الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢
الْقَبْضُ لِتَمَامِ الْوَقْفِ، فَإِنْ مَاتَ الْوَاقِفُ أَوْ مَرِضَ أَوْ أَفْلَسَ قَبْل قَبْضِ الْمَوْقُوفِ بَطَل الْوَقْفُ، وَيَكُونُ الْقَبْضُ فِي نَحْوِ الْمَسْجِدِ وَالطَّاحُونِ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْمَوْقُوفِ وَبَيْنَ النَّاسِ (١) .
(ثَالِثًا) الْقَرْضُ:
٤٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي مِلْكِ الْقَرْضِ أَوْ لُزُومِهِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل لِلْمَالِكِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ عَقْدِ الْقَرْضِ أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُقْتَرِضُ، بَل يَلْزَمُ بِالْقَوْل (٢) .
وَالثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ، قَالُوا: يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ.
وَالثَّالِثُ لِلْحَنَابِلَةِ، قَالُوا: يَلْزَمُ بِالْقَبْضِ (٣) .
(رَابِعًا) الرَّهْنُ:
٤٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي لُزُومِ الرَّهْنِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي لُزُومِ الرَّهْنِ، وَعَلَى ذَلِكَ يَكُونُ لِلرَّاهِنِ قَبْل الْقَبْضِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ أَوْ يُسَلِّمَهُ (٤) .
_________
(١) لباب اللباب للقفصي ص٢٣٩، وكفاية الطالبي الرباني وحاشية العدوي عليه ٢ / ٢٠٣، ٢١٢.
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٢٢٦.
(٣) مغني المحتاج ٢ / ١٢٨، منتهى الإرادات ١ / ٣٩٧.
(٤) رد المحتار ٦ / ٤٧٩، تبيين الحقائق للزيلعي ٦ / ٦٣، مغني المحتاج ٢ / ١٢٨، المهذب ١ / ٣١٢، الأشباه والنظائر للسيوطي ص٢٨٠، المغني ٤ / ٣٢٨ وما بعدها، وكشاف القناع ٣ / ٢٧٢ وما بعدها ط. السنة المحمدية، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٣٢.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) حَيْثُ إنَّ الْمَصْدَرَ الْمَقْرُونَ بِحَرْفِ الْفَاءِ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ يُرَادُ بِهِ الأَْمْرُ، وَالأَْمْرُ بِالشَّيْءِ الْمَوْصُوفِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَصْفُ شَرْطًا فِيهِ، إذِ الْمَشْرُوعُ بِصِفَةٍ لاَ يُوجَدُ بِدُونِ تِلْكَ الصِّفَةِ، وَلأَِنَّ الرَّهْنَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ إذْ لاَ يَسْتَوْجِبُ الرَّاهِنُ بِمُقَابَلَتِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ شَيْئًا، وَلِهَذَا لاَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الإِْمْضَاءِ بِعَدَمِ الرُّجُوعِ، وَالإِْمْضَاءُ يَكُونُ بِالْقَبْضِ.
وَقَالُوا: إنَّ اللَّهَ ﷿ وَصَفَ الرِّهَانَ بِكَوْنِهَا مَقْبُوضَةً، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْقَبْضُ فِيهَا شَرْطًا، وَلَوْ لَزِمَتْ بِدُونِ الْقَبْضِ لَمَا كَانَ لِلتَّقْيِيدِ بِهِ فَائِدَةٌ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ الرَّهْنَ يَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، لَكِنَّهُ لاَ يَتِمُّ إلاَّ بِالْقَبْضِ، وَلِلْمُرْتَهِنِ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِالإِْقْبَاضِ، وَيُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَيْهِ.
قَالُوا: أَمَّا لُزُومُهُ بِالْعَقْدِ، فَلأَِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أَثْبَتَهَا رِهَانًا قَبْل الْقَبْضِ، وَأَمَّا إلْزَامُ الرَّاهِنِ بِالإِْقْبَاضِ، فَلأَِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) دَلِيلٌ عَلَى
_________
(١) سورة البقرة / ٢٨٣.
(٢) سورة المائدة / ١.
إلْزَامِ الرَّاهِنِ بِتَسْلِيمِ الْمَرْهُونِ لِلْمُرْتَهِنِ وَفَاءً بِالْعَقْدِ (١) .
