الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 59

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

تَقْبِضَهُ مِنَ الزَّوْجِ وَبَعْدَهُ، فَلَوْ هَلَكَ بِغَيْرِ تَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ، كَانَ هَلاَكُهُ عَلَيْهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَلَيْسَ لِلْقَبْضِ أَيُّ أَثَرٍ فِي ذَلِكَ، لأَِنَّ الضَّمَانَ مِنْ تَوَابِعِ الْمِلْكِ، وَقَدْ مَلَكَتْهُ بِالْعَقْدِ.

وَالثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ ضَمَانَ الْمَهْرِ الْمُعَيَّنِ يَكُونُ عَلَى الزَّوْجِ قَبْل أَنْ يُسَلِّمَهُ لِزَوْجَتِهِ، فَإِذَا قَبَضَتْهُ انْتَقَل الضَّمَانُ إلَيْهَا.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (ضَمَانٌ ف ١٤٧) وَمُصْطَلَحِ (مَهْرٌ) .

الأَْثَرُ الثَّانِي: التَّسَلُّطُ عَلَى التَّصَرُّفِ:

٦٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي الأَْعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ بَعْدَ قَبْضِهَا، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّصَرُّفِ فِيهَا قَبْل قَبْضِهَا، سَوَاءٌ مُلِكَتْ بِبَيْعٍ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنَ الأَْسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْمِلْكِ، وَقَدْ فَرَّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَبَيْنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِغَيْرِهِ مِنْ ضُرُوبِ التَّصَرُّفَاتِ، وَحَاصِل كَلاَمِهِمْ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ يَنْحَصِرُ فِي ثَلاَثِ مَسَائِل:

الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى: بَيْعُ الأَْعْيَانِ الْمُشْتَرَاةِ قَبْل قَبْضِهَا:

٦١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ بَيْعِ الأَْعْيَانِ الْمُشْتَرَاةِ قَبْل قَبْضِهَا عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْمُشْتَرَى قَبْل قَبْضِهِ مُطْلَقًا، مَطْعُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَطْعُومٍ، عَقَارًا

كَانَ أَوْ مَنْقُولًا، سَوَاءٌ بِيعَ مُقَدَّرًا أَوْ جُزَافًا، وَبِهَذَا قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَالثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ (١) .

وَالْقَوْل الثَّانِي: لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْمُشْتَرَى قَبْل قَبْضِهِ، مَطْعُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَطْعُومٍ، وَسَوَاءٌ بِيعَ مُقَدَّرًا أَمْ جُزَافًا، إلاَّ الْعَقَارَ الَّذِي لاَ يُخْشَى هَلاَكُهُ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ، فَإِنْ تُصُوِّرَ هَلاَكُهُ، بِأَنْ كَانَ عُلُوًّا أَوْ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ كَسَائِرِ الْمَنْقُولاَتِ، وَبِهَذَا قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ، وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) .

الْقَوْل الثَّالِثُ: يَجُوزُ بَيْعُ الْمُشْتَرَى قَبْل قَبْضِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَطْعُومًا، فَإِنْ كَانَ مَطْعُومًا فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ إذَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ - مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذَرْعٍ أَوْ عَدٍّ - سَوَاءٌ أَكَانَ الطَّعَامُ رِبَوِيًّا أَمْ غَيْرَ رِبَوِيٍّ، أَمَّا مَا اشْتَرَاهُ جُزَافًا - أَيْ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ عَلَى التَّحْدِيدِ - فَيَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ تَعْجِيل الثَّمَنِ، كَيْ لاَ يُؤَدِّيَ إلَى بَيْعِ

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٦٨، المجموع شرح المهذب ٩ / ٢٦٤، طرح التثريب ٦ / ١١٤، إحكام الأحكام لابن دقيق العيد وحاشية الصنعاني عليه ٤ / ٨٠ وما بعدها، معالم السنن للخطابي ٣ / ١٣٥ (ط. الطباخ)، المغني ٤ / ١١٣، وبدائع الفوائد ٣ / ٢٥٠ وما بعدها، ورد المحتار ٥ / ١٤٧، شرح المجلة للأتاسي ٢ / ١٧٣.

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ١٨٠، الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٥ / ١٤٧.

الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ (١) .

