الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 55

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

بِحُلُولِهِ فِي حِصَّةِ الرَّاهِنِ مَعَ الشَّرِيكِ فِي السُّكْنَى وَالاِرْتِفَاقِ (١) .

وَالثَّانِي لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْقَبْضِ أَلاَ يَكُونَ الْمَقْبُوضُ حِصَّةً شَائِعَةً، وَذَلِكَ لأَِنَّ مَعْنَى الْقَبْضِ إثْبَاتُ الْيَدِ وَالتَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ الْمَقْبُوضِ، وَتَحَقُّقُ ذَلِكَ فِي الْجُزْءِ الشَّائِعِ وَحْدَهُ لاَ يُتَصَوَّرُ، فَإِنَّ سُكْنَى بَعْضِ الدَّارِ شَائِعًا وَلُبْسَ بَعْضِ الثَّوْبِ شَائِعًا مُحَالٌ، وَإِنْ قَابَضَهُ لاَ يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَلَوْ حَازَ الْكُل، نَظَرًا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الشَّرِيكِ بِهِ. (٢)

مَا يَحِل مَحَل الْقَبْضِ:

الشَّيْءُ الْمُسْتَحَقُّ قَبْضُهُ بِالْعَقْدِ، إمَّا أَنْ يَكُونَ بِيَدِ الشَّخْصِ قَبْل أَنْ يَسْتَحِقَّهُ بِالْعَقْدِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِيَدِ صَاحِبِهِ.

الْحَالَةُ الأُْولَى:

٣١ - إنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ بِيَدِ الشَّخْصِ قَبْل أَنْ يَسْتَحِقَّ قَبْضَهُ بِالْعَقْدِ، كَمَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا أَوْ وَهَبَهُ أَوْ رَهَنَهُ عِنْدَ غَاصِبٍ أَوْ مُسْتَعِيرٍ أَوْ مُودَعٍ أَوْ مُسْتَأْجِرٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَهَل يَنُوبُ الْقَبْضُ السَّابِقُ عَلَى الْعَقْدِ عَنِ الْقَبْضِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الْعَقْدُ وَيَقُومُ مَقَامَهُ أَمْ لاَ؟

_________

(١) لباب اللباب لابن راشد القفصي ص ١٧٠، وشرح ميارة على التحفة ١ / ١١٦ وما بعدها.

(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٢٠، ١٣٨.

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

(الْقَوْل الأَْوَّل) لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يَنُوبُ الْقَبْضُ السَّابِقُ مَنَابَ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَكَانَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ يَدَ ضَمَانٍ أَمْ يَدَ أَمَانَةٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ قَبْضَ أَمَانَةٍ أَمْ قَبْضَ ضَمَانٍ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الإِْذْنُ وَلاَ مُضِيُّ زَمَانٍ يَتَأَتَّى فِيهِ الْقَبْضُ (١) .

أَمَّا نِيَابَتُهُ مَنَابَ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ، فَلأَِنَّ اسْتِدَامَةَ الْقَبْضِ قَبْضٌ حَقِيقَةً، لِوُجُودِ الْحِيَازَةِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ التَّصَرُّفِ، فَقَدْ وُجِدَ الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ، وَلاَ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي وُقُوعُهُ ابْتِدَاءً بَعْدَ الْعَقْدِ.

وَأَمَّا عَدَمُ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْقَبْضَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ أَوْ كَوْنِ الْقَبْضِ السَّابِقِ أَقْوَى، بِمَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنْ ضَمَانِ الْيَدِ، حَتَّى يَنُوبَ عَنِ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ، فَلأَِنَّ الْمُرَادَ بِالْقَبْضِ فِي الْعَقْدِ: إثْبَاتُ الْيَدِ وَالتَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَقْبُوضِ، فَإِذَا وُجِدَ هَذَا الأَْمْرُ، وُجِدَ الْقَبْضُ، أَمَّا مَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنْ كَوْنِ الْمَقْبُوضِ مَضْمُونًا أَوْ أَمَانَةً فِي يَدِ الْقَابِضِ، فَلَيْسَ لِذَلِكَ أَيَّةُ عَلاَقَةٍ أَوْ تَأْثِيرٍ فِي حَقِيقَةِ الْقَبْضِ.

