الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣ الصفحة 29

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣

خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِصَاحِبِ الْكُل أَوْ لِمُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ أَخَذَهُ، وَإِنْ وَقَعَتْ لِمُدَّعِي النِّصْفِ أَخَذَهُ وَأُقْرِعَ بَيْنَ الثَّلاَثَةِ فِي الثُّلُثِ الْبَاقِي، وَهَذَا قَوْل أَبِي عُبَيْدٍ وَالشَّافِعِيِّ إِذْ كَانَ بِالْعِرَاقِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ عَبَّرُوا عَنْهُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: لِمُدَّعِي الْكُل الثُّلُثُ وَيُقْرَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ فِي السُّدُسِ الزَّائِدِ عَنِ النِّصْفِ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مُدَّعِي النِّصْفِ فِي السُّدُسِ الزَّائِدِ عَنِ الثُّلُثِ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الأَْرْبَعَةِ فِي الثُّلُثِ الْبَاقِي، وَيَكُونُ الإِْقْرَاعُ فِي ثَلاَثَةِ مَوَاضِعَ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى الثُّلُثُ لِمُدَّعِي الْكُل، وَيُقْسَمُ الزَّائِدُ عَنِ النِّصْفِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ، ثُمَّ يُقْسَمُ السُّدُسُ الزَّائِدُ عَنِ الثُّلُثِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مُدَّعِي النِّصْفِ أَثْلاَثًا، ثُمَّ يُقْسَمُ الثُّلُثُ الْبَاقِي بَيْنَ الأَْرْبَعَةِ أَرْبَاعًا (١) .

وَيَتَّفِقُ الشَّافِعِيَّةُ مَعَ الْحَنَابِلَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ فَارِقٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا ادَّعَاهُ، بَيْنَمَا فَرْضُهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قِيَامُ بَيِّنَةٍ لِكُل وَاحِدٍ عَلَى دَعْوَاهُ.

سَادِسًا: نَقَل ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ أَخَذَ مِنْ رَجُلَيْنِ ثَوْبَيْنِ أَحَدُهُمَا بِعَشَرَةٍ وَالآْخَرُ بِعِشْرِينَ، ثُمَّ لَمْ يَدْرِ أَيَّهُمَا ثَوْبُ هَذَا مِنْ

_________

(١) المغني ٩ / ٢٨٦ - ٢٨٧.

ثَوْبِ هَذَا، فَادَّعَى أَحَدُهُمَا ثَوْبًا مِنْ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ، يَعْنِي وَادَّعَاهُ الآْخَرُ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَكَانَ الثَّوْبُ الْجَيِّدُ لَهُ، وَالآْخَرُ لِلآْخَرِ، وَإِنَّمَا قَال ذَلِكَ لأَِنَّهُمَا تَنَازَعَا عَيْنًا فِي يَدِ غَيْرِهِمَا (١) .

سَابِعًا: إِذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا فَقَال كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا: هَذِهِ الْعَيْنُ لِي اشْتَرَيْتُهَا مِنْ زَيْدٍ بِمِائَةٍ وَنَقَدْتُهُ إِيَّاهَا، وَلاَ بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. . . وَقَال زَيْدٌ: لاَ أَعْلَمُ لِمَنْ هِيَ مِنْكُمَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا (٢)، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ صُورَةٌ شَبِيهَةٌ بِهَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ فَارِقٍ وَاحِدٍ وَهُوَ إِقَامَةُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُدَّعِيَيْنِ بَيِّنَةً عَلَى طِبْقِ دَعْوَاهُ، وَالأَْثَرُ هُوَ سُقُوطُ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى قَوْلٍ، وَمُقَابِلُهُ: اسْتِعْمَالُهُمَا، فَفِي مَجِيءِ قَوْل الْوَقْفِ الْخِلاَفُ السَّابِقُ، وَيَجِيءُ قَوْلاَ الْقُرْعَةِ وَالْقِسْمَةِ، وَالتَّفْرِيعُ كَمَا سَبَقَ (٣) .