الْقَوْل الرَّابِعُ: يَجُوزُ بَيْعُ غَيْرِ الْمَطْعُومِ قَبْل قَبْضِهِ، أَمَّا الْمَطْعُومُ فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ اُشْتُرِيَ جُزَافًا أَوْ مُقَدَّرًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذَرْعٍ أَوْ عَدٍّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَبِهِ أَخَذَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ (٢) .

الْقَوْل الْخَامِسُ: لاَ يَجُوزُ بَيْعُ مَا اشْتَرَاهُ مُقَدَّرًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذَرْعٍ أَوْ عَدٍّ قَبْل قَبْضِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَطْعُومًا أَوْ غَيْرَ مَطْعُومٍ، فَإِنِ اُشْتُرِيَ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ جَازَ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَالْمُعْتَمَدُ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ (٣) .

الْقَوْل السَّادِسُ: جَوَازُ الْبَيْعِ قَبْل الْقَبْضِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَبِيعُ عَقَارًا أَمْ مَنْقُولًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَطْعُومًا أَوْ غَيْرَ مَطْعُومٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ أَمْ لَمْ يَكُنْ، وَبِهَذَا قَال عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ (٤) .

قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا قَوْلٌ مَرْدُودٌ بِالسُّنَّةِ

_________

(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ١٥١ وما بعدها، المنتقى للباجي ٤ / ٢٧٩، ٢٨٠، ٢٨٣، كفاية الطالبي الرباني وحاشية العدوي عليه ٢ / ١١٨ وما بعدها.

(٢) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ١١٨.

(٣) كشاف القناع ٣ / ١٩٧ وما بعدها، المغني ٤ / ١٠٧، المحرر ١ / ٣٢٢.

(٤) العدة للصنعاني على إحكام الأحكام لابن دقيق العيد ٤ / ٨١ ط. السلفية بالقاهرة، والنووي على صحيح مسلم ١٠ / ١٧٠، والمغني لابن قدامة ٤ / ١١٣.

وَالْحُجَّةِ الْمُجْمَعَةِ عَلَى الطَّعَامِ، وَأَظُنُّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ هَذَا الْحَدِيثُ، وَمِثْل هَذَا لاَ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ف ٤٢ إلَى ف ٥٢) .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: بَيْعُ الأَْعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ بِغَيْرِ الشِّرَاءِ قَبْل قَبْضِهَا:

٦٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ بَيْعِ مَا مُلِكَ بِغَيْرِ الشِّرَاءِ قَبْل قَبْضِهِ عَلَى أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ كُل عِوَضٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِهَلاَكِهِ قَبْل الْقَبْضِ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ، كَالأُْجْرَةِ وَبَدَل الصُّلْحِ إذَا كَانَ مَنْقُولًا مُعَيَّنًا، وَكُل عِوَضٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ لاَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِهَلاَكِهِ قَبْل الْقَبْضِ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ، كَالْمَهْرِ وَبَدَل الْخُلْعِ وَبَدَل الْعِتْقِ وَبَدَل الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ.

وَالثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْعُقُودَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُعَاوَضَةٌ، وَغَيْرُ مُعَاوَضَةٍ.

فَمَا مُلِكَ بِعَقْدٍ لَيْسَ فِيهِ مُعَاوَضَةٌ كَالْقَرْضِ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ مُطْلَقًا، وَمَا مُلِكَ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَإِنْ مُلِكَ بِمَا يَخْتَصُّ بِالْمُغَابَنَةِ وَالْمُكَايَسَةِ، كَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ إنْ كَانَ طَعَامًا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، كَيْ لاَ يُفْضِيَ إلَى بَيْعِ الْعِينَةِ، وَإِنْ مُلِكَ بِعَقْدٍ يَتَرَدَّدُ

_________

(١) المغني ٤ / ١١٣. وطرح التثريب ٦ / ١١٤.

بَيْنَ قَصْدِ الرِّفْقِ وَالْمُغَابَنَةِ، فَإِنْ وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ، يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ، وَإِنْ وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْمُغَابَنَةِ، كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا يَخْتَصُّ بِقَصْدِ الْمُغَابَنَةِ (١) .

وَالثَّالِثُ: لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الأَْعْيَانَ الْمُسْتَحَقَّةَ لِلإِْنْسَانِ عِنْدَ غَيْرِهِ ضَرْبَانِ: أَمَانَةٌ وَمَضْمُونَةٌ، فَالأَْمَانَةُ يَجُوزُ لِلْمَالِكِ بَيْعُهَا قَبْل قَبْضِهَا، لأَِنَّ مِلْكَهُ فِيهَا تَامٌّ.

