الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣ الصفحة 19

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣

تَصِحُّ قُرُبَاتُ الْعِبَادَةِ مِنَ الْكَافِرِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْعِبَادَةِ (١)، وَالصَّغِيرُ الْمُمَيِّزُ تَصِحُّ عِبَادَاتُهُ وَيُثَابُ عَلَيْهَا، قَال النَّوَوِيُّ: يُكْتَبُ لِلصَّبِيِّ ثَوَابُ مَا يَعْمَلُهُ مِنَ الطَّاعَاتِ: كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ وَالاِعْتِكَافِ وَالْحَجِّ وَالْقِرَاءَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ (٢)، وَحَدِيثُ صَلاَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ (٣)، وَحَدِيثُ تَصْوِيمِ الصَّحَابَةِ الصِّبْيَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَعَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: أَرْسَل النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَْنْصَارِ: مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيَصُمْ. قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَل لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِْفْطَارِ (٤) .

_________

(١) البحر المحيط ١ / ٤١٥ - ٤١٦، والمنثور للزركشي ٣ / ٩٩، والمغني ٥ / ٥٥٥.

(٢) حديث: " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٣٣٤)، والحاكم (١ / ١٩٧) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، واللفظ لأبي داود، وصححه الحاكم.

(٣) حديث: أن ابن عباس صلى مع النبي ﷺ صلاة العيد. أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١٩٠) .

(٤) حديث: الربيع بنت معوذ: " أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٢٠٠) .

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي مَالِهِمَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (١) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صِغَر ف ٣٢) وَمُصْطَلَحِ (جُنُون ف ١١) .

وَإِنْ كَانَتِ الْقُرُبَاتُ مِنْ غَيْرِ الْعِبَادَاتِ، كَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْعَارِيَّةِ وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَتَشْيِيعِ الْجَنَائِزِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَا هُوَ مَالِيٌّ مِنْهَا أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ مِنْ عَقْلٍ وَبُلُوغٍ وَرُشْدٍ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ إِذْ أَجَازَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَصِيَّةَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ.

وَلاَ يُشْتَرَطُ الإِْسْلاَمُ؛ لأَِنَّ وَقْفَ الْكَافِرِ وَعِتْقَهُ وَوَصِيَّتَهُ وَصَدَقَتَهُ صَحِيحَةٌ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ هَذِهِ عُقُودٌ مَالِيَّةٌ وَلَيْسَتْ قُرُبَاتٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْكَافِرِ (٢) .

نِيَّةُ الْقُرْبَةِ:

٦ - مِنَ الْقُرُبَاتِ مَا لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ، وَمِنْهَا مَا يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ.

أَوَّلًا: الْقُرُبَاتُ الَّتِي لاَ تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ هِيَ كَمَا يَقُول الْقَرَافِيُّ: الَّتِي لاَ لَبْسَ فِيهَا، كَالإِْيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَتَعْظِيمِهِ وَإِجْلاَلِهِ، وَالْخَوْفِ مِنْ نِقَمِهِ، وَالرَّجَاءِ لِنِعَمِهِ، وَالتَّوَكُّل عَلَى كَرَمِهِ،

_________

(١) المجموع للنووي ٧ / ٣٤ تحقيق المطيعي، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١١٩.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ٣٥٤، والبحر المحيط ١ / ٤١٥.

وَالْحَيَاءِ مِنْ جَلاَلِهِ، وَالْمَحَبَّةِ لِجَمَالِهِ، وَالْمَهَابَةِ مِنْ سُلْطَانِهِ، وَكَذَلِكَ التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيل، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَسَائِرِ الأَْذْكَارِ، فَإِنَّهَا مُتَمَيِّزَةٌ لِجَنَابِهِ ﷾ (١) .

