الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣ الصفحة 20

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣

وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إِلَى الْغَيْرِ، وَلاَ يَحْصُل شَيْءٌ مِنْ ثَوَابِ ذَلِكَ لِلْمَيِّتِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (١)، وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا مَاتَ الإِْنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ (٢)، وَيَجُوزُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ كَالصَّدَقَاتِ (٣) .

وَمِثْل ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ، جَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: تَنْفَعُ الْمَيِّتَ صَدَقَةٌ عَنْهُ، وَوَقْفٌ وَبِنَاءُ مَسْجِدٍ، وَحَفْرُ بِئْرٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَدُعَاءٌ لَهُ مِنْ وَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُهُ غَيْرُ ذَلِكَ كَالصَّلاَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لَكِنْ حَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَالأَْذْكَارِ وَجْهًا، أَنَّ ثَوَابَ الْقِرَاءَةِ يَصِل إِلَى الْمَيِّتِ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الأَْصْحَابِ (٤) .

الأَْجْرُ عَلَى الْقُرُبَاتِ:

١٠ - الْقُرُبَاتُ الَّتِي تَجِبُ عَلَى الإِْنْسَانِ وَلاَ يَتَعَدَّى نَفْعُهَا فَاعِلَهَا كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الأَْجْرِ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّ الأَْجْرَ عِوَضُ الاِنْتِفَاعِ وَلَمْ يَحْصُل لِغَيْرِهِ هَاهُنَا انْتِفَاعٌ؛ وَلأَِنَّ

_________

(١) سورة النجم / ٣٩.

(٢) حديث: " إذا مات الإنسان انقطع عمله. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٢٥٥) من حديث أبي هريرة.

(٣) الفروق للقرافي ٣ / ١٩٢، ومنح الجليل ١ / ٣٠٦، ٤٤٢.

(٤) مغني المحتاج ٣ / ٦٩ - ٧٠، والمنثور ٣ / ٣١٢.

مَنْ أَتَى بِعَمَلٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ لاَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أُجْرَةً، وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ يَقَعُ عَنْهُ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا حَضَرَ الصَّفَّ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (١) .

أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْقُرُبَاتِ الَّتِي يَتَعَدَّى نَفْعُهَا لِلْغَيْرِ كَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ يَجُوزُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ كَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ أَخْذَ الأُْجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْفِقْهِ وَالْفَرَائِضِ.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ لأَِنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ هَذِهِ الأَْفْعَال كَوْنَهَا قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الأَْجْرِ عَلَيْهَا.

لَكِنْ أَجَازَ مُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ أَخْذَ الأُْجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ اسْتِحْسَانًا وَمِثْل ذَلِكَ الإِْمَامَةُ وَالأَْذَانُ لِلْحَاجَةِ.

أَمَّا مَا يَقَعُ تَارَةً قُرْبَةً وَتَارَةً غَيْرَ قُرْبَةٍ، كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ، فَيَجُوزُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَيْهِ (٢) .

وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ بَيْتِ الْمَال عَلَى الْقُرُبَاتِ الَّتِي لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَيْهَا كَالْقَضَاءِ، لاَ يُعْتَبَرُ

_________

(١) البدائع ٤ / ١٩١، وجواهر الإكليل ٢ / ١٨٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٤٤، والمغني ٥ / ٥٥٩.

(٢) البدائع ٤ / ١٩١، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٣٤ - ٣٥، والهداية ٣ / ٢٤٧، وجواهر الإكليل ٢ / ١٨٨ - ١٨٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٤٤، والمنثور ٣ / ٣٠ - ٣١، والمغني ٣ / ٢٣١ و٥ / ٥٥٥، ٥٥٩.

أَجْرًا، يَقُول ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَا يُؤْخَذُ مِنْ بَيْتِ الْمَال لَيْسَ عِوَضًا وَأُجْرَةً، بَل رِزْقٌ لِلإِْعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، فَمَنْ عَمِل مِنْهُمْ لِلَّهِ أُثِيبَ، وَمَا يَأْخُذُهُ فَهُوَ رِزْقٌ لِلْمَعُونَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَال الْمَوْقُوفُ عَلَى أَعْمَال الْبِرِّ، وَالْمُوصَى بِهِ كَذَلِكَ وَالْمَنْذُورُ كَذَلِكَ، لَيْسَ كَالأُْجْرَةِ (١) .

