الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣ الصفحة 18

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣

ب - فِي وِلاَيَةِ النِّكَاحِ:

٤ - جَاءَ فِي الْمُغْنِي: أَحَقُّ النَّاسِ بِإِنْكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَبُوهَا وَلاَ وِلاَيَةَ لأَِحَدٍ مَعَهُ؛ لأَِنَّهُ أَكْمَل نَظَرًا وَأَشَدُّ شَفَقَةً فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ فِي الْوِلاَيَةِ، ثُمَّ أَبُو الأَْبِ أَيِ الْجَدُّ وَإِنْ عَلاَ، ثُمَّ ابْنُهَا وَابْنُهُ وَإِنْ سَفَل (١) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (وِلاَيَة) .

حُكْمُ إِنْكَاحِ الْوَلِيِّ الأَْبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الأَْقْرَبِ:

٥ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا زَوَّجَ الْمَرْأَةَ الْوَلِيُّ الأَْبْعَدُ مَعَ حُضُورِ الْوَلِيِّ الأَْقْرَبِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَلِيِّ الأَْقْرَبِ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّ الْوَلِيَّ الأَْقْرَبَ اسْتَحَقَّ الْوِلاَيَةَ بِالتَّعْصِيبِ فَلَمْ تَثْبُتْ لِلأَْبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الأَْقْرَبِ كَالْمِيرَاثِ (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ إِنْكَاحَ الْوَلِيِّ الأَْبْعَدِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ الأَْقْرَبِ فَلَهُ الاِعْتِرَاضُ وَالْفَسْخُ مَا لَمْ يَرْضَ صَرِيحًا أَوْ دَلاَلَةً كَقَبْضِهِ الْمَهْرَ مَثَلًا، وَمَا لَمْ يَسْكُتْ حَتَّى تَلِدَ أَوْ تَحْبَل.

فَإِنْ رَضِيَ الْوَلِيُّ الأَْقْرَبُ صَرِيحًا أَوْ دَلاَلَةً، أَوْ سَكَتَ حَتَّى تَلِدَ أَوْ تَحْبَل لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الاِعْتِرَاضِ وَالْفَسْخِ، وَذَلِكَ لِئَلاَّ يَضِيعَ الْوَلَدُ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣١١، والبدائع ٢ / ٢٤٠ - ٢٥٠، والقوانين الفقهية ص ٢٠٢، ومغني المحتاج ٣ / ١٥١، والمغني لابن قدامة ٦ / ٤٥٦.

(٢) مغني المحتاج ٣ / ١٥٤، ١٥٥، والمغني لابن قدامة ٦ / ٤٧٣.

بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فَإِنَّ بَقَاءَهُمَا مُجْتَمِعَيْنِ عَلَى تَرْبِيَتِهِ أَحْفَظُ لَهُ (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ يَكُونُ صَحِيحًا إِذَا عَقَدَهُ الأَْبْعَدُ مَعَ وُجُودِ الأَْقْرَبِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الأَْقْرَبُ مُجْبَرًا، فَإِنْ كَانَ مُجْبَرًا - وَهُوَ عِنْدَهُمُ الأَْبُ وَوَصِيُّهُ - فَلاَ يَصِحُّ تَزْوِيجُ الْوَلِيِّ الأَْبْعَدِ (٢)

وَالتَّفْصِيل يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (وِلاَيَة) (وَنِكَاح) .

ح - فِي الْحَضَانَةِ:

٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الأَْوْلَى بِالْحَضَانَةِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ الأُْمُّ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَهَا عَلَى مَذَاهِبَ، عَلَى أَنَّهُمْ يُرَاعُونَ الْقُرْبَ فِي الْجُمْلَةِ فِي الْجِهَةِ الْوَاحِدَةِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (حَضَانَة ف ٩ - ١٣) .