وَالْمَضْمُونُ نَوْعَانِ:

(الأَْوَّل) الْمَضْمُونُ بِالْقِيمَةِ، وَيُسَمَّى ضَمَانَ الْيَدِ، فَيَصِحُّ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ لِتَمَامِ الْمِلْكِ فِيهِ.

(وَالثَّانِي) الْمَضْمُونُ بِعِوَضٍ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، وَيُسَمَّى ضَمَانَ الْعَقْدِ، فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ (٢) .

وَالرَّابِعُ: لِلْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ كُل عِوَضٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ يَنْفَسِخُ بِهَلاَكِهِ قَبْل الْقَبْضِ - كَأُجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي إجَارَةٍ، وَعِوَضٍ مُعَيَّنٍ فِي صُلْحٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ - لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ إذَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذَرْعٍ أَوْ عَدٍّ، وَكَذَا مَا لاَ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِهَلاَكِهِ - كَعِوَضِ خُلْعٍ وَعِتْقٍ وَكَمَهْرٍ وَمُصَالَحٍ بِهِ عَنْ

_________

(١) المنتقى للباجي ٤ / ٢٨٠ وما بعدها، وبداية المجتهد ٢ / ١٢١.

(٢) المجموع شرح المهذب ٩ / ٢٦٥ وما بعدها، وروضة الطالبين ٣ / ٥٠٨ وما بعدها، وطرح التثريب ٦ / ١١٦.

دَمِ عَمْدٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ وَقِيمَةِ مُتْلَفٍ - فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ إذَا احْتَاجَ لِتَوْفِيَةٍ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْل الْقَبْضِ، وَكَذَا كُل مَا مُلِكَ بِإِرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ غَنِيمَةٍ وَتَعَيَّنَ مِلْكُهُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَمِلْكُهُ غَيْرُ تَامٍّ، وَلاَ يُتَوَهَّمُ غَرَرُ الْفَسْخِ فِيهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ قَبْضُهُ شَرْطًا لِصِحَّةِ عَقْدِهِ، كَرَأْسِ مَال السَّلَمِ وَالْبَدَلَيْنِ فِي الصَّرْفِ فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ مِمَّنْ صَارَ إلَيْهِ قَبْل قَبْضِهِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَتِمَّ الْمِلْكُ فِيهِ، فَأَشْبَهَ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ (١) .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ الْبَيْعِ فِي الأَْعْيَانِ الْمُشْتَرَاةِ قَبْل قَبْضِهَا:

٦٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّصَرُّفِ بِغَيْرِ الْبَيْعِ فِي الأَْعْيَانِ الْمُشْتَرَاةِ قَبْل قَبْضِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:

الأَْوَّل: لِلْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ قَبْل قَبْضِهِ بِالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالإِْقْرَاضِ وَالرَّهْنِ وَالإِْعَارَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالاِسْتِيلاَدِ وَالتَّزْوِيجِ، أَمَّا إجَارَتُهُ فَلاَ تَجُوزُ مُطْلَقًا (٢) .

_________

(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ١٨٩، ١٩٠، والمغني ٤ / ١١٤ وما بعدها، وكشاف القناع ٣ / ٢٣٣ ط. الحكومة بمكة.

(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٤٧ وما بعدها، وبدائع الصنائع ٥ / ١٨٠، وشرح المجلة للأتاسي ٢ / ١٧٣ وما بعدها.

وَالثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ قَبْل قَبْضِهِ بِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَطْعُومًا، أَوْ كَانَ مَطْعُومًا وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدٍّ، أَمَّا الطَّعَامُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، فَلاَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِأَيِّ عَقْدٍ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْل قَبْضِهِ، أَمَّا بِغَيْرِ الْمُعَاوَضَةِ، كَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَقَرْضٍ وَشَرِكَةٍ وَتَوْلِيَةٍ، فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْل أَنْ يُقْبَضَ (١) .

