الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣
وَالأَْعْمَامِ الْمُسْتَوِينَ وَالزَّوْجَاتِ وَلاَ مُرَجِّحَ بَيْنَهُمْ فَالتَّقْدِيمُ بِقُرْعَةٍ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ قُدِّمَ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ سِوَاهَا (١) .
الْقُرْعَةُ فِي تَقْدِيمِ الأَْحَقِّ بِالإِْمَامَةِ فِي الصَّلَوَاتِ وَصَلاَةِ الْجِنَازَةِ:
١٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا اسْتَوَى اثْنَانِ فَأَكْثَرُ فِي الصِّفَاتِ الَّتِي يُقَدَّمُ بِهَا لِلإِْمَامَةِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ التَّنَازُعِ.
وَالتَّفَاضُل بَيْنَهُمْ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِمَامَةُ الصَّلاَةِ ف ١٤ - ١٨) وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (جَنَائِز ف ٤١) .
الْقُرْعَةُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي السَّفَرِ:
١١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ الزَّوْجُ السَّفَرَ فَلَهُ اخْتِيَارُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ زَوْجَاتِهِ، وَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ اسْتَحَبُّوا الْقُرْعَةَ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ.
وَأَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ الْقُرْعَةَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي سَفَرِ الْقُرْبَةِ كَالْغَزْوِ وَالْحَجِّ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ الْمُشَاحَّةَ تَعْظُمُ فِي سَفَرِ الْقُرْبَةِ.
وَفِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْقُرْعَةَ تَجِبُ مُطْلَقًا (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْقُرْعَةَ فِي
_________
(١) كشاف القناع ٢ / ٩٠، والقليوبي وعميرة ١ / ٣٤٥.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٠٦، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٣٤٣.
السَّفَرِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَاجِبَةٌ سَوَاءٌ أَكَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أَمْ قَصِيرًا، وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ إِذَا كَانَ السَّفَرُ قَصِيرًا فَلاَ تَجِبُ وَلاَ يُسْتَصْحَبُ لأَِنَّهُ كَالإِْقَامَةِ.
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (قَسْمٌ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الزَّوْجَ إِذَا سَافَرَ لِنُقْلَةٍ حَرُمَ أَنْ يَسْتَصْحِبَ بَعْضَ زَوْجَاتِهِ بِقُرْعَةٍ أَوْ بِدُونِهَا وَأَنْ يَخْلُفَهُنَّ حَذَرًا مِنَ الإِْضْرَارِ بِهِنَّ، بَل يَنْقُلُهُنَّ أَوْ يُطَلِّقُهُنَّ (١) .
الْقُرْعَةُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي ابْتِدَاءِ الْمَبِيتِ:
١٢ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى وُجُوبِ الْقُرْعَةِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي ابْتِدَاءِ الْمَبِيتِ؛ لأَِنَّ الْبُدَاءَةَ بِإِحْدَاهُنَّ تَفْضِيلٌ لَهَا وَالتَّسْوِيَةُ وَاجِبَةٌ.
وَذَهَبَ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى اسْتِحْبَابِ الْقُرْعَةِ بَيْنَهُنَّ فِي الاِبْتِدَاءِ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَمَالِكٌ فَلاَ يَرَوْنَ الْقُرْعَةَ، وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ يَبْتَدِئُ بِهَا (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (قَسْمٌ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ) .
_________
(١) القليوبي ٣ / ٣٠٤ - ٣٠٥، وكشاف القناع ٥ / ١٩٩.
(٢) شرح الجلال المحلي ٣ / ٣٠٢ وما بعدها، وجواهر الإكليل ١ / ٣٢٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٤١، وكشاف القناع ٥ / ١٩٩ وما بعدها، وابن عابدين ٣ / ٢٠٨.
