الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 67

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

الْحَنَفِيَّةِ إلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ عَدَا الْكَرْخِيَّ: لاَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ الْمَحْضِ، لأَِنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ مُغَلَّظَةٌ وَالْمُؤَاخَذَةُ فِيهَا ثَابِتَةٌ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (كَفَّارَةٌ) .

ج - الْحِرْمَانُ مِنَ الْمِيرَاثِ فِي الْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ:

١٢ - الْقَتْل شِبْهُ الْعَمْدِ مَانِعٌ مِنَ الْمِيرَاثِ لِعُمُومِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ.

وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (إرْثٌ ف ١٨) .

قَتْلٌ عَمْدٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْقَتْل الْعَمْدُ مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ هُمَا: " الْقَتْل " " وَالْعَمْدُ "، وَسَبَقَ تَعْرِيفُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي مُصْطَلَحِهِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ الْقَتْل الْعَمْدِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّ الْقَتْل الْعَمْدَ: هُوَ قَصْدُ الْفِعْل وَالشَّخْصِ بِمَا يَقْتُل قَطْعًا أَوْ غَالِبًا.

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَتْل الْعَمْدُ: هُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَ الْمَقْتُول فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ جَسَدِهِ بِآلَةٍ تُفَرِّقُ الأَْجْزَاءَ كَالسَّيْفِ، وَاللِّيطَةِ، وَالْمَرْوَةِ وَالنَّارِ، لأَِنَّ الْعَمْدَ فِعْل الْقَلْبِ، لأَِنَّهُ الْقَصْدُ، وَلاَ يُوقَفُ عَلَيْهِ إلاَّ بِدَلِيلِهِ، وَهُوَ مُبَاشَرَةُ الآْلَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَتْل عَادَةً (١) .

_________

(١) الاختيار لتعليل المختار ٥ / ٢٢، ٢٥ ط. دار المعرفة، وابن عابدين ٥ / ٣٣٩ ط. دار إحياء التراث العربي، والبدائع ٧ / ٢٣٣ ط. دار الكتب العلمية، والشرح الصغير ٤ / ٣٣٨ وما بعدها، والقوانين الفقهية ص٣٣٩، والقليوبي ٤ / ٩٦، وروضة الطالبين ٩ / ١٢٣، ١٢٤، والمغني ٧ / ٦٣٩، ونيل المآرب ٢ / ٣١٣ - ٣١٤، وكشاف القناع ٥ / ٥٠٤ - ٥٠٥.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْجِنَايَةُ:

٢ - الْجِنَايَةُ فِي اللُّغَةِ الذَّنْبُ وَالْجُرْمُ

وَشَرْعًا: اسْمٌ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ حَل بِمَالٍ أَوْ نَفْسٍ، وَقِيل: كُل فِعْلٍ مَحْظُورٍ يَتَضَمَّنُ ضَرَرًا عَلَى النَّفْسِ أَوْ غَيْرِهَا، إلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ خَصَّصُوا لَفْظَ الْجِنَايَةِ بِمَا حَل بِنَفْسٍ أَوْ أَطْرَافٍ، وَالْغَصْبَ وَالسَّرِقَةَ بِمَا حَل بِمَالٍ (١) .

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْجِنَايَةِ وَالْقَتْل الْعَمْدِ، أَنَّ الْقَتْل تَتَحَقَّقُ بِهِ الْحِنَايَةُ لأَِنَّهُ فِعْلٌ مَحْظُورٌ يَحِل بِالنَّفْسِ، وَأَنَّ كُل قَتْلٍ جِنَايَةٌ وَلاَ عَكْسَ.

ب - الْجِرَاحُ:

٣ - الْجِرَاحُ لُغَةً جَمْعُ جُرْحٍ، وَهُوَ مِنَ الْجَرْحِ بِفَتْحِ الْجِيمِ، يُقَال: جَرَحَهُ إذَا أَثَّرَ فِيهِ بِالسِّلاَحِ.

وَالْجُرْحُ - بِضَمِّ الْجِيمِ - الاِسْمُ (٢) .

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءُ لِلْجِرَاحِ عَنْ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ (٣) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقَتْل الْعَمْدِ وَالْجِرَاحِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ.

_________

(١) لسان العرب، وابن عابدين ٥ / ٣٣٩ والطحطاوي ١ / ٥١٩ ط. دار المعرفة، والتعريفات للجرجاني مادة " جناية ".

(٢) لسان العرب، والمصباح المنير.

(٣) نهاية المحتاج ٧ / ٢٣٣.

ح - الْقَتْل الْخَطَأُ:

٤ - الْقَتْل الْخَطَأُ: مَا وَقَعَ دُونَ قَصْدِ الْفِعْل وَالشَّخْصِ أَوْ دُونَ قَصْدِ أَحَدِهِمَا (١) .

