الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 66

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

لَهُ بَعْدَ جَرْحِهِ صَحَّ، وَإِنْ وَصَّى لَهُ قَبْلَهُ ثُمَّ طَرَأَ الْقَتْل عَلَى الْوَصِيَّةِ أَبْطَلَهَا، وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَيْضًا وَهُوَ الْمَذْهَبُ.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: هَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ الْجَرْحِ صَدَرَتْ مِنْ أَهْلِهَا فِي مَحَلِّهَا، وَلَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَا يُبْطِلُهَا بِخِلاَفِ مَا إذَا تَقَدَّمَتْ، فَإِنَّ الْقَتْل طَرَأَ عَلَيْهَا فَأَبْطَلَهَا، لأَِنَّهُ يُبْطِل مَا هُوَ آكَدُ مِنْهَا (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ إنْ عَلِمَ الْمُوصِي بِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ هُوَ الَّذِي ضَرَبَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً صَحَّ الإِْيصَاءُ مِنْهُ، وَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ فِي الْخَطَأِ فِي الْمَال وَالدِّيَةِ، وَفِي الْعَمْدِ فِي الْمَال فَقَطْ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْمُوصِي فَتَأْوِيلاَنِ فِي صِحَّةِ إيصَائِهِ وَعَدَمِهَا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (وَصِيَّةٌ) .

أَنْوَاعُ الْقَتْل الَّتِي حُكْمُهَا حُكْمُ الْخَطَأِ:

أ - عَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ:

١٢ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ كَالْخَطَأِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلاَ قِصَاصَ فِيهِ، لأَِنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْل الْقَصْدِ الصَّحِيحِ (٢) . وَالأَْصْل فِي هَذَا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٣٣٨ - ٣٤٠، وحاشية الدسوقي ٤ / ٤٢٦، ومغني المحتاج ٣ / ٤٣، والمغني ٦ / ١١١، ١١٢، وكشاف القناع ٤ / ٣٥٨.

(٢) المغني ٧ / ٦٣٧.

حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِل أَوْ يُفِيقَ. (١)

وَلأَِنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ مُغَلَّظَةٌ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ وَزَائِل الْعَقْل كَالْحُدُودِ، وَلأَِنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ صَحِيحٌ، فَهُمْ كَالْقَاتِل خَطَأً (٢) .

وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ فَقَالُوا: إنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ عَمْدٌ فِي الأَْظْهَرِ أَمَّا الصَّبِيُّ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ فَعَمْدُهُ خَطَأٌ بِاتِّفَاقِهِمْ، وَأَضَافُوا أَنَّ الصَّبِيَّ مُمَيِّزًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ لاَ قِصَاصَ عَلَيْهِ فِي الْقَتْل الْعَمْدِ، وَلَكِنَّ الأَْمْرَ يَخْتَلِفُ فِي الدِّيَةِ فَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي الْخَطَأِ، وَفِي مَالِهِ إنِ اُعْتُبِرَ عَمْدُهُ عَمْدًا. (٣)

ب - مَا أُجْرِيَ مُجْرَى الْخَطَأِ:

١٣ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْحَنَابِلَةِ قِسْمًا آخَرَ لِلْقَتْل سَمَّوْهُ مَا أُجْرِيَ مُجْرَى الْخَطَأِ، وَيُعْتَبَرُ الْقَتْل الْجَارِي مَجْرَى الْخَطَأِ كَالْخَطَأِ فِي الْحُكْمِ، فَمِثْل النَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى رَجُلٍ فَيَقْتُلُهُ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْخَطَأِ فِي الشَّرْعِ، وَلَكِنَّهُ دُونَ الْخَطَأِ حَقِيقَةً، لأَِنَّ النَّائِمَ لَيْسَ مِنْ أَهْل

_________

(١) حديث: " رفع القلم عن ثلاثة. . . ". أخرجه النسائي (٦ / ١٥٦) والحاكم (٢ / ٥٩) من حديث عائشة، واللفظ للنسائي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(٢) المغني ٧ / ٦٦٤.

(٣) مغني المحتاج ٤ / ١٠.

الْقَصْدِ أَصْلًا، فَلاَ يُوصَفُ فِعْلُهُ بِالْعَمْدِ وَلاَ بِالْخَطَأِ، إلاَّ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْخَطَأِ لِحُصُول الْمَوْتِ بِفِعْلِهِ كَالْخَاطِئِ.

وَتَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ لِتَرْكِ التَّحَرُّزِ عَنْ نَوْمِهِ فِي مَوْضِعٍ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَصِيرَ قَاتِلًا، وَالْكَفَّارَةُ فِي قَتْل الْخَطَأِ إنَّمَا تَجِبُ لِتَرْكِ التَّحَرُّزِ، وَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ لِمُبَاشَرَتِهِ الْقَتْل، لأَِنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَكُونَ مُتَنَاوِمًا، وَلَمْ يَكُنْ نَائِمًا، قَصْدًا مِنْهُ إلَى اسْتِعْجَال الإِْرْثِ، أَمَّا الَّذِي سَقَطَ مِنْ سَطْحٍ فَوَقَعَ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ، فَمِثْل النَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى رَجُلٍ فَيَقْتُلَهُ، لِكَوْنِهِ قَتْلًا لِلْمَعْصُومِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَكَانَ جَارِيًا مَجْرَى الْخَطَأِ.

وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ هَذِهِ الصُّوَرَ بِالْقَتْل الْخَطَأِ (١) .

_________

(١) تكملة فتح القدير ٩ / ١٤٨، والاختيار ٥ / ٢٦، وابن عابدين ٥ / ٣٤١، ٣٤٢، والقوانين الفقهية ٣٣٨ - ٣٣٩ ط دار الكتاب العربي، وشرح الزرقاني ٨ / ٨ ط دار الفكر، والقليوبي ٤ / ٩٦ ط دار إحياء الكتب العربية، والمغني ٧ / ٦٣٧ وما بعدها ط الرياض، ونيل المآرب ٢ / ٣١٥، وكشاف القناع ٥ / ٥٠٥، ٥١٣، مغني المحتاج ٤ / ٤ - ٥.

قَتْلٌ شِبْهُ الْعَمْدِ

التَّعْرِيفُ:

١ - قَتْلٌ شِبْهُ الْعَمْدِ مُرَكَّبٌ مِنْ: قَتْلٌ، وَشِبْهٌ، وَعَمْدٌ، وَقَدْ سَبَقَ تَعْرِيفُ كُلٍّ مِنْهَا فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهُ أَبُو حَنِيفَةَ: بِأَنَّهُ تَعَمُّدُ شَخْصٍ ضَرْبَ آخَرَ بِمَا لَيْسَ بِسِلاَحٍ وَلاَ مَا جَرَى مَجْرَى السِّلاَحِ.

وَعَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُ قَصْدُ ضَرْبِ الشَّخْصِ عُدْوَانًا بِمَا لاَ يَقْتُل غَالِبًا، كَالسَّوْطِ وَالْعَصَا (١) .

وَلَمْ يُعَرِّفْهُ الْمَالِكِيَّةُ لأَِنَّ الْقَتْل عِنْدَهُمْ عَمْدٌ وَخَطَأٌ فَقَطْ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْقَتْل الْعَمْدُ:

٢ - الْقَتْل الْعَمْدُ هُوَ قَصْدُ الْفِعْل وَالشَّخْصِ

_________

(١) الفتاوى الهندية ٦ / ٢ - ٣، روضة الطالبين ٩ / ١٢٤، مغني المحتاج ٤ / ٤٠٣، المغني لابن قدامة ٧ / ٦٥٠.

(٢) المنتقى للباجي ٧ / ١٠٠، والقوانين الفقهية / ٣٣٩.

بِمَا يَقْتُل قَطْعًا أَوْ غَالِبًا (١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقَتْل الْعَمْدِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ أَنَّ الْجَانِيَ فِي الْقَتْل الْعَمْدِ يَسْتَعْمِل آلَةً تَقْتُل غَالِبًا كَالسَّيْفِ بِخِلاَفِ شِبْهِ الْعَمْدِ.

ب - الْقَتْل الْخَطَأُ:

٣ - الْقَتْل الْخَطَأُ: مَا وَقَعَ دُونَ قَصْدِ الْفِعْل وَالشَّخْصِ، أَوْ دُونَ قَصْدِ أَحَدِهِمَا (٢) .

وَالصِّلَةُ أَنَّ الْقَتْل الْخَطَأَ لاَ يُقْصَدُ فِيهِ الْفِعْل غَالِبًا، وَأَمَّا الْقَتْل شِبْهُ الْعَمْدِ فَيُقْصَدُ فِيهِ الْفِعْل وَلاَ يُقْصَدُ إزْهَاقُ الرُّوحِ.

