الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢
فِي مَالِهَا مِنَ الأَْوْلِيَاءِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا، وَمَتَى قَبَضَهُ بَرِئَتْ ذِمَّةُ الزَّوْجِ مِنْهُ، فَلَيْسَ لِلزَّوْجَةِ مُطَالَبَتُهُ بِهِ ثَانِيَةً وَلَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ، بَل تَأْخُذُهُ مِمَّنْ قَبَضَهُ مِنْ زَوْجِهَا، لأَِنَّ الزَّوْجَ قَدْ دَفَعَهُ لِمَنْ لَهُ الْوِلاَيَةُ شَرْعًا فِي قَبْضِهِ، فَيَكُونُ هَذَا الدَّفْعُ صَحِيحًا مُعْتَبَرًا تَبْرَأُ بِهِ ذِمَّتُهُ، وَمَتَى بَرِئَتْ ذِمَّةُ شَخْصٍ مِنْ دَيْنٍ، فَلاَ يَعُودُ مَدِينًا بِهِ، إذِ السَّاقِطُ لاَ يَعُودُ.
أَمَّا إذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ بَالِغَةً رَشِيدَةً: فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ ثَيِّبًا وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِكْرًا، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لَهَا أَنْ تَقْبِضَ مَهْرَهَا بِنَفْسِهَا بِدُونِ مُعَارَضَةٍ لَهَا مِنْ أَحَدٍ، لأَِنَّ الْوِلاَيَةَ عَلَى أَمْوَالِهَا ثَابِتَةٌ لَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِنْ شَاءَتْ تَوَلَّتْ هِيَ قَبْضَ الْمَهْرِ بِنَفْسِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ وَكَّلَتْ مَنْ تَخْتَارُهُ فِي قَبْضِ مَهْرِهَا، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ قَبْضُهُ إلاَّ بِتَوْكِيلٍ صَرِيحٍ مِنْهَا (١) .
أَمَّا إذَا كَانَتْ بِكْرًا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَقْبِضَ مَهْرَهَا، بَل
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٤٠، رد المحتار ٣ / ١٦١ (ط. الحلبي)، والمهذب ٢ / ٥٨، وروضة الطالبين ٧ / ٣٣٠، والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٢ / ٣٢٨، وكشاف القناع ٥ / ١٠٩، ١١٦ (مط. السنة المحمدية)، والمغني ٦ / ٧٣٥ وما بعدها (ط. دار المنار) .
تَقْبِضُهُ هِيَ بِنَفْسِهَا، أَوْ تُوَكِّل مَنْ يَقْبِضُهُ لَهَا، لأَِنَّهَا رَشِيدَةٌ تَلِي مَالَهَا، فَلَيْسَ لِغَيْرِهَا أَنْ يَقْبِضَ صَدَاقَهَا أَوْ أَيَّ عِوَضٍ تَمْلِكُهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا، كَثَمَنِ مَبِيعِهَا وَأُجْرَةِ دَارِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ (١) .
(وَالثَّانِي) لِلْحَنَفِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّ لِوَلِيِّهَا أَنْ يَقْبِضَ مَهْرَهَا إذَا لَمْ يَحْصُل مِنْهَا نَهْيٌ صَرِيحٌ عَنْ قَبْضِهِ. فَإِنْ نَهَتْهُ فَلاَ يَمْلِكُ الْقَبْضَ، وَلاَ يَبْرَأُ الزَّوْجُ إنْ سَلَّمَهُ لَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ أَنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحْيِي مِنْ قَبْضِ صَدَاقِهَا بِخِلاَفِ الثَّيِّبِ، فَيَقُومُ وَلِيُّهَا مَقَامَهَا، وَلأَِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَكَانَ مَأْذُونًا بِالْقَبْضِ مِنْ جِهَتِهَا بِدَلاَلَةِ الْعُرْفِ - بِخِلاَفِ الثَّيِّبِ - وَالإِْذْنُ الْعُرْفِيُّ كَالإِْذْنِ اللَّفْظِيِّ (٢) .
وِلاَيَةُ عِيَال الْمُعِيرِ فِي قَبْضِ الْعَارِيَّةُ عِنْدَ رَدِّهَا:
٢٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ يَنْقَضِي الْتِزَامُهُ بِرَدِّ الْعَارِيَّةُ، وَيَبْرَأُ مِنْ ضَمَانِهَا إذَا سَلَّمَهَا لِصَاحِبِهَا أَوْ وَكِيلِهِ بِقَبْضِهَا.