وَتَكْمِلَةُ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: وَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا فَهِيَ بَيْنَهُمَا وَيَحْلِفُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى إِنْكَارِهِ وَلاَ اعْتِرَافِهِ، وَهَذَا قَوْل الْقَاضِي؛ لأَِنَّهُ ثَبَتَ زَوَال مِلْكِهِ وَأَنَّ يَدَهُ لاَ حُكْمَ لَهَا فَلاَ حُكْمَ لِقَوْلِهِ، فَمَنْ قَال: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ

_________

(١) المغني ٩ / ٢٩٠.

(٢) المغني ٩ / ٢٩٠.

(٣) روضة الطالبين ١٢ / ٧١.

خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَهَذَا قَوْل الْقَاضِي، وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا سِوَى هَذَا، وَمَنْ قَال: تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا قُسِمَتْ وَهَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ (١) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِيهَا أَقْوَالُهُمُ السَّابِقَةُ، بِالسُّقُوطِ لِلْبَيِّنَتَيْنِ، أَوِ اسْتِعْمَالِهِمَا، وَفِي حَالَةِ الاِسْتِعْمَال، يَجِيءُ الْوَقْفُ عَلَى الأَْصَحِّ فَتُنْزَعُ الدَّارُ مِنْ يَدِهِ وَالثَّمَنَانِ وَيُوقَفُ الْجَمِيعُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ سُلِّمَتْ إِلَيْهِ الدَّارُ بِالثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ وَاسْتَرَدَّ الآْخَرُ الثَّمَنَ الَّذِي أَدَّاهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ فَلِكُل وَاحِدٍ نِصْفُ الدَّارِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ وَلَهُمَا خِيَارُ الْفَسْخِ (٢) .

بَيْنَمَا يَتَّفِقُ مَوْقِفُ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ الْقَوْل الأَْخِيرِ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي تَقْسِيمِ الْعَيْنِ بَيْنَهُمَا مَعَ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (٣) .

ثَامِنًا: إِذَا ادَّعَى أَحَدُ الاِبْنَيْنِ وَهُوَ مُسْلِمٌ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ مُسْلِمًا، وَادَّعَى الاِبْنُ الآْخَرُ وَهُوَ كَافِرٌ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ كَافِرًا، وَالْحَال أَنَّ الأَْبَ مَجْهُول الدِّينِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، أَمَّا أَثَرُ الْقُرْعَةِ فِي هَذَا الْخِلاَفِ فَهُوَ كَمَا يَلِي: يَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَ الْوَلَدَيْنِ

_________

(١) المغني ٩ / ٢٩١.

(٢) الروضة ١٢ / ٦٩.

(٣) مجمع الأنهر على ملتقى الأبحر ٢ / ٢٧٤.

أَخٌ صَغِيرٌ وَتَجَرَّدَتْ دَعْوَاهُمَا عَنِ الْبَيِّنَةِ فَيَحْلِفَانِ عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، أَيْ يَحْلِفُ كُلٌّ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ وَيَنْبَغِي التَّبْدِئَةُ بِالْقُرْعَةِ بِالْيَمِينِ إِذَا تَنَازَعَا فِيمَنْ يَحْلِفُ مِنْهُمَا أَوَّلًا وَيُوقَفُ لِلصَّغِيرِ الثُّلُثُ (١) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَأْتِي هُنَا أَقْوَالُهُمُ السَّابِقَةُ فِي الدَّعَاوَى الْمُتَعَارِضَةِ فَعَلَى قَوْل السُّقُوطِ يَسْقُطَانِ، وَيَصِيرُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ فَيُصَدَّقُ الْكَافِرُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالاِسْتِعْمَال فَعَلَى الْوَقْفِ يُوقَفُ، وَعَلَى الْقُرْعَةِ يُقْرَعُ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ فَلَهُ التَّرِكَةُ، وَعَلَى الْقِسْمَةِ تُقْسَمُ فَيُجْعَل بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَغَيْرِ الإِْرْثِ (٢) .