الْقُرْعَةُ فِي الطَّلاَقِ:
١٣ - إِذَا كَانَ لِشَخْصٍ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ، فَطَلَّقَ وَاحِدَةً لاَ بِعَيْنِهَا، بِأَنْ قَال: إِحْدَاكُنَّ طَالِقٌ، فَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا تَعَيَّنَتْ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّهُ يَصْرِفُ الطَّلاَقَ إِلَى أَيَّتِهِنَّ شَاءَ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْقَوْل الثَّانِي إِلَى طَلاَقِ الْجَمِيعِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَلْزَمُهُ التَّعْيِينُ، فَإِنِ امْتَنَعَ حُبِسَ وَعُزِّرَ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ (١) .
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ إِيقَاعَ الطَّلاَقِ ابْتِدَاءً وَتَعْيِينَهُ، فَإِذَا أَوْقَعَهُ وَلَمْ يُعَيِّنْ مَلَكَ تَعْيِينَهُ لأَِنَّهُ اسْتِيفَاءُ مَا مَلَكَ.
وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ مِنْ قَوْلِهِمَا فِي الْقُرْعَةِ وَلاَ مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ؛ وَلأَِنَّ الطَّلاَقَ إِزَالَةُ مِلْكٍ بُنِيَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ فَتَدْخُلُهُ الْقُرْعَةُ كَالْعِتْقِ، وَقَدْ ثَبَتَ الأَْصْل بِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ أَقْرَعَ بَيْنَ الْعَبِيدِ السِّتَّةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ٢٩١ طبعة الحلبي، الطبعة الثالثة، ومواهب الجليل ٤ / ٨٧، وروضة الطالبين ٨ / ١٠٣، والمغني ٧ / ٢٥١.
أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلاَثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَال لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا (١) .
وَلأَِنَّ الْحَقَّ لِوَاحِدٍ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَوَجَبَ تَعْيِينُهُ بِالْقُرْعَةِ.
وَإِذَا مَاتَ الزَّوْجُ قَبْل الْقُرْعَةِ وَالتَّعْيِينِ، أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ بَيْنَهُنَّ، فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا قُرْعَةُ الطَّلاَقِ فَحُكْمُهَا فِي الْمِيرَاثِ حُكْمُ مَا لَوْ عَيَّنَهَا بِالتَّطْلِيقِ (٢) .
وَإِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ وَأُنْسِيَهَا تَخْرُجُ بِالْقُرْعَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، أَمَّا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فَعَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ ذِكْرُهُ (٣) .
الْقُرْعَةُ فِي الْحَضَانَةِ:
١٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَسَاوَى اثْنَانِ فَأَكْثَرُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَضَانَةِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ عَلَى اخْتِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (حَضَانَة ف ١٠ - ١٤) .
الْقُرْعَةُ فِي الْمُوصَى بِعِتْقِهِمْ:
١٥ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَبِيدًا أَوْ أَوْصَى
_________
(١) حديث عمران بن حصين " أن رجلًا أعتق ستة مملوكين. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٢٨٨) .
(٢) المغني ٧ / ٢٥١ - ٢٥٢.
(٣) المراجع السابقة.
بِعِتْقِهِمْ، وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَّسِعِ الثُّلُثُ لِعِتْقِهِمْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ وَأُعْتِقَ مِنْهُمْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ (١)، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ (٢) .
الْقُرْعَةُ فِي الْعَطَاءِ وَالْغَنِيمَةِ:
١٦ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْقُرْعَةِ فِي الْغَنِيمَةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا:
أ - مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْمَاوَرْدِيِّ فِيمَنْ يُقَدَّمُ - عِنْدَ الْعَطَاءِ - فَقَال: يُقَدَّمُ بِالسَّابِقَةِ فِي الإِْسْلاَمِ، فَإِنْ تَقَارَبَا فِيهِ قُدِّمَ بِالدِّينِ، فَإِنْ تَقَارَبَا فِيهِ قُدِّمَ بِالسِّنِّ، فَإِنْ تَقَارَبَا فِيهِ قُدِّمَ بِالشَّجَاعَةِ، فَإِنْ تَقَارَبَا فِيهِ فَوَلِيُّ الأَْمْرِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُرَتِّبَهُمْ بِالْقُرْعَةِ، أَوْ بِرَأْيِهِمْ أَوِ اجْتِهَادِهِ.