غَيْرَ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَوْ قَامَ بِرَدِّهَا إلَى أَحَدٍ مِنْ عِيَال الْمُعِيرِ كَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَنَحْوِهِمْ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
_________
(١) الأم ٥ / ٦٥، والروضة للنووي ٧ / ٣٣٠، والشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٢ / ٣٢٨، والمغني ٦ / ٧٣٥ وما بعدها.
(٢) رد المحتار ٣ / ١٦١ (ط. الحلبي)، بدائع الصنائع ٢ / ٢٤٠، الحموي على الأشباه والنظائر ٢ / ٣١٩، ومجمع الضمانات للبغدادي ص ٣٤٠.
(أَحَدُهُمَا) لِلشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُسْتَعِيرِ بِرَدِّ الْعَارِيَّةُ وَتَسْلِيمِهَا إلَى زَوْجَةِ الْمُعِيرِ أَوْ وَلَدِهِ. . وَلَوْ ضَاعَتِ الْعَارِيَّةُ بَعْدَ قَبْضِهِمَا فَالْمُعِيرُ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُسْتَعِيرَ، وَإِنْ شَاءَ غَرَّمَ الزَّوْجَةَ أَوِ الْوَلَدَ، فَإِنْ غَرَّمَ الْمُسْتَعِيرَ، رَجَعَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ غَرَّمَهُمَا، لَمْ يَرْجِعَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ (١) .
(وَالثَّانِي) لِلْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إذَا رَدَّ الْعَارِيَّةَ إلَى عِيَال الْمُعِيرِ الَّذِينَ لاَ عَادَةَ لَهُمْ بِقَبْضِ مَالِهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الضَّمَانِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَرُدَّهَا إلَى مَالِكِهَا وَلاَ نَائِبِهِ فِي قَبْضِهَا، فَكَأَنَّهُ سَلَّمَهَا لأَِجْنَبِيٍّ، فَلاَ يَبْرَأُ، أَمَّا إذَا رَدَّهَا إلَى مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِالرَّدِّ إلَيْهِ كَزَوْجَةٍ مُتَصَرِّفَةٍ فِي مَالِهِ وَخَازِنٍ إذَا رَدَّ إلَيْهِمَا مَا جَرَتْ عَادَتُهُمَا بِقَبْضِهِ، فَيَصِحُّ الرَّدُّ وَيَنْقَضِي الْتِزَامُ الْمُسْتَعِيرِ وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنَ الضَّمَانِ، لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ فِي ذَلِكَ عُرْفًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ نُطْقًا (٢) .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الإِْذْنُ:
٢٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الإِْذْنِ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ عَلَى ثَلاَثَةِ مَذَاهِبَ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ لِلْمَقْبُوضِ مِنْهُ الْحَقُّ فِي حَبْسِهِ كَالْمَرْهُونِ فِي يَدِ الرَّاهِنِ، وَالْمَوْهُوبِ فِي يَدِ
_________
(١) روضة الطالبين للنووي ٤ / ٤٤٦، وأسنى المطالب ٢ / ٣٢٩.
(٢) كشاف القناع ٤ / ٨٠، ٨١، مط. الحكومة بمكة المكرمة، والمغني ٥ / ٢٤٤ ط. مكتبة الرياض الحديثة.
الْوَاهِبِ، وَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ بِثَمَنٍ حَالٍّ قَبْل نَقْدِ الثَّمَنِ، وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الْحَقُّ فِي حَبْسِهِ كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ بَعْدَ نَقْدِ الْمُشْتَرِي ثَمَنَهُ، أَوْ قَبْلَهُ إنْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا، فَذَهَبُوا فِي الْحَالَةِ الأُْولَى إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْقَبْضِ أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ فِي حَبْسِهِ، وَذَهَبُوا فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ إلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ، وَصَحَّحُوا الْقَبْضَ بِدُونِ إذْنِهِ (١) .
وَعَلَّلُوا اشْتِرَاطَ الإِْذْنِ فِي الأُْولَى بِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ الْحَقُّ فِي حَبْسِ الشَّيْءِ، فَلاَ يَجُوزُ إسْقَاطُ حَقِّهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، بِخِلاَفِ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْحَقُّ فِي حَبْسِهِ، وَتَعَلَّقَ حَقُّ الْغَيْرِ بِهِ، وَاسْتَحَقَّ قَبْضَهُ، فَلَهُ أَنْ يَقْبِضَهُ سَوَاءٌ أَذِنَ الْمَقْبُوضُ مِنْهُ أَمْ لَمْ يَأْذَنْ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الإِْذْنُ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ فِي الرَّهْنِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي سَائِرِ الْعَطَايَا كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَقْفِ، لِبَقَاءِ مِلْكِ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ دُونَهَا (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الإِْذْنُ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ فِي الرَّهْنِ وَفِي الْعَطَايَا كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ. فَإِنْ تَعَدَّى الْمُرْتَهِنُ أَوِ الْمَوْهُوبُ أَوِ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ فَقَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ أَوِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٢٣ وما بعدها، ٦ / ١٣٨، ورد المحتار ٤ / ٥٦٢ ط. الحلبي، وروضة الطالبين ٣ / ٥١٧، ٥ / ٣٧٦، ومغني المحتاج ٢ / ٧٣، ٤٠٠.