وَالثَّالِثُ: لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ قَبْل قَبْضِهِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ، كَالإِْجَارَةِ وَالْكِتَابَةِ وَالْهِبَةِ وَالرَّهْنِ وَالإِْقْرَاضِ، أَوْ جَعْلُهُ صَدَاقًا أَوْ أُجْرَةً أَوْ عِوَضًا فِي صُلْحٍ أَوْ رَأْسِ مَال سَلَمٍ وَنَحْوِهَا، وَذَلِكَ لِضَعْفِ الْمِلْكِ، إلاَّ الْعِتْقَ وَالتَّدْبِيرَ وَالاِسْتِيلاَدَ وَالتَّزْوِيجَ وَالْقِسْمَةَ وَالْوَقْفَ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ قَبْل الْقَبْضِ (٢) .

وَالرَّابِعُ: لِلْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ مَا اُشْتُرِيَ مِنَ الْمُقَدَّرَاتِ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذَرْعٍ أَوْ عَدٍّ لاَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْل قَبْضِهِ بِإِجَارَةٍ وَلاَ هِبَةٍ وَلاَ رَهْنٍ وَلاَ حَوَالَةٍ، قِيَاسًا عَلَى بَيْعِهِ، لأَِنَّهُ مِنْ

_________

(١) الفروق للقرافي ٣ / ٢٧٩ - ٢٨٠، والمنتقى للباجي ٤ / ٢٨٢، والقوانين الفقهية ص ٢٨٤ دار العلم للملايين.

(٢) المجموع شرح المهذب ٩ / ٢٦٤ وما بعدها، ومغني المحتاج ٢ / ٦٩، وكفاية الأخبار ١ / ١٣٣، وروضة الطالبين ٣ / ٥٠٦ وما بعدها.

ضَمَانِ بَائِعِهِ، فَلاَ يَجُوزُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَصِحُّ عِتْقُهُ وَجَعْلُهُ مَهْرًا وَبَدَل خُلْعٍ وَكَذَا الْوَصِيَّةُ بِهِ قَبْل أَنْ يُقْبَضَ، وَذَلِكَ لاِغْتِفَارِ الْغَرَرِ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ.

أَمَّا مَا اُشْتُرِيَ جُزَافًا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ، فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْل قَبْضِهِ مُطْلَقًا بِأَيِّ ضَرْبٍ مِنْ ضُرُوبِ التَّصَرُّفَاتِ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ كُنْتُ أَبِيعُ الإِْبِل بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَبِالْعَكْسِ، فَسَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَال: لاَ بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ (١)، إلاَّ مَا بِيعَ بِصِفَةٍ أَوْ رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، فَلاَ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْل قَبْضِهِ، قَال الْبُهُوتِيُّ: لأَِنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، فَأَشْبَهَ الْمَبِيعَ بِكَيْلٍ وَنَحْوِهِ (٢) .

الأَْثَرُ الثَّالِثُ: وُجُوبُ بَذْل الْعِوَضِ:

٦٤ - مِنَ الآْثَارِ الْهَامَّةِ لِقَبْضِ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وُجُوبُ بَذْل الْعِوَضِ الْمُقَابِل مُعَجَّلًا مِنْ قِبَل الْقَابِضِ، حَتَّى تَتَرَتَّبَ عَلَى الْعَقْدِ ثَمَرَاتُهُ، وَتَتَحَقَّقَ مَقَاصِدُهُ وَغَايَاتُهُ، مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ اتِّفَاقٌ بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ عَلَى تَأْخِيرِهِ، فَعِنْدَئِذٍ لاَ يَلْزَمُهُ تَعْجِيلُهُ، لِرِضَا

_________

(١) حديث ابن عمر: " كنت أبيع. . " تقدم تخريجه ف١٣.

(٢) كشاف القناع ٣ / ٢٣٠ ط. الحكومة بمكة المكرمة، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٨٧ - ١٨٩.