قَال الدُّسُوقِيُّ: لاَ خِلاَفَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْقَبْضَ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَةِ الرَّهْنِ وَلاَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ وَلاَ لُزُومِهِ بَل يَنْعَقِدُ وَيَصِحُّ وَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْل (٢) .
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّ الْمَرْهُونَ إذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَلاَ يَلْزَمُ رَهْنُهُ إلاَّ بِالْقَبْضِ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، إحْدَاهُمَا: لاَ يَلْزَمُ إلاَّ بِالْقَبْضِ، وَالأُْخْرَى: يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَالْبَيْعِ (٣) .
اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ فِي الرَّهْنِ:
٥٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ اسْتِدَامَةِ الْقَبْضِ فِي الرَّهْنِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
(أَحَدُهَا) لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ فِي الرَّهْنِ، فَلَوِ اسْتَرْجَعَهُ الرَّاهِنُ بِعَارِيَّةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ صَحَّ، لأَِنَّهُ عَقْدٌ يُعْتَبَرُ الْقَبْضُ فِي ابْتِدَائِهِ، فَلَمْ يُشْتَرَطِ اسْتِدَامَتُهُ كَالْهِبَةِ، وَلِلْمُرْتَهِنِ الْحَقُّ فِي اسْتِرْدَادِهِ
_________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٢٣١، القوانين الفقهية ص٣٥٢ (ط. دار العلم للملايين) والإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب ٢ / ٢، المنتقى للباجي ٥ / ٢٤٨، كفاية الطالب الرباني ٢ / ٢١٦، شرح التاودي على التحفة ١ / ١٦٨، بداية المجتهد ٢ / ٢٣٠ (ط. الجمالية)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ص١٢١٨ (ط. دار الشعب)، والتسهيل لابن جزي ١ / ٩٧.
(٢) حاشية الدسوقي ٣ / ٢٣١.
(٣) المغني ٤ / ٣٢٨.
مَتَى شَاءَ (١)، وَالْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ تَقُول: (يُغْتَفَرُ فِي الْبَقَاءِ مَا لاَ يُغْتَفَرُ فِي الاِبْتِدَاءِ (٢» .
(وَالثَّانِي) لِلْمَالِكِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الرَّهْنِ اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ، فَإِذَا قَبَضَ الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَ، ثُمَّ رَدَّهُ إلَى الرَّاهِنِ بِعَارِيَّةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ كِرَاءٍ بَطَل الرَّهْنُ، لأَِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لأَِجْلِهِ اُشْتُرِطَ قَبْضُ الْمَرْهُونِ فِي الاِبْتِدَاءِ هُوَ أَنْ تَحْصُل وَثِيقَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ بِقَبْضِهِ، فَكَانَتِ اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطًا فِيهِ (٣) .
(وَالثَّالِثُ) لِلْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ الرَّهْنِ اسْتِدَامَةُ قَبْضِ الْمَرْهُونِ، فَإِذَا أَخْرَجَهُ الْمُرْتَهِنُ عَنْ يَدِهِ بِاخْتِيَارِهِ إلَى الرَّاهِنِ أَوْ غَيْرِهِ زَال لُزُومُ الرَّهْنِ، وَبَقِيَ الْعَقْدُ كَأَنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَبْضٌ، سَوَاءٌ أَخْرَجَهُ بِإِجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ إيدَاعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا عَادَ فَرَدَّهُ إلَيْهِ عَادَ اللُّزُومُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ، وَلاَ يُحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ، لأَِنَّ الْعَقْدَ الأَْوَّل لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَا يُبْطِلُهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَاخَى الْقَبْضُ عَنِ الْعَقْدِ أَوَّل مَرَّةٍ، وَإِنْ أُزِيلَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ عَنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ كَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَإِبَاقِ الْعَبْدِ وَضَيَاعِ الْمَتَاعِ وَنَحْوِهِ، فَلُزُومُ الْعَقْدِ
_________
(١) رد المحتار ٦ / ٥١١، الأم ٣ / ١٢٤ ط بولاق، ودرر الحكام لعلي حيدر ٢ / ١٦١.
(٢) م ٥٥ من مجلة الأحكام العدلية.
(٣) الإشراف للقاضي عبد الوهاب ٢ / ٢، القوانين الفقهية ص٣٥٢، بداية المجتهد ٢ / ٢٣٠.