ثَانِيًا: الْقُرُبَاتُ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، وَهِيَ: الْعِبَادَاتُ، مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَحَجٍّ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ وَاجِبَةً أَمْ مَنْدُوبَةً، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ تَعْظِيمُ اللَّهِ ﷾ بِفِعْلِهَا، وَالْخُضُوعُ لَهُ فِي إِتْيَانِهَا، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُل إِذَا قُصِدَتْ مِنْ أَجْلِهِ ﷾، فَإِنَّ التَّعْظِيمَ بِالْفِعْل بِدُونِ الْمُعَظَّمِ مُحَالٌ، فَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي أَمَرَ فِيهِ الشَّرْعُ بِالنِّيَّاتِ (٢)، وَنِيَّةُ التَّقَرُّبِ فِي الْعِبَادَاتِ هِيَ إِخْلاَصُ الْعَمَل لِلَّهِ تَعَالَى (٣)، يَقُول ﷾: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٤) .

وَنِيَّةُ الْقُرْبَةِ إِنَّمَا هِيَ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَاتِ عَنِ الْعَادَاتِ، لِيَتَمَيَّزَ مَا لِلَّهِ عَنْ مَا لَيْسَ لَهُ، أَوْ تَمْيِيزِ مَرَاتِبِ الْعِبَادَاتِ فِي أَنْفُسِهَا، لِتَتَمَيَّزَ مُكَافَأَةُ الْعَبْدِ عَلَى فِعْلِهِ، وَيَظْهَرَ قَدْرُ تَعْظِيمِهِ لِرَبِّهِ (٥) .

_________

(١) الذخيرة ص ٢٣٧، والمنثور في القواعد ٣ / ٢٨٨.

(٢) الذخيرة ص ٢٤٠، والفروق للقرافي ١ / ١٣٠.

(٣) المنثور ٣ / ٢٨٥، والذخيرة ص ٢٣٥.

(٤) سورة البينة / ٥.

(٥) الذخيرة للقرافي ص ٢٣٦، والأشباه للسيوطي ص ١٣، والأشباه لابن نجيم ص ٢٩، والمنثور في القواعد للزركشي ٣ / ٢٨٥.

فَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا تَكُونُ نِيَّةُ الْقُرْبَةِ فِيهِ لِتَمْيِيزِ الْعِبَادَةِ عَنِ الْعَادَةِ: الْغُسْل، يَكُونُ تَبَرُّدًا وَعِبَادَةً، وَدَفْعُ الأَْمْوَال، يَكُونُ صَدَقَةً شَرْعِيَّةً وَمُوَاصَلَةً عُرْفِيَّةً، وَالإِْمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ، يَكُونُ عِبَادَةً وَحَاجَةً، وَحُضُورُ الْمَسَاجِدِ، يَكُونُ مَقْصُودًا لِلصَّلاَةِ وَتَفَرُّجًا يَجْرِي مَجْرَى اللَّذَّاتِ، وَالذَّبْحُ، قَدْ يَكُونُ بِقَصْدِ الأَْكْل، وَقَدْ يَكُونُ لِلتَّقَرُّبِ بِإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ، فَشُرِعَتِ النِّيَّةُ لِتَمْيِيزِ الْقُرَبِ مِنْ غَيْرِهَا.

أَمَّا نِيَّةُ الْقُرْبَةِ فِي الْعِبَادَاتِ، فَهِيَ لِتَمْيِيزِ مَرَاتِبِ الْعِبَادَاتِ فِي نَفْسِهَا، لِتَتَمَيَّزَ مُكَافَأَةُ الْعَبْدِ عَلَى فِعْلِهِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: الصَّلاَةُ، تَنْقَسِمُ إِلَى فَرْضٍ وَمَنْدُوبٍ، وَالْفَرْضُ يَنْقَسِمُ إِلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ قَضَاءً وَأَدَاءً، وَالْمَنْدُوبُ يَنْقَسِمُ إِلَى رَاتِبٍ كَالْعِيدَيْنِ وَالْوِتْرِ، وَغَيْرِ رَاتِبٍ كَالنَّوَافِل، وَكَذَلِكَ الْقَوْل فِي قُرُبَاتِ الْمَال وَالصَّوْمِ وَالنُّسُكِ (١) .

