الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣
وَذَلِكَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ بِلاَ خِلاَفٍ، وَهَذَا إِذَا تَقَدَّمَ الإِْقْرَاضُ عَلَى الْبَيْعِ.
فَإِنْ تَقَدَّمَ الْبَيْعُ - بِأَنْ بَاعَ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ الْمُعَامَلَةُ مِنَ الطَّالِبِ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عِشْرُونَ دِينَارًا بِأَرْبَعِينَ دِينَارًا، ثُمَّ أَقْرَضَهُ سِتِّينَ دِينَارًا أُخْرَى، حَتَّى صَارَ لَهُ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ مِائَةُ دِينَارٍ، وَحَصَل لِلْمُسْتَقْرِضِ ثَمَانُونَ دِينَارًا - ذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ جَائِزٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ إِمَامِ بَلْخٍ، وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِ بَلْخٍ كَانُوا يَكْرَهُونَهُ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً، إِذْ لَوْلاَهُ لَمْ يَتَحَمَّل الْمُسْتَقْرِضُ غَلاَءَ الثَّمَنِ، وَمِنَ الْمَشَايِخِ مَنْ قَال يُكْرَهُ لَوْ كَانَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَإِلاَّ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، لأَِنَّ الْمَجْلِسَ الْوَاحِدَ يَجْمَعُ الْكَلِمَاتِ الْمُتَفَرِّقَةَ، فَكَأَنَّهُمَا وُجِدَا مَعًا، فَكَانَتِ الْمَنْفَعَةُ مَشْرُوطَةً فِي الْقَرْضِ، وَكَانَ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ يُفْتِي بِقَوْل الْخَصَّافِ وَابْنِ سَلَمَةَ، وَيَقُول: هَذَا لَيْسَ بِقَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً، بَل هَذَا بَيْعٌ جَرَّ مَنْفَعَةً، وَهِيَ الْقَرْضُ (١) .
ح - اشْتِرَاطُ الْجُعْل عَلَى الاِقْتِرَاضِ بِالْجَاهِ:
٣٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنِ اسْتَقْرَضَ لِغَيْرِهِ بِجَاهِهِ، هَل يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ جُعْلًا ثَمَنًا لِجَاهِهِ أَمْ لاَ؟
_________
(١) رد المحتار ٤ / ١٧٥ (ط. بولاق ١٢٧٢ هـ)، والفتاوى الهندية ٣ / ٢٠٢.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ قَال لِغَيْرِهِ اقْتَرِضْ لِي مِائَةً وَلَكَ عَلَيَّ عَشَرَةٌ فَهُوَ جَعَالَةٌ (١) .
وَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَقْتَرِضَ بِجَاهِهِ لإِخْوَانِهِ، قَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: يَعْنِي إِذَا كَانَ مَنْ يُقْتَرَضُ لَهُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالْوَفَاءِ، لِكَوْنِهِ تَغْرِيرًا بِمَال الْمُقْرِضِ وَإِضْرَارًا بِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْوَفَاءِ فَلاَ يُكْرَهُ؛ لِكَوْنِهِ إِعَانَةً لَهُ وَتَفْرِيجًا لِكُرْبَتِهِ (٢) .
وَعَلَى هَذَا، فَإِذَا اسْتَقْرَضَ الإِْنْسَانُ لِغَيْرِهِ بِجَاهِهِ، قَال الْحَنَابِلَةُ: لَهُ أَخْذُ جُعْلٍ مِنْهُ مُقَابِل اقْتِرَاضِهِ لَهُ بِجَاهِهِ، بِخِلاَفِ أَخْذِ الْجُعْل عَلَى كَفَالَتِهِ لَهُ، فَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ (٣)، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لَوْ قَال: اقْتَرِضْ لِي مِنْ فُلاَنٍ مِائَةً، وَلَكَ عَشَرَةٌ، فَلاَ بَأْسَ، وَلَوْ قَال: اكْفُل عَنِّي وَلَكَ أَلْفٌ لَمْ يَجُزْ، وَذَلِكَ لأَِنَّ قَوْلَهُ اقْتَرِضْ لِي وَلَكَ عَشَرَةٌ جَعَالَةٌ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ، فَجَازَتْ، كَمَا لَوْ قَال: ابْنِ لِي هَذَا الْحَائِطَ وَلَكَ عَشَرَةٌ، وَأَمَّا الْكَفَالَةُ، فَإِنَّ الْكَفِيل يَلْزَمُهُ الدَّيْنُ، فَإِذَا أَدَّاهُ وَجَبَ لَهُ عَلَى الْمَكْفُول مِثْلُهُ، فَصَارَ كَالْقَرْضِ، فَإِذَا أَخَذَ عِوَضًا صَارَ الْقَرْضُ جَارًّا لِلْمَنْفَعَةِ، فَلَمْ يَجُزْ (٤) .
وَفِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ: اخْتُلِفَ فِي ثَمَنِ
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ١٢٠.
(٢) كشاف القناع ٣ / ٣٠٦، والمغني ٦ / ٤٣٠.
(٣) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٥، وكشاف القناع ٣ / ٣٠٦، والمبدع ٤ / ٢١٢.
(٤) المغني ٦ / ٤٤١.
الْجَاهِ، فَمِنْ قَائِلٍ بِالتَّحْرِيمِ مُطْلَقًا، وَمِنْ قَائِلٍ بِالْكَرَاهَةِ بِإِطْلاَقٍ، وَمِنْ مُفَصِّلٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذُو الْجَاهِ يَحْتَاجُ إِلَى نَفَقَةٍ وَتَعَبٍ وَسَفَرٍ، فَأَخَذَ مِثْل أَجْرِهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِلاَّ حَرُمَ، قَال التَّسَوُّلِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ (١) .
_________
(١) البهجة شرح التحفة ٢ / ٢٨٨.
قُرْعَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْقُرْعَةُ فِي اللُّغَةِ: السُّهْمَةُ وَالنَّصِيبُ، وَالْمُقَارَعَةُ: الْمُسَاهَمَةُ، وَأَقْرَعْتُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي شَيْءٍ يَقْسِمُونَهُ، وَيُقَال: كَانَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، إِذَا قَرَعَ أَصْحَابَهُ، وَقَارَعَهُ فَقَرَعَهُ يَقْرَعُهُ: أَيْ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ دُونَهُ، وَتُسْتَعْمَل فِي مَعَانٍ أُخْرَى غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، قَال الْبَرَكَتِيُّ: الْقُرْعَةُ السَّهْمُ وَالنَّصِيبُ، وَإِلْقَاءُ الْقُرْعَةِ: حِيلَةٌ يَتَعَيَّنُ بِهَا سَهْمُ الإِْنْسَانِ أَيْ نَصِيبُهُ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْقِسْمَةُ:
٢ - الْقِسْمَةُ فِي اللُّغَةِ مِنْ قَسَمْتُهُ قَسْمًا أَيْ فَرَزْتُهُ أَجْزَاءً (٣) .
_________
(١) لسان العرب لابن منظور، ومعجم مقاييس اللغة لابن زكريا، والمعجم الوسيط.
(٢) قواعد الفقه للبركتي.
(٣) المصباح المنير مادة فسم.
وَاصْطِلاَحًا: تَمْيِيزُ الْحِصَصِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ (١) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَالْقُرْعَةِ أَنَّ الْقُرْعَةَ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ الْقِسْمَةِ، وَالْقُرْعَةُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِسْمَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - الْقُرْعَةُ مَشْرُوعَةٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ تَكُونُ مُبَاحَةً أَوْ مَنْدُوبَةً أَوْ وَاجِبَةً أَوْ مَكْرُوهَةً أَوْ مُحَرَّمَةً فِي أَحْوَالٍ سَيَأْتِي بَيَانُهَا.
وَدَلِيل مَشْرُوعِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
فَأَمَّا مَشْرُوعِيَّتُهَا مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُل مَرْيَمَ﴾ (٣)، أَيْ يَحْضُنُهَا فَاقْتَرَعُوا عَلَيْهَا.
وَقَال تَعَالَى ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لِمَنِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (٤) .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: قَوْلُهُ (فَسَاهَمَ) يَقُول: أَقْرَعَ (٥) .
وَأَمَّا مَشْرُوعِيَّتُهَا مِنَ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَرَضَ
_________
(١) نهاية المحتاج ٨ / ٢٦٩.
(٢) الشرح الكبير ٣ / ٤٩٨.
(٣) سورة آل عمران / ٤٤.
(٤) سورة الصافات / ١٣٩ - ١٤١.
(٥) تفسير الطبري ٢٢ / ٦٣.
النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ (١) .
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ (٢) .
الْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّتِهَا:
٤ - قَال الْمَرْغِينَانِيُّ: الْقُرْعَةُ لِتَطْيِيبِ الْقُلُوبِ وَإِزَاحَةِ تُهْمَةِ الْمَيْل
حَتَّى لَوْ عَيَّنَ الْقَاضِي لِكُلٍّ مِنْهُمْ نَصِيبًا مِنْ غَيْرِ إِقْرَاعٍ جَازَ لأَِنَّهُ فِي الْقَضَاءِ فَيَمْلِكُ الإِْلْزَامَ (٣) .
