الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣ الصفحة 12

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣

أَيْ مَنْ حَضَرَهُ مُقَدِّمَاتُ الْمَوْتِ (١) .

كَمَا ذَهَبُوا إِلَى اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْقَبْرِ (٢)، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: مَنْ دَخَل الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ يس خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ دُفِنَ فِيهَا حَسَنَاتٌ (٣)، وَلِمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَوْصَى إِذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ وَعَلَى الْقَبْرِ (٤) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (احْتِضَار ف ٩) وَمُصْطَلَحِ (قَبْر) .

قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لِلْمَيِّتِ وَإِهْدَاءُ ثَوَابِهَا لَهُ:

١٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْمَيِّتِ وَإِهْدَاءِ ثَوَابِهَا لَهُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنِ الْبَدَائِعِ: وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَجْعُول لَهُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ عِنْدَ الْفِعْل لِلْغَيْرِ أَوْ يَفْعَلَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَجْعَل ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ.

وَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: الْمَيِّتُ يَصِل إِلَيْهِ كُل

_________

(١) الفتاوى الهندية ١ / ١٥٧، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٢٧، ٤٢٨، والمغني ٢ / ٤٥٠.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٥، ٦٠٧، والقليوبي وعميرة ١ / ٣٥١، وكشاف القناع ٢ / ١٤٧.

(٣) حديث: " من دخل المقابر فقرأ سورة يس. . . " أورده الزبيدي في إتحاف السادة (١٠ / ١٧٣) وعزاه إلى عبد العزيز صاحب الخلال.

(٤) حاشية الدسوقي ١ / ٤٢٣، والشرح الصغير ١ / ٢٢٨.

شَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ، لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهِ؛ وَلأَِنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ فِي كُل مِصْرٍ وَيَقْرَءُونَ يُهْدُونَ لِمَوْتَاهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إِجْمَاعًا، قَالَهُ الْبُهُوتِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (١) .

وَذَهَبَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى كَرَاهَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْمَيِّتِ وَعَدَمِ وُصُول ثَوَابِهَا إِلَيْهِ، لَكِنِ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَجَعْل الثَّوَابِ لِلْمَيِّتِ وَيَحْصُل لَهُ الأَْجْرُ.

قَال الدُّسُوقِيُّ: فِي آخِرِ نَوَازِل ابْنِ رُشْدٍ فِي السُّؤَال عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (٢)، قَال: وَإِنْ قَرَأَ الرَّجُل وَأَهْدَى ثَوَابَ قِرَاءَتِهِ لِلْمَيِّتِ جَازَ ذَلِكَ وَحَصَل لِلْمَيِّتِ أَجْرُهُ.

وَقَال ابْنُ هِلاَلٍ: الَّذِي أَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ وَذَهَبَ إِلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا الأَْنْدَلُسِيِّينَ أَنَّ الْمَيِّتَ يَنْتَفِعُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَيَصِل إِلَيْهِ نَفْعُهُ وَيَحْصُل لَهُ أَجْرُهُ إِذَا وَهَبَ الْقَارِئُ ثَوَابَهُ لَهُ، وَبِهِ جَرَى عَمَل الْمُسْلِمِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَوَقَّفُوا عَلَى ذَلِكَ أَوْقَافًا، وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الأَْمْرُ مُنْذُ أَزْمِنَةٍ سَالِفَةٍ (٣) .

وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ

_________

(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ١ / ٦٠٥، وكشاف القناع ٢ / ١٤٧، الإنصاف ٢ / ٥٥٨ - ٥٦٠.

(٢) سورة النجم / ٣٩.

(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٢٣.

لاَ يَصِل ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ إِلَى الْمَيِّتِ.

وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى وُصُول ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ.

قَال سُلَيْمَانُ الْجَمَل: ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ - لِلْقَارِئِ، وَيَحْصُل مِثْلُهُ أَيْضًا لِلْمَيِّتِ لَكِنْ إِنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ، أَوْ بِنِيَّتِهِ، أَوْ يَجْعَل ثَوَابَهَا لَهُ بَعْدَ فَرَاغِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي ذَلِكَ.

وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ سَقَطَ ثَوَابُ الْقَارِئِ لِمُسْقِطٍ كَأَنْ غَلَبَ الْبَاعِثُ الدُّنْيَوِيُّ كَقِرَاءَتِهِ بِأُجْرَةٍ فَإِنَّهُ لاَ يَسْقُطُ مِثْلُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَيِّتِ.

وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوِ اسْتُؤْجِرَ لِلْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ وَلَمْ يَنْوِهِ وَلاَ دَعَا لَهُ بَعْدَهَا وَلاَ قَرَأَ لَهُ عِنْدَ قَبْرِهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ وَاجِبِ الإِْجَارَةِ (١) .

قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لِلاِسْتِشْفَاءِ:

١٩ - صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِجَوَازِ الاِسْتِشْفَاءِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْمَرِيضِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَعَلَى الْجَوَازِ عَمَل النَّاسِ الْيَوْمَ وَبِهِ وَرَدَتِ الآْثَارُ، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ؛ لأَِنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي.

(٢)

_________

(١) نهاية المحتاج ٦ / ٩٣، وحاشية القليوبي وعميرة ٣ / ١٧٥ - ١٧٦، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٤ / ٦٧، ٦٨.

(٢) حديث عائشة: " كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات. . . " أخرجه مسلم (٤ / ١٧٢٣) .

قَال النَّوَوِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَ الْمَرِيضِ بِالْفَاتِحَةِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ. (١)

وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، وَ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ مَعَ النَّفْثِ فِي الْيَدَيْنِ، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ فِعْل رَسُول اللَّهِ ﷺ (٢) .

الاِجْتِمَاعُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ:

٢٠ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الاِجْتِمَاعَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مُسْتَحَبٌّ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ. (٣)

وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُدَ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ يَدْرُسُ الْقُرْآنَ مَعَ نَفَرٍ يَقْرَءُونَ جَمِيعًا.

_________

(١) حديث: " وما أدراك أنها رقية " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ١٩٨)، ومسلم (٤ / ١٧٢٧) .

(٢) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٥ / ٢٣٢، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ٤٥٣، والتبيان في آداب حملة القرآن للنووي ٢٢٥ ط. دار الدعوة ١٩٨٧ م، والآداب الشرعية لابن مفلح ٢ / ٣٦٣.

(٣) حديث: " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله. . . " أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٧٤) .

قَال الرَّحِيبَانِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: وَكَرِهَ أَصْحَابُنَا قِرَاءَةَ الإِْدَارَةِ، وَهِيَ أَنْ يَقْرَأَ قَارِئٌ ثُمَّ يَقْطَعَ، ثُمَّ يَقْرَأَ غَيْرُهُ بِمَا بَعْدَ قِرَاءَتِهِ، وَأَمَّا لَوْ أَعَادَ مَا قَرَأَهُ الأَْوَّل وَهَكَذَا فَلاَ يُكْرَهُ؛ لأَِنَّ جِبْرِيل كَانَ يُدَارِسُ النَّبِيَّ ﷺ الْقُرْآنَ بِرَمَضَانَ (١) .

حَكَى ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ قِرَاءَةَ الإِْدَارَةِ حَسَنَةٌ كَالْقِرَاءَةِ مُجْتَمِعِينَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ.

وَقَال النَّوَوِيُّ عَنْ قِرَاءَةِ الإِْدَارَةِ: هَذَا جَائِزٌ حَسَنٌ، قَدْ سُئِل مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَال: لاَ بَأْسَ بِهِ، وَصَوَّبَهُ الْبُنَانِيُّ وَالدُّسُوقِيُّ.

لَكِنْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِكَرَاهَةِ قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ مَعًا بِصَوْتٍ وَاحِدٍ لِتَضَمُّنِهَا تَرْكَ الاِسْتِمَاعِ وَالإِْنْصَاتِ وَلِلُزُومِ تَخْلِيطِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.

قَال صَاحِبُ غُنْيَةِ الْمُتَمَلِّي: يُكْرَهُ لِلْقَوْمِ أَنْ يَقْرَءُوا الْقُرْآنَ جُمْلَةً لِتَضَمُّنِهَا تَرْكَ الاِسْتِمَاعِ وَالإِْنْصَاتِ، وَقِيل: لاَ بَأْسَ بِهِ (٢) .

_________

(١) حديث مدارسة جبريل النبي ﷺ للقرآن أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٠) .

(٢) غنية المتملي شرح منية المصلي ٤٩٧. ط. دار سعادت ١٣٢٥ هـ، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٠٨، والتبيان في آداب حملة القرآن ١٢٨، ١٣٤، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٩٧ - ٥٩٨.

الأَْمَاكِنُ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ:

٢١ - يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِي مَكَانٍ نَظِيفٍ مُخْتَارٍ، وَلِهَذَا اسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِي الْمَسْجِدِ لِكَوْنِهِ جَامِعًا لِلنَّظَافَةِ وَشَرَفِ الْبُقْعَةِ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ.

وَصَرَّحَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِكَرَاهَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْمَوَاضِعِ الْقَذِرَةِ، وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ الآْيَاتِ الْيَسِيرَةَ لِلتَّعَوُّذِ وَنَحْوِهِ.