وَأَمَّا عَدَمُ الْحَاجَةِ لِلإِْذْنِ، فَلأَِنَّ إقْرَارَهُ لَهُ فِي

_________

(١) شرح ميارة على التحفة ١ / ١١١، المحرر للمجد بن تيمية ١ / ٣٧٤، ونظرية العقد لابن تيمية ص ٢٣٦، كشاف القناع ٣ / ٢٤٩، ٢٧٣، ٤ / ٢٥٣ (مط. أنصار السنة المحمدية)، المغني ٤ / ٣٣٤ وما بعدها، ٥ / ٥٩٤ ط. دار المنار.

يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ إذْنِهِ فِي الْقَبْضِ، كَمَا أَنَّ إجْرَاءَهُ الْعَقْدَ مَعَ كَوْنِ الْمَال فِي يَدِهِ يَكْشِفُ عَنْ رِضَاهُ بِالْقَبْضِ، فَاسْتُغْنِيَ عَنِ الإِْذْنِ الْمُشْتَرَطِ فِي الاِبْتِدَاءِ، إذْ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لاَ يُغْتَفَرُ فِي الاِبْتِدَاءِ.

وَأَمَّا عَدَمُ الْحَاجَةِ إلَى مُضِيِّ زَمَانٍ يَتَأَتَّى فِيهِ الْقَبْضُ، فَلأَِنَّ مُضِيَّ هَذَا الزَّمَانِ لَيْسَ مِنْ تَوَابِعِ الْقَبْضِ، وَلَيْسَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْقَبْضُ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْعَقْدِ لاَعْتُبِرَ مُضِيُّ الزَّمَانِ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الْقَبْضُ، لِضَرُورَةِ امْتِنَاعِ حُصُول الْقَبْضِ بِدُونِهِ، أَمَّا مَعَ كَوْنِهِ سَابِقًا لِلْعَقْدِ فَلاَ.

(الْقَوْل الثَّانِي) لِلْحَنَفِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّ الأَْصْل فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَبْضَ الْمَوْجُودَ وَقْتَ الْعَقْدِ، إذَا كَانَ مِثْل الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ، فَإِنَّهُ يَنُوبُ مَنَابَهُ، يَعْنِي أَنْ يَكُونَ كِلاَهُمَا قَبْضَ أَمَانَةٍ أَوْ قَبْضَ ضَمَانٍ، لأَِنَّهُ إذَا كَانَ مِثْلَهُ أَمْكَنَ تَحْقِيقُ التَّنَاوُبِ، لأَِنَّ الْمُتَمَاثِلَيْنِ غَيْرُ أَنْ يَنُوبَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنَابَ صَاحِبِهِ وَيَسُدُّ مَسَدَّهُ، وَقَدْ وُجِدَ الْقَبْضُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ.

أَمَّا إذَا اخْتَلَفَ الْقَبْضَانِ، بِأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَبْضَ أَمَانَةٍ، وَالآْخَرُ قَبْضَ ضَمَانٍ، فَيُنْظَرُ: إنْ كَانَ الْقَبْضُ السَّابِقُ أَقْوَى مِنَ الْمُسْتَحَقِّ، بِأَنْ كَانَ السَّابِقُ قَبْضَ ضَمَانٍ وَالْمُسْتَحَقُّ قَبْضَ أَمَانَةٍ، فَيَنُوبَ عَنْهُ، لأَِنَّ بِهِ يُوجَدُ الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ وَزِيَادَةٌ، وَإِنْ كَانَ

دُونَهُ، فَلاَ يَنُوبُ عَنْهُ، وَذَلِكَ لاِنْعِدَامِ الْقَبْضِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ، إذْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ إلاَّ بَعْضُ الْمُسْتَحَقِّ، فَلاَ يَنُوبُ عَنْ كُلِّهِ.

وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الشَّيْءَ إذَا كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بِغَصْبٍ أَوْ مَقْبُوضًا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَاشْتَرَاهُ مِنَ الْمَالِكِ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ، فَيَنُوبُ الْقَبْضُ الأَْوَّل عَنِ الثَّانِي، حَتَّى لَوْ هَلَكَ الشَّيْءُ قَبْل أَنْ يَذْهَبَ الْمُشْتَرِي إلَى بَيْتِهِ، وَيَصِل إلَيْهِ، أَوْ يَتَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ، كَانَ الْهَلاَكُ عَلَيْهِ، لِتَمَاثُل الْقَبْضَيْنِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا يُوجِبُ كَوْنَ الْمَقْبُوضِ مَضْمُونًا بِنَفْسِهِ.

وَكَذَا لَوْ كَانَ الشَّيْءُ فِي يَدِهِ وَدِيعَةً أَوْ عَارِيَّةً فَوَهَبَهُ مِنْهُ مَالِكُهُ، فَلاَ يُحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ آخَرَ، وَيَنُوبُ الْقَبْضُ الأَْوَّل عَنِ الثَّانِي، لِتَمَاثُلِهِمَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُمَا أَمَانَةً.

وَلَوْ كَانَ الشَّيْءُ فِي يَدِهِ بِغَصْبٍ أَوْ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَوَهَبَهُ الْمَالِكُ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ يَنُوبُ ذَلِكَ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ، لِوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ، وَهُوَ أَصْل الْقَبْضِ، وَزِيَادَةُ ضَمَانٍ.

أَمَّا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بِعَارِيَّةٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ رَهْنٍ، فَلاَ يَنُوبُ الْقَبْضُ الأَْوَّل عَنِ الثَّانِي، وَلاَ يَصِيرُ الْمُشْتَرِي قَابِضًا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، لأَِنَّ الْقَبْضَ السَّابِقَ قَبْضُ أَمَانَةٍ، فَلاَ يَقُومُ مَقَامَ قَبْضِ الضَّمَانِ فِي الْبَيْعِ، لِعَدَمِ

وُجُودِ الْقَبْضِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ (١) .

(الْقَوْل الثَّالِثُ) لِلشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يَنُوبُ الْقَبْضُ السَّابِقُ مَنَابَ الْقَبْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْعَقْدِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ يَدُ الْقَابِضِ السَّابِقَةُ بِجِهَةِ ضَمَانٍ أَمْ بِجِهَةِ أَمَانَةٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ قَبْضَ أَمَانَةٍ أَمْ قَبْضَ ضَمَانٍ، غَيْرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ ذَلِكَ أَمْرَانِ:

أَحَدُهُمَا: الإِْذْنُ مِنْ صَاحِبِهِ فِي الأَْظْهَرِ إنْ كَانَ لَهُ فِي الأَْصْل الْحَقُّ فِي حَبْسِهِ، كَالْمَرْهُونِ، وَالْمَبِيعِ إذَا كَانَ الثَّمَنُ حَالًّا، وَلَمْ يُوفِهِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذَا الْحَقُّ كَالْمَبِيعِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، أَوْ حَالٍّ بَعْدَ نَقْدِ ثَمَنِهِ، فَلاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَ ذَلِكَ الإِْذْنُ.

وَسَبَبُ اشْتِرَاطِ الإِْذْنِ مِنْ مُسْتَحِقِّ حَبْسِهِ فِي الأَْصْل، هُوَ عَدَمُ جَوَازِ إسْقَاطِ حَقِّهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، كَمَا لَوْ كَانَتِ الْعَيْنُ فِي يَدِهِ.