ج - الْقَتْل بِسَبَبٍ:

٤ - الْقَتْل بِسَبَبٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ الْقَتْل نَتِيجَةَ فِعْلٍ لاَ يُؤَدِّي مُبَاشَرَةً إلَى قَتْلٍ، كَوَضْعِ حَجَرٍ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ وَفِنَائِهِ، فَيَعْطَبُ بِهِ إنْسَانٌ وَيُقْتَل (٣) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ وَالْقَتْل بِسَبَبٍ أَنَّ الْقَتْل شِبْهَ الْعَمْدِ قَتْلٌ بِفِعْلٍ مُبَاشِرٍ وَالْقَتْل بِسَبَبٍ قَتْلٌ بِفِعْلٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٥ - الْقَتْل شِبْهُ الْعَمْدِ حَرَامٌ إنْ كَانَ نَتِيجَةً لِضَرْبٍ

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٣.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ٤.

(٣) بدائع الصنائع ٧ / ٣٣٩.

مُتَعَمَّدٍ عُدْوَانًا، وَالْعُدْوَانُ مُحَرَّمٌ، لِقَوْلِهِ ﷾: ﴿وَلاَ تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ . (١)

أَنْوَاعُ الْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ:

٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى الْقَوْل بِالْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى إثْبَاتِهِ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَلاَ وَإِنَّ قَتِيل الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ مِائَةٌ مِنَ الإِْبِل (٢) وَفِي رِوَايَةٍ: عَقْل شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْل عَقْل الْعَمْدِ وَلاَ يُقْتَل صَاحِبُهُ.

(٣) وَقَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ الْقَتْل شِبْهَ الْعَمْدِ إلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ:

قَال الْكَاسَانِيُّ: شِبْهُ الْعَمْدِ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:

مِنْهَا أَنْ يَقْصِدَ الْقَتْل بِعَصًا صَغِيرَةٍ أَوْ بِحَجَرٍ صَغِيرٍ أَوْ لَطْمَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يَكُونُ الْغَالِبُ فِيهَا الْهَلاَكَ، كَالسَّوْطِ وَنَحْوِهِ إذَا ضَرَبَ ضَرْبَةً أَوْ ضَرْبَتَيْنِ وَلَمْ يُوَال فِي الضَّرَبَاتِ.

وَمِنْهَا: أَنْ يَضْرِبَ بِالسَّوْطِ الصَّغِيرِ وَيُوَالِيَ

_________

(١) سورة البقرة / ١٩٠.

(٢) حديث: " ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد. . . ". أخرجه النسائي (٨ / ٤١) من حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ وصححه ابن القطان كما في التلخيص لابن حجر (٤ / ١٥) .

(٣) حديث: " عقل شبه العمد. . . ". أخرجه أبو داود (٤ / ٦٩٥) من حديث عبد الله بن عمرو.

فِي الضَّرَبَاتِ إلَى أَنْ يَمُوتَ.

وَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ.

وَمِنْهَا: مَا قَصَدَ قَتْلَهُ بِمَا يَغْلِبُ فِيهِ الْهَلاَكُ مِمَّا لَيْسَ بِجَارِحٍ وَلاَ طَاعِنٍ، كَمِدَقَّةِ الْقَصَّارِينَ، وَالْحَجَرِ الْكَبِيرِ، وَالْعَصَا الْكَبِيرَةِ وَنَحْوِهَا، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَمْدٌ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ.

وَقَال جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ إنَّ الْقَتْل شِبْهَ الْعَمْدِ يَكُونُ بِقَصْدِ الْفِعْل وَالشَّخْصِ بِمَا لاَ يَقْتُل غَالِبًا.

وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ صُورَتَيْنِ لِلْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ:

الأُْولَى: أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ عُدْوَانًا بِمَا لاَ يَقْتُل غَالِبًا كَخَشَبَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ حَجَرٍ صَغِيرٍ أَوْ لَكْزَةٍ وَنَحْوِهَا.

وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ تَأْدِيبًا وَيُسْرِفَ فِي الضَّرْبِ فَيُفْضِيَ إلَى الْقَتْل. (١)

٧ - وَكَمَا يَكُونُ الْقَتْل شِبْهُ الْعَمْدِ بِالْفِعْل يَكُونُ بِالْمَنْعِ، فَإِذَا امْتَنَعَ الْجَانِي عَنْ عَمَلٍ مُعَيَّنٍ فَأَدَّى هَذَا إلَى قَتْل الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ الْقَتْل يُعْتَبَرُ هَذَا الْقَتْل عَمْدًا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ يُعْتَبَرُ شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ خَطَأً عِنْدَ بَعْضِهِمْ، كَمَنْ حَبَسَ إنْسَانًا وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ أَوِ.