د - فِي الْعَاقِلَةِ:

٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُرَاعَى فِيمَنْ يَتَحَمَّل الدِّيَةَ مِنَ الْعَاقِلَةِ أَنْ يُقَدَّمَ الأَْقْرَبُ فَالأَْقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقَاتِل.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الدِّيَةَ تَلْزَمُ أَهْل الدِّيوَانِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دِيوَانٌ وَجَبَتْ عَلَى

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٢٩٥ - ٣١٦، ومواهب الجليل ٣ / ٤٣٢.

(٢) مواهب الجليل ٣ / ٤٣٢.

الْقَبِيلَةِ مِنَ النَّسَبِ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عَاقِلَة ف ٣) .

هـ - فِي قَدْرِ الْمَسَافَةِ الَّتِي يُتَرَخَّصُ فِيهَا فِي السَّفَرِ:

٨ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ مَا يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ الطَّوِيل، وَمِنْهَا مَا لاَ يَخْتَصُّ بِهِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.

قَال الشَّافِعِيَّةُ: الرُّخَصُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسَّفَرِ ثَمَانِيَةٌ: ثَلاَثَةٌ تَخْتَصُّ بِالطَّوِيل وَهِيَ: الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ وَمَسْحُ الْخُفِّ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَاثْنَانِ يَجُوزَانِ فِي الطَّوِيل وَالْقَصِيرِ وَهُمَا: تَرْكُ الْجُمُعَةِ وَأَكْل الْمَيْتَةِ، وَثَلاَثَةٌ فِي اخْتِصَاصِهَا بِالطَّوِيل قَوْلاَنِ وَهِيَ: الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ وَإِسْقَاطُ الْفَرْضِ بِالتَّيَمُّمِ وَجَوَازُ التَّنَفُّل عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَالأَْصَحُّ اخْتِصَاصُ الْجَمْعِ بِالسَّفَرِ الطَّوِيل، عَدَمُ اخْتِصَاصِ السَّفَرِ الطَّوِيل بِجَوَازِ التَّنَفُّل عَلَى الرَّاحِلَةِ وَإِسْقَاطُ الْفَرْضِ بِالتَّيَمُّمِ (٢) .

قَال السُّيُوطِيُّ: وَاسْتَدْرَكَ ابْنُ الْوَكِيل رُخْصَةً تَاسِعَةً صَرَّحَ بِهَا الْغَزَالِيُّ ﵀ وَهِيَ: مَا إِذَا كَانَ لَهُ نِسْوَةٌ وَأَرَادَ السَّفَرَ فَإِنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُنَّ وَيَأْخُذُ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ وَلاَ

_________

(١) البدائع ٧ / ٢٥٦، والقوانين الفقهية ص ٣٤٢، ومغني المحتاج ٤ / ٩٥، والمغني لابن قدامة ٧ / ٧٨٣.

(٢) الأشباه للسيوطي ص ٧٧، والمجموع للنووي ١ / ٤٨٣، ٤ / ٣٢٢ وما بعدها.

يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لِضَرَّاتِهَا إِذَا رَجَعَ، وَهَل يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالطَّوِيل وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: لاَ.

قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ مَا يَخْتَصُّ بِالطَّوِيل وَهُوَ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَهُوَ: الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ وَالْمَسْحُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَسُقُوطُ الأُْضْحِيَّةِ، وَمَا لاَ يَخْتَصُّ بِهِ، بَل الْمُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْخُرُوجِ عَنِ الْمِصْرِ وَهُوَ: تَرْكُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْجَمَاعَةِ وَالنَّفَل عَلَى الدَّابَّةِ وَجَوَازُ التَّيَمُّمِ وَاسْتِحْبَابُ الْقُرْعَةِ بَيْنَ نِسَائِهِ (١) .

وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (جَمْعُ الصَّلَوَاتِ ف ٣) (وَسَفَر ف ٧، ١١) .

