الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣
الْمُسْلِمِ عَشَرَةٌ:
أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيَعُودَهُ إِذَا مَرِضَ، وَيُجِيبَهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيُشَمِّتَهُ إِذَا عَطَسَ، وَيَشْهَدَ جِنَازَتَهُ إِذَا مَاتَ، وَيُبِرَّ قَسَمَهُ إِذَا أَقْسَمَ، وَيَنْصَحَ لَهُ إِذَا اسْتَنْصَحَهُ، وَيُحِبَّ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكُفَّ عَنْهُ شَرَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَيَبْذُل لَهُ مِنْ خَيْرِهِ مَا اسْتَطَاعَ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ فَكَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ.
فَإِنْ كَانَ مِنَ الْقَرَابَةِ فَيَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ حَقُّ صِلَةِ الرَّحِمِ بِالإِْحْسَانِ وَالزِّيَارَةِ وَحُسْنِ الْكَلاَمِ وَاحْتِمَال الْجَفَاءِ (١) .
وَأَمَّا إِنْ كَانَ أَحَدَ الْوَالِدَيْنِ فَيَزِيدُ عَلَى هَذَا مَا أَشَارَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّل مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (٢)، وَيُخَصِّصُ هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ . (٣)
_________
(١) القوانين الفقهية ٢٩١.
(٢) سورة الإسراء / ٢٣ - ٢٤.
(٣) سورة لقمان / ١٥.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ رَاغِبَةً وَهِيَ مُشْرِكَةٌ - فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ آصِلُهَا؟ قَال: نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ. (١)
وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ صِلَةَ ذَوِي الأَْرْحَامِ وَاجِبَةٌ وَأَنَّ قَطِيعَتَهَا مُحَرَّمَةٌ (٢) .
وَيَقُول ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَْرْحَامَ﴾ (٣)، اتَّقُوا اللَّهَ بِطَاعَتِكُمْ إِيَّاهُ، وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تُعَاقِدُونَ وَتُعَاهِدُونَ بِهِ، وَاتَّقُوا الأَْرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا وَلَكِنْ بِرُّوهَا وَصِلُوهَا (٤) .
_________
(١) حديث: أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: " إن أمي قدمت علي راغبة " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤١٣) .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٣٠٧.
(٣) سورة النساء / ١.
(٤) تفسير ابن كثير ١ / ٦٧٥.
قَرَارٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - فِي اللُّغَةِ: قَرَّ الشَّيْءُ قَرًّا: اسْتَقَرَّ بِالْمَكَانِ، وَالاِسْمُ الْقَرَارُ.
وَقَرَّ فِي الْمَكَانِ يَقِرُّ قَرَارًا: إِذَا ثَبَتَ ثُبُوتًا جَامِدًا، وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ جَعَل الأَْرْضَ قَرَارًا﴾ (١) أَيْ مُسْتَقَرًّا.
وَالْقَرَارُ وَالْقَرَارَةُ مِنَ الأَْرْضِ: الْمُطْمَئِنُّ الْمُسْتَقِرُّ.
وَالْقَرَارُ وَالْقَرَارَةُ: مَا قَرَّ فِيهِ الْمَاءُ (٢) .
وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ الْقَرَارِ بِعِدَّةِ مَعَانٍ هِيَ:
أ - بِمَعْنَى الأَْرْضِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُسَايِرُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ.
جَاءَ فِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: إِذَا حَصَل فِي هَوَاءِ الإِْنْسَانِ غُصْنُ شَجَرِ غَيْرِهِ لَزِمَهُ إِزَالَتُهُ لِيُخَلِّيَ مِلْكَهُ الْوَاجِبَ إِخْلاَؤُهُ، وَالْهَوَاءُ تَابِعٌ
_________
(١) سورة النمل / ٦١.
(٢) لسان العرب والمصباح المنير والمفردات في غريب القرآن للأصفهاني.
لِلْقَرَارِ (١) .
ب - بِمَعْنَى الثُّبُوتِ وَعَدَمِ الاِنْفِصَال، وَيُطْلِقُونَ عَلَى الاِتِّصَال بِالأَْشْيَاءِ بِهَذَا الْمَعْنَى اتِّصَال قَرَارٍ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْمُتَّصِل اتِّصَال قَرَارٍ: مَا وُضِعَ لاَ لِيُفْصَل كَالْبِنَاءِ (٢)، وَهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا يُسَايِرُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ.