وَالْعَلاَقَةُ الضِّدْيَةُ فِي الْقَصْدِ.

د - الْقَتْل شِبْهُ الْعَمْدِ:

٥ - الْقَتْل شِبْهُ الْعَمْدِ: قَصْدُ الْفِعْل وَالشَّخْصِ بِمَا لاَ يَقْتُل غَالِبًا.

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لاَ يُفَرِّقُ الأَْجْزَاءَ كَالْحَجَرِ، وَالْعَصَا، وَالْيَدِ.

وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْقَتْل الْعَمْدِ وَالْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ بِأَدَاةِ الْقَتْل (٢) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ

٦ - أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَتْل بِغَيْرِ حَقٍّ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ﴾، (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾، (٤) وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَحِل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ

_________

(١) مغني المحتاج. ٤ / ٤

(٢) الاختيار ٥ / ٢٥، البدائع ٧ / ٢٣٤، ابن عابدين ٥ / ٣٤١، والقوانين الفقهية ٣٣٩، والشرح الصغير ٤ / ٣٤٠ وما بعدها، القليوبي ٤ / ٩٦، والمغني ٧ / ٦٥٢، ونيل المآرب ٢ / ٣١٥.

(٣) سورة الأنعام / ١٥١.

(٤) سورة النساء / ٩٣.

يَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُول اللَّهِ إلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمُفَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ (١) .

صُوَرُ الْقَتْل الْعَمْدِ:

الصُّورَةُ الأُْولَى: الضَّرْبُ بِمُحَدَّدٍ:

٧ - إذَا ضَرَبَ شَخْصٌ آخَرَ بِمُحَدَّدٍ وَهُوَ مَا يَقْطَعُ وَيَدْخُل فِي الْبَدَنِ، كَالسَّيْفِ، وَالسِّكِّينِ، وَالسِّنَانِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يُحَدِّدُ فَيَجْرَحُ مِنَ الْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَالرَّصَاصِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالزُّجَاجِ، وَالْحَجَرِ، وَالْقَصَبِ، وَالْخَشَبِ، وَأَمْثَالِهَا، فَجَرَحَ بِهِ جُرْحًا كَبِيرًا فَمَاتَ فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهُ قَتْلٌ عَمْدٌ.

وَأَمَّا إذَا جَرَحَهُ جُرْحًا صَغِيرًا كَشَرْطَةِ الْحَجَّامِ، أَوْ غَرَزَهُ بِإِبْرَةٍ: فَإِنْ كَانَ فِي مَقْتَلٍ كَالْعَيْنِ، وَالْفُؤَادِ، وَأَصْل الأُْذُنِ، فَمَاتَ فَهُوَ عَمْدٌ أَيْضًا، لأَِنَّ الإِْصَابَةَ بِذَلِكَ فِي الْمَقْتَل كَالْجَرْحِ بِالسِّكِّينِ فِي غَيْرِ الْمَقْتَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) وَالشَّافِعِيَّةِ (٣) وَالْحَنَابِلَةِ (٤) .

وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي

_________

(١) حديث: " لا يحل دم امرئ مسلم. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٢٠١) من حديث ابن مسعود.

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٤٠.

(٣) مغني المحتاج ٤ / ٤.

(٤) المغني / ٦٣٧ - ٦٣٨.

الْمَذْهَبُ: إنَّهُ لاَ قِصَاصَ فِيهِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ فِيهِ الْقِصَاصَ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إنْ غَرَزَ إبْرَةً فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ فَتَوَرَّمَ وَتَأَلَّمَ حَتَّى مَاتَ فَعَمْدٌ، لِحُصُول الْهَلاَكِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَثَرٌ فَمَاتَ فِي الْحَال فَشِبْهُ عَمْدٍ فِي الأَْصَحِّ، لأَِنَّهُ لاَ يَقْتُل غَالِبًا، فَأَشْبَهَ الضَّرْبَ بِالسَّوْطِ الْخَفِيفِ، وَقِيل: هُوَ عَمْدٌ، لأَِنَّ فِي الْبَدَنِ مَقَاتِل خَفِيَّةً وَمَوْتُهُ حَالًا يُشْعِرُ بِإِصَابَةِ بَعْضِهَا، وَقِيل: لاَ شَيْءَ، إحَالَةً لِلْمَوْتِ عَلَى سَبَبٍ آخَرَ.

أَمَّا إذَا تَأَخَّرَ الْمَوْتُ عَنِ الْغَرْزِ فَلاَ ضَمَانَ قَطْعًا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ.

وَهَذَا كُلُّهُ فِي بَدَنِ الْمُعْتَدِل، أَمَّا الشَّيْخُ وَالصَّغِيرُ وَنِضْوُ الْخِلْقَةِ، فَفِيهِ الْقِصَاصُ.

