الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٣
إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَرْسِلْهُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ. ثُمَّ قَال: اقْرَأْ يَا عُمَرُ، فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِل عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ. (١)
قَال النَّوَوِيُّ: فَلَوْ جَازَتِ التَّرْجَمَةُ لأَنْكَرَ عَلَيْهِ ﷺ اعْتِرَاضَهُ فِي شَيْءٍ جَائِزٍ.
وَلأَِنَّ تَرْجَمَةَ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ قُرْآنًا؛ لأَِنَّ الْقُرْآنَ هُوَ هَذَا النَّظْمُ الْمُعْجِزُ، وَبِالتَّرْجَمَةِ يَزُول الإِْعْجَازُ فَلَمْ تَجُزْ، وَكَمَا أَنَّ الشِّعْرَ يُخْرِجُهُ تَرْجَمَتُهُ عَنْ كَوْنِهِ شِعْرًا فَكَذَا الْقُرْآنُ إِضَافَةً إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ مَبْنَاهَا عَلَى التَّعَبُّدِ وَالاِتِّبَاعِ وَالنَّهْيِ عَنِ الاِخْتِرَاعِ، وَطَرِيقُ الْقِيَاسِ مَفْسَدَةٌ فِيهَا (٢) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلاَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَبِأَيِّ لِسَانٍ آخَرَ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَْوَّلِينَ﴾ (٣)، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا بِهَذَا النَّظْمِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُْولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ
_________
(١) حديث عمر بن الخطاب: " سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٢٣) .
(٢) المجموع شرح المهذب للنووي ٣ / ٣٧٩ - ٣٨١، وكشاف القناع ١ / ٣٤٠.
(٣) سورة الشعراء / ١٩٦.
وَمُوسَى﴾ (١)، فَصُحُفُ إِبْرَاهِيمَ كَانَتْ بِالسُّرْيَانِيَّةِ، وَصُحُفُ مُوسَى بِالْعِبْرَانِيَّةِ فَدَل عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ قُرْآنًا؛ لأَِنَّ الْقُرْآنَ هُوَ النَّظْمُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا حَيْثُ وَقَعَ الإِْعْجَازُ بِهِمَا، إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَل النَّظْمَ رُكْنًا لاَزِمًا فِي حَقِّ جَوَازِ الصَّلاَةِ خَاصَّةً رُخْصَةً؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ بِحَالَةِ الإِْعْجَازِ، وَقَدْ جَاءَ التَّخْفِيفُ فِي حَقِّ التِّلاَوَةِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِل عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَكَذَا هُنَا.
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ إِذَا كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ؛ لأَِنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ لِمَنْظُومٍ عَرَبِيٍّ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٢)، وَقَال تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٣)، وَالْمُرَادُ نَظْمُهُ، وَلأَِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَهُوَ اسْمٌ لِلْمُنَزَّل بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ الْمَنْظُومِ هَذَا النَّظْمَ الْخَاصَّ الْمَكْتُوبِ فِي الْمَصَاحِفِ الْمَنْقُول إِلَيْنَا نَقْلًا مُتَوَاتِرًا، وَالأَْعْجَمِيُّ إِنَّمَا يُسَمَّى قُرْآنًا مَجَازًا وَلِذَا يَصِحُّ نَفْيُ اسْمِ الْقُرْآنِ عَنْهُ.
وَالْفَتْوَى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَوْل الصَّاحِبَيْنِ، وَيُرْوَى رُجُوعُ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى قَوْلِهِمَا.
_________
(١) سورة الأعلى / ١٩.
(٢) سورة الزخرف / ٣.
(٣) سورة يوسف / ٢.
قَال الشَّلَبِيُّ نَقْلًا عَنِ الْعَيْنِيِّ: صَحَّ رُجُوعُ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى قَوْلِهِمَا.
وَقَدِ اتَّفَقَ الثَّلاَثَةُ - أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ - عَلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَصِحَّةِ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْقِرَاءَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ (١) .