قَال الْحَنَفِيَّةُ: تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الْمَسْلَخِ وَالْمُغْتَسَل وَمَوَاضِعِ النَّجَاسَةِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِكَرَاهَتِهَا إِلاَّ الآْيَاتِ الْيَسِيرَةَ لِلتَّعَوُّذِ وَنَحْوِهِ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الْقِرَاءَةُ فِي الْحَمَّامِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ وَكَانَ الْحَمَّامُ طَاهِرًا تَجُوزُ جَهْرًا وَخُفْيَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنْ قَرَأَ فِي نَفْسِهِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ وَيُكْرَهُ الْجَهْرُ.

وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْقُبُورِ، وَأَجَازَهَا مُحَمَّدٌ وَبِقَوْلِهِ أَخَذَ مَشَايِخُ الْحَنَفِيَّةِ لِوُرُودِ الآْثَارِ بِهِ، مِنْهَا مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا اسْتَحَبَّ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوَّل سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتُهَا.

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ بِأَسْوَاقٍ

يُنَادَى فِيهَا بِبَيْعٍ، وَيَحْرُمُ رَفْعُ صَوْتِ الْقَارِئِ بِهَا، لِمَا فِيهِ مِنَ الاِمْتِهَانِ لِلْقُرْآنِ (١) .

الأَْحْوَال الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالَّتِي تُكْرَهُ:

٢٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ فِي الطَّرِيقِ إِذَا لَمْ يَلْتَهِ عَنْهَا صَاحِبُهَا، فَإِنِ الْتَهَى صَاحِبُهَا عَنْهَا كُرِهَتْ.

قَال فِي غُنْيَةِ الْمُتَمَلِّي: الْقِرَاءَةُ مَاشِيًا أَوْ وَهُوَ يَعْمَل عَمَلًا إِنْ كَانَ مُنْتَبِهًا لاَ يَشْغَل قَلْبَهُ الْمَشْيُ وَالْعَمَل جَائِزَةٌ وَإِلاَّ تُكْرَهْ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لِلْمَاشِي فِي الطَّرِيقِ وَالرَّاكِبِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.

وَخَصَّ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ لِلْمَاشِي مِنْ قَرْيَةٍ إِلَى قَرْيَةٍ أَوْ إِلَى حَائِطِهِ، وَكَرِهُوا الْقِرَاءَةَ لِلْمَاشِي إِلَى السُّوقِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَاشِيَ لِلسُّوقِ فِي قِرَاءَتِهِ ضَرْبٌ مِنَ الإِْهَانَةِ لِلْقُرْآنِ بِقِرَاءَتِهِ فِي الطُّرُقَاتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَاشِي مِنْ قَرْيَةٍ إِلَى قَرْيَةٍ؛ لأَِنَّ قِرَاءَتَهُ مُعِينَةٌ لَهُ عَلَى طَرِيقِهِ.

وَأَجَازَ الْفُقَهَاءُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ لِلْمُضْطَجِعِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ:

_________

(١) غنية المتملي في شرح منية المصلي ٤٩٦ ط. دار سعادت ١٣٢٥ هـ، حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٤٤٧، التبيان في آداب حملة القرآن ص ١٠٠ - ١٠١، مطالب أولي النهى ١ / ٥٩٦.

كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَفِي رِوَايَةٍ: يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِي.

(١) قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَيَضُمُّ رِجْلَيْهِ لِمُرَاعَاةِ التَّعْظِيمِ بِحَسَبِ الإِْمْكَانِ (٢) .

وَقَالُوا: يَجِبُ عَلَى الْقَارِئِ احْتِرَامُ الْقُرْآنِ بِأَنْ لاَ يَقْرَأَهُ فِي الأَْسْوَاقِ وَمَوَاضِعِ الاِشْتِغَال، فَإِذَا قَرَأَهُ فِيهِمَا كَانَ هُوَ الْمُضَيِّعُ لِحُرْمَتِهِ فَيَكُونُ الإِْثْمُ عَلَيْهِ دُونَ أَهْل الاِشْتِغَال دَفْعًا لِلْحَرَجِ فِي إِلْزَامِهِمْ تَرْكَ أَسْبَابِهِمُ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا، فَلَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَبِجَنْبِهِ رَجُلٌ يَكْتُبُ الْفِقْهَ وَلاَ يُمْكِنُ الْكَاتِبَ الاِسْتِمَاعُ فَالإِْثْمُ عَلَى الْقَارِئِ لِقِرَاءَتِهِ جَهْرًا فِي مَوْضِعِ اشْتِغَال النَّاسِ بِأَعْمَالِهِمْ وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْكَاتِبِ، وَلَوْ قَرَأَ عَلَى السَّطْحِ فِي اللَّيْل جَهْرًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ يَأْثَمُ (٣) .