وَلَوْ غَرَزَهَا فِيمَا لاَ يُؤْلِمُ، كَجِلْدَةِ عَقِبٍ وَلَمْ يُبَالِغْ فِي إدْخَالِهَا فَمَاتَ، فَلاَ شَيْءَ سَوَاءٌ أَمَاتَ فِي الْحَال أَمْ بَعْدَهُ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ، أَمَّا إذَا بَالَغَ فَيَجِبُ الْقَوَدُ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إنْ كَانَ قَدْ بَالَغَ فِي إدْخَالِهَا فِي الْبَدَنِ فَهُوَ كَالْجُرْحِ الْكَبِيرِ، لأَِنَّ هَذَا يَشْتَدُّ أَلَمُهُ، وَيُفْضِي إلَى الْقَتْل كَالْكَبِيرِ، وَإِنْ كَانَ الْغَوْرُ يَسِيرًا، أَوْ جَرَحَهُ بِالْكَبِيرِ جُرْحًا لَطِيفًا كَشَرْطَةِ الْحَجَّامِ فَمَا دُونَهَا فَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إنْ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ زَمَنًا حَتَّى مَاتَ فَفِيهِ الْقَوَدُ،

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٥.

لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهُ، وَإِنْ مَاتَ فِي الْحَال فَفِيهِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ فِيهِ الْقِصَاصَ، لأَِنَّ الْمُحَدَّدَ لاَ يُعْتَبَرُ فِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي حُصُول الْقَتْل بِهِ، وَلأَِنَّ فِي الْبَدَنِ مَقَاتِل خَفِيَّةً وَهَذَا لَهُ سِرَايَةٌ، فَأَشْبَهَ الْجُرْحَ الْكَبِيرَ.

وَالثَّانِي: لاَ قِصَاصَ فِيهِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ حَامِدٍ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْهُ. (١)

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: الْقَتْل بِغَيْرِ الْمُحَدَّدِ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حُصُول الزُّهُوقِ بِهِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ:

٨ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ عَمْدٌ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ.

وَبِهِ قَال النَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَحَمَّادٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقُ.

وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁: أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَل جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا بِحَجَرٍ، فَقَتَلَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. (٢)

_________

(١) المغني ٧ / ٦٣٨.

(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٤١، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٤٢، ومغني المحتاج ٤ / ٤، المغني ٧ / ٦٣٨، ٦٣٩. وحديث أنس: " أن يهوديًا قتل جارية. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٢٠٠) ومسلم (٣ / ١٢٩٩) .

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ لاَ قَوَدَ فِي ذَلِكَ إلاَّ أَنْ يَكُونَ قَتْلُهُ بِالنَّارِ، وَحُجَّتُهُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَلاَ إنَّ قَتِيل الْعَمْدِ الْخَطَأِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا شِبْهِ الْعَمْدِ فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الإِْبِل (١) فَسَمَّاهُ عَمْدَ الْخَطَأِ، وَأَوْجَبَ فِيهِ الدِّيَةَ دُونَ الْقِصَاصِ، وَلأَِنَّ الْعَمْدَ لاَ يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ بِنَفْسِهِ، فَيَجِبُ ضَبْطُهُ بِمَظِنَّتِهِ، وَلاَ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِمَا يَقْتُل غَالِبًا لِحُصُول الْعَمْدِ بِدُونِهِ فِي الْجُرْحِ الصَّغِيرِ، فَوَجَبَ ضَبْطُهُ بِالْجُرْحِ، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَيْضًا.

وَقَال ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُوسٌ: الْعَمْدُ مَا كَانَ بِالسِّلاَحِ.

وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مُثَقَّل الْحَدِيدِ رِوَايَتَانِ: الْمَذْهَبُ أَنَّ فِيهِ الْقَوَدَ (٢) .

٩ - وَمِنَ الضَّرْبِ بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ: الضَّرْبُ بِمُثَقَّلٍ كَبِيرٍ يَقْتُل مِثْلُهُ غَالِبًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ كَالسِّنْدَانِ وَالْمِطْرَقَةِ، أَوْ حَجَرٍ ثَقِيلٍ، أَوْ خَشَبَةٍ كَبِيرَةٍ، وَحَدَّ الْخِرَقِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ الْخَشَبَةَ الْكَبِيرَةَ بِمَا فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ: يَعْنِي الْعُمُدَ الَّتِي يَتَّخِذُهَا الأَْعْرَابُ لِبُيُوتِهِمْ، وَفِيهَا دِقَّةٌ، وَأَمَّا عُمُدُ الْخِيَامِ فَكَبِيرَةٌ تَقْتُل غَالِبًا فَلَمْ يُرِدْهَا الْخِرَقِيُّ.

_________

(١) حديث: " ألا إن قتيل. . . ". أخرجه النسائي (٨ / ٤٢) وصححه ابن القطان كما في التلخيص لابن حجر (٤ / ١٥) .