و فِي انْتِقَال الْحَاضِنِ:

٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْتِقَال الْحَضَانَةِ مِنَ الْحَاضِنِ إِلَى مَنْ يَلِيهِ فِي التَّرْتِيبِ بِالسَّفَرِ بُعْدًا أَوْ قُرْبًا، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْحَضَانَةَ تَنْتَقِل بِالسَّفَرِ الْبَعِيدِ دُونَ الْقَرِيبِ، وَسَوَّى آخَرُونَ فِي الاِنْتِقَال بَيْنَ السَّفَرِ الْبَعِيدِ وَالْقَرِيبِ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (حَضَانَة ف ١٥) .

_________

(١) غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر ١ / ٢٤٥، وجواهر الإكليل ١ / ٨٨، والمغني لابن قدامة ٢ / ٢٥٥ وما بعدها.

(٢) البدائع ٤ / ٤٤، وابن عابدين ٢ / ٦٤٢، والقوانين الفقهية ص ٢٢٣، ومغني المحتاج ٣ / ٤٥٨، والمغني لابن قدامة ٧ / ٦١٨.

ز - فِي سَفَرِ الْمُعْتَدَّةِ وَعَوْدَتِهَا:

١٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُعْتَدَّةِ أَنْ تُنْشِئَ سَفَرًا قَرِيبًا كَانَ هَذَا السَّفَرُ أَوْ بَعِيدًا، بَل يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَلْزَمَ بَيْتَ الزَّوْجِيَّةِ الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ وَإِنْ كَانَ هَذَا السَّفَرُ لأَِجْل الْحَجِّ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا خَرَجَتْ ثُمَّ طَرَأَتْ. الْعِدَّةُ هَل عَلَيْهَا أَنْ تَعُودَ لِتَعْتَدَّ فِي بَيْتِهَا، أَمْ يَجُوزَ لَهَا أَنْ تَمْضِيَ فِي سَفَرِهَا؟ وَهَل السَّفَرُ الْقَرِيبُ فِي ذَلِكَ يَخْتَلِفُ عَنِ السَّفَرِ الْبَعِيدِ (١)؟ .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِحْدَاد ف ١٩، ٢٠، ٢٢. ٢٣) .

قُرْبَان

انْظُرْ: قُرْبَة

_________

(١) البدائع ٣ / ٢٠٥ وما بعدها، وجواهر الإكليل ١ / ٣٩٢ وما بعدها، ومغني المحتاج ٣ / ٤٠٢ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٧ / ٥٣١ وما بعدها.

قُرْبَة

التَّعْرِيفُ:

١ - الْقُرْبَةُ - بِسُكُونِ الرَّاءِ وَالضَّمِّ لِلإِْتْبَاعِ - فِي اللُّغَةِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْجَمْعُ قُرَبٌ وَقُرُبَاتٌ.

وَالْقُرْبَانُ - بِالضَّمِّ - مَا قُرِّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، تَقُول مِنْهُ: قَرَّبْتُ لِلَّهِ قُرْبَانًا، وَتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ، أَيْ طَلَبَ بِهِ الْقُرْبَةَ عِنْدَهُ تَعَالَى، قَال اللَّيْثُ: الْقُرْبَانُ: مَا قَرَّبْتَ إِلَى اللَّهِ تَبْتَغِي بِذَلِكَ قُرْبَةً وَوَسِيلَةً (١) .

وَقَدْ عَرَّفَ الْفُقَهَاءُ الْقُرْبَةَ بِتَعْرِيفَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.

مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: الْقُرْبَةُ: فِعْل مَا يُثَابُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَنْ يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى نِيَّةٍ (٢) .

وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَال: الْقُرْبَةُ: مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ، أَوْ مَعَ الإِْحْسَانِ إِلَى النَّاسِ، كَبِنَاءِ الرِّبَاطِ وَالْمَسْجِدِ (٣) .

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٧٢.