ب - وَفِي قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ حَيْثُ يَخْرُجُ مِنْهَا السَّلَبُ وَالْمُؤَنُ اللاَّزِمَةُ لِلأُْجُورِ وَالْحِفْظِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ يُجْعَل الْبَاقِي خَمْسَةَ أَقْسَامٍ مُتَسَاوِيَةٍ يُجْرَى فِيهَا الْقُرْعَةُ لإِخْرَاجِ سَهْمٍ لِلَّهِ تَعَالَى أَوِ الْمَصَالِحِ (٣) .
الْقُرْعَةُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ:
١٧ - تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ لَهُ صُوَرٌ عَدِيدَةٌ كَمَا
_________
(١) الشرح الكبير ٤ / ٣٧٨ - ٣٧٩، مغني المحتاج ٤ / ٥٠٢ - ٥٠٣، المغني لابن قدامة ٩ / ٣٥٨ - ٣٥٩ - ٣٦٣.
(٢) حديث عمران بن حصين: تقدم تخريجه ف ١٣.
(٣) روضة الطالبين ٦ / ٣٦٢، ٣٧٦، ونهاية المحتاج ٦ / ١٤٤.
يَلِي:
أَوَّلًا: إِذَا ادَّعَى شَخْصَانِ عَيْنًا بِيَدِ ثَالِثٍ، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ مُطْلَقَتَيِ التَّارِيخِ أَوْ مُتَّفِقَتَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةٌ وَالأُْخْرَى مُؤَرَّخَةٌ، وَالْحَال أَنَّ الْحَائِزَ لِلْعَيْنِ لَمْ يُقِرَّ بِهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلِلْفُقَهَاءِ أَقْوَالٌ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ تُقْسَمُ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ، إِلاَّ أَنَّهَا تُقْسَمُ نِصْفَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَشْهَبَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ الأَْقْوَال الْمَبْنِيَّةِ عَلَى رَأْيٍ ضَعِيفٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَتُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ الدَّعْوَى - لاَ نِصْفَيْنِ - عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ الْقَاسِمِ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ سَقَطَتَا وَيُصَارُ إِلَى التَّحَالُفِ، فَيَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا يَمِينًا، فَإِنْ رَضِيَا بِيَمِينٍ وَاحِدٍ فَالأَْصَحُّ الْمَنْعُ خِلاَفًا لِجَزْمِ الإِْمَامِ بِالْجَوَازِ، وَإِنْ رَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ تُسْتَعْمَلاَنِ صِيَانَةً لَهُمَا عَنِ الإِْلْغَاءِ بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ، وَيَنْبَنِي عَلَى الاِسْتِعْمَال ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ،
_________
(١) مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر ٢ / ٢٧٢، ورد المحتار ٨ / ٢٢، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ٧ / ٢١٢ وما بعدها ط. دار الفكر، ومغني المحتاج ٤ / ٤٨٠، وروضة الطالبين ١٢ / ٥١.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ٤٨٠، وانظر الروضة ١٢ / ٥١.
وَرِوَايَتَانِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِجْمَالُهَا فِيمَا يَلِي:
أ - تُقْسَمُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَأَحَدُ الأَْقْوَال الثَّلاَثَةِ السَّابِقَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ، وَحَمَّادٍ (١) .
ب - أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَ الْمُدَّعِيَيْنِ وَتُرَجَّحُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، وَهَذَا ثَانِي الأَْقْوَال الثَّلاَثَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الاِسْتِعْمَال عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى رِوَايَةِ الاِسْتِعْمَال عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهَل يُحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى يَمِينٍ؟ قَوْلاَنِ
أَحَدُهُمَا: لاَ، وَالْقُرْعَةُ مُرَجِّحَةٌ لِبَيِّنَتِهِ،
وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَالْقُرْعَةُ تَجْعَل أَحَدَهُمَا أَحَقَّ بِالْيَمِينِ فَعَلَى هَذَا يَحْلِفُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ أَنَّ شُهُودَهُ شَهِدُوا بِالْحَقِّ ثُمَّ يُقْضَى لَهُ (٢) .
