الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣
﵄ أَنَّهُ سُئِل عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَال: أَهَل الْمُهَاجِرُونَ وَالأَْنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. . . إِلَى أَنْ قَال: " فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْل مَكَّةَ، قَال اللَّهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) .
الشَّرْطُ السَّابِعُ:
١٣ - عَدَمُ فَوَاتِ الْحَجِّ: فَلَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ بِالْقِرَانِ لَمْ يَكُنْ قَارِنًا، وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ (٢) .
كَيْفِيَّةُ الْقِرَانِ:
١٤ - هِيَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا مِنَ الْمِيقَاتِ أَوْ قَبْلَهُ، لاَ بَعْدَهُ (٣) .
وَمِيقَاتُ إِحْرَامِ الْقَارِنِ هُوَ مِيقَاتُ إِحْرَامِ الْمُفْرِدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مِيقَاتُ الْقَارِنِ هُوَ مِيقَاتُ الْعُمْرَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَمَنْ كَانَ آفَاقِيًّا فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنَ الْمِيقَاتِ الْخَاصِّ بِهِ، وَمَنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ قِرَانَ لَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْقِرَانُ، وَلاَ دَمَ عَلَيْهِ،
_________
(١) حديث ابن عباس: " أنه سئل عن متعة الحج " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٤٣٣) .
(٢) لباب المناسك للسندي الحنفي ص ١٧٢، وابن عابدين ٢ / ٢٦٢.
(٣) شرح المنهاج للمحلي ٢ / ١٢٧.
فَيُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلاَّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْحِل فَيُحْرِمَ بِالْقِرَانِ.
(ر: إِحْرَام ف ٤٠ وَ٥٢) .
١٥ - وَكَيْفِيَّةُ إِحْرَامِ الْقَارِنِ، أَنَّهُ بَعْدَمَا يَسْتَعِدُّ لِلإِْحْرَامِ يَقُول نَاوِيًا بِقَلْبِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ فَيَسِّرْهُمَا لِي وَتَقَبَّلْهُمَا مِنِّي، أَوْ نَوَيْتُ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ وَأَحْرَمْتُ بِهِمَا لِلَّهِ تَعَالَى، لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ، ثُمَّ يَقُول: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مُتَعَاقِبًا، بِأَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِضَافَةً إِلَى الْعُمْرَةِ (ر: إِحْرَام ف ١١٧) .
فَإِذَا انْعَقَدَ الإِْحْرَامُ قَارِنًا، فَإِنَّهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَفْعَل مَا يَفْعَل الْحَاجُّ الْمُفْرِدُ، وَيَطُوفُ طَوَافَ الْقُدُومِ، وَيَسْعَى بَعْدَهُ إِنْ أَرَادَ تَقْدِيمَ السَّعْيِ، ثُمَّ يَقِفُ بِعَرَفَةَ وَهَكَذَا إِلَى آخِرِ أَعْمَال الْحَجِّ، وَيَذْبَحُ هَدْيًا يَوْمَ النَّحْرِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (هَدْي) .
وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: فَإِنَّ الْقَارِنَ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ: طَوَافٌ وَسَعْيٌ لِعُمْرَتِهِ، وَطَوَافٌ وَسَعْيٌ لِحَجَّتِهِ، وَكَيْفِيَّةُ أَدَائِهِ لِلْقِرَانِ: إِذَا انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ قَارِنًا دَخَل مَكَّةَ، وَابْتَدَأَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، يَرْمُل فِي
الثَّلاَثَةِ الأُْولَى مِنْهَا، وَيَضْطَبِعُ فِيهَا كُلِّهَا، ثُمَّ يَسْعَى بَعْدَهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهَذِهِ أَفْعَال الْعُمْرَةِ، ثُمَّ يَبْدَأُ بِأَفْعَال الْحَجِّ، فَيَطُوفُ طَوَافَ الْقُدُومِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، وَيَسْعَى بَعْدَهُ سَعْيَ الْحَجِّ إِنْ أَرَادَ تَقْدِيمَ سَعْيِ الْحَجِّ عَنْ يَوْمِ النَّحْرِ (ر: سَعْي) وَعِنْدَئِذٍ يَرْمُل فِي الطَّوَافِ الثَّانِي وَيَضْطَبِعُ؛ لأَِنَّ الرَّمَل وَالاِضْطِبَاعَ سُنَّةٌ فِي كُل طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ (١)، ثُمَّ يُتَابِعُ أَعْمَال الْحَجِّ كَمَا فِي الإِْفْرَادِ، وَيَذْبَحُ هَدْيًا إِلَى آخِرِهِ. . . لَكِنْ لاَ يَتَحَلَّل بِمَا أَدَّاهُ مِنْ أَفْعَال الْعُمْرَةِ وَلاَ يَحْلِقُ، لأَِنَّهُ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ وَوَقْتُ تَحَلُّلِهِ يَوْمُ النَّحْرِ (٢) .