(٣) حاشية ابن عابدين ٢ / ٢٣٧.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْعِبَادَةُ:

٢ - الْعِبَادَةُ فِي اللُّغَةِ: الطَّاعَةُ مَعَ الْخُضُوعِ، قَال ابْنُ الأَْنْبَارِيِّ: فُلاَنٌ عَابِدٌ، وَهُوَ الْخَاضِعُ لِرَبِّهِ الْمُسْتَسْلِمُ الْمُنْقَادُ لأَِمْرِهِ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: هِيَ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ.

أَوْ هِيَ: فِعْلٌ لاَ يُرَادُ بِهِ إِلاَّ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَمْرِهِ (٢) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقُرْبَةِ وَالْعِبَادَةِ هِيَ أَنَّ الْقُرْبَةَ أَعَمُّ مِنَ الْعِبَادَةِ، فَقَدْ تَكُونُ الْقُرْبَةُ عِبَادَةً وَقَدْ لاَ تَكُونُ، كَمَا أَنَّ الْعِبَادَةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ، وَالْقُرْبَةُ الَّتِي لَيْسَتْ عِبَادَةً لاَ تَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ.

ب - الطَّاعَةُ:

٣ - الطَّاعَةُ فِي اللُّغَةِ: الاِنْقِيَادُ وَالْمُوَافَقَةُ، يُقَال: أَطَاعَهُ إِطَاعَةً، أَيِ انْقَادَ لَهُ، وَالاِسْمُ: طَاعَةٌ (٣) .

وَعَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِعِدَّةِ تَعْرِيفَاتٍ، مِنْهَا مَا جَاءَ فِي الْكُلِّيَّاتِ: الطَّاعَةُ: فِعْل الْمَأْمُورَاتِ وَلَوْ نَدْبًا وَتَرْكُ الْمَنْهِيَّاتِ وَلَوْ كَرَاهَةً (٤) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ هِيَ: أَنَّ الْقُرْبَةَ أَخَصُّ مِنَ الطَّاعَةِ، لاِعْتِبَارِ مَعْرِفَةِ

_________

(١) لسان العرب.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٧٢، ٢ / ٢٣٧.

(٣) لسان العرب والمصباح المنير.

(٤) الكليات للكفوي ٣ / ١٥٦.

الْمُتَقَرَّبِ إِلَيْهِ فِي الْقُرْبَةِ (١) .

وَقَدْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ شَيْخِ الإِْسْلاَمِ زَكَرِيَّا فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْقُرْبَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ، أَنَّ الْقُرْبَةَ: فِعْل مَا يُثَابُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَنْ يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى نِيَّةٍ.

وَالْعِبَادَةُ: مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ.

وَالطَّاعَةُ: فِعْل مَا يُثَابُ عَلَيْهِ، تَوَقَّفَ عَلَى نِيَّةٍ أَوْ لاَ، عَرَفَ مَنْ يَفْعَلُهُ لأَِجْلِهِ أَوْ لاَ، فَنَحْوُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ مِنْ كُل مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ وَعِبَادَةٌ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالْوَقْفُ وَالْعِتْقُ وَالصَّدَقَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ لاَ عِبَادَةٌ، وَالنَّظَرُ الْمُؤَدِّي إِلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى طَاعَةٌ لاَ قُرْبَةٌ وَلاَ عِبَادَةٌ، وَالنَّظَرُ لَيْسَ قُرْبَةً، لِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِالْمُتَقَرَّبِ إِلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْمَعْرِفَةَ تَحْصُل بَعْدَهُ (٢) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٤ - مِنَ الْقُرَبِ مَا هُوَ وَاجِبٌ، وَذَلِكَ كَالْفَرَائِضِ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، مِنْ صَلاَةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ وَزَكَاةٍ، فَهِيَ عِبَادَاتٌ مَقْصُودَةٌ شُرِعَتْ لِلتَّقَرُّبِ بِهَا، وَعُلِمَ مِنَ

_________

(١) الكليات للكفوي ٣ / ١٥٦.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٧٢.