ج - تُوقَفُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الأَْمْرُ فِيهَا أَوْ يَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ، وَهُوَ ثَالِثُ الأَْقْوَال الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الاِسْتِعْمَال عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْرٍ لأَِنَّهُ أَشْكَل الْحَال بَيْنَهُمَا فِيمَا يُرْجَى انْكِشَافُهُ فَيُوقَفُ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ وَمَاتَ قَبْل الْبَيَانِ فَإِنَّهُ يُوقَفُ الْمِيرَاثُ، وَلَمْ يُرَجِّحِ النَّوَوِيُّ شَيْئًا وَلَكِنَّ قَضِيَّةَ كَلاَمِ الْجُمْهُورِ تَرْجِيحُ الْوَقْفِ (٣) .
_________
(١) مغني المحتاج ٤ / ٤٨٠، والمغني ٩ / ٢٨٨.
(٢) المغني ٩ / ٢٨٨، ومغني المحتاج ٤ / ٤٨٠، وروضة الطالبين ١٢ / ٥١.
(٣) مغني المحتاج ٤ / ٤٨٠.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَى سُقُوطِ الْبَيِّنَتَيْنِ وَيَقْتَرِعُ الْمُدَّعِيَانِ عَلَى الْيَمِينِ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ ﵃، وَبِهِ قَال إِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ (١) .
ثَانِيًا: وَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ بِيَدِهِمَا وَأَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً عَلَى مِلْكِيَّتِهِ لَهَا، وَتَسَاوَتِ الْبَيِّنَتَانِ فَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ يَجْعَلُونَ هَذِهِ الصُّورَةَ كَالصُّورَةِ السَّابِقَةِ (٢)، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ مَا عَدَا قَوْلَيِ الْوَقْفِ وَالْقُرْعَةِ، إِذْ يَرَوْنَ بَقَاءَ يَدِ كُلٍّ عَلَى مَا تَحْتَ يَدِهِ مِنَ الْعَيْنِ بَعْدَ تَسَاقُطِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَلاَ يَجِيءُ الْوَقْفُ إِذْ لاَ مَعْنَى لَهُ، وَفِي الْقُرْعَةِ وَجْهَانِ (٣) .
وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الرَّاجِحَةِ عِنْدَهُمْ مَعَ زِيَادَةِ أَنَّ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْيَمِينَ عَلَى صَاحِبِهِ فِي النِّصْفِ الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ (٤) .
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ حَلَفَ أَنَّهَا لاَ حَقَّ لِلآْخَرِ فِيهَا، وَكَانَتِ الْيَمِينُ لَهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، وَقَال: وَالأَْوَّل أَصَحُّ لِلْخَبَرِ (٥) .
_________
(١) المغني ٩ / ٢٨٧، ٢٨٨.
(٢) الزرقاني على المختصر ٧ / ٢١٢، رد المحتار ٨ / ٢٢، ٣٠.
(٣) مغني المحتاج ٤ / ٤٨٠، وانظر روضة الطالبين ١٢ / ٥٢.
(٤) المغني ٩ / ٢٨٠ - ٢٨١.
(٥) المغني ٩ / ٢٨١.
ثَالِثًا: وَإِذَا كَانَ أَحَدُ الْمُدَّعِيَيْنِ يُطَالِبُ بِكُل الْعَيْنِ وَالآْخَرُ بِنِصْفِهَا، وَأَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً عَلَى طِبْقِ دَعْوَاهُ، وَالْحَال أَنَّ الْعَيْنَ بِيَدِ شَخْصٍ ثَالِثٍ، فَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى رَأْيِهِمُ السَّابِقِ: بِأَنْ تُقْسَمَ بِقَدْرِ دَعْوَى كُلٍّ عَلَى الرَّاجِحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، بَيْنَمَا يَذْهَبُ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ النِّصْفَ لِصَاحِبِ الْكُل لاَ مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي النِّصْفِ الآْخَرِ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَكَانَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لِكُل وَاحِدٍ بَيِّنَةٌ تَعَارَضَتَا وَسَقَطَتَا وَصَارَا كَمَنْ لاَ بَيِّنَةَ لَهُمَا وَإِنْ قُلْنَا: تُسْتَعْمَل الْبَيِّنَتَانِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا وَقُدِّمَ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَالثَّانِي: يُقْسَمُ النِّصْفُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ بَيْنَهُمَا فَيَصِيرُ لِمُدَّعِي الْكُل ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِهَا، وَإِلَى مِثْل قَوْلَيِ الْحَنَابِلَةِ يَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةُ (١) بَيْنَمَا يَتَّفِقُ الْحَنَفِيَّةُ مَعَ الْقَوْل الثَّانِي لِلْحَنَابِلَةِ (٢) .