بَاقٍ، لأَِنَّ يَدَهُ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ حُكْمًا، فَكَأَنَّهَا لَمْ تَزُل.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الرَّهْنَ يُرَادُ لِلْوَثِيقَةِ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ بَيْعِهِ وَاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ، فَإِذَا لَمْ يَدُمْ فِي يَدِهِ زَال ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَكَانَ بَقَاءُ اللُّزُومِ مَنُوطًا بِدَوَامِ الْقَبْضِ (١) .
آثَارُ الْقَبْضِ فِي الْعُقُودِ:
٥١ - أَهَمُّ آثَارِ الْقَبْضِ فِي الْعُقُودِ هُوَ انْتِقَال ضَمَانِ الْمَقْبُوضِ إلَى الْقَابِضِ، وَتَسَلُّطُهُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَوُجُوبُ بَذْل عِوَضِهِ لِلْمَقْبُوضِ مِنْهُ، وَذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
الأَْثَرُ الأَْوَّل: انْتِقَال الضَّمَانِ إلَى الْقَابِضِ:
٥٢ - الْمُرَادُ بِالضَّمَانِ الَّذِي يَنْتَقِل إلَى الْقَابِضِ: هُوَ تَحَمُّلُهُ لِتَبَعَةِ الْهَلاَكِ أَوِ النُّقْصَانِ أَوِ التَّعْيِيبِ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَى الْمَقْبُوضِ فِي أَحَدِ عُقُودِ الضَّمَانِ، وَهِيَ هُنَا: الْبَيْعُ وَالإِْجَارَةُ وَالْعَارِيَّةُ وَالرَّهْنُ وَالنِّكَاحُ فِيمَا يَخُصُّ الصَّدَاقَ.
أَوَّلًا - ضَمَانُ الْمَبِيعِ فِي الْعَقْدِ الصَّحِيحِ اللاَّزِمِ:
٥٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَكُونُ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ، وَهَل يَكُونُ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ قَبْل أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي، بِحَيْثُ لاَ يَنْتَقِل ضَمَانُهُ إلَى الْمُشْتَرِي إلاَّ بِالْقَبْضِ، أَمْ أَنَّهُ يَدْخُل فِي ضَمَانِهِ بِالْعَقْدِ،
_________
(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٣٣، كشاف القناع ٣ / ٢٧٤.
سَوَاءٌ قَبَضَهُ أَمْ لَمْ يَقْبِضْهُ؟
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ الْمَبِيعَ يَكُونُ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ قَبْل أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي، فَإِذَا قَبَضَهُ انْتَقَل الضَّمَانُ إلَيْهِ بِالْقَبْضِ، لأَِنَّ مُوجَبَ الْعَقْدِ انْتِقَال مِلْكِيَّةِ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي، وَذَلِكَ يَقْتَضِي إلْزَامَ الْبَائِعِ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي وَفَاءً بِالْعَقْدِ، لأَِنَّ الْمِلْكَ لاَ يَثْبُتُ لِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ وَسِيلَةً إلَى الاِنْتِفَاعِ بِالْمَمْلُوكِ، وَلاَ يَتَهَيَّأُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ إلاَّ بِالتَّسْلِيمِ، فَكَانَ إيجَابُ الْمِلْكِ فِي الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي إيجَابًا لِتَسْلِيمِهِ لَهُ ضَرُورَةً.
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ مَا يَكُونُ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنَ الْمَبِيعَاتِ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذَرْعٍ أَوْ عَدٍّ، وَبَيْنَ مَا لاَ يَكُونُ فِيهِ، بِحَيْثُ وَافَقُوا الْحَنَفِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ فِي اعْتِبَارِ الْمَبِيعِ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ قَبْل الْقَبْضِ، وَدُخُولِهِ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ إذَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي التَّفْصِيلاَتِ وَالتَّفْرِيعَاتِ فِي حَالَةِ هَلاَكِ الْمَبِيعِ، ذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَصْلًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَبَعًا، وَهُوَ الزَّوَائِدُ الْمُتَوَلِّدَةُ عَنِ الْمَبِيعِ، فَإِنْ كَانَ أَصْلًا، فَلاَ يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَهْلِكَ كُلَّهُ وَإِمَّا أَنْ يَهْلِكَ بَعْضُهُ، وَكُل ذَلِكَ لاَ يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَهْلِكَ قَبْل الْقَبْضِ، وَإِمَّا أَنْ يَهْلِكَ بَعْدَهُ، وَالْهَلاَكُ فِي هَذِهِ الْحَالاَتِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، أَوْ بِفِعْل الْبَائِعِ، أَوْ بِفِعْل الْمُشْتَرِي، أَوْ بِفِعْل
الْمَبِيعِ، أَوْ بِفِعْل أَجْنَبِيٍّ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (ضَمَانٌ ف ٣١ وَمَا بَعْدَهَا) .