الْقِرَاءَةُ بِالْمُتَوَاتِرِ وَالشَّاذِّ مِنَ الْقِرَاءَاتِ:
١٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِالْمُتَوَاتِرِ مِنَ الْقِرَاءَاتِ فِي الصَّلاَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِرَاءَاتِ غَيْرِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (قِرَاءَات ف ٧) .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الأَْوْلَى أَنْ لاَ يَقْرَأَ بِالرِّوَايَاتِ الْغَرِيبَةِ وَالإِْمَالاَتِ عِنْدَ الْعَوَامِّ صِيَانَةً لِدِينِهِمْ؛ لأَِنَّ بَعْضَ السُّفَهَاءِ يَقُولُونَ مَا لاَ يَعْلَمُونَ فَيَقَعُونَ فِي الإِْثْمِ وَالشَّقَاءِ، وَلاَ يَنْبَغِي لِلأَْئِمَّةِ أَنْ يَحْمِلُوا الْعَوَامَّ عَلَى مَا فِيهِ نُقْصَانُ دِينِهِمْ فَلاَ يُقْرَأُ عِنْدَهُمْ مِثْل قِرَاءَةِ أَبِي جَعْفَرٍ وَابْنِ عَامِرٍ وَعَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ، إِذْ لَعَلَّهُمْ يَسْتَخِفُّونَ وَيَضْحَكُونَ وَإِنْ كَانَ كُل الْقِرَاءَاتِ وَالرِّوَايَاتِ صَحِيحَةً فَصِيحَةً.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَمَشَايِخُنَا اخْتَارُوا قِرَاءَةَ أَبِي عَمْرٍو حَفْصٍ عَنْ عَاصِمٍ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى صِحَّةِ الصَّلاَةِ بِقِرَاءَةِ
_________
(١) تبيين الحقائق ١ / ١٠٩ - ١١٠، وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٢٥.
مَا وَافَقَ الْمُصْحَفَ الْعُثْمَانِيَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَشَرَةِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مُصْحَفِ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ.
زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: وَصَحَّ سَنَدُهُ عَنْ صَحَابِيٍّ، قَال فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: وَلاَ بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ.
وَكَرِهَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْكَسْرِ وَالإِْدْغَامِ وَزِيَادَةِ الْمَدِّ، وَأَنْكَرَهَا بَعْضُ السَّلَفِ كَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ.
وَاخْتَارَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ قِرَاءَةَ نَافِعٍ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيل بْنِ جَعْفَرٍ، ثُمَّ قِرَاءَةَ عَاصِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَيَّاشٍ.
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي الْقِرَاءَةِ بِالشَّاذِّ مِنَ الْقِرَاءَاتِ فِي الصَّلاَةِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَفْسُدُ بِقِرَاءَةِ الشَّاذِّ، وَلَكِنْ لاَ تُجْزِئُهُ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَنِ الْقِرَاءَةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَمِنْ ثَمَّ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ إِذَا لَمْ يَقْرَأْ مَعَهُ بِالتَّوَاتُرِ، فَالْفَسَادُ لِتَرْكِهِ الْقِرَاءَةَ بِالْمُتَوَاتِرِ لاَ لِلْقِرَاءَةِ بِالشَّاذِّ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى حُرْمَةِ الْقِرَاءَةِ بِالشَّاذِّ مِنَ الْقِرَاءَاتِ، لَكِنْ لاَ تَبْطُل الصَّلاَةُ بِالشَّاذِّ إِلاَّ إِذَا خَالَفَ الْمُصْحَفَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلاَةِ بِالشَّاذِّ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ قُرْآنًا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِالتَّوَاتُرِ، وَتَبْطُل بِهِ الصَّلاَةُ إِنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى فِي الْفَاتِحَةِ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ حُرْمَةُ قِرَاءَةِ مَا خَرَجَ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ وَلَوْ وَافَقَ قِرَاءَةَ أَحَدٍ مِنَ الْعَشَرَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِهِ.
