الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢
بِقَوْلِهِ ﷺ: مِثْلًا بِمِثْلٍ وَيَعْنِي بِالْقَدْرِ الْكَيْل فِيمَا يُكَال وَالْوَزْنَ فِيمَا يُوزَنُ (١)، فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْكَيْل وَالْوَزْنُ (٢) .
وَرُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ وَأَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَا وُزِنَ مِثْلٌ بِمِثْلٍ إذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا، وَمَا كِيل فَمِثْل ذَلِكَ، فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، (٣) وَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّهُ ﵊ رَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ، وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُمَا عِلَّةُ الْحُكْمِ، لِمَا عُرِفَ أَنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الاِسْمِ الْمُشْتَقِّ يُنْبِئُ عَنْ عِلِّيَّةِ مَأْخَذِ الاِشْتِقَاقِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: الْمَكِيل وَالْمَوْزُونُ مِثْلًا بِمِثْلٍ بِسَبَبِ الْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ مَعَ الْجِنْسِ، وَاَلَّذِي يَدُل عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَل رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَال: أَكُل تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ فَقَال إنَّا نَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاَثَةِ، فَقَال: فَلاَ تَفْعَل، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا، وَقَال: فِي الْمِيزَانِ مِثْل ذَلِكَ، (٤) أَيْ
_________
(١) المبسوط ١٢ / ١١٣.
(٢) الاختيار ٢ / ٣٠.
(٣) حديث أنس: " ما وزن مثل بمثل. . . ". أخرجه الدارقطني (٣ / ١٨) .
(٤) حديث أبي سعيد وأبي هريرة " أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٣١٧) ومسلم (٢ / ١٢١٥) .
فِي الْمَوْزُونِ، إذْ نَفْسُ الْمِيزَانِ لَيْسَ مِنْ أَمْوَال الرِّبَا، وَهُوَ أَقْوَى حُجَّةً فِي عِلِّيَّةِ الْقَدْرِ، وَهُوَ بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَل الْمَوْزُونَ كُلَّهُ الثَّمَنَ وَالْمَطْعُومَ وَغَيْرَهُمَا (١) .
هَذَا وَلِمَعْرِفَةِ أَقْوَال بَقِيَّةِ الْفُقَهَاءِ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ الرِّبَا يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (رِبَا ف ٢١ - ٢٥) .
_________
(١) تبيين الحقائق ٤ / ٨٦.
قُدْرَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْقُدْرَةُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ مِنْ قَدَرْتُ عَلَى الشَّيْءِ أَقْدِرُ - مِنْ بَابِ ضَرَبَ - قَوِيتُ عَلَيْهِ وَتَمَكَّنْتُ مِنْهُ (١) .
وَاصْطِلاَحًا: هِيَ الصِّفَةُ الَّتِي تُمَكِّنُ الْحَيَّ مِنَ الْفِعْل وَتَرْكِهِ بِالإِْرَادَةِ (٢) .
قَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: الْقُدْرَةُ إذَا وُصِفَ بِهَا الإِْنْسَانُ فَاسْمٌ لِهَيْئَةٍ لَهُ بِهَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْل شَيْءٍ مَا، وَإِذَا وُصِفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا فَهِيَ نَفْيُ الْعَجْزِ عَنْهُ، وَمُحَالٌ أَنْ يُوصَفَ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ الْمُطْلَقَةِ مَعْنًى، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظًا (٣) .
الْقُدْرَةُ شَرْطُ التَّكْلِيفِ:
٢ - يَقُول الأُْصُولِيُّونَ: جَوَازُ التَّكْلِيفِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقُدْرَةِ الَّتِي يُوجَدُ بِهَا الْفِعْل الْمَأْمُورُ بِهِ، وَهَذَا شَرْطٌ فِي أَدَاءِ كُل أَمْرٍ، وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير.
(٢) التعريفات للجرجاني والكليات للكفوي ٤ / ١٣.
(٣) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني.
قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١) أَيْ طَاقَتَهَا وَقُدْرَتَهَا.