(٢) حاشية ابن عابدين: ٥ / ٣٣٩ - ٣٤٠، والمغني ٧ / ٦٣٨ - ٦٣٩.

وَإِنَّمَا حَدَّ الْمُوجِبَ لِلْقِصَاصِ بِمَا فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا سُئِل عَنِ الْمَرْأَةِ الَّتِي ضَرَبَتْ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا، قَضَى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ، وَقَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، (١) وَالْعَاقِلَةُ لاَ تَحْمِل الْعَمْدَ، فَدَل عَلَى أَنَّ الْقَتْل بِعَمُودِ الْفُسْطَاطِ لَيْسَ بِعَمْدٍ، وَإِنْ كَانَ أَعْظَمَ مِنْهُ فَهُوَ عَمْدٌ، لأَِنَّهُ يَقْتُل غَالِبًا.

وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَيْضًا أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ حَائِطًا أَوْ صَخْرَةً، أَوْ خَشَبَةً عَظِيمَةً أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُهْلِكُهُ غَالِبًا، فَفِيهِ الْقَوَدُ، لأَِنَّهُ يَقْتُل غَالِبًا. (٢)

١٠ - وَإِنْ ضَرَبَهُ بِمُثَقَّلٍ صَغِيرٍ كَالْعَصَا وَالسَّوْطِ، وَالْحَجَرِ الصَّغِيرِ، أَوْ لَكَزَهُ بِيَدِهِ فِي مَقْتَلٍ، أَوْ فِي حَال ضَعْفٍ مِنَ الْمَضْرُوبِ لِمَرَضٍ أَوْ صِغَرٍ، أَوْ فِي زَمَنٍ مُفْرِطِ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ بِحَيْثُ تَقْتُلُهُ تِلْكَ الضَّرْبَةُ، أَوْ كَرَّرَ الضَّرْبَ حَتَّى قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُل غَالِبًا، فَفِيهِ الْقَوَدُ، لأَِنَّهُ قَتَلَهُ بِمَا يَقْتُل مِثْلُهُ غَالِبًا فَأَشْبَهَ الضَّرْبَ بِمُثَقَّلٍ كَبِيرٍ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (٣) .

_________

(١) حديث: " المرأة التي ضربت ضرتها بعمود فسطاط. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٣١٠ - ١٣١١) من حديث المغيرة بن شعبة.

(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٢٤٢، مغني المحتاج ٤ / ٤، المغني ٧ / ٦٣٨ - ٦٣٩.

(٣) المراجع السابقة.

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الْقَتْل بِالْخَنْقِ:

١١ - أَنْ يَجْعَل فِي عُنُقِهِ خُرَاطَةً، ثُمَّ يُعَلِّقَهُ فِي خَشَبَةٍ أَوْ شَيْءٍ بِحَيْثُ يَرْتَفِعُ عَنِ الأَْرْضِ فَيَخْتَنِقَ وَيَمُوتَ، فَهَذَا عَمْدٌ سَوَاءٌ مَاتَ فِي الْحَال أَوْ بَقِيَ زَمَنًا، لأَِنَّ هَذَا أَوْحَى أَنْوَاعِ الْخَنْقِ، وَكَذَا أَنْ يَخْنُقَهُ وَهُوَ عَلَى الأَْرْضِ بِيَدَيْهِ أَوْ بِمِنْدِيلٍ أَوْ بِحَبْلٍ، أَوْ شَيْءٍ يَضَعُهُ عَلَى فَمِهِ وَأَنْفِهِ، أَوْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمَا فَيَمُوتَ، فَهَذَا إنْ فَعَل بِهِ ذَلِكَ مُدَّةً يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا فَمَاتَ فَهُوَ عَمْدٌ فِيهِ الْقِصَاصُ، وَبِهِ قَال عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالنَّخَعِيُّ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (خَنْقٌ ف ٣)

الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يُلْقِيَهُ فِي مَهْلَكَةٍ:

وَذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:

الضَّرْبُ الأَْوَّل:

١٢ - أَنْ يُلْقِيَهُ مِنْ شَاهِقٍ كَرَأْسِ جَبَلٍ، أَوْ حَائِطٍ عَالٍ يَهْلِكُ بِهِ غَالِبًا فَيَمُوتَ، فَهُوَ عَمْدٌ، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ.

الضَّرْبُ الثَّانِي:

١٣ - أَنْ يُلْقِيَهُ فِي نَارٍ أَوْ مَاءٍ يُغْرِقُ، وَلاَ يُمْكِنُهُ

_________

(١) الاختيار ٥ / ٢٩، حاشية الدسوقي ٤ / ٢٤٢، مغني المحتاج ٤ / ٦، المغني ٧ / ٦٤٠.