الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 61

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ تَقَدُّمُ الإِْيجَابِ عَلَى الْقَبُول فِيهِ قَالُوا: لأَِنَّ الْقَبُول إنَّمَا يَكُونُ لِلإِْيجَابِ، فَمَتَى وُجِدَ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ قَبُولًا لِعَدَمِ مَعْنَاهُ، بِخِلاَفِ الْبَيْعِ، لأَِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ بِالْمُعَاطَاةِ، وَلأَِنَّهُ لاَ يَتَعَيَّنُ فِيهِ لَفْظٌ، بَل يَصِحُّ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ مِمَّا يُؤَدِّي الْمَعْنَى (١) .

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَالْقَبُول عِنْدَهُمْ هُوَ مَا يَذْكُرُهُ الطَّرَفُ الثَّانِي فِي الْعَقْدِ دَالًّا عَلَى رِضَاهُ بِمَا أَوْجَبَهُ الطَّرَفُ الأَْوَّل. فَهُمْ يَعْتَبِرُونَ الْكَلاَمَ الَّذِي يَصْدُرُ أَوَّلًا إيجَابًا وَالْكَلاَمَ الَّذِي يَصْدُرُ ثَانِيًا قَبُولًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَابِل بَائِعًا أَوْ مُشْتَرِيًا، مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُؤَجِّرًا، الزَّوْجَ أَوِ الزَّوْجَةَ أَوْ وَلِيَّهَا، يَقُول الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: الإِْيجَابُ: هُوَ إثْبَاتُ الْفِعْل الدَّال عَلَى الرِّضَا الْوَاقِعِ أَوَّلًا سَوَاءٌ وَقَعَ مِنَ الْبَائِعِ كَبِعْتُ، أَوْ مِنَ الْمُشْتَرِي كَأَنْ يَبْتَدِئَ الْمُشْتَرِي فَيَقُول: اشْتَرَيْتُ مِنْكَ هَذَا بِأَلْفٍ، وَالْقَبُول: الْفِعْل الثَّانِي، وَإِلاَّ فَكُلٌّ مِنْهُمَا إيجَابٌ أَيْ إثْبَاتٌ، فَسُمِّيَ الإِْثْبَاتُ الثَّانِي بِالْقَبُول تَمْيِيزًا لَهُ عَنِ الإِْثْبَاتِ الأَْوَّل، وَلأَِنَّهُ يَقَعُ قَبُولًا وَرِضًا بِفِعْل الأَْوَّل (٢) .

_________

(١) الحطاب ٤ / ٢٢٩ وجواهر الإكليل ٢ / ٢، ومنح الجليل ٢ / ١١، ومغني المحتاج ٣ / ١٤٠، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٦٦ - ٣٦٧، ٦ / ٢٠٧، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٤٠، ٣ / ١٢، والمغني ٦ / ٥٣٤ - ٥٣٥.

(٢) ابن عابدين ٤ / ٧، وفتح القدير ٥ / ٤٥٦، نشر دار إحياء التراث.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَبُول مِنْ أَحْكَامٍ:

٦ - الْقَبُول قَدْ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ ﷾، وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:

أَوَّلًا: الْقَبُول مِنَ اللَّهِ ﷾:

٧ - الْقَبُول مِنَ اللَّهِ ﷾ يَأْتِي بِمَعْنَيَيْنِ:

الأَْوَّل: بِمَعْنَى الصَّفْحِ وَالسَّتْرِ وَالْغُفْرَانِ، وَذَلِكَ فِي قَبُول تَوْبَةِ الْعَبْدِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَل التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ . (١)

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَوْبَةٌ ف ١٢) .

الثَّانِي: يَكُونُ الْقَبُول مِنَ اللَّهِ ﷾ بِمَعْنَى الإِْثَابَةِ عَلَى الْعَمَل، لَكِنْ هَل هُنَاكَ تَلاَزُمٌ بَيْنَ صِحَّةِ الْعَمَل وَإِجْزَائِهِ وَبَيْنَ قَبُولِهِ عِنْدَ اللَّهِ ﷾، أَمْ لاَ تَلاَزُمَ بَيْنَهُمَا؟ .