وَالثَّانِي: مُضِيُّ زَمَانٍ يَتَأَتَّى فِيهِ الْقَبْضُ، إذَا كَانَ الشَّيْءُ غَائِبًا عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ، لاَحْتَاجَ إلَى مُضِيِّ هَذَا الزَّمَانِ لِيَحُوزَهُ وَيَتَمَكَّنَ مِنْهُ، وَلأَِنَّا جَعَلْنَا دَوَامَ الْيَدِ كَابْتِدَاءِ الْقَبْضِ، فَلاَ أَقَل مِنْ مُضِيِّ زَمَانٍ يُتَصَوَّرُ فِيهِ ابْتِدَاءُ الْقَبْضِ، وَلَكِنْ لاَ يُشْتَرَطُ ذَهَابُهُ وَمَصِيرُهُ إلَيْهِ فِعْلًا.

_________

(١) مجمع الضمانات للبغدادي ص ٢١٧، بدائع الصنائع ٥ / ٢٤٨، ٦ / ١٢٦ وما بعدها، الفتاوى الهندية ٣ / ٢٢ وما بعدها.

وَيُعْتَبَرُ ابْتِدَاءُ زَمَانِ إمْكَانِ الْقَبْضِ، مِنْ وَقْتِ الإِْذْنِ فِيهِ، لاَ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ (١) .

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ:

٣٢ - إذَا كَانَ الشَّيْءُ بِيَدِ صَاحِبِهِ، كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ بَائِعِهِ، أَوِ الْمَوْهُوبِ فِي يَدِ وَاهِبِهِ، فَقَدْ فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ - فِي قَضِيَّةِ مَا يَنُوبُ مَنَابَ الْقَبْضِ - بَيْنَ حَالَةِ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَبَيْنَ حَالَةِ الْمَوْهُوبِ فِي يَدِ الْوَاهِبِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ:

أ - أَنَّ الْمَبِيعَ إذَا كَانَ بِيَدِ الْبَائِعِ، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ:

(أَحَدُهَا) لِلْحَنَفِيَّةِ: وَهُوَ أَنْ يَنُوبَ مَنَابَ قَبْضِ الْمَبِيعِ مِنْ يَدِ بَائِعِهِ، أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ الْمُشْتَرِي بِإِتْلاَفٍ أَوْ تَعْيِيبٍ أَوْ تَغْيِيرِ صُورَةٍ أَوِ اسْتِعْمَالٍ، لأَِنَّ الْقَبْضَ يَكُونُ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ وَالتَّمْكِينِ مِنَ التَّصَرُّفِ، وَالإِْتْلاَفُ وَالتَّعْيِيبُ وَتَغْيِيرُ الصُّورَةِ وَالاِسْتِعْمَال تَصَرُّفٌ فِيهِ حَقِيقَةً، فَكَانَ قَبْضًا مِنْ بَابِ أَوْلَى، لأَِنَّ التَّمْكِينَ مِنَ التَّصَرُّفِ دُونَ حَقِيقَةِ التَّصَرُّفِ، كَمَا أَنَّ صُدُورَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مِنَ الْمُشْتَرِي يَنْطَوِي عَلَى إثْبَاتِ الْيَدِ فِعْلًا، إذْ لاَ يُتَصَوَّرُ صُدُورُهَا مِنْهُ مَعَ تَخَلُّفِ هَذَا الْمَعْنَى، فَكَانَتْ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتُ بِمَنْزِلَةِ الْقَبْضِ ضَرُورَةً.

وَمِثْل ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ مَا لَوْ فَعَل الْبَائِعُ

_________

(١) المجموع شرح المهذب ٩ / ٢٨١، ومغني المحتاج ٢ / ١٢٨، وفتح العزيز للرافعي ١٠ / ٦٥ - ٧١.

شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْمُشْتَرِي، لأَِنَّ فِعْلَهُ بِأَمْرِ الْمُشْتَرِي بِمَنْزِلَةِ فِعْل الْمُشْتَرِي بِنَفْسِهِ.

وَلَوْ أَعَارَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَوْ أَوْدَعَهُ أَجْنَبِيًّا، صَارَ بِذَلِكَ قَابِضًا لأَِنَّهُ بِالإِْعَارَةِ وَالإِْيدَاعِ أَثْبَتَ يَدَ النِّيَابَةِ لِغَيْرِهِ فِيهِ، فَصَارَ قَابِضًا، وَكَذَا لَوْ وَهَبَهُ أَجْنَبِيًّا، فَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ.