وَجَاءَ فِي تَكْمِلَةِ فَتْحِ الْقَدِيرِ: " أَلاَ يُرَى أَنَّ يُونُسَ ﵇ فِي مِثْل هَذَا اسْتَعْمَل الْقُرْعَةَ مَعَ أَصْحَابِ السَّفِينَةِ كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (٤)، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ وَلَكِنْ لَوْ أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِي الْمَاءِ رُبَّمَا نُسِبَ إِلَى مَا لاَ يَلِيقُ بِالأَْنْبِيَاءِ فَاسْتَعْمَل الْقُرْعَةَ لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ زَكَرِيَّا ﵇ اسْتَعْمَل الْقُرْعَةَ مَعَ الأَْحْبَارِ فِي ضَمِّ مَرْيَمَ إِلَى نَفْسِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ أَحَقَّ بِهَا مِنْهُمْ لِكَوْنِ
_________
(١) حديث أبي هريرة: " عرض النبي ﷺ على قوم اليمين. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٢٨٥) .
(٢) حديث عائشة: " كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٢١٨) .
(٣) الهداية مع شرحها تكملة فتح القدير ٨ / ٣٦٣.
(٤) سورة الصافات / ١٤١.
خَالَتِهَا عِنْدَهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُل مَرْيَمَ﴾ (١)، وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُقْرِعُ بَيْنَ نِسَائِهِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ (٢) .
كَيْفِيَّةُ إِجْرَاءِ الْقُرْعَةِ:
٥ - لِلْقُرْعَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ طَرِيقَتَانِ:
الأُْولَى: كِتَابَةُ أَسْمَاءِ الشُّرَكَاءِ فِي رِقَاعٍ.
وَالثَّانِيَةُ: كِتَابَةُ أَجْزَاءِ الْمَقْسُومِ فِي رِقَاعٍ، وَقَدْ شَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ لإِجْرَاءِ الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ تَكُونَ الأَْنْصِبَاءُ مُتَسَاوِيَةً فَإِنِ اخْتَلَفَتْ فَتَجُوزُ فِي الْعُرُوضِ خَاصَّةً (٣) .
وَقَدْ أَجَازَ كُلٌّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِجْرَاءَهَا فِي الصُّورَتَيْنِ إِلاَّ أَنَّ طَرِيقَةَ كِتَابَةِ الأَْسْمَاءِ أَوْلَى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٤) .
مَا تَجْرِي فِيهِ الْقُرْعَةُ:
٦ - تَجْرِي الْقُرْعَةُ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا:
الأَْوَّل: فِي تَمْيِيزِ الْمُسْتَحِقِّ إِذَا ثَبَتَ الاِسْتِحْقَاقُ ابْتِدَاءً لِمُبْهَمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ عِنْدَ تَسَاوِي الْمُسْتَحِقِّينَ، كَمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عِدَّةِ
_________
(١) سورة آل عمران / ٤٤.
(٢) تكملة فتح القدير ٨ / ٣٦٤ - ٣٦٥. وحديث: " كان يقرع بين نسائه. . . " تقدم تخريجه ف ٣.
(٣) الشرح الكبير للدردير ٣ / ٥١١.
(٤) شرح الجلال المحلي على المنهاج ٤ / ٣١٦، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٢، وكشاف القناع ٦ / ٣٨٠ - ٣٨١.
أَعْبُدٍ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَسَعْ ثُلُثُهُ عِتْقَ جَمِيعِهِمْ، وَفِي الْحَاضِنَاتِ إِذَا كُنَّ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهِ لاِسْتِوَائِهِنَّ فِي الْحَقِّ فَوَجَبَتِ الْقُرْعَةُ لأَِنَّهَا مُرَجِّحَةٌ.
الثَّانِي: فِي تَمْيِيزِ الْمُسْتَحِقِّ الْمُعَيَّنِ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ عِنْدَ اشْتِبَاهِهِ وَالْعَجْزِ عَنِ الاِطِّلاَعِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الأَْمْوَال وَالأَْبْضَاعُ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِجَرَيَانِ الْقُرْعَةِ فِي الأَْبْضَاعِ.
الثَّالِثُ: فِي تَمْيِيزِ الأَْمْلاَكِ.
وَقِيل: إِنَّهُ لَمْ يَأْتِ إِلاَّ فِي ثَلاَثِ صُوَرٍ:
أَحَدُهَا: الإِْقْرَاعُ بَيْنَ الْعَبِيدِ إِذَا لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِهِمْ.
وَثَانِيهَا: الإِْقْرَاعُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ عِنْدَ تَعْدِيل السِّهَامِ فِي الْقِسْمَةِ.
وَثَالِثُهَا: عِنْدَ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِذَلِكَ.
الرَّابِعُ: فِي حُقُوقِ الاِخْتِصَاصَاتِ كَالتَّزَاحُمِ عَلَى الصَّفِّ الأَْوَّل، وَفِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ.