يَقُول الْقَرَافِيُّ: هُنَا قَاعِدَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْقَبُول غَيْرُ الإِْجْزَاءِ وَغَيْرُ الْفِعْل الصَّحِيحِ، فَالْمُجْزِئُ مِنَ الأَْفْعَال وَهُوَ الصَّحِيحُ: مَا اجْتَمَعَتْ شَرَائِطُهُ وَأَرْكَانُهُ، وَانْتَفَتْ مَوَانِعُهُ، فَهَذَا يُبْرِئُ الذِّمَّةَ بِغَيْرِ خِلاَفٍ وَيَكُونُ فَاعِلُهُ

_________

(١) سورة الشورى / ٢٥ وانظر مختصر تفسير ابن كثير ٣ / ٢٧٧.

مُطِيعًا بَرِيءَ الذِّمَّةِ، فَهَذَا أَمْرٌ لاَزِمٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، أَمَّا الثَّوَابُ عَلَيْهِ فَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى عَدَمِ لُزُومِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يُبْرِئُ الذِّمَّةَ بِالْفِعْل وَلاَ يُثِيبُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْقَبُول.

وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ:

أَحَدُهَا: قَوْله تَعَالَى حِكَايَةٌ عَنِ ابْنَيْ آدَمَ ﴿إنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١) لَمَّا قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّل مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّل مِنَ الآْخَرِ، مَعَ أَنَّ قُرْبَانَهُ كَانَ عَلَى وَفْقِ الأَْمْرِ، وَيَدُل عَلَيْهِ أَنَّ أَخَاهُ عَلَّل عَدَمَ الْقَبُول بِعَدَمِ التَّقْوَى، وَلَوْ أَنَّ الْفِعْل مُخْتَلٌّ فِي نَفْسِهِ لَقَال لَهُ إنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّهُ الْعَمَل الصَّحِيحَ الصَّالِحَ، لأَِنَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ الْقَرِيبُ لِعَدَمِ الْقَبُول، فَحَيْثُ عَدَل عَنْهُ دَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْفِعْل كَانَ صَحِيحًا مُجْزِئًا، وَإِنَّمَا انْتَفَى الْقَبُول لأَِجْل انْتِفَاءِ التَّقْوَى، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَمَل الْمُجْزِئَ قَدْ لاَ يُقْبَل وَإِنْ بَرِئَتِ الذِّمَّةُ بِهِ وَصَحَّ فِي نَفْسِهِ.

وَثَانِيهَا: قَوْله تَعَالَى حِكَايَةٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل ﵉: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيل رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إنَّك أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) فَسُؤَالُهُمَا الْقَبُول فِي فِعْلِهِمَا مَعَ أَنَّهُمَا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا

_________

(١) سورة المائدة / ٢٧.

(٢) سورة البقرة / ١٢٧.

وَسَلاَمُهُ لاَ يَفْعَلاَنِ إلاَّ فِعْلًا صَحِيحًا يَدُل عَلَى أَنَّ الْقَبُول غَيْرُ لاَزِمٍ لِلْفِعْل الصَّحِيحِ وَلِذَلِكَ دَعَوْا بِهِ لأَِنْفُسِهِمَا.

وَثَالِثُهَا: الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَهُوَ قَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِْسْلاَمِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِل فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِْسْلاَمِ أُوخِذَ بِالأَْوَّل وَالآْخِرِ (١) فَاشْتَرَطَ فِي الْجَزَاءِ الَّذِي هُوَ الثَّوَابُ أَنْ يُحْسِنَ فِي الإِْسْلاَمِ وَالإِْحْسَانُ فِي الإِْسْلاَمِ هُوَ التَّقْوَى.

وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ ﵊ فِي الأُْضْحِيَّةِ لَمَّا ذَبَحَهَا: اللَّهُمَّ تَقَبَّل مِنْ مُحَمَّدٍ وَآل مُحَمَّدٍ (٢)، فَسَأَل ﵊ الْقَبُول مَعَ أَنَّ فِعْلَهُ فِي الأُْضْحِيَّةِ كَانَ عَلَى وَفْقِ الشَّرِيعَةِ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقَبُول وَرَاءَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَالإِْجْزَاءِ، وَإِلاَّ لَمَا سَأَلَهُ ﵊، فَإِنَّ سُؤَال تَحْصِيل الْحَاصِل لاَ يَجُوزُ.