وَذَهَبَ الْقَرَافِيُّ إِلَى أَنَّ بَابَ الأَْرْزَاقِ أَدْخَل فِي بَابِ الإِْحْسَانِ وَأَبْعَدُ عَنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ، وَبَابُ الإِْجَارَةِ أَبْعَدُ مِنْ بَابِ الْمُسَامَحَةِ وَأَدْخَل فِي بَابِ الْمُكَايَسَةِ.

وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي مَسَائِل مِنْهَا: الْقُضَاةُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَرْزَاقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَال عَلَى الْقَضَاءِ إِجْمَاعًا، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرُوا عَلَى الْقَضَاءِ بِسَبَبِ أَنَّ الأَْرْزَاقَ إِعَانَةٌ مِنَ الإِْمَامِ لَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِالْمَصَالِحِ، لاَ أَنَّهُ عِوَضٌ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ تَنْفِيذِ الأَْحْكَامِ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَجِ وَنُهُوضِهَا، وَلَوِ اسْتُؤْجِرُوا عَلَى ذَلِكَ لَدَخَلَتِ التُّهْمَةُ فِي الْحُكْمِ بِمُعَاوَضَةِ صَاحِبِ الْعِوَضِ، وَيَجُوزُ فِي الأَْرْزَاقِ الَّتِي تُطْلَقُ لِلْقَاضِي الدَّفْعُ وَالْقَطْعُ وَالتَّقْلِيل وَالتَّكْثِيرُ وَالتَّغْيِيرُ، وَلَوْ كَانَ إِجَارَةً لَوَجَبَ تَسْلِيمُهُ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلاَ نَقْصٍ (٢) .

_________

(١) الاختيارات لابن تيمية ص ١٥٣.

(٢) الفروق للقرافي ٣ / ٣.

وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: الْقَضَاءُ وَالشَّهَادَةُ وَالإِْمَامَةُ يُؤْخَذُ عَلَيْهِ الرِّزْقُ مِنْ بَيْتِ الْمَال وَهُوَ نَفَقَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَلاَ يَجُوزُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَيْهَا (١) .

النِّيَابَةُ فِي الْقُرْبَةِ:

١١ - مِنَ الْقُرُبَاتِ مَا لاَ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهِ فِي الْحَيَاةِ بِالإِْجْمَاعِ، وَذَلِكَ كَالإِْيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ ذَلِكَ الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ الْمَحْضَةُ، مِثْل الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالْجِهَادِ عَنِ الْحَيِّ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾، إِلاَّ مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ، وَأَمَّا قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ: لاَ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلاَ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ (٢)، فَذَلِكَ فِي حَقِّ الْعُهْدَةِ لاَ فِي حَقِّ الثَّوَابِ.

وَمِنَ الْقُرُبَاتِ مَا تَجُوزُ فِيهِ النِّيَابَةُ بِالإِْجْمَاعِ، وَهِيَ الْقُرُبَاتُ الْمَالِيَّةُ كَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَالإِْبْرَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ الإِْنْسَانُ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ هَذِهِ الْقُرُبَاتِ بِنَفْسِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا إِخْرَاجُ الْمَال، وَهُوَ يَحْصُل بِفِعْل النَّائِبِ.

أَمَّا الْقُرُبَاتُ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ النَّاحِيَةِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ كَالْحَجِّ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ

_________

(١) المغني ٣ / ٢٣١.

(٢) أثر ابن عباس: لا يصلي أحد عن أحد. أخرجه النسائي في سننه الكبرى (٢ / ٣٤١)، وصحح إسناده ابن حجر في التلخيص (٢ / ٢٠٩) .

وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ، لَكِنَّهُمْ يُقَيِّدُونَ ذَلِكَ بِالْعُذْرِ، وَهُوَ الْعَجْزُ عَنِ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، كَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالزَّمِنِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ.

وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِنَابَةُ فِي الْحَجِّ، وَقَال الْبَاجِيُّ: تَجُوزُ النِّيَابَةُ عَنِ الْمَعْضُوبِ كَالزَّمِنِ وَالْهَرَمِ، وَقَال أَشْهَبُ: إِنْ أَجَّرَ صَحِيحٌ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ لَزِمَهُ لِلْخِلاَفِ (١) .

أَمَّا بَعْدَ الْمَمَاتِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لاَ تَجُوزُ النِّيَابَةُ عَنِ الْمَيِّتِ فِي صَلاَةٍ أَوْ صَوْمٍ إِلاَّ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ عَنِ الْمَيِّتِ مَنْ يُصَلِّي عَنْهُ مَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ، كَذَلِكَ قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلاَ يَجِبُ الْحَجُّ عَنْهُ إِلاَّ أَنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يُوصِ بِالْحَجِّ عَنْهُ فَتَبَرَّعَ الْوَارِثُ بِالْحَجِّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِإِحْجَاجِ رَجُلٍ عَنْهُ جَازَ، لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ عَنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ تَجُوزُ النِّيَابَةُ عَنِ الْمَيِّتِ فِي الصَّلاَةِ، أَمَّا الصَّوْمُ فَفِيهِ قَوْلاَنِ لِمَنْ لَمْ يَصُمْ حَتَّى مَاتَ، أَحَدُهُمَا لاَ يَصِحُّ الصَّوْمُ عَنْهُ لأَِنَّهُ

_________

(١) البدائع ٢ / ١٠٣، ٢١٢، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٣٦، ٢٣٧، ومنح الجليل ١ / ٤٤٢، ٤٤٩ و٣ / ٣٥٢، والحطاب ٢ / ٥٤٣، ٥٤٤، والفروق ٢ / ٢٠٥ و٣ / ١٨٥ - ١٨٦، والمهذب ١ / ٢٠٦، والمنثور ٣ / ٣١٢، ومغني المحتاج ١ / ٤٦٨، و٣ / ٦٧ - ٧٠، والقليوبي ٣ / ٧٣، ومنتهى الإرادات ١ / ١٢١، ٤١٨، ٤٥٧، والمغني ٩ / ٣٠ - ٣١.

عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لاَ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فِي حَال الْحَيَاةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ وَلِيُّهُ عَنْهُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ (١)، وَهَذَا الرَّأْيُ هُوَ الأَْظْهَرُ، أَمَّا الْحَجُّ فَمَنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ وَلَمْ يُؤَدِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ مِنْ تَرِكَتِهِ، لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ قَال: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ، فَقَال لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: حُجِّي عَنْهَا (٢) .

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ تَجُوزُ النِّيَابَةُ عَنِ الْمَيِّتِ فِي الصَّلاَةِ أَوِ الصِّيَامِ الْوَاجِبَيْنِ بِأَصْل الشَّرْعِ - أَيِ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ - لأَِنَّ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ لاَ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ حَال الْحَيَاةِ فَبَعْدَ الْمَوْتِ كَذَلِكَ، أَمَّا مَا أَوْجَبَهُ الإِْنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بِالنَّذْرِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَمَكَّنَ مِنَ الأَْدَاءِ وَلَمْ يَفْعَل حَتَّى مَاتَ، سُنَّ لِوَلِيِّهِ فِعْل النَّذْرِ عَنْهُ (٣) .

_________

(١) حديث: " من مات وعليه صوم صام عنه وليه ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ١٩٢)، ومسلم (٢ / ٨٠٣) من حديث عائشة.

(٢) حديث بريدة: " أتت النبي ﷺ امرأة. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٨٠٥) .

(٣) البدائع ٢ / ١٠٣، ٢١٢، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٣٦، ٢٣٧، منح الجليل ١ / ٤٤٢، ٤٤٩، و٣ / ٣٥٢، والحطاب ٢ / ٥٤٣، ٥٤٤، والفروق ٢ / ٢٠٥ و٣ / ١٨٥ - ١٨٦، والمهذب ١ / ٢٠٦، والمنثور ٣ / ٣١٢، ومغني المحتاج ١ / ٤٦٨ و٣ / ٨٧ إلى ٧٠، والقليوبي ٣ / ٧٣، ومنتهى الإرادات ١ / ١٢١، ٤١٨، ٤٥٧، والمغني ٩ / ٣٠، ٣١.