الْخَامِسُ: فِي حُقُوقِ الْوِلاَيَاتِ كَمَا إِذَا تَنَازَعَ الإِْمَامَةَ الْعُظْمَى اثْنَانِ وَتَكَافَآ فِي صِفَاتِ التَّرْجِيحِ قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، وَكَاجْتِمَاعِ الأَْوْلِيَاءِ فِي النِّكَاحِ، وَالْوَرَثَةِ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فَتَجْرِي بَيْنَهُمُ الْقُرْعَةُ لِتَرْجِيحِ
أَحَدِهِمْ (١) .
مَا لاَ تَجْرِي فِيهِ الْقُرْعَةُ:
٧ - إِذَا تَعَيَّنَتِ الْمَصْلَحَةُ أَوِ الْحَقُّ فِي جِهَةٍ فَلاَ يَجُوزُ الإِْقْرَاعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ الْقُرْعَةَ ضَيَاعُ ذَلِكَ الْحَقِّ الْمُعَيَّنِ وَالْمَصْلَحَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ تَجْرِي الْقُرْعَةُ فِيمَا يُكَال أَوْ يُوزَنُ وَاتَّفَقَتْ صِفَتُهُ، وَإِنَّمَا يُقْسَمُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا لاَ قُرْعَةً؛ لأَِنَّهُ إِذَا كِيل أَوْ وُزِنَ فَقَدِ اسْتَغْنَى عَنِ الْقُرْعَةِ فَلاَ وَجْهَ لِدُخُولِهَا فِيهِمَا، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ (٢)، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٣) .
وَمِمَّا لاَ تَجْرِي فِيهِ الْقُرْعَةُ الأَْبْضَاعُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَلاَ فِي لِحَاقِ النَّسَبِ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالظَّاهِرِ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، وَلاَ فِي تَعْيِينِ الْوَاجِبِ الْمُبْهَمِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا ابْتِدَاءً عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلاَ فِي الطَّلاَقِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٤) .
_________
(١) تبصرة الحكام بهامش فتح العلي المالك ٢ / ١٠٦، والمنثور في القواعد للزركشي ٣ / ٦٢ وما بعدها، والفروق للقرافي ٤ / ١١١ (الفرق ٢٤٠)، والقواعد لابن رجب ص ٣٤٨ وما بعدها (القاعدة ١٦٠)، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٧٥، ٢ / ٤٠١.
(٢) حاشية الدسوقي ٣ / ٥٠١.
(٣) القليوبي وعميرة ٤ / ٣١٦، كشاف القناع ٦ / ٣٧٩.
(٤) المنثور في القواعد للزركشي ٣ / ٦٤، وقواعد ابن رجب ص ٣٤٨.
إِجْبَارُ الشُّرَكَاءِ عَلَى قِسْمَةِ الْقُرْعَةِ:
٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ إِذَا تَمَّتْ عَنْ طَرِيقِ قَاسِمٍ مِنْ قِبَل الْقَاضِي بِالْقُرْعَةِ كَانَتْ مُلْزِمَةً وَلَيْسَ لِبَعْضِهِمُ الإِْبَاءُ بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِ السِّهَامِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْقَاسِمُ مُخْتَارًا مِنْ جِهَتِهِمْ، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا كَانَ كَقَاسِمِ الْحَاكِمِ فِي لُزُومِ قِسْمَتِهِ بِالْقُرْعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا لَمْ تَلْزَمْ قِسْمَتُهُ إِلاَّ بِتَرَاضِيهِمَا، وَالأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ رِضَا الْمُتَقَاسِمَيْنِ بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ فِي حَالَةِ مَا إِذَا كَانَ الْقَاسِمُ مُخْتَارًا مِنْ قِبَلِهِمَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ قِسْمَةَ الْقُرْعَةِ يُجْبَرُ عَلَيْهَا كُلٌّ مِنَ الشُّرَكَاءِ الآْبِينَ إِذَا طَلَبَهَا الْبَعْضُ إِنِ انْتَفَعَ كُلٌّ مِنَ الآْبِينَ وَغَيْرِهِمُ انْتِفَاعًا تَامًّا عُرْفًا بِمَا يُرَادُ لَهُ كَبَيْتِ السُّكْنَى، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْتَفِعْ كُلٌّ انْتِفَاعًا تَامًّا لاَ يُجْبَرُ (٢) .
الْقُرْعَةُ فِي مَعْرِفَةِ الأَْحَقِّ بِغُسْل الْمَيِّتِ:
٩ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الأَْحَقَّ فِي غُسْل الْمَيِّتِ أَقَارِبُهُ، فَإِنِ اسْتَوَوْا كَالإِْخْوَةِ
_________
(١) ابن عابدين ٦ / ٢٥٥، ٢٦٣، والقليوبي وعميرة ٤ / ٣١٦، ٣١٧، وكشاف القناع ٦ / ٣٧٨.
(٢) الدسوقي ٣ / ٥١٢.