وَخَامِسُهَا: أَنَّ صُلَحَاءَ الأُْمَّةِ وَخِيَارَهَا لاَ يَزَالُونَ يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى الْقَبُول فِي الْعَمَل، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلصِّحَّةِ وَالإِْجْزَاءِ لَكَانَ هَذَا الدُّعَاءُ إنَّمَا يَحْسُنُ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، فَيُسْأَل اللَّهُ تَعَالَى تَيْسِيرَ الأَْرْكَانِ

_________

(١) حديث: " من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٢٦٥) ومسلم (١ / ١١) من حديث ابن مسعود.

(٢) حديث: " اللهم تقبل من محمد وآل محمد ". أخرجه مسلم (٣ / ١٥٥٧) من حديث عائشة.

وَالشَّرَائِطِ وَانْتِفَاءَ الْمَوَانِعِ، أَمَّا بَعْدَ الْجَزْمِ بِوُقُوعِهَا فَلاَ يَحْسُنُ ذَلِكَ.

فَدَلَّتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ عَلَى أَنَّ الْقَبُول غَيْرُ الإِْجْزَاءِ وَغَيْرُ الصِّحَّةِ وَأَنَّهُ الثَّوَابُ.

وَسَاقَ الْقَرَافِيُّ أَدِلَّةً أُخْرَى غَيْرَ مَا سَبَقَ، ثُمَّ قَال: إذَا تَقَرَّرَ هَذَا الْفَرْقُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ وَصْفَ التَّقْوَى شَرْطٌ فِي الْقَبُول بَعْدَ الإِْجْزَاءِ، وَالتَّقْوَى هَاهُنَا لَيْسَتْ مَحْمُولَةً عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ مُجَرَّدُ الاِتِّقَاءِ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَلَكِنَّهَا اجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ وَفِعْل الْوَاجِبَاتِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ الْغَالِبَ عَلَى الشَّخْصِ (١)

ثَانِيًا: قَبُول الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ:

٨ - قَبُول الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ يَكُونُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَتِمُّ بَيْنَهُمْ.

وَمِنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُول، وَهِيَ الْعُقُودُ الَّتِي تَتِمُّ بِإِرَادَتَيْنِ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَالْقِرَاضِ وَالصُّلْحِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهَا، فَهَذِهِ الْعُقُودُ يَتَوَقَّفُ تَمَامُهَا عَلَى الْقَبُول، إذْ هُوَ مُقَابِل الإِْيجَابِ، وَالْعَقْدُ لاَ يَتِمُّ إلاَّ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول، لأَِنَّهُمَا يُكَوِّنَانِ الصِّيغَةَ الَّتِي هِيَ رُكْنُ الْعَقْدِ.

وَمِنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مَا لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُول، وَهِيَ الَّتِي تَتِمُّ بِإِرَادَةٍ وَاحِدَةٍ، مِنْ

_________

(١) الفروق للقرافي ٢ / ٥١ - ٥٤.

ذَلِكَ: الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْوَقْفِ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَعَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَكَذَا الْوَصِيَّةُ لِمِثْل ذَلِكَ، مِنْهَا الإِْسْقَاطَاتُ الْمَحْضَةُ كَالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ إذَا كَانَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا قَبُولٌ وَيَكْفِي لِتَمَامِهَا الإِْيجَابُ فَقَطْ.

وَمِنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مَا اُخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبُول فِيهِ، كَالإِْبْرَاءِ بِنَاءً عَلَى الاِخْتِلاَفِ فِي أَنَّهُ إسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ (١) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (عَقْدٌ) .