ج - يَسْتَعْمِلُونَهُ مُضَافًا إِلَى لَفْظِ (حَقٍّ) فَيَقُولُونَ: حَقُّ الْقَرَارِ، وَيَقْصِدُونَ بِهِ ثُبُوتَ حَقِّ الاِنْتِفَاعِ بِالْعَقَارِ الْمُسْتَأْجَرِ وَالْبَقَاءِ فِيهِ دُونَ أَنْ يُطَالِبَهُ أَحَدٌ بِإِخْلاَئِهِ، فَهُوَ حَقُّ التَّمَسُّكِ بِالْعَقَارِ (٣)، لأَِسْبَابٍ سَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي الْبَحْثِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْكِرْدَارُ:
٢ - الْكِرْدَارُ - بِكَسْرِ الْكَافِ - مِثْل الْبِنَاءِ وَالأَْشْجَارِ وَالْكَبْسِ إِذَا كَبَسَهُ مِنْ تُرَابٍ نَقَلَهُ مِنْ مَكَانٍ كَانَ يَمْلِكُهُ (٤) .
وَفِي ابْنِ عَابِدِينَ: الْكِرْدَارُ هُوَ أَنْ يُحْدِثَ الْمُزَارِعُ أَوِ الْمُسْتَأْجِرُ فِي الأَْرْضِ بِنَاءً أَوْ غَرْسًا أَوْ كَبْسًا بِالتُّرَابِ بِإِذْنِ الْوَاقِفِ أَوِ النَّاظِرِ.
وَعَلاَقَةُ الْكِرْدَارِ بِالْقَرَارِ: أَنَّ الْكِرْدَارَ أَحَدُ
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٨.
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٧.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٦.
(٤) المغرب والقاموس المحيط.
الأُْمُورِ الَّتِي تُثْبِتُ حَقَّ الْقَرَارِ (١) .
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَرَارِ مِنْ أَحْكَامٍ:
أَوَّلًا: الْقَرَارُ بِمَعْنَى الأَْرْضِ:
حُكْمُ الاِرْتِفَاقِ بِمَا يَتْبَعُ الْقَرَارَ:
لِلاِرْتِفَاقِ بِمَا يَتْبَعُ الْقَرَارَ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا:
٣ - مَنْ أَخْرَجَ جَنَاحًا إِلَى الطَّرِيقِ، فَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ نَافِذًا وَالْجَنَاحُ لاَ يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ جَازَ؛ لأَِنَّهُ ارْتِفَاقٌ بِمَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ مِلْكُ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ فَجَازَ كَالْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ؛ وَلأَِنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ فَلَمَّا مَلَكَ الاِرْتِفَاقَ بِالطُّرُقِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ، مَلَكَ الاِرْتِفَاقَ بِالْهَوَاءِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِإِذْنِ الإِْمَامِ، وَهَذَا عَلَى مَا جَاءَ فِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ، لَكِنَّ ابْنَ قُدَامَةَ ذَكَرَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُشْرِعَ أَحَدٌ إِلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ جَنَاحًا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ فِي الْعَادَةِ بِالْمَارَّةِ أَوْ لاَ يَضُرُّ، ثُمَّ قَال: وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ جَازَ بِإِذْنِ الإِْمَامِ (٢) .
وَإِنْ صَالَحَهُ الإِْمَامُ عَنِ الْجَنَاحِ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ، لأَِنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ فَلاَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٦.
(٢) البدائع ٦ / ٤٩ - ٥٠، وجواهر الإكليل ٢ / ١٢٣، والفروق للقرافي ٤ / ١٦، والمهذب ١ / ١٤١، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٩، والمغني ٤ / ٥٥١.
يُفْرَدُ بِالْعَقْدِ؛ وَلأَِنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ عِوَضٌ عَلَى حَقِّهِ كَالاِجْتِيَازِ فِي الطَّرِيقِ.
هَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَلاَ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّرِيقِ الْعَامِّ (١) .
وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ غَيْرَ نَافِذٍ فَلاَ يَجُوزُ إِشْرَاعُ جَنَاحٍ فِيهِ إِلاَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَإِنْ صَالَحَ أَهْل الدَّرْبِ عَلَى عِوَضٍ مَعْلُومٍ جَازَ؛ لأَِنَّهُ مِلْكٌ لَهُمْ فَجَازَ أَخْذُ عِوَضِهِ كَالْقَرَارِ.
وَقَال الْجَصَّاصُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَجُوزُ الاِعْتِيَاضُ عَنْ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ بَيْعٌ لِلْهَوَاءِ دُونَ الْقَرَارِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الطَّرِيقُ الَّذِي لاَ يَنْفُذُ لاَ يَجُوزُ لِغَيْرِ أَهْل السِّكَّةِ إِشْرَاعُ الْجَنَاحِ فِيهِ بِلاَ خِلاَفٍ، وَلاَ لَهُمْ عَلَى الأَْصَحِّ الَّذِي قَالَهُ الأَْكْثَرُونَ إِلاَّ بِرِضَاهُمْ سَوَاءٌ تَضَرَّرُوا أَمْ لاَ.
وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْل الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَمَنْ تَابَعَهُ: يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْبَاقِينَ، فَإِنْ أَضَرَّ وَرَضِيَ أَهْل السِّكَّةِ جَازَ، وَلَوْ صَالَحُوهُ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَصِحَّ بِلاَ خِلاَفٍ لأَِنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ، فَلاَ
_________
(١) المراجع السابقة، ومغني المحتاج ٢ / ١٨٣.
(٢) البدائع ٦ / ٤٩ - ٥٠، والمغني ٤ / ٥٥٣، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٧٠، والفروق ٤ / ١٦.
يُفْرَدُ بِالْمَال صُلْحًا كَمَا لاَ يُفْرَدُ بِهِ بَيْعًا (١) .
٤ - مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْهَوَاءِ الَّذِي فَوْقَ الْقَرَارِ كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ؛ لأَِنَّ مَنْ مَلَكَ الْقَرَارَ مَلَكَ الْهَوَاءَ الَّذِي فَوْقَهُ.
جَاءَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: جَازَ بَيْعُ هَوَاءٍ فَوْقَ هَوَاءٍ. وَأَوْلَى فَوْقَ بِنَاءٍ، كَأَنْ يَقُول الْمُشْتَرِي لِصَاحِبِ أَرْضٍ: بِعْنِي عَشْرَةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْهَوَاءِ فَوْقَ مَا تَبْنِيهِ بِأَرْضِكَ إِنْ وَصَفَ الْبِنَاءَ الأَْعْلَى وَالأَْسْفَل لِلأَْمْنِ مِنَ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ.
وَجَاءَ فِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: يَصِحُّ شِرَاءُ عُلُوِّ بَيْتٍ وَلَوْ لَمْ يَبْنِ الْبَيْتَ إِذَا وَصَفَ الْبَيْتَ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الْعُلُوَّ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ فَجَازَ لَهُ بَيْعُهُ كَالْقَرَارِ.
وَمَنَعَ ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ؛ لأَِنَّ الْهَوَاءَ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَهُمْ (٢) .
٥ - وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ صَالَحَ غَيْرَهُ عَلَى أَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ مِنْ نَهْرِهِ مُدَّةً وَلَوْ مُعَيَّنَةً لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ الْمَاءَ، لأَِنَّ الْمَاءَ لاَ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الأَْرْضِ.
وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى سَهْمٍ مِنَ النَّهْرِ كَثُلُثٍ وَنَحْوِهِ مِنْ رُبْعٍ أَوْ خُمُسٍ جَازَ الصُّلْحُ، وَكَانَ ذَلِكَ بَيْعًا لِلْقَرَارِ أَيْ لِلْجُزْءِ الْمُسَمَّى مِنَ الْقَرَارِ
_________
(١) روضة الطالبين ٤ / ٢٠٦ و٢٠٧، والمهذب ١ / ٣٤١.
(٢) البدائع ٥ / ١٤٥، والفروق ٤ / ١٦، والشرح الصغير ٢ / ٩، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٦٧.
وَهُوَ الثُّلُثُ أَوِ الرُّبُعُ أَوِ الْخُمُسُ، وَالْمَاءُ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِيهِ.
وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْعَ الْمَاءِ الْمَمْلُوكِ دُونَ الْقَرَارِ (١) .
ثَانِيًا: الْقَرَارُ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ وَعَدَمِ الاِنْفِصَال:
بَيْعُ مَا يَتَّصِل بِغَيْرِهِ اتِّصَال قَرَارٍ:
٦ - التَّوَابِعُ الْمُسْتَقِرَّةُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْمَبِيعِ اتِّصَال قَرَارٍ تَدْخُل فِي الْبَيْعِ (وَاتِّصَال الْقَرَارِ: وَضْعُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ لاَ يُفْصَل مِنْ مَحَلِّهِ) فَيَدْخُل الشَّجَرُ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ، فَإِذَا بِيعَتِ الأَْرْضُ فَالشَّجَرُ الْمَغْرُوسُ فِيهَا يَدْخُل فِي الْبَيْعِ؛ لأَِنَّ الأَْشْجَارَ مُتَّصِلَةٌ بِالأَْرْضِ اتِّصَال الْقَرَارِ، أَمَّا الأَْشْجَارُ الْيَابِسَةُ فَلاَ تَدْخُل فِي الْبَيْعِ؛ لأَِنَّ تِلْكَ الأَْشْجَارَ عَلَى شَرَفِ الْقَلْعِ، فَهِيَ فِي حُكْمِ الْحَطَبِ فَلَيْسَ اتِّصَالُهَا بِالأَْرْضِ اتِّصَال قَرَارٍ.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي قَرَارِ الأَْشْيَاءِ مَثَلًا، كَأَنْ يَدَّعِيَ الْمُشْتَرِي أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ قَدْ وُضِعَ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْبَيْعِ، وَيَدَّعِيَ الْبَائِعُ أَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ
_________
(١) فتح القدير ٥ / ٢٠٥، والبدائع ٦ / ١٢٨٩، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٠٤، ومغني المحتاج ٢ / ١٩١، وحواشي الشرواني وابن قاسم على تحفة المحتاج ٥ / ٢٢١، وكشاف القناع ٣ / ٤٠٣.