الشَّارِعِ الاِهْتِمَامُ بِتَكْلِيفِ الْخَلْقِ إِيقَاعَهَا عِبَادَةً.

وَمِنَ الْقُرَبِ الْوَاجِبَةِ الْقُرَبُ الَّتِي يُلْزِمُ الإِْنْسَانُ بِهَا نَفْسَهُ بِالنَّذْرِ (١) .

وَمِنْهَا مَا هُوَ مَنْدُوبٌ، كَالنَّوَافِل وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْوَقْفِ وَالْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ (٢) .

وَمِنْهَا مَا هُوَ مُبَاحٌ، إِذْ أَنَّ الْمُبَاحَاتِ تَكُونُ قُرْبَةً بِنِيَّةِ إِرَادَةِ الثَّوَابِ بِهَا، كَالأَْفْعَال الْعَادِيَّةِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْقُرْبَةُ، كَالطَّعَامِ بِنِيَّةِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ (٣) .

وَمِنَ الْقُرُبَاتِ مَا هُوَ حَرَامٌ، وَذَلِكَ كَالْقُرُبَاتِ الْمَالِيَّةِ، كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ إِذَا فَعَلَهَا الإِْنْسَانُ وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِمَّا لاَ يَفْضُل عَنْ حَاجَتِهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ حَقٌّ وَاجِبٌ فَلاَ يَحِل تَرْكُهُ لِسُنَّةٍ (٤) .

وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ قُرْبَةٌ، فَقَدْ أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ﵁ الْتِزَامَهُ قِيَامَ اللَّيْل وَصِيَامَ النَّهَارِ وَاجْتِنَابَ النِّسَاءِ، وَقَال لَهُ: ﴿

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٧٢، والبدائع ٥ / ٨٢، والاختيار ٤ / ٧٦، وروضة الطالبين ٣ / ٣٠١، والفروق ١ / ١٣٠.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٧٢، والمنثور في القواعد ٣ / ٦١، والحطاب ٢ / ٥٤٥.

(٣) المنثور في القواعد ٣ / ٢٨٧، والأشباه لابن نجيم ص ٢٤.

(٤) المنثور ٣ / ٢٧٨.

أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّتِي؟ فَقَال: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ، لَكِنْ سُنَّتَكَ أَطْلُبُ. قَال: فَإِنِّي أَنَامُ وَأُصَلِّي وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ (١)، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا عَزَمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ سَرْدِ الصَّوْمِ وَقِيَامِ اللَّيْل وَالاِخْتِصَاءِ، وَكَانُوا قَدْ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْفِطْرَ وَالنَّوْمَ ظَنًّا أَنَّهُ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّهِمْ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ غُلُوٌّ فِي الدِّينِ وَاعْتِدَاءٌ عَلَى مَا شَرَعَ (٢)، فَقَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَل اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣) .

وَقَدْ تَكُونُ الْقُرْبَةُ مَكْرُوهَةً، وَذَلِكَ كَالتَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ مَا يَمْلِكُ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَشَقَّةٌ لاَ يَصْبِرُ عَلَيْهَا، وَكَالْوَصِيَّةِ مِنَ الْفَقِيرِ الَّذِي لَهُ وَرَثَةٌ (٤)

مَنْ تَصِحُّ مِنْهُ الْقُرْبَةُ:

٥ - الْقُرُبَاتُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ عِبَادَةً كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ، أَوْ غَيْرَ عِبَادَةٍ كَالتَّبَرُّعَاتِ مِنْ صَدَقَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَوَقْفٍ.

فَإِنْ كَانَتِ الْقُرُبَاتُ مِنَ الْعِبَادَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ تَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَلاَ

_________

(١) حديث: " أرغبت عن سنتي؟ . . . " أخرجه أبو داود (٢ / ١٠١) .

(٢) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢ / ١٧٤.

(٣) سورة المائدة / ٨٧.

(٤) مغني المحتاج ٣ / ١٢٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥٤٠.