وَيَقُول الْجَصَّاصُ: نَصُّ التَّنْزِيل قَدْ أَسْقَطَ التَّكْلِيفَ عَمَّنْ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْفِعْل وَلاَ يُطِيقُهُ، مِنْ ذَلِكَ سُقُوطُ الْفَرْضِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ فِيمَا لاَ تَتَّسِعُ لَهُ قُوَاهُمْ، لأَِنَّ الْوُسْعَ هُوَ دُونَ الطَّاقَةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمُ اسْتِفْرَاغُ الْجَهْدِ فِي أَدَاءِ الْفَرْضِ، نَحْوُ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَيُؤَدِّي إلَى ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ فِي جِسْمِهِ وَإِنْ لَمْ يَخْشَ الْمَوْتَ بِفِعْلِهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ صَوْمُهُ، لأَِنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهُ إلاَّ مَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِهِ.
وَقَدْ قَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ الْقُدْرَةَ إلَى قُدْرَةٍ مُمْكِنَةٍ، وَهِيَ مُفَسَّرَةٌ بِسَلاَمَةِ الآْلاَتِ وَصِحَّةِ الأَْسْبَابِ، وَإِلَى قُدْرَةٍ مُيَسَّرَةٌ، وَهِيَ الَّتِي يَقْدِرُ بِهَا الإِْنْسَانُ عَلَى الْفِعْل مَعَ يُسْرٍ (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِطَاعَةٌ ف ١٠) وَالْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
مَا تَتَحَقَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ:
يَخْتَلِفُ مَا تَتَحَقَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ بِاخْتِلاَفِ التَّصَرُّفَاتِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي الْعِبَادَاتِ أَمْ فِي
_________
(١) سورة البقرة / ٢٨٦.
(٢) كشف الأسرار ١ / ١٩٢ - ١٩٣، والتلويح على التوضيح ١ / ١٩٨ وما بعدها، ومسلم الثبوت ١ / ١٣٥ - ١٣٧، وأحكام القرآن للجصاص ١ / ٥٣٧ - ٥٣٨.
الْمُعَامَلاَتِ،
الْقُدْرَةُ فِي الْعِبَادَاتِ:
أَوَّلًا - الْقُدْرَةُ عَلَى الطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ:
٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ لِلْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل تَتَحَقَّقُ بِمَا يَأْتِي:
أ - وُجُودُ الْمَاءِ الْكَافِي لِلطَّهَارَةِ وَالْفَائِضِ عَنِ الْحَاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ . (١)
ب - إمْكَانُ اسْتِعْمَال الْمَاءِ بِنَفْسِهِ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَضُرُّهُ، أَوِ اسْتِعْمَالِهِ بِمُسَاعِدٍ وَلَوْ بِأَجْرٍ، لأَِنَّ الْعَاجِزَ عَنِ اسْتِعْمَال الْمَاءِ بِنَفْسِهِ إذَا وَجَدَ مَنْ يُوَضِّئُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْل يُعْتَبَرُ قَادِرًا بِقُدْرَةِ الْغَيْرِ.
فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُ الْمَاءِ أَوْ إمْكَانُ الاِسْتِعْمَال، فَلاَ يُعْتَبَرُ الشَّخْصُ قَادِرًا، وَيَنْتَقِل مِنَ الطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ إلَى التَّيَمُّمِ (٢) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَيَمُّمٌ ف ٢١ وَمَا بَعْدَهَا) .
ثَانِيًا - الْقُدْرَةُ عَلَى أَدَاءِ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ:
٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّهُ تَتَحَقَّقُ الْقُدْرَةُ عَلَى أَدَاءِ الصَّلاَةِ بِسَلاَمَةِ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ الَّتِي
_________
(١) سورة النساء / ٤٣.
(٢) فتح القدير مع الكفاية والعناية ١ / ١١٧ - ١٢٥، وابن عابدين ١ / ١٥٥ - ١٥٨، ١٧٠، والدسوقي ١ / ١٤٧ وما بعدها، والمهذب ١ / ٣٩ - ٤١، وكشاف القناع ١ / ١٦٢ - ١٦٧.