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ: يُكْرَهُ أَنْ يُقْرَأَ بِمَا يَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَصِحُّ صَلاَتُهُ إِذَا صَحَّ سَنَدُهُ، لأَِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ بِقِرَاءَاتِهِمْ فِي عَصْرِهِ ﷺ وَبَعْدَهُ، وَكَانَتْ صَلاَتُهُمْ صَحِيحَةً بِغَيْرِ شَكٍّ (١) .
الْقِرَاءَةُ مِنَ الْمُصْحَفِ فِي الصَّلاَةِ:
١٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ مِنَ الْمُصْحَفِ فِي الصَّلاَةِ، قَال أَحْمَدُ: لاَ بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ الْقِيَامَ وَهُوَ يَنْظُرُ فِي الْمُصْحَفِ، قِيل لَهُ: الْفَرِيضَةُ؟ قَال: لَمْ أَسْمَعْ فِيهَا شَيْئًا.
وَسُئِل الزُّهْرِيُّ عَنْ رَجُلٍ يَقْرَأُ فِي رَمَضَانَ فِي الْمُصْحَفِ، فَقَال: كَانَ خِيَارُنَا يَقْرَءُونَ فِي الْمَصَاحِفِ.
وَفِي شَرْحِ رَوْضِ الطَّالِبِ لِلشَّيْخِ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيِّ: قَرَأَ فِي مُصْحَفٍ وَلَوْ قَلَّبَ أَوْرَاقَهُ أَحْيَانًا لَمْ تَبْطُل - أَيِ الصَّلاَةُ - لأَِنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ
_________
(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ١ / ٣٢٦، ٣٦٣ - ٣٦٤، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٣٢٨، وحاشية العدوي على شرح الخرشي ٢ / ٢٥، والمجموع شرح المهذب ٣ / ٣٩٢، وشرح روض الطالب ١ / ٦٣، ١٥١، والبجيرمي على الخطيب ٢ / ٢٢، وكشاف القناع ١ / ٣٤٥.
أَوْ غَيْرُ مُتَوَالٍ لاَ يُشْعِرُ بِالإِْعْرَاضِ، وَالْقَلِيل مِنَ الْفِعْل الَّذِي يُبْطِل كَثِيرُهُ إِذَا تَعَمَّدَهُ بِلاَ حَاجَةٍ مَكْرُوهٌ (١) .
وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ الْقِرَاءَةَ مِنَ الْمُصْحَفِ فِي صَلاَةِ الْفَرْضِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ، وَفَرَّقُوا فِي صَلاَةِ النَّفْل بَيْنَ الْقِرَاءَةِ مِنَ الْمُصْحَفِ فِي أَثْنَائِهَا وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ فِي أَوَّلِهَا، فَكَرِهُوا الْقِرَاءَةَ مِنَ الْمُصْحَفِ فِي أَثْنَائِهَا لِكَثْرَةِ اشْتِغَالِهِ بِهِ، وَجَوَّزُوا الْقِرَاءَةَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فِي أَوَّلِهَا؛ لأَِنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لاَ يُغْتَفَرُ فِي الْفَرْضِ (٢) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى فَسَادِ الصَّلاَةِ بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الْمُصْحَفِ مُطْلَقًا، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا إِمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا أُمِّيًّا لاَ يُمْكِنُهُ الْقِرَاءَةُ إِلاَّ مِنْهُ أَوْ لاَ، وَذَكَرُوا لأَِبِي حَنِيفَةَ فِي عِلَّةِ الْفَسَادِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ حَمْل الْمُصْحَفِ وَالنَّظَرَ فِيهِ وَتَقْلِيبَ الأَْوْرَاقِ عَمَلٌ كَثِيرٌ، وَالثَّانِي أَنَّهُ تَلَقَّنَ مِنَ الْمُصْحَفِ فَصَارَ كَمَا لَوْ تَلَقَّنَ مِنْ غَيْرِهِ، وَعَلَى الثَّانِي لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُول عِنْدَهُ، وَعَلَى الأَْوَّل يَفْتَرِقَانِ.
وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ حَافِظًا لِمَا قَرَأَهُ وَقَرَأَ بِلاَ حَمْلٍ فَإِنَّهُ لاَ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ مُضَافَةٌ إِلَى حِفْظِهِ لاَ إِلَى تَلَقُّنِهِ مِنَ
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ١٥٦، مطالب أولي النهى ١ / ٤٨٣ - ٤٨٤، شرح روض الطالب ١ / ١٨٣.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٧٤.
الْمُصْحَفِ وَمُجَرَّدُ النَّظَرِ بِلاَ حَمْلٍ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِعَدَمِ وَجْهَيِ الْفَسَادِ.
وَقِيل: لاَ تَفْسُدُ مَا لَمْ يَقْرَأْ آيَةً؛ لأَِنَّهُ مِقْدَارُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلاَةُ عِنْدَهُ.
وَذَهَبَ الصَّاحِبَانِ - أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - إِلَى كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ مِنَ الْمُصْحَفِ إِنْ قَصَدَ التَّشَبُّهَ بِأَهْل الْكِتَابِ (١) .
ب - الْقِرَاءَةُ خَارِجَ الصَّلاَةِ
حُكْمُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ:
١٥ - يُسْتَحَبُّ الإِْكْثَارُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ خَارِجَ الصَّلاَةِ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْل﴾ (٢)، وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْل وَآنَاءَ النَّهَارِ. . . (٣) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَدَدِ الأَْيَّامِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَخْتِمَ فِيهَا الْقُرْآنَ.
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ خَتْمُ الْقُرْآنِ فِي كُل أُسْبُوعٍ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: اقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ، وَلاَ تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ. (٤)
_________
(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ١ / ٤١٩.
(٢) سورة آل عمران / ١١٣.
(٣) التبيان في آداب حملة القرآن ٧٨، شرح روض الطالب ١ / ٦٤. وحديث: " لا حسد إلا في اثنتين. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٥٠٢)، ومسلم (١ / ٥٥٨) من حديث ابن عمر، واللفظ لمسلم.
(٤) حديث: " اقرأه في سبع ولا تزد على ذلك " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ٩٥)، ومسلم (٢ / ٨٢٣) .
قَالُوا: وَإِنْ قَرَأَهُ فِي ثَلاَثٍ فَحَسَنٌ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ لِي قُوَّةً، قَال: اقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي كُل ثَلاَثٍ. (١)
لَكِنْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ التَّفَهُّمَ مَعَ قِلَّةِ الْقُرْآنِ أَفْضَل مِنْ سَرْدِ حُرُوفِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ . (٢)
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ تَأْخِيرِ خَتْمِ الْقُرْآنِ فَوْقَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا بِلاَ عُذْرٍ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى نِسْيَانِهِ وَالتَّهَاوُنِ فِيهِ، وَبِتَحْرِيمِ تَأْخِيرِ الْخَتْمِ فَوْقَ أَرْبَعِينَ إِنْ خَافَ نِسْيَانَهُ (٣) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَنْبَغِي لِحَافِظِ الْقُرْآنِ أَنْ يَخْتِمَ فِي كُل أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَرَّةً؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَهْمُ مَعَانِيهِ وَالاِعْتِبَارُ بِمَا فِيهِ لاَ مُجَرَّدُ التِّلاَوَةِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٤)، وَذَلِكَ يَحْصُل بِالتَّأَنِّي لاَ بِالتَّوَانِي فِي الْمَعَانِي، فَقَدَّرَ لِلْخَتْمِ أَقَلَّهُ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، كُل يَوْمٍ حِزْبٌ وَنِصْفٌ أَوْ ثُلُثَا حِزْبٍ، وَقِيل: يَنْبَغِي أَنْ يَخْتِمَهُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَال: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي
_________
(١) حديث: " اقرأ القرآن في كل ثلاث. . . " أخرجه أحمد (٢ / ١٩٨) .