(ثَانِيًا) ضَمَانُ الْمُؤَجَّرِ:
أ - الضَّمَانُ فِي إجَارَةِ الأَْعْيَانِ:
٥٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْعَيْنَ الْمُؤَجَّرَةَ وَكَذَا مَنَافِعُهَا الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا تَكُونُ قَبْل الْقَبْضِ فِي ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ، كَمَا أَنَّهُ لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ ضَمَانَ الْعَيْنِ لاَ يَنْتَقِل إلَى الْمُسْتَأْجِرِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَأَنَّهَا تَكُونُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ، فَإِنْ تَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ قَبْضٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَلاَ يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ، كَالْوَدِيعَةِ، وَلأَِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ قَبَضَ الْعَيْنَ لاِسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةٍ يَسْتَحِقُّهَا مِنْهَا، فَلاَ يَضْمَنُهَا، كَمَا إذَا قَبَضَ النَّخْلَةَ الَّتِي اشْتَرَى ثَمَرَتَهَا، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا (١) .
ب - الضَّمَانُ فِي إجَارَةِ الأَْعْمَال:
ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الأَْجِيرَ فِي الإِْجَارَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْعَمَل قِسْمَانِ:
_________
(١) بدائع الصنائع ٤ / ٢١٠، مجمع الضمانات ص١٣، روضة الطالبين ٥ / ٢٢٦، المهذب ١ / ٤١٥، الشرح الكبير للدردير ٤ / ٢٤، المبدع ٥ / ١١٣، المغني ٥ / ٤٨٨، كشاف القناع ٤ / ٣٩، ٤٩ (ط. الحكومة بمكة المكرمة) .
خَاصٌّ وَمُشْتَرَكٌ
ضَمَانُ الأَْجِيرِ الْخَاصِّ:
٥٥ - اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الأَْجِيرَ الْخَاصَّ لاَ يَضْمَنُ مَا بِيَدِهِ مِنْ مَال الْمُؤَجِّرِ، بَل يَكُونُ مَا فِي يَدِهِ أَمَانَةً لاَ يَضْمَنُهُ إنْ تَلِفَ إلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوِ التَّفْرِيطِ، لأَِنَّهُ نَائِبٌ عَنِ الْمَالِكِ فِي صَرْفِ مَنَافِعِهِ إلَى مَا يَأْمُرُهُ بِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ أَوْ تَقْصِيرٍ، كَالْوَكِيل وَالْمُضَارِبِ (١) .
ضَمَانُ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ:
٥٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ ضَامِنًا لِمَا يَكُونُ تَحْتَ يَدِهِ مِنْ أَعْيَانِ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
الأَْوَّل: وَهُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَا تَلِفَ بِفِعْل الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ وَبَيْنَ مَا تَلِفَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، بِحَيْثُ إذَا كَانَ التَّلَفُ بِفِعْلِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لَهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَعَدِّيًا أَمْ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، قَاصِدًا أَمْ مُخْطِئًا.
أَمَّا مَا تَلِفَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَلاَ يَضْمَنُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٌ، وَهَذَا هُوَ رَأْيُ الْحَنَابِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الْمَذْهَبِ،
_________
(١) بدائع الصنائع ٤ / ٢١١، الفتاوى الهندية ٤ / ٥٠٠، روضة الطالبين ٥ / ٢٢٨، نهاية المحتاج ٥ / ٣١١، الشرح الكبير للدردير ٤ / ٢٨، جواهر الإكليل ٢ / ١٩١، المغني ٥ / ٤٨١، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٧٦.
وَقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ (١) .
وَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ الصَّاحِبَانِ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَذَهَبَا إلَى تَضْمِينِ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ بِالْقَبْضِ مُطْلَقًا، إلاَّ إذَا وَقَعَ التَّلَفُ بِسَبَبٍ لاَ يُمْكِنُهُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ (٢) .
وَالثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الأَْصْل فِي يَدِ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ أَنَّهَا يَدُ أَمَانَةٍ، وَلَكِنْ لَمَّا فَسَدَ النَّاسُ وَظَهَرَتْ خِيَانَةُ الأُْجَرَاءِ ضَمِنَ الصُّنَّاعُ وَكُل مَنْ تَقْتَضِي الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ تَضْمِينَهُ مِنَ الأُْجَرَاءِ الْمُشْتَرَكِينَ حَيْثُ تَقُومُ بِهِ التُّهْمَةُ (٣) .
وَالثَّالِثُ: لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ، وَهُوَ أَنَّ يَدَ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ يَدُ أَمَانَةٍ (٤) .
وَالرَّابِعُ: قَوْلٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْعَيْنَ تَدْخُل فِي ضَمَانِ الأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ بِالْقَبْضِ، فَإِنْ هَلَكَتْ عِنْدَهُ وَهُوَ مُنْفَرِدٌ بِالْيَدِ، ضَمِنَ هَلاَكَهَا وَلَوْ لَمْ يَتَعَدَّ أَوْ يُفَرِّطْ، وَذَلِكَ لِفَسَادِ النَّاسِ وَخِيَانَةِ الأُْجَرَاءِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنِ الأَْجِيرُ مُنْفَرِدًا بِالْيَدِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَئِذٍ، لأَِنَّ الْمَال غَيْرُ مُسَلَّمٍ إلَيْهِ حَقِيقَةً (٥) .
_________
(١) تبيين الحقائق ٥ / ١٣٥ وما بعدها، ومجمع الأنهر، والدر المنتقى ٢ / ٣٩١ وما بعدها، وكشاف القناع ٤ / ٢٦ وما بعدها. والإنصاف للمرداوي ٦ / ٧٢ - ٧٣.
(٢) بدائع الصنائع ٤ / ٢١٠ وما بعدها، مجمع الضمانات ص٢٧.
(٣) البهجة شرح التحفة ص٢٨٣.
(٤) روضة الطالبين ٥ / ٢٢٨ وما بعدها، ونهاية المحتاج ٥ / ٣١٠.
(٥) روضة الطالبين ٥ / ٢٢٨، والمهذب ١ / ٤١٥.
وَالتَّفْصِيل فِي (إجَارَةٌ ف ١٠٣ وَمَا بَعْدَهَا، ١٣٣، ١٣٤) وَمُصْطَلَحِ (ضَمَانٌ ف ٦٠ - ٦١) .
ثَالِثًا: ضَمَانُ الْعَارِيَّةُ:
٥٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ عَلَى مَالِكِهَا مَا دَامَتْ فِي يَدِهِ، فَإِنْ هَلَكَتْ كَانَ هَلاَكُهَا مِنْ مَالِهِ، أَمَّا إذَا قَبَضَهَا الْمُسْتَعِيرُ، فَفِي انْتِقَال ضَمَانِهَا إلَيْهِ بِالْقَبْضِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (ضَمَانٌ ف ١٢) وَمُصْطَلَحِ (إعَارَةٌ ف ١٥) .
رَابِعًا: ضَمَانُ الْمَرْهُونِ:
٥٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمَرْهُونَ يَكُونُ فِي ضَمَانِ الرَّاهِنِ قَبْل أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْهُ، لأَِنَّهُ مِلْكُهُ وَتَحْتَ يَدِهِ، أَمَّا إذَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ، فَفِي انْتِقَال ضَمَانِهِ إلَيْهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (رَهْنٌ ف ٨، ١٨) وَمُصْطَلَحِ (ضَمَانٌ ف ٦٢ وَمَا بَعْدَهَا) .
خَامِسًا: ضَمَانُ الْمَهْرِ الْمُعَيَّنِ:
٥٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ قَبْضِ الزَّوْجَةِ لِمَهْرِهَا بَعْدَ تَعْيِينِهِ نَاقِلًا لِضَمَانِهِ مِنَ الزَّوْجِ إلَيْهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّ ضَمَانَ الْمَهْرِ الْمُعَيَّنِ كَالْعَبْدِ وَالدَّارِ وَالْمَاشِيَةِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ إذَا كَانَ مُحَدَّدًا بِذَاتِهِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ يَكُونُ عَلَى الزَّوْجَةِ قَبْل أَنْ