مُسْتَحِقِّهِ بِالتَّأْجِيل، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:

(أَوَّلًا) فِي الْبَيْعِ:

٦٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ فِي الْبَيْعِ إذَا قَبَضَ الْبَدَل الَّذِي اسْتَحَقَّهُ بِالْعَقْدِ، يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْل عِوَضِهِ لِلطَّرَفِ الثَّانِي دُونَ تَأْخِيرٍ، تَنْفِيذًا لِلْعَقْدِ وَوَفَاءً بِالاِلْتِزَامِ، وَحَتَّى يَتَمَكَّنُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِمَا مَلَكَهُ بِالْعَقْدِ، إذِ الْمِلْكُ لَمْ يَثْبُتْ لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ وَسِيلَةً إلَى الاِنْتِفَاعِ بِالْمَمْلُوكِ، وَلاَ يَتَهَيَّأُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ إلاَّ بِقَبْضِهِ، تَحْقِيقًا لِلْمُعَادَلَةِ وَالْمُسَاوَاةِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا الْعَقْدُ وَيَنْبَنِي عَلَيْهَا، وَذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ اتِّفَاقٌ بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ عَلَى تَأْجِيل الْبَدَل الآْخَرِ، فَعِنْدَئِذٍ لاَ يَجِبُ عَلَى قَابِضِ الْبَدَل الْمُعَجَّل تَسْلِيمُ عِوَضِهِ حَتَّى يَحِل أَجَلُهُ، لِرِضَا الطَّرَفِ الآْخَرِ بِالتَّأْجِيل وَتَنَزُّلِهِ عَنْ حَقِّهِ بِالتَّعْجِيل.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْعٌ ف ٦١ - ٦٤)

٦٦ - وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ عَقْدُ الصَّرْفِ وَبَيْعُ الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ الَّتِي تَجْمَعُهَا عِلَّةٌ رِبَوِيَّةٌ وَاحِدَةٌ بِبَعْضِهَا، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْقَابِضِ تَأْخِيرُ تَسْلِيمِ عِوَضِ مَا قَبَضَهُ، وَلَوْ رَضِيَ مُسْتَحِقُّهُ بِتَأْخِيرِهِ، لِوُجُوبِ التَّقَابُضِ بَيْنَ الْبَدَلَيْنِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ لِحَقِّ الشَّرْعِ، إذْ يَتَرَتَّبُ عَلَى تَأْخِيرِ أَحَدِهِمَا وَلَوْ

بِالتَّرَاضِي رِبَا النَّسَاءِ (١) .

(ثَانِيًا) فِي الإِْجَارَةِ:

٦٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اخْتِلاَفِ مَذَاهِبِهِمْ إلَى وُجُوبِ بَذْل الْعِوَضِ فِي عَقْدِ الإِْجَارَةِ إذَا قَبَضَ الْعَاقِدُ بَدَلَهُ، مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ اتِّفَاقٌ بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ عَلَى تَأْجِيل الْعِوَضِ، فَيُتَّبَعُ الشَّرْطُ وَيُرَاعَى الاِتِّفَاقُ عِنْدَهُ (٢)، وَإِنْ كَانَتْ كَيْفِيَّةُ التَّسْلِيمِ مُخْتَلِفَةً بِحَسَبِ نَوْعِ الْمَنْفَعَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا (إجَارَةُ أَعْيَانٍ أَوْ إجَارَةُ أَعْمَالٍ)، وَبِمَا يَتَنَاسَبُ مَعَ طَبِيعَةِ الْمَنَافِعِ مِنْ كَوْنِهَا أَعْرَاضًا تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَآنًا فَآنًا عَلَى حُدُوثِ الأَْزْمَانِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إجَارَةٌ ف ٤٥ وَمَا بَعْدَهَا)

(ثَالِثًا) فِي الصَّدَاقِ:

٦٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرَّجُل إذَا سَلَّمَ زَوْجَتَهُ مَهْرَهَا الْمُعَجَّل، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا إذَا طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهَا.

أَمَّا إذَا لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهَا مَهْرَهَا الْمُعَجَّل، فَهَل يَكُونُ لِلزَّوْجَةِ الْحَقُّ فِي الاِمْتِنَاعِ عَنْ تَمْكِينِ الزَّوْجِ مِنْ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَهُ؟ لَقَدْ فَرَّقَ

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢١٥، ورد المحتار ٥ / ٢٥٨ ط. الحلبي، وأحكام القرآن للجصاص ١ / ٥٥٤، وروضة الطالبين ٣ / ٣٧٩، والأم ٣ / ٢٦ (بولاق)، وفتح العلي المالك ٢ / ١١٠، وكشاف القناع ٣ / ٢١٧، والمغني ٤ / ٥١ ط. دار المنار، ومنتهى الإرادات ١ / ٣٨٠.

(٢) بدائع الصنائع ٤ / ٢٠٤، والمغني ٥ / ٤٠٦ وما بعدها.