، اعْتِمَادًا عَلَى قَرِينَةِ الْحَال.

الثَّامِنَةُ: الْقَضَاءُ بِالنُّكُول وَاعْتِبَارُهُ فِي الأَْحْكَامِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ رُجُوعًا إِلَى مُجَرَّدِ الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ، فَقُدِّمَتْ عَلَى أَصْل بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.

التَّاسِعَةُ: جَوَازُ دَفْعِ اللُّقَطَةِ لِوَاصِفِ عِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا.

الْعَاشِرَةُ: النَّظَرُ فِي أَمْرِ الْخُنْثَى، وَالاِعْتِمَادُ فِيهِ عَلَى الأَْمَارَاتِ وَالْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى إِحْدَى حَالَتَيْهِ الذُّكُورَةِ أَوِ الأُْنُوثَةِ.

الْحَادِيَةَ عَشَرَةَ: مَعْرِفَةُ رِضَا الْبِكْرِ بِالزَّوْجِ بِصُمَاتِهَا.

الثَّانِيَةَ عَشَرَةَ: إِذَا أَرْخَى السِّتْرَ عَلَى الزَّوْجَةِ وَخَلاَ بِهَا، قَال أَصْحَابُنَا: إِذَا طَلَّقَهَا وَقَال إِنَّهُ لَمْ يَمَسَّهَا وَادَّعَتْ هِيَ الْوَطْءَ صُدِّقَتْ، وَكَانَ لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا (١) .

_________

(١) هذه المجموعة من الأمثلة والصور التي أعملت فيها القرينة انتخبت من كتاب التبصرة تحت عنوان: فصل في بيان عمل فقهاء الطوائف الأربعة بالحكم والقرائن والأمارات، وأيضًا من كتاب الطرق الحكمية لابن القيم، ومن كتاب معين الحكام الحنفي المذهب.

وَمِنْ هَذَا الْعَرْضِ يَبْدُو اتِّفَاقُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الْعَمَل بِقَرَائِنِ الأَْحْوَال بِصِفَةٍ مُطْلَقَةٍ بِدُونِ قُيُودٍ وَلاَ حُدُودٍ، وَمَصَادِرُ مَذْهَبَيْهِمْ تَشْهَدُ بِذَلِكَ (١) .

وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ عَمِلُوا بِالْقَرَائِنِ فِي حُدُودٍ ضَيِّقَةٍ، وَيَعْتَدُّونَ بِالْقَرِينَةِ الْحِسِّيَّةِ وَالْحَالِيَّةِ، وَبِالْقَرِينَةِ الْقَاطِعَةِ فَقَدْ ذَكَرَ الْعَلاَّمَةُ ابْنُ نُجَيْمٍ عِنْدَ إِحْصَائِهِ لِلْحُجَجِ الَّتِي يَعْتَمِدُهَا الْقَاضِي، فَقَال: إِنَّ الْحُجَّةَ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ، أَوْ إِقْرَارٌ، أَوْ نُكُولٌ عَنْ يَمِينٍ، أَوْ يَمِينٌ، أَوْ قَسَامَةٌ، أَوْ عِلْمُ الْقَاضِي بَعْدَ تَوَلِّيهِ، أَوْ قَرِينَةٌ قَاطِعَةٌ، وَقَال: وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِي الشَّرْحِ مِنَ الدَّعْوَى.

وَذُكِرَ أَنَّهُ لاَ يُقْضَى بِالْقَرِينَةِ إِلاَّ فِي مَسَائِل ذَكَرَهَا فِي الشَّرْحِ فِي بَابِ التَّحَالُفِ.

وَقَدْ نَصَّ الْمُزَنِيُّ فِي كِتَابِهِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالظُّنُونِ، بَعْدَ ذِكْرِ النِّزَاعِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى مَتَاعِ الْبَيْتِ، وَتَنَازُعِ عَطَّارٍ وَدَبَّاغٍ، وَأَنَّهُ لَوْ صَحَّ اسْتِعْمَال الظُّنُونِ لَقُضِيَ بِالْعِطْرِ لِلْعَطَّارِ، وَالدِّبَاغِ لِلدَّبَّاغِ (٢) .

_________

(١) التبصرة لابن فرحون ٢ / ٩٥ وما بعدها، والطرق الحكمية ص ١٩٤.

(٢) مختصر المزني على هامش كتاب الأم ٥ / ٢٦٦، وكتاب تبويب الأشباه والنظائر ص ٣١٠ للشيخ محمد أبي الفتح المفتي الحنفي.