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٣٣ بتصرف، روضة الطالبين ٩ / ١٢٤، والمغني ٧ / ٦٥٠.

الشَّرَابَ فَمَاتَ

، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِهِ عَمْدًا وَشِبْهَ عَمْدٍ أَوْ خَطَأً، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ هَذَا لاَ يُعْتَبَرُ قَتْلًا، لاَ شِبْهَ عَمْدٍ وَلاَ خَطَأً، لأَِنَّ الْهَلاَكَ حَصَل بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَلاَ صُنْعَ لأَِحَدٍ فِي ذَلِكَ.

وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، لأَِنَّهُ لاَ بَقَاءَ لِلآْدَمِيِّ إلاَّ بِالأَْكْل وَالشُّرْبِ، فَالْمَنْعُ عِنْدَ اسْتِيلاَءِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ عَلَيْهِ يَكُونُ إهْلاَكًا لَهُ، فَأَشْبَهَ حَفْرَ الْبِئْرِ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ (١) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إلَى أَنَّ هَذَا قَتْل عَمْدٍ إذَا مَاتَ فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ مِثْلُهُ فِيهَا غَالِبًا، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ النَّاسِ وَالزَّمَانِ وَالأَْحْوَال، فَإِذَا كَانَ عَطَشًا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، مَاتَ فِي الزَّمَنِ الْقَلِيل، وَإِنْ كَانَ رَيَّانَ وَالزَّمَنُ بَارِدٌ أَوْ مُعْتَدِلٌ لَمْ يَمُتْ إلاَّ فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ، فَيُعْتَبَرُ هَذَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَأِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَشِبْهُ عَمْدٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٢)

٨ - أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ، فَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَتْل نَوْعَانِ: عَمْدٌ وَخَطَأٌ، لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلاَّ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ، فَمَنْ زَادَ قِسْمًا ثَالِثًا زَادَ عَلَى النَّصِّ، يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ٢٣٤ - ٢٣٥.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ٥، نهاية المحتاج ٧ / ٢٣٩، المغني لابن قدامة ٧ / ٦٤٣.

أَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا إلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ . (١)

فَلاَ وَاسِطَةَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، فَالْعَمْدُ عِنْدَ مَالِكٍ هُوَ كُل فِعْلٍ تَعَمَّدَهُ الإِْنْسَانُ بِقَصْدِ الْعُدْوَانِ، فَأَدَّى لِلْمَوْتِ، أَيًّا كَانَتِ الآْلَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي الْقَتْل، أَمَّا إذَا كَانَ مَوْتُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ نَتِيجَةَ فِعْلٍ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ وَالتَّأْدِيبِ فَهُوَ قَتْلٌ خَطَأٌ.

وَفِي غَيْرِ الْمَشْهُورِ يَقُول ابْنُ وَهْبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِثُبُوتِ شِبْهِ الْعَمْدِ، رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَرَبِيعَةَ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَحَكَاهُ الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ، وَصُورَتُهُ عِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ مَا كَانَ بِعَصًا أَوْ وَكْزَةٍ أَوْ لَطْمَةٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ فَفِيهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ فَفِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ وَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ.

_________

(١) سورة النساء / ٩٢ - ٩٣.

وَيَرَى الْعِرَاقِيُّونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الضَّرْبَ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، لأَِنَّهُ قَصَدَ الضَّرْبَ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ (١) .

مَا يَجِبُ فِي الْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ:

٩ - يَجِبُ عَلَى الْجَانِي فِي الْقَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَالْحِرْمَانُ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَيَلْحَقُهُ الإِْثْمُ نَتِيجَةَ جِنَايَتِهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أ - الدِّيَةُ:

١٠ - الدِّيَةُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ تَكُونُ مُغَلَّظَةً، وَتَجِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْقَائِلِينَ بِشِبْهِ الْعَمْدِ، وَلاَ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْجَانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَيَشْتَرِكُ فِيهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (دِيَاتٌ ف ١٥ - ١٦) .

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ تَغْلِيظِ الدِّيَةِ، وَمَا يَكُونُ فِيهِ التَّغْلِيظُ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (دِيَاتٌ ف ١٦) وَمُصْطَلَحِ: (تَغْلِيظٌ فِقْرَةُ ٤) .

ب - الْكَفَّارَةُ:

١١ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْكَرْخِيُّ مِنَ

_________

(١) المدونة الكبرى ١٦ / ١٠٨، الخرشي ٨ / ٣١، المنتقى للباجي ٧ / ١٠٠ - ١٠١، بداية المجتهد ٢ / ٤٣٣.