الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢
التَّخَلُّصُ مِنْهُ، إمَّا لِكَثْرَةِ الْمَاءِ أَوِ النَّارِ، وَإِمَّا لِعَجْزِهِ عَنِ التَّخَلُّصِ لِمَرَضٍ أَوْ صِغَرٍ، أَوْ كَوْنِهِ مَرْبُوطًا، أَوْ مَنَعَهُ مِنَ الْخُرُوجِ، أَوْ كَوْنِهِ فِي حَفِيرَةٍ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الصُّعُودِ مِنْهَا، وَنَحْوِ هَذَا، فَهَذَا كُلُّهُ عَمْدٌ، لأَِنَّهُ يَقْتُل غَالِبًا، وَعَلَى ذَلِكَ لَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ بِأَدْنَى حَرَكَةٍ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَاتَ فَلاَ قَوَدَ فِيهِ وَلاَ دِيَةَ، لأَِنَّ هَذَا الْفِعْل لَمْ يَقْتُلْهُ، وَإِنَّمَا حَصَل مَوْتُهُ بِلُبْثِهِ فِيهِ وَهُوَ فِعْل نَفْسِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ النَّارُ إذَا كَانَ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا لِقِلَّتِهَا (١) .
الضَّرْبُ الثَّالِثُ:
١٤ - أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَسَدٍ أَوْ نَمِرٍ فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ كَذُبْيَةٍ وَنَحْوِهَا فَيَقْتُلَهُ، فَهَذَا أَيْضًا عَمْدٌ فِيهِ الْقِصَاصُ إذَا فَعَل السَّبُعُ بِهِ فِعْلًا يَقْتُل مِثْلُهُ، وَإِنْ فَعَل بِهِ فِعْلًا لَوْ فَعَلَهُ الآْدَمِيُّ لَمْ يَكُنْ عَمْدًا لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ بِهِ، لأَِنَّ السَّبُعَ صَارَ آلَةً لِلآْدَمِيِّ فَكَانَ فِعْلُهُ كَفِعْلِهِ. وَإِنْ أَلْقَاهُ مَكْتُوفًا بَيْنَ يَدَيِ الأَْسَدِ أَوِ النَّمِرِ فِي فَضَاءٍ فَأَكَلَهُ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَكَذَلِكَ إنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَيَّةٍ فِي مَكَان ضَيِّقٍ فَنَهَشَتْهُ، فَقَتَلَتْهُ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، لأَِنَّ هَذَا يَقْتُل غَالِبًا
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٤٠، حاشية الدسوقي ٤ / ٢٤٣، مغني المحتاج ٤ / ٨، روضة الطالبين ٩ / ١٤٣، المغني ٧ / ٦٤١.
فَكَانَ عَمْدًا مَحْضًا كَسَائِرِ الصُّوَرِ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ (١) .
الضَّرْبُ الرَّابِعُ:
١٥ - أَنْ يَحْبِسَهُ فِي مَكَان وَيَمْنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ مُدَّةً لاَ يَبْقَى فِيهَا حَتَّى يَمُوتَ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، لأَِنَّ هَذَا يَقْتُل غَالِبًا، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ النَّاسِ وَالزَّمَانِ وَالأَْحْوَال، فَإِذَا كَانَ عَطْشَانَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، مَاتَ فِي الزَّمَنِ الْقَلِيل، وَإِنْ كَانَ رَيَّانَ، وَالزَّمَنُ بَارِدٌ أَوْ مُعْتَدِلٌ لَمْ يَمُتْ إلاَّ فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ، فَيُعْتَبَرُ هَذَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا فَفِيهِ الْقَوَدُ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (تَرْكٌ ف ١٣) .
الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ: الْقَتْل بِالسُّمِّ:
١٦ - إذَا قَدَّمَ طَعَامًا مَسْمُومًا لِصَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ أَوْ مَجْنُونٍ فَمَاتَ، فَفِيهِ الْقَوَدُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
فَإِنْ قَدَّمَهُ لِبَالِغٍ عَاقِلٍ فَفِيهِ خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (سُمٌّ ف ٧) .