تَحَلُّل الْقَارِنِ:
١٦ - لِلْقَارِنِ تَحَلُّلاَنِ:
التَّحَلُّل الأَْوَّل: وَيُسَمَّى أَيْضًا الأَْصْغَرَ.
وَيَحْصُل بِالْحَلْقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَحْدَهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَبِفِعْل اثْنَيْنِ مِنْ ثَلاَثَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهِيَ الرَّمْيُ، وَالْحَلْقُ، وَالطَّوَافُ، أَيْ طَوَافُ الزِّيَارَةِ الْمَسْبُوقُ بِالسَّعْيِ، وَإِلاَّ فَلاَ يَحِل حَتَّى يَسْعَى بَعْدَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ.
وَالْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا، حَتَّى الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّ الذَّبْحَ
_________
(١) رد المحتار ٢ / ٢٦٣.
(٢) شرح اللباب ص ١٧٤.
لاَ مَدْخَل لَهُ فِي التَّحَلُّل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَيَحِل بِالتَّحَلُّل الأَْوَّل جَمِيعُ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ إِلاَّ الْجِمَاعَ.
وَأَمَّا التَّحَلُّل الثَّانِي: وَيُسَمَّى التَّحَلُّل الأَْكْبَرَ: فَتَحِل بِهِ جَمِيعُ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ حَتَّى النِّسَاءَ إِجْمَاعًا.
وَيَحْصُل التَّحَلُّل الأَْكْبَرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ بِطَوَافِ الإِْفَاضَةِ بِشَرْطِ الْحَلْقِ هُنَا بِاتِّفَاقِ الطَّرَفَيْنِ، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الطَّوَافُ مَسْبُوقًا بِالسَّعْيِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ مَدْخَل لِلسَّعْيِ فِي التَّحَلُّل لأَِنَّهُ وَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَحْصُل بِاسْتِكْمَال أَفْعَال التَّحَلُّل الثِّقَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا (١) .
هَدْيُ الْقِرَانِ:
١٧ - يَجِبُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْقَارِنِ هَدْيٌ يَذْبَحُهُ أَيَّامَ النَّحْرِ (٢)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣) .
لأَِنَّ الْقَارِنَ فِي حُكْمِ الْمُتَمَتِّعِ،
_________
(١) فتح القدير ٢ / ١٨٣، والمسلك المتقسط ص ١٥٥، وشرح رسالة ابن أبي زيد ١ / ٤٧٩، والشرح الكبير للدردير ٢ / ٤٦، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٣١، والكافي ١ / ٦٠٨، والمغني ٣ / ٤٤٢، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٢٧.
(٢) المغني ٣ / ٤٦٨ و٤٦٩.
(٣) سورة البقرة / ١٩٦.
قَال الْقُرْطُبِيُّ: " وَإِنَّمَا جُعِل الْقِرَانُ مِنْ بَابِ التَّمَتُّعِ؛ لأَِنَّ الْقَارِنَ يَتَمَتَّعُ بِتَرْكِ النَّصَبِ فِي السَّفَرِ إِلَى الْعُمْرَةِ مَرَّةً وَإِلَى الْحَجِّ أُخْرَى، وَيَتَمَتَّعُ بِجَمْعِهِمَا وَلَمْ يُحْرِمْ لِكُل وَاحِدَةٍ مِنْ مِيقَاتِهِ، وَضَمَّ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَدَخَل تَحْتَ قَوْل اللَّهِ ﷿: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵃؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا وَجَبَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ لأَِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ نُسُكَيْنِ فِي وَقْتِ أَحَدِهِمَا فَلأَنْ يَجِبَ عَلَى الْقَارِنِ وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الإِْحْرَامِ أَوْلَى (١) .
وَأَدْنَى مَا يُجْزِئُ فِيهِ شَاةٌ، وَالْبَقَرَةُ أَفْضَل، وَالْبَدَنَةُ أَفْضَل مِنْهُمَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي مُوجِبِ هَذَا الْهَدْيِ، فَقَال الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: هُوَ دَمُ شُكْرٍ، وَجَبَ شُكْرًا لِلَّهِ لِمَا وَفَّقَهُ إِلَيْهِ مِنْ أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ، فَيَأْكُل مِنْهُ وَيُطْعِمُ مَنْ شَاءَ وَلَوْ غَنِيًّا، وَيَتَصَدَّقُ (٢) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: هُوَ دَمُ جَبْرٍ عَلَى الصَّحِيحِ فِي مَذْهَبِهِمْ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ الأَْكْل
_________
(١) المهذب بشرح المجموع ٧ / ١٩٠.