كَمَا طَبَّقَ الْحَنَابِلَةُ فِيهَا قَاعِدَتَهُمُ السَّابِقَةَ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ تُنْظَرَ فَإِنْ كَانَتِ التَّرِكَةُ فِي أَيْدِيهِمَا قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي أَيْدِيهِمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ كَمَا إِذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا (٣) .

تَاسِعًا: كَمَا تَجْرِي الْقَوَاعِدُ السَّابِقَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِيمَا إِذَا مَاتَتِ الزَّوْجَةُ وَالاِبْنُ وَاخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَأَخُو الْمَرْأَةِ حَيْثُ قَال الزَّوْجُ: مَاتَتِ الزَّوْجَةُ أَوَّلًا فَوَرِثْتُهَا أَنَا وَابْنِي ثُمَّ مَاتَ الاِبْنُ فَوَرِثْتُهُ، وَقَال الأَْخُ: مَاتَ الاِبْنُ

_________

(١) شرح الزرقاني ٧ / ٢١٤، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٩٩.

(٢) الروضة ١٢ / ٧٦.

(٣) المغني ٩ / ٣١٢.

أَوَّلًا فَوَرِثَتْ مِنْهُ أُخْتِي، ثُمَّ مَاتَتْ فَأَرِثُ مِنْهَا، فَفِي حَالَةِ الاِسْتِعْمَال إِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا وَجَرَتْ أَقْوَال التَّعَارُضِ السَّابِقَةِ أَيْ مِنَ الْوَقْفِ وَالْقُرْعَةِ وَالْقِسْمَةِ، بَيْنَمَا يَذْهَبُ الْحَنَابِلَةُ فِي حَالَةِ التَّعَارُضِ فِي هَذِهِ أَيْضًا إِلَى تَطْبِيقِ قَوَاعِدِهِمْ وَهِيَ: هَل تَسْقُطَانِ أَوْ تُسْتَعْمَلاَنِ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا؟ أَوْ يَقْتَسِمَانِ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّلاَثِ (١)

عَاشِرًا: كَذَلِكَ تَجْرِي قَوَاعِدُ الشَّافِعِيَّةِ فِيمَا إِذَا قَال الْمُكْرِي: أَكْرَيْتُكَ هَذَا الْبَيْتَ شَهْرَ كَذَا بِعَشَرَةٍ، فَقَال: اكْتَرَيْتُ جَمِيعَ الدَّارِ بِالْعَشَرَةِ. . . فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ فَقَوْلاَنِ. وَقِيل: وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا خَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ، لاِشْتِمَالِهَا عَلَى زِيَادَةٍ وَهِيَ اكْتِرَاءُ جَمِيعِ الدَّارِ، وَأَظْهَرُهُمَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: يَتَعَارَضَانِ فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيِ التَّعَارُضِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالسُّقُوطِ: تَحَالَفَا، وَإِنْ قُلْنَا بِالاِسْتِعْمَال: جَازَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي الْيَمِينِ مَعَهَا الْخِلاَفُ السَّابِقُ، قَال ابْنُ سَلَمَةَ: لاَ يُقْرَعُ؛ لأَِنَّ الْقُرْعَةَ عِنْدَ تَسَاوِي الْجَانِبَيْنِ، وَلاَ تَسَاوِي لأَِنَّ جَانِبَ الْمُكْرِي أَقْوَى لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَأَمَّا الْوَقْفُ وَالْقِسْمَةُ فَلاَ يَجِبَانِ (٢)، وَبِنَفْسِ هَذَا التَّصْوِيرِ أَوْرَدَ الْحَنَابِلَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، لَكِنْ

_________

(١) المغني ٩ / ٣١٧.

(٢) الروضة ١٢ / ٦٧.

قَالُوا فِي حَالَةِ التَّعَارُضِ: فَإِنْ قُلْنَا تَسَاقَطَا فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا قَدَّمْنَا قَوْل مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ، وَهَذَا قَوْل الْقَاضِي وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَعَلَى قَوْل أَبِي الْخَطَّابِ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُكْتَرِي لأَِنَّهَا تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ (١) .