الصُّورَةُ السَّادِسَةُ: الْقَتْل بِالسِّحْرِ:
١٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ مَنْ قَتَل غَيْرَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُل غَالِبًا يَلْزَمُهُ الْقَوَدُ، لأَِنَّهُ قَتَلَهُ
_________
(١) المراجع السابقة.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٢٣٤، الدسوقي ٤ / ٢٤٢، مغني المحتاج ٤ / ٥، وروضة الطالبين ٩ / ١٢٦، المغني ٧ / ٦٤٣.
بِمَا يَقْتُل غَالِبًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِسِكِّينٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَقْتُل غَالِبًا فَفِيهِ الدِّيَةُ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (سِحْرٌ ف ١٦) .
الصُّورَةُ السَّابِعَةُ: الْقَتْل بِسَبَبٍ:
١٨ - الْقَتْل بِسَبَبٍ قَدْ يَدْخُل تَحْتَ الْقَتْل الْعَمْدِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ وَيَكُونُ فِيهِ الْقِصَاصُ، كَأَنْ يُكْرِهَ رَجُلًا عَلَى قَتْل آخَرَ إكْرَاهًا مُلْجِئًا، أَوْ يَشْهَدَ رَجُلاَنِ عَلَى رَجُلٍ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ وَيَعْتَرِفَا بِكَذِبِهِمَا فِي الشَّهَادَةِ.
أَوْ يَحْكُمَ حَاكِمٌ عَلَى رَجُلٍ بِالْقَتْل بِالشَّهَادَةِ الْكَاذِبَةِ وَكَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ مُتَعَمِّدًا.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قَتْلٌ بِسَبَبٍ ف ٦ وَ٧) .
مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْقَتْل الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ:
إذَا تَحَقَّقَ الْقَتْل الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا يَلِي:
أ - الْقِصَاصُ:
١٩ - إذَا كَانَ الْمَقْتُول حُرًّا، مُسْلِمًا، مُكَافِئًا لِلْقَاتِل، فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْقَوَدِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِالْقَتْل الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ خِلاَفًا، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الآْيَاتُ وَالأَْخْبَارُ بِعُمُومِهَا قَال تَعَالَى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُْنْثَى بِالأُْنْثَى﴾ (١) .
إلاَّ أَنَّهُ يُقَيَّدُ الْقَتْل بِوَصْفِ الْعَمْدِيَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ: الْعَمْدُ قَوَدٌ، إلاَّ أَنْ يَعْفُوَ وَلِيُّ الْمَقْتُول (٢) وَفِي لَفْظٍ: مَنْ قُتِل عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ. (٣)
وَلأَِنَّ الْجِنَايَةَ بِالْعَمْدِيَّةِ تَتَكَامَل، وَحِكْمَةُ الزَّجْرِ عَلَيْهَا تَتَوَفَّرُ، وَالْعُقُوبَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ لاَ شَرْعَ لَهَا بِدُونِ الْعَمْدِيَّةِ (٤) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (قِصَاصٌ) .
ب - الدِّيَةُ:
٢٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ الدِّيَةَ لَيْسَتْ عُقُوبَةً أَصْلِيَّةً لِلْقَتْل الْعَمْدِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ بِالصُّلْحِ بِرِضَا الْجَانِي، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا بَدَلٌ عَنِ الْقِصَاصِ وَلَوْ بِغَيْرِ رِضَا الْجَانِي، فَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ وَجَبَتِ الدِّيَةُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّ الدِّيَةَ عُقُوبَةٌ أَصْلِيَّةٌ بِجَانِبِ الْقِصَاصِ فِي
_________
(١) سورة البقرة / ١٧٨.
(٢) حديث: " العمد قود. . . ". أخرجه ابن أبي شيبة (٩ / ٣٦٥) من حديث ابن عباس.
(٣) حديث: " من قتل عمدًا فهو قود ". أخرجه النسائي (٨ / ٤٠) من حديث ابن عباس.
(٤) تكملة فتح القدير ٩ / ١٤٠، والمغني ٧ / ٦٤٧.
الْقَتْل الْعَمْدِ، فَالْوَاجِبُ عِنْدَهُمْ أَحَدُ شَيْئَيْنِ: الْقَوَدُ أَوِ الدِّيَةُ، فَيُخَيَّرُ الْوَلِيُّ بَيْنَهُمَا وَلَوْ لَمْ يَرْضَ الْجَانِي.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (دِيَاتٌ ف ١٧) .