رَابِعًا: وَإِذَا كَانَتِ الْعَيْنُ بَيْنَ ثَلاَثَةٍ ادَّعَى أَحَدُهُمْ جَمِيعَهَا، وَادَّعَى الآْخَرُ نِصْفَهَا، وَالآْخَرُ ثُلُثَهَا، وَلاَ بَيِّنَةَ لَهُمْ. وَالْحَال أَنَّ الْعَيْنَ بِيَدِ غَيْرِهِمْ، وَلَمْ يُقِرَّ بِهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى رَأْيِهِمُ السَّابِقِ بِأَنْ تُقْسَمَ الْعَيْنُ بِقَدْرِ دَعْوَى كُلٍّ عَلَى الرَّاجِحِ، بَيْنَمَا يَذْهَبُ الْحَنَابِلَةُ إِلَى إِعْطَاءِ النِّصْفِ لِمُدَّعِي الْكُل لأَِنَّهُ
_________
(١) الزرقاني على مختصر خليل ٧ / ٢١٢ - ٢١٣، والمغني ٩ / ٢٨٣ - ٢٨٤، والروضة ١٢ / ٥٤.
(٢) الدر المختار مع رد المحتار ٨ / ٤٠.
لَيْسَ مِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِيهِ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي، فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِصَاحِبِ الْكُل أَوْ لِصَاحِبِ النِّصْفِ حَلَفَ وَأَخَذَهُ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ حَلَفَ وَأَخَذَ الثُّلُثَ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الآْخَرِينَ فِي السُّدُسِ فَمَنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لَهُ حَلَفَ وَأَخَذَهُ (١) .
وَإِنْ أَقَامَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ: فَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ عَلَى رَأْيِهِمُ السَّابِقِ، وَالْحَنَابِلَةُ يَجْعَلُونَ النِّصْفَ لِمُدَّعِي الْكُل لِمَا ذَكَرْنَا، وَالسُّدُسُ الزَّائِدُ يَتَنَازَعُهُ مُدَّعِي الْكُل وَمُدَّعِي النِّصْفِ، وَالثُّلُثُ يَدَّعِيهِ الثَّلاَثَةُ وَقَدْ تَعَارَضَتِ الْبَيِّنَاتُ فِيهِ، فَإِنْ قُلْنَا: تَسْقُطُ الْبَيِّنَاتُ أَقْرَعْنَا بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ، فَمَنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لَهُ حَلَفَ وَأَخَذَهُ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ، وَهَذَا قَوْل أَبِي عُبَيْدٍ (٢) .
خَامِسًا: وَإِنْ كَانَتِ الدَّارُ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ فَادَّعَى أَحَدُهُمْ جَمِيعَهَا وَالثَّانِي ثُلُثَيْهَا، وَالثَّالِثُ نِصْفَهَا، وَالرَّابِعُ ثُلُثَهَا. . . وَالدَّارُ فِي يَدِ خَامِسٍ لاَ يَدَّعِيهَا وَلاَ بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا ادَّعَاهُ: فَالثُّلُثُ لِمُدَّعِي الْكُل لأَِنَّ أَحَدًا لاَ يُنَازِعُهُ فِيهِ وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فِي الْبَاقِي، فَإِنْ
_________
(١) الزرقاني على المختصر ٧ / ٢١٢ - ٢١٣، المغني ٩ / ٢٨٤ - ٢٨٥.
(٢) الزرقاني على المختصر ٧ / ٢١٢ - ٢١٣، والدر المختار مع رد المحتار ٨ / ٤٧، والمغني ٩ / ٢٨٥.