٩ - وَمِمَّا يَتَّصِل بِالْقَبُول مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ دَائِرَةِ الْعُقُودِ كَقَبُول شَهَادَةِ الشَّاهِدِ، وَقَبُول الدَّعْوَةِ لِلْوَلاَئِمِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

شُرُوطُ الْقَبُول فِي الْعُقُودِ:

لِلْقَبُول فِي الْعُقُودِ شُرُوطٌ مِنْهَا:

أ - أَنْ يَكُونَ الْقَبُول عَلَى وَفْقِ الإِْيجَابِ:

١٠ - وَهَذَا شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ، فَفِي الْبَيْعِ مَثَلًا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقْبَل الْمُشْتَرِي مَا أَوْجَبَهُ الْبَائِعُ، فَإِنْ خَالَفَهُ بِأَنْ قَبِل غَيْرَ مَا أَوْجَبَهُ أَوْ بَعْضَ مَا أَوْجَبَهُ لَمْ يَنْعَقِدِ

_________

(١) المنثور ٢ / ٣٩٧ - ٣٩٨، والبدائع ٢ / ٢٩٩، ٤ / ١٧٤، و٥ / ٣٣، و٦ / ٢٠، ٧٩، والحطاب ٦ / ٢٢، ٥٤، وابن عابدين ٤ / ٥، ومغني المحتاج ٢ / ١٧٩، وأشباه السيوطي ٣٠٣ وما بعدها، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٥٤٣.

الْعَقْدُ، فَلَوْ قَال الْبَائِعُ: بِعْتُكَ بِعَشَرَةٍ فَقَال الْمُشْتَرِي: قَبِلْتُهُ بِثَمَانِيَةٍ لَمْ يَنْعَقِدِ الْبَيْعُ (١) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ ف ٢٠) .

ب - أَنْ يَكُونَ الْقَبُول فِي مَجْلِسِ الإِْيجَابِ:

١١ - هَذَا الشَّرْطُ يُعَبِّرُ عَنْهُ الْحَنَفِيَّةُ بِ (اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ) وَالْمُرَادُ بِهَذَا: أَلاَ يَتَفَرَّقَ الْعَاقِدَانِ قَبْل الْقَبُول، وَأَلاَّ يَشْتَغِل الْقَابِل أَوِ الْمُوجِبُ بِعَمَلٍ غَيْرِ مَا عُقِدَ لَهُ الْمَجْلِسُ، لأَِنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ، فَإِنْ تَفَرَّقَا، أَوْ تَشَاغَلاَ بِمَا يَقْطَعُ الْمَجْلِسَ عُرْفًا فَلاَ يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ، لأَِنَّ ذَلِكَ إعْرَاضٌ عَنْهُ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.

وَلاَ يَضُرُّ تَرَاخِي الْقَبُول عَنِ الإِْيجَابِ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلاَ بِمَا يَقْطَعُهُ عُرْفًا، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: كُل مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُول مِنَ الْعُقُودِ فَعَلَى الْفَوْرِ أَيْ أَنْ يَكُونَ عَقِبَ الإِْيجَابِ، وَلاَ يَضُرُّ عِنْدَهُمُ الْفَصْل الْيَسِيرُ (٢) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٥، والحطاب ٤ / ٢٣٠، وحاشية الجمل ٣ / ١٤، وكشاف القناع ٣ / ١٤٦ - ١٤٨، ومغني المحتاج ٢ / ٦.

(٢) البدائع ٥ / ١٣٧، والهداية ٣ / ٢١، وابن عابدين ٤ / ١٩ - ٢٠، ٢ / ٢٦٦، والدسوقي ٣ / ٥، والحطاب ٤ / ٢٤٠، والجمل ٣ / ١٢، ومغني المحتاج ٢ / ٦، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٤١.

ج - عَدَمُ لُزُومِ الْقَبُول:

١٢ - إذَا صَدَرَ الإِْيجَابُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَالْعَاقِدُ الآْخَرُ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ قَبِل فِي الْمَجْلِسِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ، وَهُوَ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ الْحَنَفِيَّةُ بِ (خِيَارِ الْقَبُول) قَالُوا: لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارُ الْقَبُول يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَيَمْتَدُّ خِيَارُ الْقَبُول إلَى انْفِضَاضِ الْمَجْلِسِ، فَمَا دَامَ الْمَجْلِسُ قَائِمًا فَلَهُ أَنْ يَقْبَل أَوْ يَدَعَ مَا لَمْ يَرْجِعِ الْمُوجِبُ عَنْ إيجَابِهِ قَبْل انْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ.