الْبُدَاءَةُ بِالْقُرْعَةِ عِنْدَ التَّحَالُفِ:

١٨ - لاَ يُحْتَاجُ إِلَى اسْتِخْدَامِ الْقُرْعَةِ عِنْدَ الْبُدَاءَةِ بِالتَّحَالُفِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، بَل الْقَاعِدَةُ هِيَ: تَخَيُّرُ الْقَاضِي فِي الْبَدْءِ بِتَحْلِيفِ أَحَدِ الْمُدَّعِيَيْنِ حَسَبَ مَا يَتَرَجَّحُ لَدَيْهِ مَنْ هُوَ أَقْوَى الْمُدَّعِيَيْنِ إِنْكَارًا إِلاَّ فِي صُورَتَيْنِ:

الأُْولَى فِي الْبَيْعِ: إِذَا كَانَ الاِخْتِلاَفُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ أَوِ الْمُثَمَّنِ أَوْ فِيهِمَا: فَيُبْدَأُ بِتَحْلِيفِ الْمُشْتَرِي، وَقِيل: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، هَذَا إِذَا كَانَ بَيْعَ عَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَإِنْ كَانَ بَيْعَ عَيْنٍ بِعَيْنٍ أَوْ ثَمَنٍ بِمُثَمَّنٍ فَالْقَاضِي مُخَيَّرٌ لِلاِسْتِوَاءِ (٢) .

الثَّانِيَةُ: إِذَا اخْتَلَفَ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالأُْجْرَةِ، وَادَّعَيَا مَعًا يَحْلِفُ مَنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، كَمَا فِي الْبَيْعِ (٣)، بَيْنَمَا لَمْ يُشِرِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى الْحَاجَةِ إِلَى الاِقْتِرَاعِ لِمَعْرِفَةِ مَنْ يَبْدَأُ مِنَ الْمُتَحَالِفَيْنِ

_________

(١) المغني ٩ / ٣١٧، ٣١٨.

(٢) مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر ٢ / ٢٩٣.

(٣) مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر ٢ / ٢٦٧.

بِالْيَمِينِ، وَذَلِكَ فِي اخْتِلاَفِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَوِ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ، بَل يَجْعَلاَنِ الْخِيَارَ فِي ذَلِكَ لِلْقَاضِي فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَفِي بَعْضِهَا الآْخَرِ يُبْدَأُ بِتَحْلِيفِ الْمُنْكِرِ، أَوِ الأَْقْوَى إِنْكَارًا مِنَ الْمُدَّعِيَيْنِ (١) .

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: عَلَى الْمَذْهَبِ يَتَخَيَّرُ الْحَاكِمُ فِيمَنْ يَبْدَأُ بِهِ مِنْهُمَا، وَقِيل: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَيُبْدَأُ بِمَنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لَهُ، وَالْخِلاَفُ جَمِيعُهُ فِي الاِسْتِحْبَابِ دُونَ الاِشْتِرَاطِ (٢) .

اسْتِعْمَال الْقُرْعَةِ فِي إِثْبَاتِ نَسَبِ اللَّقِيطِ:

١٩ - يَتَّفِقُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، عَلَى عَدَمِ اسْتِعْمَال الْقُرْعَةِ فِي إِثْبَاتِ نَسَبِ اللَّقِيطِ إِلَى أَحَدِ مُدَّعِي نَسَبِهِ (٣) .

قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ مُتَعَارِضَتَيْنِ بِنَسَبِهِ سَقَطَتَا فِي الأَْظْهَرِ، وَيُرْجَعُ إِلَى قَوْل الْقَائِفِ،

وَالثَّانِي: لاَ تَسْقُطَانِ، وَتُرَجَّحُ إِحْدَاهُمَا الْمُوَافِقُ لَهَا قَوْل الْقَائِفِ بِقَوْلِهِ، فَمَال الاِثْنَيْنِ وَاحِدٌ، وَهُمَا وَجْهَانِ مُفَرَّعَانِ عَلَى قَوْل التَّسَاقُطِ فِي التَّعَارُضِ فِي الأَْمْوَال، وَلاَ يَأْتِي هُنَا

_________

(١) الشرح الكبير ٣ / ١٨٨ - ١٩٥، وجواهر الإكليل ٢ / ٦٤ - ٦٦ دار إحياء الكتب العربية، والمغني ٤ / ٢١١ - ٢٢١.