(٢) فتح القدير ٢ / ٣٢٢، والمسلك المتقسط ص ١٧٤، وتبيين الحقائق ٢ / ٨٩، ورسالة ابن أبي زيد وشرحها ١ / ٥٠٨ - ٥٠٩، وشرح العشماوية للصفتي ص ٢٠٣، وبداية المجتهد ١ / ٢٦٧، والمغني ٣ / ٥٤١، والكافي ١ / ٥٣٥ - ٥٣٩ و٦٣٤ - ٦٣٥، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٧٥.
مِنْهُ، بَل يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِهِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي (هَدْي) .
وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْهَدْيِ فَعَلَيْهِ بِالإِْجْمَاعِ صِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَمَتُّع ف ١٧ - ٢٠) (وَهَدْي) .
صَيْرُورَةُ التَّمَتُّعِ قِرَانًا:
١٨ - إِذَا سَاقَ الْمُتَمَتِّعُ الْهَدْيَ كَمَا هُوَ السُّنَّةُ.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ يَحِل الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ بِأَفْعَال الْعُمْرَةِ، وَلاَ يَحْلِقُ، وَلَوْ حَلَقَ لَمْ يَتَحَلَّل مِنْ إِحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ، وَيَكُونُ حَلْقُهُ جِنَايَةً عَلَى إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ، وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِجِنَايَتِهِ هَذِهِ، بَل يَظَل حَرَامًا، ثُمَّ يُهِل يَوْمَ التَّرْوِيَةِ بِالْحَجِّ، وَيَفْعَل مَا يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ - لَكِنْ يَسْقُطُ عَنْهُ طَوَافُ الْقُدُومِ - حَتَّى يَحِل يَوْمَ النَّحْرِ مِنْهُمَا.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ يَصِيرُ قَارِنًا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٣) .
_________
(١) المجموع ٨ / ٣٣٢، ومغني المحتاج ١ / ٥١٧.
(٢) سورة البقرة / ١٩٦.
(٣) الهداية ٢ / ٢١٤ - ٢١٥، والمسلك المتقسط ص ١٩٢، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣١٥ - ٣١٦، ٣٠٧.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (١)، وَالشَّافِعِيَّةُ (٢)، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ الَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ كَالَّذِي لَمْ يَسُقْهُ، يَتَحَلَّل بِأَدَاءِ الْعُمْرَةِ، وَيَمْكُثُ بِمَكَّةَ حَلاَلًا حَتَّى يُحْرِمَ بِالْحَجِّ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَمَتُّع ف ١٥) .
جِنَايَاتُ الْقَارِنِ عَلَى إِحْرَامِهِ:
١٩ - بِنَاءً عَلَى الْخِلاَفِ فِي الْقَارِنِ، هَل يُجْزِئُهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ. كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، أَوْ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ لَهُمَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، اخْتَلَفُوا فِي كَفَّارَاتِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ لِلْقَارِنِ.
فَالْجُمْهُورُ سَوَّوْا بَيْنَ الْقَارِنِ وَغَيْرِهِ فِي كَفَّارَاتِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: " كُل شَيْءٍ فَعَلَهُ الْقَارِنُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - مِمَّا ذَكَرْنَا - أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ عَلَى الْمُفْرِدِ بِجِنَايَتِهِ دَمٌ فَعَلَى الْقَارِنِ فِيهِ دَمَانِ، لِجِنَايَتِهِ عَلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ لِحَجَّتِهِ وَدَمٌ لِعُمْرَتِهِ، وَكَذَا الصَّدَقَةُ ".
وَالتَّفْصِيل فِي (إِحْرَام ف ١٤٧ - ١٦٩) .
وَهَذَا إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي لاَ اخْتِصَاصَ لَهَا بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ كَلُبْسِ الْمَخِيطِ وَالتَّطَيُّبِ وَالْحَلْقِ وَالتَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ وَأَشْبَاهِهَا يَلْزَمُ الْقَارِنَ فِيهَا جَزَاءَانِ.
_________
(١) متن العشماوية وحاشية الصفتي ص ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٢) المجموع ٧ / ١٧٥.
أَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ، فَلاَ يَجِبُ إِلاَّ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، كَتَرْكِ الرَّمْيِ، وَتَرْكِ طَوَافِ الْوَدَاعِ (١) .
وَمِثْل الْقَارِنِ فِي ذَلِكَ كُل مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الإِْحْرَامَيْنِ، كَالْمُتَمَتِّعِ الَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ، أَوِ الَّذِي لَمْ يَسُقْهُ لَكِنْ لَمْ يَحِل مِنَ الْعُمْرَةِ حَتَّى أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَكَذَا كُل مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجَّتَيْنِ أَوِ الْعُمْرَتَيْنِ (٢)، كَمَنْ أَحْرَمَ بِهِمَا مَعًا، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى انْعِقَادِ الإِْحْرَامِ بِهِمَا وَعَلَيْهِ قَضَاءُ أَحَدِهِمَا وَلاَ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِهِمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ (ر: إِحْرَام ف ٢٢ - ٢٩) .
أَمَّا جِمَاعُ الْقَارِنِ، فَفِيهِ تَفْصِيلٌ سَبَقَ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَام ف ١٧٨) .
_________
(١) انظر شرح اللباب ص ٢٦٩ - ٢٧١.
(٢) شرح اللباب ص ٢٧١.
قُرْبٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْقُرْبُ فِي اللُّغَةِ: ضِدُّ الْبُعْدِ، يُقَال:
قَرُبْتُ مِنْهُ أَقْرَبُ قُرْبًا وَقُرْبَانًا أَيْ دَنَوْتُ مِنْهُ وَبَاشَرْتُهُ، وَيَتَعَدَّى بِالتَّضْعِيفِ فَيُقَال: قَرَّبْتُهُ.
وَيُسْتَعْمَل ذَلِكَ فِي الْمَكَانِ وَفِي الزَّمَانِ وَفِي النِّسْبَةِ وَفِي الْحَظْوَةِ وَفِي الرِّعَايَةِ وَالْقُدْرَةِ، وَقِيل: الْقُرْبُ فِي الْمَكَانِ، وَالْقُرْبَةُ فِي الْمَنْزِلَةِ، وَالْقَرَابَةُ فِي الرَّحِمِ.
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْبُعْدُ:
٢ - الْبُعْدُ ضِدُّ الْقُرْبِ، يُقَال: بَعُدَ الشَّيْءُ بُعْدًا فَهُوَ بَعِيدٌ، وَالْجَمْعُ بُعَدَاءُ، وَيَتَعَدَّى بِالْبَاءِ وَبِالْهَمْزَةِ فَيُقَال: بَعَّدْتُ بِهِ جَعَلْتُهُ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن مادة: (قرب) .
بَعِيدًا، وَأَبْعَدْتُهُ: نَحَّيْتُهُ بَعِيدًا (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنِيِّ اللُّغَوِيِّ.
وَعَلاَقَةُ الْبُعْدِ بِالْقُرْبِ الضِّدْيَةُ.
قَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: الْبُعْدُ ضِدُّ الْقُرْبِ، وَلَيْسَ لَهُمَا حَدٌّ مَحْدُودٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِحَسَبِ اعْتِبَارِ الْمَكَانِ بِغَيْرِهِ، يُقَال ذَلِكَ فِي الْمَحْسُوسِ وَهُوَ الأَْكْثَرُ، وَفِي الْمَعْقُول (٢) .
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرْبِ مِنْ أَحْكَامٍ:
أ - فِي الإِْرْثِ
٣ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْقْرَبَ مِنَ الْعَصَبَةِ الْوَارِثِينَ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ فِي الإِْرْثِ، فَلاَ يَرِثُ ابْنُ ابْنٍ مَعَ ابْنٍ صُلْبٍ أَوْ مَعَ ابْنِ ابْنٍ أَقْرَبَ مِنْهُ، وَذَلِكَ اسْتِنَادًا إِلَى حَدِيثِ: أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَِوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ (٣) وَأَوْلَى الْوَارِدَةُ فِي الْحَدِيثِ مَعْنَاهُ أَقْرَبُ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ (٤) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِرْث ف ٤٥، ٥٤) .
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير.
(٢) المفردات للراغب الأصفهاني.
(٣) حديث: " ألحقوا الفرائض بأهلها. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ١١) ومسلم (٣ / ١٢٣٣) من حديث ابن عباس.
(٤) حاشية ابن عابدين ٥ / ٤٩٢، والقوانين الفقهية ص ٣٨٥، ومغني المحتاج ٣ / ١١، والمغني لابن قدامة ٦ / ١٦٦.