يَتَمَكَّنُ بِهَا الْمُصَلِّي مِنَ الإِْتْيَانِ بِالأَْرْكَانِ عَلَى الْوَجْهِ الأَْكْمَل الَّذِي بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي. (١)
وَإِذَا عَجَزَتْ أَعْضَاءُ الْبَدَنِ عَنِ الإِْتْيَانِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الأَْكْمَل، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ يُعْتَبَرُ قَادِرًا بِمَا يُمْكِنُهُ الإِْتْيَانُ بِهِ وَلَوْ بِإِيمَاءَةٍ بِرَأْسِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الإِْتْيَانُ بِذَلِكَ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الصَّلاَةَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لاَ تَسْقُطُ عَنِ الْمُكَلَّفِ إلاَّ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ، كَالْحَيْضِ وَالْجُنُونِ الْمُطْبِقِ (٢) .
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ وَفِي رِوَايَةٍ:
فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا، لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا. (٣)
ثَالِثًا - الْقُدْرَةُ عَلَى أَدَاءِ الزَّكَاةِ:
٥ - ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى
_________
(١) حديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١١١) من حديث مالك ابن الحويرث.
(٢) الهداية ١ / ٧٧، وجواهر الإكليل ١ / ٥٥، ومغني المحتاج ١ / ١٥١ - ١٥٣، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٧٠ - ٢٧١.
(٣) حديث: " صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا. . . ط. أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٤٨٧) . والرواية الأخرى عزاها ابن حجر في التلخيص (١ / ٢٢٥) إلى النسائي.
الأَْدَاءِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ عَلَى الْفَوْرِ، وَتَتَحَقَّقُ هَذِهِ الْقُدْرَةُ بِحُضُورِ الْمَال وَحُضُورِ الْمُسْتَحِقِّينَ أَوْ حُضُورِ الإِْمَامِ أَوِ السَّاعِي، لأَِنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ، فَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا إمْكَانُ أَدَائِهَا، كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الأَْدَاءِ لَيْسَتْ شَرْطًا لِوُجُوبِهَا، لأَِنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ فَيَثْبُتُ وُجُوبُهَا فِي الذِّمَّةِ مَعَ عَدَمِ إمْكَانِ الأَْدَاءِ، كَثُبُوتِ الدُّيُونِ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (زَكَاةٌ ف ١٤ وَمَا بَعْدَهَا) .
رَابِعًا - الْقُدْرَةُ عَلَى أَدَاءِ الْحَجِّ:
٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَجِّ الاِسْتِطَاعَةُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ . (١)
وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّ الاِسْتِطَاعَةَ، أَيِ الْقُدْرَةَ تَتَحَقَّقُ بِمَا يَأْتِي:
أ - وُجُودُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَهُوَ وُجُودُ الْمَال الَّذِي يَكْفِي النَّفَقَةَ ذَهَابًا وَإِيَابًا.
ب - سَلاَمَةُ الْبَدَنِ مِنَ الأَْمْرَاضِ وَالْعَاهَاتِ الَّتِي تَعُوقُ عَنِ الْحَجِّ، وَيُعْتَبَرُ الْعَاجِزُ بِنَفْسِهِ قَادِرًا بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ، كَالأَْعْمَى الَّذِي يَجِدُ مَنْ
_________
(١) سورة آل عمران / ٩٧.
يَقُودُهُ، وَالْمُقْعَدِ الَّذِي يَجِدُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ.
ج - أَمْنُ الطَّرِيقِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الإِْنْسَانُ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ.
د - وُجُودُ مَحْرَمٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ أَوْ رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ كَمَا يَقُول بَعْضُ الْفُقَهَاءِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (حَجٌّ ف ١٤ وَمَا بَعْدَهَا) .
الْقُدْرَةُ فِي الْمُعَامَلاَتِ:
أَوَّلًا - الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ:
٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ، لأَِنَّ غَيْرَ الْمَقْدُورِ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَالْمَعْدُومِ، وَتَتَحَقَّقُ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ بِأَنْ يَكُونَ الإِْنْسَانُ مَالِكًا لَهُ مُتَمَكِّنًا مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَتَسْلِيمِهِ لِلْمُشْتَرِي، وَلِذَلِكَ لاَ يَصِحُّ بَيْعُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَلاَ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ، وَلاَ الْجَمَل الشَّارِدِ، وَلاَ مَا لاَ يَمْلِكُهُ الإِْنْسَانُ (١) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ف ٣٢) .