أَمَّا إذَا أَعَارَهُ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ، أَوْ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ، أَوْ آجَرَهُ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَبْضًا، لأَِنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ لاَ تَصِحُّ مِنَ الْمُشْتَرِي، لأَِنَّ يَدَ الْحَبْسِ بِطَرِيقِ الأَْصَالَةِ ثَابِتَةٌ لِلْبَائِعِ، فَلاَ يُتَصَوَّرُ إثْبَاتُ يَدِ النِّيَابَةِ لَهُ بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، فَلَمْ تَصِحَّ، وَالْتَحَقَتْ بِالْعَدَمِ (١) .

(وَالثَّانِي) لِلشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا أَتْلَفَ الْمَبِيعَ حِسًّا أَوْ شَرْعًا قَبْل قَبْضِهِ، كَانَ إتْلاَفُهُ قَبْضًا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُتْلِفُ الْمَبِيعَ، أَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ فَوَجْهَانِ، وَالأَْصَحُّ اعْتِبَارُهُ قَبْضًا.

وَإِذَا أَتْلَفَتِ الزَّوْجَةُ الصَّدَاقَ، وَهُوَ بِيَدِ الزَّوْجِ، صَارَتْ بِذَلِكَ قَابِضَةً، وَبَرِئَ الزَّوْجُ (٢) .

(وَالثَّالِثُ) لِلْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا أَتْلَفَ الْمَبِيعَ، وَهُوَ فِي يَدِ الْبَائِعِ، فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ

_________

(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٤٦ وما بعدها، ورد المحتار ٤ / ٥٦١ ط. الحلبي.

(٢) مغني المحتاج ٢ / ٦٦ وما بعدها، وروضة الطالبين ٣ / ٤٩٩ وما بعدها و٧ / ٢٥١.

قَبْضًا لَهُ، وَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، لأَِنَّهُ مَالُهُ وَقَدْ أَتْلَفَهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الإِْتْلاَفُ عَنْ عَمْدٍ أَمْ خَطَأٍ، وَيَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَنْقُدَ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَفَعَهُ، وَإِنْ كَانَ دَفَعَهُ، فَلاَ رُجُوعَ لَهُ بِهِ. (١)

(ب) أَمَّا إذَا كَانَتِ الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ بِيَدِ الْوَاهِبِ، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُعْتَبَرُ إتْلاَفُ الْمَوْهُوبِ لِلْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ قَبْضًا، لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ الْقَبْضَ بِدُونِ إذْنِ الْوَاهِبِ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إذَا أَتْلَفَ الْمُتَّهَبُ الْمَوْهُوبَ، وَهُوَ فِي يَدِ الْوَاهِبِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ، اُعْتُبِرَ قَبْضًا وَإِلاَّ فَلاَ (٣) .

اشْتِرَاطُ الْقَبْضِ فِي الْعُقُودِ وَآثَارُهُ:

٣٣ - دَلَّتِ النُّصُوصُ وَالْقَوَاعِدُ الْعَامَّةُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْعُقُودِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الاِشْتِرَاطُ مُخْتَلَفًا فِي مَدَاهُ بَيْنَ عَقْدٍ وَآخَرَ، وَبَيْنَ رَأْيِ فَقِيهٍ أَوْ مَذْهَبٍ وَبَيْنَ رَأْيِ غَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُجْتَهِدِينَ.

فَتَارَةً يَكُونُ الْقَبْضُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، بِحَيْثُ يَبْطُل الْعَقْدُ إذَا تَفَرَّقَ

_________

(١) شرح منتهى الإرادات ٢ / ١٩١، وكشاف القناع ٣ / ٢٣١ مط. الحكومة بمكة المكرمة.

(٢) روضة الطالبين ٥ / ٣٧٧.