(٢) شرح الجلال المحلي على المنهاج ٢ / ٢٣٩.

(٣) جواهر الإكليل ٢ / ٢٢٠، والزرقاني ٧ / ١٢٠، والدر المختار مع رد المحتار ٤ / ٢٧٢، وشرح الجلال المحلي ٣ / ١٣٠، والمغني ٥ / ٧٦٦.

مَا فُرِّعَ عَلَى مُقَابِلِهِ مِنْ أَقْوَال: الْوَقْفِ وَالْقِسْمَةِ وَالْقُرْعَةِ، وَقِيل: تَأْتِي الْقُرْعَةُ هُنَا (١) .

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا ادَّعَاهُ اثْنَانِ فَكَانَ لأَِحَدِهِمَا بِهِ بَيِّنَةٌ فَهُوَ ابْنُهُ، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا، وَلاَ يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُمَا هَاهُنَا؛ لأَِنَّ اسْتِعْمَالَهُمَا فِي الْمَال، إِمَّا بِقِسْمَتِهِ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ وَلاَ سَبِيل إِلَيْهِ هَاهُنَا، وَإِمَّا بِالإِْقْرَاعِ بَيْنَهُمَا، وَالْقُرْعَةُ لاَ يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ، فَإِنْ قِيل: إِنَّ ثُبُوتَهُ هَاهُنَا يَكُونُ بِالْبَيِّنَةِ لاَ بِالْقُرْعَةِ، وَإِنَّمَا الْقُرْعَةُ مُرَجِّحَةٌ، قُلْنَا: يَلْزَمُ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَكَ رَجُلاَنِ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَيَكُونُ لُحُوقُهُ بِالْوَطْءِ لاَ بِالْقُرْعَةِ (٢) .

اسْتِعْمَال الْقُرْعَةِ فِي إِثْبَاتِ أَحَقِّيَّةِ حَضَانَةِ اللَّقِيطِ:

٢٠ - يَذْهَبُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ اسْتِعْمَال الْقُرْعَةِ لإِثْبَاتِ أَحَقِّيَّةِ أَحَدِ الْمُدَّعِيَيْنِ أَخْذَ اللَّقِيطِ بِقَصْدِ حَضَانَتِهِ، أَوْ صَلاَحِيَّتِهِ لِلْحَضَانَةِ إِذَا كَانَ الْمُدَّعِي أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمْ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ صَالِحٌ لِذَلِكَ وَاسْتَوَيَا فِي الصِّفَاتِ (٣) .

_________

(١) شرح الجلال المحلي ٣ / ١٣٠.

(٢) المغني ٥ / ٧٦٦.

(٣) جواهر الإكليل ٢ / ٢٢٠، والزرقاني ٧ / ١٢٠، وشرح الجلال المحلي ٣ / ١٢٤، والمغني ٥ / ٧٦١.

الْقُرْعَةُ عِنْدَ تَنَازُعِ أَوْلِيَاءِ الدِّمَاءِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ:

٢١ - مَنْ قَتَل جَمْعًا مُرَتَّبًا قُتِل بِأَوَّلِهِمْ، أَوْ مَعًا بِأَنْ مَاتُوا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَشْكَل الْحَال بَيْنَ التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ فَبِالْقُرْعَةِ بَيْنَ الْقَتْلَى، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ قُتِل بِهِ وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَاتُ (١) .

وَهُنَاكَ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، وَفِي اسْتِعْمَال الْقُرْعَةِ فِي تَمْكِينِ الْمُسْتَحِقِّ لِلْقِصَاصِ مِنَ التَّنْفِيذِ، وَفِي تَمْكِينِ أَحَدِ الْوَرَثَةِ الْمُسْتَوِينَ مِنْ تَنْفِيذِ الْقِصَاصِ عِنْدَ التَّنَازُعِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قِصَاص) .

الْقُرْعَةُ فِي الْمُسَابَقَةِ:

٢٢ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اسْتِعْمَال الْقُرْعَةِ فِي الْمُسَابَقَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ.

فَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ يَقُولُونَ: لاَ يُشْتَرَطُ بَيَانُ الْبَادِئِ بِالرَّمْيِ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا إِنْ لَمْ يُبَيَّنْ فِي الْعَقْدِ، وَالأَْظْهَرُ اشْتِرَاطُ بَيَانِ الْبَادِئِ بِالرَّمْيِ حَذَرًا مِنِ اشْتِبَاهِ الْمُصِيبِ بِالْمُخْطِئِ لَوْ رَمَيَا مَعًا (٢) .

وَيَذْهَبُ الْحَنَابِلَةُ إِلَى اسْتِخْدَامِ الْقُرْعَةِ فِي الْمُسَابَقَةِ فِي اخْتِيَارِ مَنْ يَبْدَأُ الرَّمْيَ مِنَ الْمُتَسَابِقَيْنِ، فَإِذَا تَشَاحَّا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا وَأَيُّهُمَا كَانَ أَحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ فَبَدَرَهُ الآْخَرُ فَرَمَى لَمْ يُعْتَدَّ لَهُ

_________

(١) شرح الجلال المحلي وحاشية القليوبي وعميرة عليه ٤ / ١١٠.

(٢) شرح الجلال المحلي ٤ / ٢٦٩.

بِسَهْمِهِ أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ (١) .

الْحَاجَةُ إِلَى الْقُرْعَةِ فِي التَّبْدِئَةِ بِالشُّرْبِ:

٢٣ - أَشَارَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى اسْتِخْدَامِ الْقُرْعَةِ فِي حَالَةِ مَا إِذَا مَلَكَ جَمَاعَةٌ مَاءً بِأَرْضٍ مُبَاحَةٍ أَوْ أَرْضِهِمُ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمْ أَوْ عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ قُسِمَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ أَعْمَالِهِمْ، فَإِذَا تَشَاحُّوا فِي التَّبْدِئَةِ بِأَنْ طَلَبَهَا كُلٌّ مِنْهُمْ فَالْقُرْعَةُ (٢) .

وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: يَأْخُذُ كُل مِنْهُمْ مَا يَشَاءُ أَيْ إِنِ اتَّسَعَ وَكَفَى الْجَمِيعَ وَإِلاَّ قُدِّمَ عَطْشَانُ وَلَوْ مَسْبُوقًا عَلَى غَيْرِهِ، وَآدَمِيٌّ عَلَى غَيْرِهِ، وَسَابِقٌ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنِ اسْتَوَوْا أُقْرِعَ لِحَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ ثُمَّ لِحَاجَةِ دَوَابِّهِمْ، وَلاَ تَدْخُل دَوَابُّهُمْ فِي قُرْعَتِهِمْ.

كَمَا قَالُوا فِي سَقْيِ الأَْرْضِ يُقَدَّمُ الأَْقْرَبُ إِلَى الْمَاءِ فَالأَْقْرَبُ، وَهَذَا إِنْ عُلِمَ تَقْدِيمُ الأَْقْرَبِ أَوْ جُهِل الْحَال، فَإِنْ سَبَقَ الأَْبْعَدُ قُدِّمَ، فَإِنِ اسْتَوَوْا وَجُهِل الأَْسْبَقُ وَأَحْيَوْا مَعًا أُقْرِعَ وُجُوبًا، وَلِلأَْبْعَدِ مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ إِحْيَاءَ مَوَاتٍ أَقْرَبَ مِنْهُ خَشْيَةَ إِثْبَاتِ حَقِّ سَبْقِهِ (٣) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنِ اسْتَوَى اثْنَانِ فِي الْقُرْبِ مِنْ أَوَّل النَّهْرِ اقْتَسَمَا الْمَاءَ بَيْنَهُمَا إِنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَقُدِّمَ مَنْ تَقَعُ لَهُ

_________

(١) المغني ٨ / ٦٦٦ - ٦٦٩.

(٢) الشرح الكبير ٤ / ٧٤.

(٣) شرح الجلال المحلي مع حاشية القليوبي وعميرة ٣ / ٩٦.