(٢) سورة النساء / ٨٢.
(٣) العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٤٤٨، ومطالب أولي النهى ١ / ٦٠٤.
(٤) سورة محمد / ٢٤.
السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ فَقَدْ قَضَى حَقَّهُ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْتِمَ فِي أَقَل مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ (١)، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَل مِنْ ثَلاَثٍ.
(٢) قَال النَّوَوِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ آثَارًا عَنِ السَّلَفِ فِي مُدَّةِ خَتْمِ الْقُرْآنِ: وَالاِخْتِيَارُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْشْخَاصِ، فَمَنْ كَانَ يَظْهَرُ لَهُ بِدَقِيقِ الْفِكْرِ لَطَائِفُ وَمَعَارِفُ فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى قَدْرِ مَا يَحْصُل لَهُ كَمَال فَهْمِ مَا يَقْرَؤُهُ، وَكَذَا مَنْ كَانَ مَشْغُولًا بِنَشْرِ الْعِلْمِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً فَلْيَقْتَصِرْ عَلَى قَدْرٍ لاَ يَحْصُل بِسَبَبِهِ إِخْلاَلٌ بِمَا هُوَ مُرْصَدٌ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَؤُلاَءِ الْمَذْكُورِينَ فَلْيَسْتَكْثِرْ مَا أَمْكَنَهُ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ إِلَى حَدِّ الْمَلَل وَالْهَذْرَمَةِ (٣)
قِرَاءَةُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْجُنُبِ لِلْقُرْآنِ:
١٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلاَ الْجُنُبُ
_________
(١) غنية المتملي ٤٩٦، تبيين الحقائق ٦ / ٢٢٩، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٥ / ٤٨٢.
(٢) حديث: " لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث " أخرجه الترمذي (٥ / ١٩٨) وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) التبيان في آداب حملة القرآن ٨١ - ٨٢، والفتاوى الحديثية ٥٨.
شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ. (١)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ لِلْقُرْآنِ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (حَيْض ف ٣٩) .
وَاتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ (٣)، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لاَ يَحْجُبُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ جُنُبًا. (٤) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (جَنَابَة ف ١٧) .
قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْمُحْتَضَرِ وَالْقَبْرِ:
١٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى نَدْبِ قِرَاءَةِ سُورَةِ يس عِنْدَ الْمُحْتَضَرِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ (٥)،
_________
(١) حديث: " لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن " أخرجه الترمذي (١ / ٢٣٦) من حديث ابن عمر، ونقل عن البخاري إعلاله بأحد رواته.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٥، ١٩٩، وحاشية الدسوقي ١ / ١٧٤ - ١٧٥، ومغني المحتاج ١ / ٧٢، والمجموع ١ / ٣٥٦، وكشاف القناع ١ / ١٤٧، والإنصاف ١ / ٣٤٧.
(٣) بدائع الصنائع ١ / ٧٢، حاشية الصاوي على الشرح الصغير ١ / ٦٧، مغني المحتاج ١ / ٣٧، والمغني لابن قدامة ١ / ١٤٣، ١٤٤.
(٤) حديث: " أن النبي ﷺ كان لا يحجبه عن قراءة القرآن. . . " أخرجه الترمذي (١ / ٢٠٤)، والدارقطني (١ / ١١٩) واللفظ للدارقطني، وذكره النووي في المجموع (٢ / ١٥٩) ونقل عن الشافعي أنه قال: لم يكن أهل الحديث يثبتونه.
(٥) حديث: " اقرءوا يس على موتاكم " أخرجه أبو داود (٣ / ٤٨٩)، ونقل ابن حجر في التلخيص (٢ / ١٠٤) عن ابن القطان أنه أعله بالاضطراب والوقف.