(٣) كشاف القناع ٣ / ٢٣١ مط. الحكومة بمكة المكرمة، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٩١.

الْعَاقِدَانِ قَبْلَهُ، وَتَارَةً يَكُونُ شَرْطًا فِي انْتِقَال مِلْكِيَّةِ مَحَل الْعَقْدِ وَاسْتِقْرَارِهَا، كَمَا أَنَّهُ أَحْيَانَا يَكُونُ شَرْطًا فِي لُزُومِ الْعَقْدِ، بِحَيْثُ يَكُونُ جَائِزًا قَبْلَهُ.

وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:

أ - الْعُقُودُ الَّتِي يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِيهَا لِنَقْل الْمِلْكِيَّةِ:

الْعُقُودُ الَّتِي يُشْتَرَطُ - فِي الْجُمْلَةِ - الْقَبْضُ لِنَقْل مِلْكِيَّةِ مَحَل الْعَقْدِ فِيهَا خَمْسَةٌ:

(أَوَّلًا) الْهِبَةُ:

٣٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ لِنَقْل مِلْكِيَّةِ الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ إلَى الْمَوْهُوبِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

(أَحَدُهُمَا) لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ لاِنْتِقَال الْمِلْكِيَّةِ إلَى الْمَوْهُوبِ، وَأَنَّ الْهِبَةَ لاَ يَمْلِكُهَا الْمَوْهُوبُ إلاَّ بِقَبْضِهَا.

وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ إذْنَ الْوَاهِبِ فِي الْقَبْضِ (١) .

(الثَّانِي) لِلْمَالِكِيَّةِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى: وَهُوَ أَنَّهُ

_________

(١) تكملة رد المحتار ٨ / ٤٢٤، ٤٧٠ ط. الحلبي، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٥٣، وانظر م٨٠، ٨٢، ٨٣ من مرشد الحيران، وروضة الطالبين ٥ / ٣٧٥، ومغني المحتاج ٢ / ٤٠٠، والأم ٣ / ٢٧٤ بولاق، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٣١٩، والمحرر لمجد الدين بن تيمية ١ / ٣٧٤، والقواعد لابن رجب ص٧١.

لاَ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ لاِنْتِقَال الْمِلْكِيَّةِ إلَى الْمَوْهُوبِ بَل تَثْبُتُ لَهُ بِالْعَقْدِ وَعَلَى الْوَاهِبِ إقْبَاضُهُ وَفَاءً بِالْعَقْدِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) حَتَّى إنَّ الْمَالِكِيَّةَ نَصُّوا عَلَى إجْبَارِ الْوَاهِبِ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَوْهُوبِ إنِ امْتَنَعَ (٢) .

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي الْهِبَةِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْبَيْعِ، حَيْثُ إنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ مَا اشْتَرَاهُ بِالْعَقْدِ، وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ.

كَمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَهْدَى إلَى النَّجَاشِيِّ أُوَاقًا مِنْ مِسْكٍ، ثُمَّ قَال لأُِمِّ سَلَمَةَ: إنِّي لاَ أَرَاهُ إلاَّ قَدْ مَاتَ، وَلاَ أَرَى الْهَدِيَّةَ الَّتِي أَهْدَيْتُ إلَيْهِ إلاَّ سَتُرَدُّ، فَإِذَا رُدَّتْ إلَيَّ، فَهُوَ لَكِ أَمْ لَكُمْ، فَكَانَ كَمَا قَال (٣) فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْهَدِيَّةَ لاَ تُمْلَكُ إلاَّ بِالْقَبْضِ.

وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: إنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَال: وَاَللَّهِ يَا بُنَيَّةُ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلاَ أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا

_________

(١) سورة المائدة / ١.

(٢) الشرح الكبير ٤ / ١٠١.

(٣) حديث: " أن النبي صلى الله عليه ولم أهدى إلى النجاشي أواقًا من مسك. . . ". أخرجه الحاكم (٢ / ١٨٨) وقال الذهبي: منكر، ومسلم الزنجي ضعيف.