وَيُوَافِقُ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ، لأَِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلاَنِ فَكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا. (١)

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ عِنْدَهُمْ لِمَنْ تَقَدَّمَ كَلاَمُهُ أَوَّلًا وَلَوْ قَبْل رِضَا الآْخَرِ، إلاَّ فِي حَالَةِ مَا إذَا كَانَ كَلاَمُ الْمُتَقَدِّمِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّهُ مَا أَرَادَ الْبَيْعَ، إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْوَعْدَ أَوِ الْهَزْل، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْلِفُ وَيُصَدَّقُ (٢) .

_________

(١) حديث: " إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٣٣) ومسلم (٣ / ١١٦٣) .

(٢) البدائع ٥ / ١٣٤، والهداية ٣ / ٢١، وابن عابدين ٤ / ٢٩، والحطاب ٤ / ٢٤٠، والدسوقي ٣ / ٥، ومغني المحتاج ٢ / ٤٣ - ٤٤، والمغني ٣ / ٥٦٣.

وَإِذَا صَدَرَ الْقَبُول بَعْدَ الإِْيجَابِ مُوَافِقًا لَهُ أَصْبَحَ التَّصَرُّفُ لاَزِمًا لاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إنْ كَانَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ اللاَّزِمَةِ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ.

وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يَلْزَمُ التَّصَرُّفُ إلاَّ بِانْفِضَاضِ الْمَجْلِسِ أَوِ الإِْلْزَامِ. (١)

وَيَسْتَدِل ابْنُ قُدَامَةَ بِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلاَنِ فَكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ. (٢) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (خِيَارُ الْمَجْلِسِ ف ٢ وَمَا بَعْدَهَا) .

د - أَنْ يَكُونَ الْقَابِل أَهْلًا لِلتَّصَرُّفَاتِ:

١٣ - وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا، وَذَلِكَ شَرْطٌ فِي الْمُعَاوَضَاتِ الْمَالِيَّةِ، فَلاَ يَصِحُّ الْقَبُول مِنْ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ، وَإِنَّمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا الأَْبُ أَوِ الْوَصِيُّ أَوِ الْقَاضِي.

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٢٠، والحطاب ٤ / ٢٢٨، وحاشية الجمل ٣ / ١٠، والمغني ٣ / ٥٦٣ وما بعدها.

(٢) حديث: " إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار. . . ". سبق تخريجه ف ١٢.

أَمَّا فِي عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ فَيَصِحُّ الْقَبُول مِنْهُمَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْغِبْطَةِ لَهُمَا، وَلاَ يَتَوَقَّفُ الْقَبُول عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ أَوِ الْوَصِيِّ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (أَهْلِيَّةٌ ف ٢١، ٢٧) .

ثَالِثًا: قَبُول الشَّهَادَةِ:

١٤ - الْمَقْصُودُ بِقَبُول الشَّهَادَةِ: تَصْدِيقُ الْقَاضِي فِيمَا يَشْهَدُ بِهِ الشَّاهِدُ لِيُرَتِّبَ الْحُكْمَ عَلَى شَهَادَتِهِ، إذْ الشَّهَادَةُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ تُظْهِرُ الْحَقَّ وَتُوجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِمُقْتَضَاهَا، لأَِنَّهَا إذَا اسْتَوْفَتْ شُرُوطَهَا كَانَتْ مُظْهِرَةً لِلْحَقِّ وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْقَضَاءِ بِالْحَقِّ.

وَنَظَرًا لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا فَقَدْ وَضَعَ الْفُقَهَاءُ شُرُوطًا لِقَبُول الشَّهَادَةِ مِنْ حَيْثُ الشَّاهِدُ كَكَوْنِهِ بَالِغًا عَاقِلًا عَدْلًا غَيْرَ مُتَّهَمٍ. . . إلَخْ وَمِنْ حَيْثُ الْمَشْهُودُ بِهِ كَكَوْنِهِ مَعْلُومًا، وَمِنْ حَيْثُ عَدَدُ الشُّهُودِ. . . وَهَكَذَا.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (شَهَادَةٌ ف ٩ وَمَا بَعْدَهَا) .

رَابِعًا: قَبُول الدَّعْوَةِ:

يُقْصَدُ بِالدَّعْوَةِ هُنَا أَمْرَانِ.