ثَالِثًا: الأَْعْمَال الْوَاجِبَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا مِنْ غَيْرِ الْعِبَادَاتِ أَوِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لاَ تُعْتَبَرُ قُرُبَاتٍ فِي ذَاتِهَا، لَكِنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تُصْبِحَ قُرُبَاتٍ إِذَا نَوَى بِهَا الْقُرْبَةَ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَاجِبَاتُ الَّتِي تَكُونُ صُوَرُ أَفْعَالِهَا كَافِيَةً فِي تَحْصِيل مَصَالِحِهَا، كَدَفْعِ الدُّيُونِ، وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَنَفَقَاتِ

_________

(١) الأشباه للسيوطي ص ١٣، والأشباه لابن نجيم ص ٢٩، والذخيرة للقرافي ص ٢٣٦ - ٢٣٧، وقواعد الأحكام ١ / ١٧٦ - ١٧٧.

الزَّوْجَاتِ، وَالأَْقَارِبِ، وَعَلَفِ الدَّوَابِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْ هَذِهِ الأُْمُورِ انْتِفَاعُ أَرْبَابِهَا، وَذَلِكَ لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَصْدِ الْفَاعِل لَهَا، فَيَخْرُجُ الإِْنْسَانُ عَنْ عُهْدَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا، فَمَنْ دَفَعَ دَيْنَهُ غَافِلًا عَنْ قَصْدِ التَّقَرُّبِ أَجْزَأَ عَنْهُ، أَمَّا إِنْ قَصَدَ الْقُرْبَةَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِامْتِثَال أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى حَصَل لَهُ الثَّوَابُ، وَإِلاَّ فَلاَ.

وَمِثْل ذَلِكَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مِنَ الأَْعْمَال، يَخْرُجُ الإِْنْسَانُ مِنْ عُهْدَتِهِ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ فَإِنْ نَوَى بِتَرْكِهَا وَجْهَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، فَإِنَّ التَّرْكَ يَصِيرُ قُرْبَةً وَيَحْصُل لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ الثَّوَابُ لأَِجْل نِيَّةِ الْقُرْبَةِ (١) .

وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ فَإِنَّ صِفَتَهَا تَخْتَلِفُ بِاعْتِبَارِ مَا قُصِدَتْ لأَِجْلِهِ، فَإِذَا قَصَدَ بِهَا التَّقَوِّيَ عَلَى الطَّاعَاتِ، أَوِ التَّوَصُّل إِلَيْهَا كَانَتْ عِبَادَةً وَقُرْبَةً يُثَابُ عَلَيْهَا (٢) .

وَفِي الْمَنْثُورِ: قَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ: عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ وَرَدُّ السَّلاَمِ قُرْبَةٌ لاَ يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ عَلَيْهَا إِلاَّ بِالنِّيَّةِ.

وَقَطْعُ السَّرِقَةِ وَاسْتِيفَاءُ الْحُدُودِ مِنَ الإِْمَامِ

_________

(١) الفروق للقرافي ٢ / ٥٠ و١ / ١٣٠، والذخيرة ص ٢٤٠، والمنثور ٣ / ٦١، ٢٨٧، ٢٨٨، والأشباه لابن نجيم ص ٢٣، وقواعد الأحكام ١ / ١٧٦ - ١٧٧.

(٢) الأشباه لابن نجيم ص ٢٣، والمنثور ٣ / ٢٨٧، والفروق للقرافي ١ / ١٣٠.

قُرْبَةٌ، وَلاَ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يُثَبْ (١) .

الثَّوَابُ عَلَى الْقُرُبَاتِ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى:

٧ - يُثَابُ الإِْنْسَانُ وَيُعَاقَبُ عَلَى كَسْبِهِ وَاكْتِسَابِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ بِتَسَبُّبٍ، يَقُول اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وَقَال تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (٣)، أَيْ لَيْسَ لَهُ إِلاَّ جَزَاءُ سَعْيِهِ، وَقَال تَعَالَى ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُل نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا﴾ (٤)، وَالْغَرَضُ بِالتَّكَالِيفِ تَعْظِيمُ الإِْلَهِ بِطَاعَتِهِ، وَاجْتِنَابُ مَعْصِيَتِهِ، وَذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِفَاعِلِيهِ (٥) .

وَالثَّوَابُ عَلَى الْعَمَل فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، يَقُول الْكَاسَانِيُّ: الثَّوَابُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ فَضْلٌ مِنْهُ، وَلاَ اسْتِحْقَاقَ لأَِحَدٍ عَلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يَتَفَضَّل عَلَى عَمَلٍ لأَِجْلِهِ بِجَعْل الثَّوَابِ لَهُ، كَمَا لَهُ أَنْ يَتَفَضَّل بِإِعْطَاءِ الثَّوَابِ عَلَى غَيْرِ عَمَلٍ رَأْسًا (٦) .

أَثَرُ الْقَصْدِ فِي الثَّوَابِ عَلَى الْقُرْبَةِ:

٨ - قَسَّمَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ مَا يُثَابُ عَلَيْهِ

_________

(١) المنثور ٣ / ٦١.

(٢) سورة الطور / ١٦.

(٣) سورة النجم / ٣٩.

(٤) سورة الأنعام / ١٦٤.

(٥) قواعد الأحكام ١ / ١١٤ ط. دار الكتب العلمية بيروت.

(٦) بدائع الصنائع ٢ / ٢١٢.

الإِْنْسَانُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: مَا تَمَيَّزَ لِلَّهِ بِصُورَتِهِ، فَهَذَا يُثَابُ عَلَيْهِ مَهْمَا قَصَدَ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ الْقُرْبَةَ كَالْمَعْرِفَةِ وَالإِْيمَانِ وَالأَْذَانِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَمْ يَتَمَيَّزْ مِنَ الطَّاعَاتِ لِلَّهِ بِصُورَتِهِ، فَهَذَا لاَ يُثَابُ عَلَيْهِ إِلاَّ بِنِيَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: نِيَّةُ إِيجَادِ الْفِعْل، وَالثَّانِيَةُ: نِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ جَل، فَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ أُثِيبَ عَلَى أَجْزَائِهِ الَّتِي لاَ تَقِفُ عَلَى نِيَّةِ الْقُرْبَةِ كَالتَّسْبِيحَاتِ وَالتَّكْبِيرَاتِ وَالتَّهْلِيلاَتِ الْوَاقِعَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الْفَاسِدَةِ.

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا شُرِعَ لِلْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَلاَ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَصَالِحُ الأُْخْرَوِيَّةُ إِلاَّ تَبَعًا، كَإِقْبَاضِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ، وَفُرُوضِ الْكِفَايَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا الْمَصَالِحُ الدُّنْيَوِيَّةُ كَالصَّنَائِعِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا بَقَاءُ الْعَالَمِ، فَهَذَا لاَ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ إِذَا قَصَدَ إِلَيْهِ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْقُرْبَةَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ جَل (١) .

وَقَدْ يَقُومُ الإِْنْسَانُ بِعَمَلٍ وَيَسْتَوْفِي شُرُوطَهُ وَأَرْكَانَهُ، وَلَكِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ ثَوَابًا لِمَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنَ الْمَقَاصِدِ وَالنَّوَايَا، وَلِذَلِكَ يَقُول النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ

_________

(١) قواعد الأحكام ١ / ١٤٩ ط. دار الكتب العلمية بيروت.

فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ (١) .

كَمَا قَدْ يُتْبِعُ الإِْنْسَانُ الْعَمَل الصَّحِيحَ بِمَا يُضَيِّعُ ثَوَابَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَنُّ وَالأَْذَى يُبْطِل ثَوَابَ الصَّدَقَةِ (٢)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَْذَى﴾ (٣) .

وَقَدْ يَعْمَل الإِْنْسَانُ الْعَمَل فَيُثَابُ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعَ الصَّحِيحَ، فَقَدْ وَرَدَ حَدِيثَانِ يُؤَيِّدَانِ هَذَا الْمَعْنَى، أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ الْمُتَصَدِّقِ الَّذِي وَقَعَتْ صَدَقَتُهُ فِي يَدِ سَارِقٍ وَزَانِيَةٍ وَغَنِيٍّ وَفِي نِهَايَةِ الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّجُل أُتِيَ فَقِيل لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبِرَ فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ (٤) .

وَالْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ الَّذِي أَخَذَ صَدَقَةَ أَبِيهِ مِنَ الرَّجُل الَّذِي

_________

(١) حديث: " إنما الأعمال بالنية. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٩)، ومسلم (٣ / ١٥١٥ - ١٥١٦) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ لمسلم.