عَلَى أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا فَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْمَبِيعِ، فَيَجْرِي فِيهِ التَّحَالُفُ (١) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (شَجَر ف ٤) (وَبَيْع ف ٣٩) .
ثَالِثًا - حَقُّ الْقَرَارِ وَمَا يَثْبُتُ بِهِ:
٧ - مَا يَثْبُتُ لِلإِْنْسَانِ مِنْ حَقِّ دَوَامِ الاِنْتِفَاعِ بِالْعَقَارِ الْمُسْتَأْجَرِ مِنَ الْوَقْفِ دُونَ أَنْ يُطَالِبَهُ أَحَدٌ بِإِخْلاَئِهِ يُسَمَّى حَقَّ الْقَرَارِ.
وَهُوَ حَقٌّ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ بِمَا يَأْتِي:
أ - بِمَا يُحْدِثُهُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غَرْسٍ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ، فَقَدْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَغَيْرِهِ: بَنَى الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ غَرَسَ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ صَارَ لَهُ فِيهَا حَقُّ الْقَرَارِ، فَلَهُ الاِسْتِبْقَاءُ بِأَجْرِ الْمِثْل، وَفِي الْخَيْرِيَّةِ: وَقَدْ صَرَّحَ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ لِصَاحِبِ الْكِرْدَارِ حَقَّ الْقَرَارِ، وَهُوَ أَنْ يُحْدِثَ الْمُزَارِعُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فِي الأَْرْضِ بِنَاءً أَوْ غَرْسًا أَوْ كَبْسًا بِالتُّرَابِ بِإِذْنِ الْوَاقِفِ أَوِ النَّاظِرِ فَتَبْقَى فِي يَدِهِ (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (وَقْف) .
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْبَحْرِ أَنَّ
_________
(١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام ١ / ١٨٠ - ١٨١ مادة ٢٣٢، وانظر ابن عابدين ٤ / ٣٥، والدسوقي ٣ / ١٧١، ونهاية المحتاج ٤ / ١١٦ و١١٧، والمغني ٤ / ٨٦ و٨٧.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٦.
لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَسْتَبْقِيَهَا بِأَجْرِ الْمِثْل إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ، وَلَوْ أَبَى الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ إِلاَّ الْقَلْعَ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ (١) .
ب - أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ مُعَطَّلَةً فَيَسْتَأْجِرَهَا مِنَ الْمُتَوَلِّي عَلَيْهَا لِيُصْلِحَهَا لِلزِّرَاعَةِ وَيَحْرُثَهَا وَيَكْبِسَهَا، فَلاَ تُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ مَا دَامَ يَدْفَعُ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْقِسْمِ الْمُتَعَارَفِ كَالْعُشْرِ وَنَحْوِهِ، وَإِذَا مَاتَ عَنِ ابْنٍ تُوَجَّهُ لاِبْنِهِ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ فِيهَا (٢) .
ج - مَنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِأَرْضِ الْوَقْفِ ثَلاَثَ سِنِينَ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ فِيهَا حَقُّ الْقَرَارِ، كَمَا يَثْبُتُ حَقُّ الْقَرَارِ لِمَنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِالأَْرْضِ الأَْمِيرِيَّةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَقِيل: ثَلاَثِينَ سَنَةً (٣) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (وَقْف) .
د - الْخُلُوُّ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَال الَّذِي يَدْفَعُهُ الْمُسْتَأْجِرُ لِلْمُتَوَلِّي أَوِ الْمَالِكِ، فَلاَ يَمْلِكُ صَاحِبُ الْحَانُوتِ إِخْرَاجَهُ وَلاَ إِجَارَتَهُ لِغَيْرِهِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَمِمَّنْ أَفْتَى بِلُزُومِ الْخُلُوِّ الَّذِي يَكُونُ مُقَابِل مَالٍ يَدْفَعُهُ لِلْمَالِكِ أَوِ الْمُتَوَلِّي عَلَى الْوَقْفِ الْعَلاَّمَةُ الْمُحَقِّقُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعِمَادِيُّ قَال: فَلاَ يَمْلِكُ صَاحِبُ الْحَانُوتِ
_________
(١) مجموعة رسائل ابن عابدين ٢ / ١٤٧.
(٢) مجموعة رسائل ابن عابدين ٢ / ١٥٠ - ١٥١.
(٣) العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ٢١٨، ومجموعة رسائل ابن عابدين ٢ / ١٥٣.