ثَانِيًا - الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ فِي الإِْجَارَةِ:
٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمَنْفَعَةِ لِصِحَّةِ الإِْجَارَةِ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِيفَائِهَا حَقِيقَةً أَوْ شَرْعًا، وَتَتَحَقَّقُ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ
_________
(١) جواهر الإكليل ٢ / ٥، مغني المحتاج ٢ / ١٢ - ١٣، ومنتهى الإرادات ٢ / ١٤٥.
مِنَ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الاِسْتِيفَاءِ حَقِيقَةً أَوْ شَرْعًا، وَلِذَلِكَ لاَ تَصِحُّ إجَارَةُ الدَّابَّةِ الْفَارَّةِ، كَمَا لاَ تَصِحُّ إجَارَةُ الأَْقْطَعِ أَوِ الأَْشَل لِلْخِيَاطَةِ بِنَفْسِهِ، لأَِنَّهَا مَنَافِعُ لاَ تَحْدُثُ إلاَّ عِنْدَ سَلاَمَةِ الأَْسْبَابِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إجَارَةٌ ف ٣٠)
ثَالِثًا - الْقُدْرَةُ عَلَى أَدَاءِ الدَّيْنِ:
٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى وُجُوبِ أَدَاءِ الدَّيْنِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الأَْدَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ . (٢)
وَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا فَإِنَّهُ يَجِبُ أَدَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ طَلَبِهِ مَتَى كَانَ الْمَدِينُ قَادِرًا عَلَى الأَْدَاءِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ (٣) وَيَتَحَقَّقُ الْمَطْل عِنْدَ عَدَمِ الأَْدَاءِ بَعْدَ الطَّلَبِ.
أَمَّا إذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا فَلاَ يَجِبُ أَدَاؤُهُ قَبْل حُلُول الأَْجَل، لَكِنْ لَوْ أُدِّيَ قَبْلَهُ صَحَّ وَسَقَطَ عَنْ ذِمَّةِ الْمَدِينِ.
وَإِذَا مَاطَل الْقَادِرُ وَلَمْ يُؤَدِّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ بِالأَْدَاءِ بَعْدَ طَلَبِ الْغُرَمَاءِ، فَإِذَا امْتَنَعَ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ لِظُلْمِهِ بِتَأْخِيرِ الْحَقِّ مِنْ
_________
(١) البدائع ٤ / ١٨٧، والقليوبي ٣ / ٦٩ - ٧٢.
(٢) سورة البقرة / ٢٨٣.
(٣) حديث: " مطل الغني ظلم ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٦٤) ومسلم (٣ / ١١٩٧) .
غَيْرِ ضَرُورَةٍ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِل عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ، (١) وَالْحَبْسُ عُقُوبَةٌ فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ وَكَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ بَاعَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: بَاعَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ وَقَضَى دُيُونَهُ.
(٢) وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بَاعَ مَال أُسَيْفِعَ وَقَسَمَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ (٣) .
وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَدِينُ قَادِرًا عَلَى الأَْدَاءِ بِأَنْ كَانَ مُعْسِرًا أَوْ أَفْلَسَ، فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إعْسَارٌ ف ١٥) (وَإِفْلاَسٌ ف ٦) .
رَابِعًا - الْقُدْرَةُ عَلَى الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ:
١٠ - الأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
_________
(١) حديث: " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ". أخرجه ابو داود (٤ / ٤٥ - ٤٦) من حديث الشريد بن سويد وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (٥ / ٦٢) .
(٢) حديث: " أن النبي ﷺ باع على معاذ ماله وقضى ديونه ". أخرجه الدارقطني (٤ / ٢٣١) من حديث كعب بن مالك، وأعله عبد الحق الإشبيلي بالإرسال كما في التلخيص لابن حجر (٣ / ٣٧) .
(٣) البدائع ٧ / ١٧٣، وجواهر الإكليل ٢ / ٩٢، ومغني المحتاج ٢ / ١٥٧، والمغني ٤ / ٤٨٤ - ٤٨٥، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٧٤ - ٢٧٥، وأثر عمر أخرجه البيهقي في سننه (٦ / ٤٩) .