الإِْيثَارُ بِالْقُرَبِ:

١٢ - قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فِي حَاشِيَةِ الأَْشْبَاهِ لِلْحَمَوِيِّ عَنِ الْمُضْمِرَاتِ عَنِ النِّصَابِ: وَإِنْ سَبَقَ أَحَدٌ إِلَى الصَّفِّ الأَْوَّل فَدَخَل رَجُلٌ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا أَوْ أَهْل عِلْمٍ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَخَّرَ وَيُقَدِّمَهُ تَعْظِيمًا لَهُ. اهـ

فَهَذَا يُفِيدُ جَوَازَ الإِْيثَارِ بِالْقُرَبِ بِلاَ كَرَاهَةٍ، وَنَقَل الْعَلاَّمَةُ الْبِيرِيُّ فُرُوعًا تَدُل عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ، وَيَدُل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١)، وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ ﵊ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَشْيَاخٌ، فَقَال لِلْغُلاَمِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاَءِ؟ فَقَال الْغُلاَمُ: لاَ وَاللَّهِ، لاَ أُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا، قَال: فَتَلَّهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ (٢)، وَلاَ رَيْبَ أَنَّ مُقْتَضَى طَلَبِ الإِْذْنِ مَشْرُوعِيَّةُ ذَلِكَ بِلاَ كَرَاهَةٍ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أَفْضَل مِنْهُ. أهـ.

أَقُول: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْمَسْأَلَةِ بِمَا إِذَا عَارَضَ تِلْكَ الْقُرْبَةَ مَا هُوَ أَفْضَل مِنْهَا، كَاحْتِرَامِ أَهْل الْعِلْمِ وَالأَْشْيَاخِ كَمَا أَفَادَهُ الْفَرْعُ السَّابِقُ وَالْحَدِيثُ. . .، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل عَلَيْهِ مَا فِي النَّهْرِ مِنْ قَوْلِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ ذَكَرُوا

_________

(١) سورة الحشر / ٩.

(٢) حديث: " أنه ﵊ أتى بشراب. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٠٤) .

أَنَّ الإِْيثَارَ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الصَّفِّ الأَْوَّل فَلَمَّا أُقِيمَتْ آثَرَ بِهِ، وَقَوَاعِدُنَا لاَ تَأْبَاهُ (١) .

وَقَال السُّيُوطِيُّ: الإِْيثَارُ فِي الْقُرَبِ مَكْرُوهٌ، وَفِي غَيْرِهَا مَحْبُوبٌ، قَال تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢) .

قَال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: لاَ إِيثَارَ فِي الْقُرُبَاتِ، فَلاَ إِيثَارَ بِمَاءِ الطَّهَارَةِ، وَلاَ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَلاَ بِالصَّفِّ الأَْوَّل؛ لأَِنَّ الْغَرَضَ بِالْعِبَادَاتِ التَّعْظِيمُ وَالإِْجْلاَل، فَمَنْ آثَرَ بِهِ فَقَدْ تَرَكَ إِجْلاَل الإِْلَهِ وَتَعْظِيمَهُ.

وَقَال الإِْمَامُ: لَوْ دَخَل الْوَقْتُ - وَمَعَهُ مَاءٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ - فَوَهَبَهُ لِغَيْرِهِ لِيَتَوَضَّأَ بِهِ لَمْ يَجُزْ، لاَ أَعْرِفُ فِيهِ خِلاَفًا؛ لأَِنَّ الإِْيثَارَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّفُوسِ، لاَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرَبِ وَالْعِبَادَاتِ.

وَقَال النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ: لاَ يُقَامُ أَحَدٌ مِنْ مَجْلِسِهِ لِيُجْلَسَ فِي مَوْضِعِهِ. فَإِنْ قَامَ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يُكْرَهْ، فَإِنِ انْتَقَل إِلَى أَبْعَدَ مِنَ الإِْمَامِ كُرِهَ، قَال أَصْحَابُنَا: لأَِنَّهُ آثَرَ بِالْقُرْبَةِ.