ج - الْكَفَّارَةُ:
٢١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْل الْعَمْدِ، سَوَاءٌ وَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ أَوْ لَمْ يَجِبْ، لأَِنَّ الْقَتْل الْعَمْدَ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ، وَفِي الْكَفَّارَةِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ، فَلاَ يُنَاطُ بِهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، لأَِنَّ الْحَاجَةَ إلَى التَّكْفِيرِ فِي الْعَمْدِ أَمَسُّ مِنْهَا إلَيْهِ فِي الْخَطَأِ، فَكَانَ أَدْعَى إلَى إيجَابِهَا (١) .
د - الْحِرْمَانُ مِنَ الْوَصِيَّةِ:
٢٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِل وَعَدَمِ جَوَازِهَا عَلَى أَقْوَالٍ:
ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَابْنُ حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إلَى جَوَازِ الْوَصِيَّة لِلْقَاتِل وَهَذَا قَوْل أَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ، لأَِنَّ الْهِبَةَ لَهُ تَصِحُّ، فَصَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ كَالذِّمِّيِّ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ
_________
(١) تكملة فتح القدير ٩ / ١٤٠، ١٤٣، وابن عابدين ٥ / ٣٣٩ - ٣٤٠، والقوانين الفقهية ٣٣٩، وحاشية القليوبي ٤ / ٩٦، وروضة الطالبين ٩ / ١٢٢، والمغني ٧ / ٦٣٩، ٦٤٧.
الشَّافِعِيَّةِ وَأَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إلَى عَدَمِ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لَهُ، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ أَيْضًا، لأَِنَّ الْقَتْل يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ الَّذِي هُوَ آكَدُ مِنَ الْوَصِيَّةِ، فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى، وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الْمِيرَاثِ فَيَمْنَعُهَا مَا يَمْنَعُهُ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَصِيَّةٌ) .
هـ - الْحِرْمَانُ مِنَ الْمِيرَاثِ:
٢٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَتْل الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقِصَاصُ يَمْنَعُ الْقَاتِل الْبَالِغَ الْعَاقِل مِنَ الْمِيرَاثِ إذَا كَانَ الْقَتْل مُبَاشِرًا.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (إرْثٌ ف ١٧) .
و الإِْثْمُ فِي الآْخِرَةِ:
٢٤ - انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى التَّأْثِيمِ فِي الْقَتْل الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ . (٢)
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﵊ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ: إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا (٣) وَمَا رُوِيَ
_________
(١) تكملة فتح القدير ٨ / ٢٤٢، حاشية الدسوقي ٤ / ٤٢٦، روضة الطالبين ٦ / ١٠٧، والمغني ٦ / ١١١، ١١٢.
(٢) سورة النساء / ٩٣.
(٣) حديث: " إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٥٧٣) من حديث ابن عباس.
عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَال: لَزَوَال الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْل مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ. (١)
وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَلأَِنَّ حُرْمَتَهُ أَشَدُّ مِنْ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ لِجَوَازِهِ لِمُكْرَهٍ بِخِلاَفِ الْقَتْل. (٢)
قِدَاحٌ
اُنْظُرْ: أَزْلاَمٌ، مَيْسِرٌ
قَدَحٌ
اُنْظُرْ: مَقَادِيرُ
_________
(١) حديث: " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٧٤) من حديث البراء بن عازب، وحسن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (٣ / ٢٥٦) .
(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٤٠، وتكملة فتح القدير ٩ / ١٤٠ - ١٤١، والاختيار ٥ / ٢٣.
قَدْرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - قَدْرُ الشَّيْءِ فِي اللُّغَةِ مَبْلَغُهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلاَ نُقْصَانٍ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: التَّسَاوِي فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ الْمُوجِبِ لِلْمُمَاثَلَةِ صُورَةً وَهُوَ الْكَيْل وَالْوَزْنُ، قَال الرَّاغِبُ: الْقَدْرُ وَالتَّقْدِيرُ تَبْيِينُ كَمْيَّةِ الشَّيْءِ، وَقَوْلُهُ ﷺ فِي الْهِلاَل: فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ (٢) أَيْ قَدِّرُوا عَدَدَ الشَّهْرِ حَتَّى تُكْمِلُوا ثَلاَثِينَ يَوْمًا (٣) .
مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَدْرِ مِنْ أَحْكَامٍ:
أ - الْقَدْرُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ مِنَ النَّجَاسَةِ:
٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ قَدْرَ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ مِنَ النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ كَالدَّمِ وَالْبَوْل وَالْخَمْرِ
_________
(١) المغرب للمطرزي ص٣٧٣، والمصباح المنير.
(٢) حديث: " فإن غم عليكم فاقدروا له ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ١١٩) ومسلم (٢ / ٩٥٠) من حديث ابن عمر.
(٣) قواعد الفقه للبركتي.
وَنَحْوِهَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَجَازَتِ الصَّلاَةُ مَعَهُ.
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ الدَّمِ وَمَا مَعَهُ مِنْ قَيْحٍ وَصَدِيدٍ وَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، فَيَقُولُونَ بِالْعَفْوِ عَنْ قَدْرِ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ، لأَِنَّ الإِْنْسَانَ لاَ يَخْلُو عَنْهُ.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا بِالْعَفْوِ عَنِ الْيَسِيرِ مِنَ الدَّمِ وَالْقَيْحِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَعْسُرُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا الطَّرَفُ، وَإِنَّمَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ مِنَ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (عَفْوٌ ف ٧) .
ب - قَدْرُ النِّصَابِ فِي الزَّكَاةِ وَقَدْرُ الْوَاجِبِ فِيهَا:
٣ - يَخْتَلِفُ قَدْرُ النِّصَابِ فِي أَنْوَاعِ الأَْمْوَال الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ كَنِصَابِ زَكَاةِ الأَْنْعَامِ، فَفِي الإِْبِل إذَا بَلَغَتْ خَمْسًا شَاةٌ وَفِي الْبَقَرِ إذَا بَلَغَتْ ثَلاَثِينَ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ وَفِي الْغَنَمِ إذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةٌ.
وَفِي زَكَاةِ الذَّهَبِ إذَا بَلَغَ النِّصَابُ عِشْرِينَ مِثْقَالًا وَالْفِضَّةِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَالْمِقْدَارُ الْوَاجِبُ فِيهِمَا رُبْعُ الْعُشْرِ، وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ تُقَوَّمُ ثُمَّ تُعَامَل مُعَامَلَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَفِي زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ إذَا بَلَغَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فِيهَا الْعُشْرُ إنْ سُقِيَتْ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ وَنِصْفُ الْعُشْرِ إنْ سُقِيَتْ بِكُلْفَةٍ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (زَكَاةٌ ف ٤٤، ٥١، ٥٧، ٧٢، ٨٧، ١١٥) .
ج - الْقَدْرُ مِنَ الْعِلَل الرِّبَوِيَّةِ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ثُبُوتِ الرِّبَا فِي الأَْشْيَاءِ السِّتَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا (١) فِي حَدِيثِ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ. . . . (٢)
كَمَا اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الأَْمْصَارِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الرِّبَا غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى الأَْشْيَاءِ السِّتَّةِ وَأَنَّ فِيهَا مَعْنًى وَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى إلَى غَيْرِهَا مِنَ الأَْمْوَال. (٣)
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَاحِدَةٌ، وَعِلَّةَ الأَْعْيَانِ الأَْرْبَعَةِ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْعِلَّةِ (٤) .
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْجِنْسِيَّةُ وَالْقَدْرُ، عُرِفَتِ الْجِنْسِيَّةُ بِقَوْلِهِ ﷺ: التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ (٥) وَعُرِفَ الْقَدْرُ
_________
(١) المغني ٤ / ٤.
(٢) حديث: " الذهب بالذهب مثلًا بمثل. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢١١) والترمذي (٣ / ٥٣٢) من حديث عبادة بن الصامت، واللفظ للترمذي.
(٣) المبسوط ١٢ / ١١٢، والاختيار ٢ / ٣٠.
(٤) المغني ٤ / ٥.
(٥) حديث: " التمر بالتمر. . . ". أحرجه مسلم (٢ / ١٢١١) من حديث أبي هريرة.