(٢) الموافقات للشاطبي ١ / ٢٩٢، وفتح الباري ٣ / ٢٧٧.

(٣) سورة البقرة / ٢٦٤.

(٤) حديث: " المتصدق الذي وقعت صدقته في يد سارق وزانية وغني. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢٩٠) .

وُضِعَتْ عِنْدَهُ، وَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ (١)، قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ نِيَّةَ الْمُتَصَدِّقِ إِذَا كَانَتْ صَالِحَةً قُبِلَتْ صَدَقَتُهُ وَإِنْ لَمْ تَقَعِ الْمَوْقِعَ (٢) .

نَقْل ثَوَابِ الْقُرْبَةِ لِلْغَيْرِ:

٩ - تَنْقَسِمُ الْقُرُبَاتُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ حَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ فِي ثَوَابِهِ، وَلَمْ يَجْعَل لَهُمْ نَقْلَهُ لِغَيْرِهِمْ، كَالإِْيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ، فَلَوْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَهَبَ قَرِيبَهُ الْكَافِرَ إِيمَانَهُ لِيَدْخُل الْجَنَّةَ دُونَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ هِبَةُ ثَوَابِ مَا سَبَقَ مَعَ بَقَاءِ الأَْصْل، لاَ سَبِيل إِلَيْهِ.

وَقِسْمٌ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ فِي نَقْل ثَوَابِهِ، وَهُوَ الْقُرُبَاتُ الْمَالِيَّةُ كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ.

وَقِسْمٌ اخْتُلِفَ فِيهِ (٣)، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ نَقْل ثَوَابِ مَا أَتَى بِهِ الإِْنْسَانُ مِنَ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِهِ مِنَ الأَْحْيَاءِ وَالأَْمْوَاتِ، يَقُول الْكَاسَانِيُّ: مَنْ صَامَ أَوْ صَلَّى أَوْ تَصَدَّقَ جَعَل ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ مِنَ الأَْمْوَاتِ وَالأَْحْيَاءِ جَازَ، وَيَصِل ثَوَابُهُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقَدْ وَرَدَ " عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ ﴿

_________

(١) حديث " معن بن يزيد الذي أخذ صدقة أبيه. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢٩١) .

(٢) فتح الباري ٣ / ٢٩٠ - ٢٩١.

(٣) الفروق للقرافي ٣ / ١٩٢، ومنح الجليل ١ / ٣٠٦.

أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ اشْتَرَى كَبْشَيْنِ عَظِيمَيْنِ سَمِينَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ، فَيَذْبَحَ أَحَدَهُمَا عَنْ أُمَّتِهِ مِمَّنْ شَهِدَ بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لَهُ بِالْبَلاَغِ، وَذَبَحَ الآْخَرَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَآل مُحَمَّدٍ (١)

وَوَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَجُلًا قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَال: نَعَمْ، تَصَدَّقْ عَنْهَا (٢) .

قَال الْكَاسَانِيُّ: وَعَلَى ذَلِكَ عَمَل الْمُسْلِمِينَ مِنْ لَدُنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا، وَالتَّكْفِينِ وَالصَّدَقَاتِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، وَجَعْل ثَوَابِهَا لِلأَْمْوَاتِ (٣) .

وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: أَيَّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا الإِْنْسَانُ وَجَعَل ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: كَالدُّعَاءِ وَالاِسْتِغْفَارِ، وَالصَّدَقَةِ وَالْوَاجِبَاتِ الَّتِي تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ (٤) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يَجُوزُ نَقْل ثَوَابِ الصَّلاَةِ

_________

(١) حديث: أن رسول الله ﷺ " كان إذا أراد أن يضحي. . . " أخرجه أحمد (٦ / ٢٢٥) من حديث عائشة.

(٢) حديث: عائشة " أن رجلًا قال للنبي ﷺ. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣٨٨ - ٣٨٩) ومعنى افتلتت في الحديث: ماتت فجأة.

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٢١٢.

(٤) المغني لابن قدامة ٢ / ٥٦٧ - ٥٦٨ - ٥٦٩، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٣٦٢.