وَقَال الْقَرَافِيُّ: مَنْ دَخَل عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلاَةِ، وَمَعَهُ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ، وَهُنَاكَ مَنْ يَحْتَاجُهُ لِلطَّهَارَةِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الإِْيثَارُ، وَلَوْ أَرَادَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٨٢ - ٣٨٣.

(٢) سورة الحشر / ٩.

الْمُضْطَرُّ إِيثَارَ غَيْرِهِ بِالطَّعَامِ لاِسْتِبْقَاءِ مُهْجَتِهِ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ مُهْجَتِهِ.

وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَقَّ فِي الطَّهَارَةِ لِلَّهِ فَلاَ يَسُوغُ فِيهِ الإِْيثَارُ، وَالْحَقُّ فِي حَال الْمَخْمَصَةِ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُهْجَتَيْنِ عَلَى شَرَفِ التَّلَفِ إِلاَّ وَاحِدَةً تُسْتَدْرَكُ بِذَلِكَ الطَّعَامِ، فَحَسُنَ إِيثَارُ غَيْرِهِ عَلَى نَفْسِهِ.

وَقَال الْخَطِيبُ فِي الْجَامِعِ: كَرِهَ قَوْمٌ إِيثَارَ الطَّالِبِ غَيْرَهُ بِنَوْبَتِهِ فِي الْقِرَاءَةِ؛ لأَِنَّ قِرَاءَةَ الْعِلْمِ وَالْمُسَارَعَةَ إِلَيْهِ قُرْبَةٌ وَالإِْيثَارَ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ (١) .

مَرَاتِبُ الْقُرُبَاتِ:

١٣ - أ - أَفْضَل الْقُرُبَاتِ هُوَ الإِْيمَانُ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ سُئِل النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّ الأَْعْمَال أَفْضَل؟ فَقَال: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (٢)، جَعَل النَّبِيُّ ﷺ الإِْيمَانَ أَفْضَل الأَْعْمَال، لِجَلْبِهِ لأَِحْسَنِ الْمَصَالِحِ وَدَرْئِهِ لأَِقْبَحِ الْمَفَاسِدِ مَعَ شَرَفِهِ فِي نَفْسِهِ وَشَرَفِ مُتَعَلَّقِهِ، وَثَوَابُهُ الْخُلُودُ فِي الْجِنَانِ، وَالْخُلُوصُ مِنَ النِّيرَانِ وَغَضَبِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ (٣) .

ب - ثُمَّ يَلِي ذَلِكَ الْفَرَائِضُ الَّتِي افْتَرَضَهَا

_________

(١) الأشباه للسيوطي ص ١٢٩ - ١٣٠.

(٢) حديث سئل النبي ﷺ: " أي الأعمال أفضل. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣٨٠)، ومسلم (١ / ٨٨) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري.

(٣) قواعد الأحكام ١ / ٤٦ - ٤٧، والفروق ٢ / ٢١٥.

اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَال عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأَُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَ بِي لأَُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ (١) .

جَاءَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: يُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ أَدَاءَ الْفَرَائِضِ أَحَبُّ الأَْعْمَال إِلَى اللَّهِ، وَفِي الإِْتْيَانِ بِالْفَرَائِضِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ امْتِثَال الأَْمْرِ وَاحْتِرَامُ الآْمِرِ، وَتَعْظِيمُهُ بِالاِنْقِيَادِ إِلَيْهِ، وَإِظْهَارُ عَظَمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَذُل الْعُبُودِيَّةِ فَكَانَ التَّقَرُّبُ بِذَلِكَ أَعْظَمَ الْعَمَل (٢) .

ج - وَبَعْدَ مَنْزِلَةِ الْفَرَائِضِ فِي الْقُرْبَةِ تَكُونُ مَنْزِلَةُ النَّوَافِل، بِدَلِيل مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، قَال الْفَاكِهَانِيُّ: إِذَا أَدَّى الْعَبْدُ الْفَرَائِضَ وَدَاوَمَ عَلَى إِتْيَانِ النَّوَافِل، نَال مَحَبَّةَ

_________

(١) حديث " إن الله قال من عادى لي وليًا. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٣٤٠ - ٣٤١) .

(٢) الفروق ٢ / ١٢٢، وقواعد الأحكام ١ / ٥٥، وفتح الباري ١١ / ٣٤١ - ٣٤٣.