وَمِثْل ذَلِكَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَابِلَةُ مِنْ كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ بِأَسْوَاقٍ يُنَادَى فِيهَا بِبَيْعٍ، وَمُحَرَّمٌ عَلَى الْقَارِئِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا (٤) .

وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِكَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ لِلنَّاعِسِ،

_________

(١) حديث عائشة: " كان رسول الله ﷺ يتكئ في حجري وأنا حائض. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٤٠١)، والرواية الأخرى لمسلم (١ / ٢٤٦) .

(٢) غنية المتملي ٤٩٦، والعدوي على شرح الرسالة ٢ / ٤٤٨، والتبيان في آداب حملة القرآن ١٠٢ - ١٠٤، مطالب أولي النهى ١ / ٥٩٦.

(٣) غنية المتملي ٤٩٦ - ٤٩٧.

(٤) مطالب أولي النهى ١ / ٥٩٦.

قَال: كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ الْقِرَاءَةَ لِلنَّاعِسِ مَخَافَةً مِنَ الْغَلَطِ (١) .

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ حَال خُرُوجِ الرِّيحِ، فَإِذَا غَلَبَهُ الرِّيحُ أَمْسَكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يُخْرِجَهُ ثُمَّ يَشْرَعَ بِهَا.

قَال النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُمْسِكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَتَكَامَل خُرُوجُهُ ثُمَّ يَعُودَ إِلَى الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ أَدَبٌ حَسَنٌ، وَإِذَا تَثَاءَبَ أَمْسَكَ عَنِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَنْقَضِيَ التَّثَاؤُبُ ثُمَّ يَقْرَأَ (٢) .

آدَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ:

٢٣ - يُسْتَحَبُّ لِلْقَارِئِ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَكْمَل أَحْوَالِهِ مِنْ طَهَارَةِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ مُسْتَقْبِلًا لِلْقِبْلَةِ، وَيَجْلِسَ مُتَخَشِّعًا بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ (٣) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تِلاَوَة ف ٦) .

الاِسْتِئْجَارُ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ:

٢٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الاِسْتِئْجَارِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَأَخْذِ الأُْجْرَةِ عَلَيْهَا.

_________

(١) التبيان في آداب حملة القرآن ص ١٠٢، وحديث: " أن النبي ﷺ كره القراءة للناعس "، ورد من حديث أبي هريرة ونصه: " إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع ". أخرجه مسلم (١ / ٥٤٣) .

(٢) مطالب أولي النهى ١ / ٥٩٦، والتبيان في آداب حملة القرآن.

(٣) مطالب أولي النهى ١ / ٥٩٦، التبيان في آداب حملة القرآن ١٠٢.

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الاِسْتِئْجَارِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.

قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَإِذَا قَرَأَ جُنُبًا وَلَوْ نَاسِيًا لاَ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الاِسْتِئْجَارُ عَلَى الْقِرَاءَةِ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالاِسْتِئْجَارُ عَلَى التِّلاَوَةِ وَإِنْ صَارَ مُتَعَارَفًا، فَالْعُرْفُ لاَ يُجِيزُهُ؛ لأَِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ، وَهُوَ مَا اسْتَدَل بِهِ أَئِمَّتُنَا مِنْ قَوْلِهِ ﵊: اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلاَ تَغْلُوا فِيهِ، وَلاَ تَجْفُوا عَنْهُ، وَلاَ تَأْكُلُوا بِهِ، وَلاَ تَسْتَكْبِرُوا بِهِ (١)، وَالْعُرْفُ إِذَا خَالَفَ النَّصَّ يُرَدُّ بِالاِتِّفَاقِ، وَالَّذِي أَفْتَى بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ جَوَازُ الاِسْتِئْجَارِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ لاَ عَلَى تِلاَوَتِهِ خِلاَفًا لِمَنْ وَهَمَ.

لَكِنْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْجَعَالَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ بِلاَ شَرْطٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ (٢) .

ثَانِيًا: قِرَاءَةُ غَيْرِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ:

قِرَاءَةُ كُتُبِ الْحَدِيثِ:

٢٥ - سُئِل ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ عَنِ الْجُلُوسِ

_________

(١) حديث: " اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه. . . " أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤٠ / ٧٣) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٤٤٢، جواهر الإكليل ٢ / ١٨٩، القليوبي وعميرة ٣ / ٧٣، كشاف القناع ٤ / ١٢، الإنصاف ٦ / ٤٦، ٤٧.