(٢) المنتقى للباجي ٦ / ١٠٠، وفتح العلي المالك ٢ / ٢٤٣، والشرح الكبير للدردير ٤ / ١٠١.
الْوَاهِبِ أَوِ الْمُتَصَدِّقِ، فَسَدَ الْقَبْضُ، وَلَمْ تَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ (١) .
نَوْعَا الإِْذْنِ:
٢٥ - الإِْذْنُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ نَوْعَانِ: صَرِيحٌ، وَدَلاَلَةٌ، أَمَّا الصَّرِيحُ، فَنَحْوُ أَنْ يَقُول: اقْبِضْ، أَوْ أَذِنْتُ لَكَ بِالْقَبْضِ، أَوْ رَضِيتُ بِهِ، وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى، وَأَمَّا الدَّلاَلَةُ، فَنَحْوُ أَنْ يَقْبِضَ الْمَوْهُوبُ الْهِبَةَ بِحَضْرَةِ الْوَاهِبِ فَيَسْكُتَ وَلاَ يَنْهَاهُ، وَكَسُكُوتِ الْبَائِعِ حِينَ يَرَى الْمُشْتَرِيَ يَقْبِضُ الْمَبِيعَ، وَكَسُكُوتِ الرَّاهِنِ عِنْدَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةَ أَمَامَهُ (٢) .
الرُّجُوعُ فِي الإِْذْنِ:
٢٦ - حَيْثُمَا اُشْتُرِطَ الإِْذْنُ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ لِمَنْ أَذِنَ بِالْقَبْضِ الرُّجُوعَ فِي الإِْذْنِ قَبْل الْقَبْضِ، فَإِنْ رَجَعَ قَبْلَهُ بَطَل الإِْذْنُ، وَإِنْ رَجَعَ عَنِ الإِْذْنِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَمْ يُؤَثِّرْ رُجُوعُهُ (٣) .
أَمَّا بُطْلاَنُ الإِْذْنِ بِرُجُوعِهِ قَبْل الْقَبْضِ،
_________
(١) كشاف القناع ٣ / ٢٧٢، ٤ / ٢٥٣ مط. السنة المحمدية: والمغني ٤ / ٣٣٢ ط. دار المنار.
(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٥٤ وما بعدها، لسان الحكام لابن الشحنة ص ٣٢١، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٣ مط. السنة المحمدية والمغني ٤ / ٣٣٢ ط. دار المنار.
(٣) روضة الطالبين ٥ / ٣٧٦، مغني المحتاج ٢ / ٤٠١، والمهذب ١ / ٣١٣، والمغني ٤ / ٣٣٢ ط. دار المنار، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٣ (مط. السنة المحمدية) .
فَلِقُوَّةِ حَقِّهِ فِي الْعَيْنِ بِبَقَاءِ يَدِهِ عَلَيْهَا، وَلأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ أَنْ لاَ يَأْذَنَ بِقَبْضِهَا، كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ إذْنِهِ قَبْل حُصُول الْقَبْضِ، وَأَمَّا عَدَمُ تَأْثِيرِ رُجُوعِهِ عَلَى صِحَّةِ الإِْذْنِ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَلأَِنَّ مَنْ سَعَى فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ قِبَلِهِ فَسَعْيُهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ.
اشْتِرَاطُ بَقَاءِ أَهْلِيَّةِ الآْذِنِ حَتَّى يَحْصُل الْقَبْضُ:
٢٧ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى بُطْلاَنِ الإِْذْنِ بِالْقَبْضِ إذَا جُنَّ الآْذِنُ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ قَبْل الْقَبْضِ (١) .
وَوَافَقَهُمُ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الآْذِنُ أَوِ الْمَأْذُونُ لَهُ قَبْل الْقَبْضِ، بَطَل الإِْذْنُ بِالْقَبْضِ (٢) .
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَقْبُوضُ غَيْرَ مَشْغُولٍ بِحَقِّ غَيْرِهِ:
٢٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْمَقْبُوضِ غَيْرَ مَشْغُولٍ بِحَقِّ غَيْرِهِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
(أَحَدُهَا) لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْبُوضُ غَيْرَ مَشْغُولٍ بِحَقِّ غَيْرِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ دَارًا
_________
(١) المهذب ١ / ٣١٣.
(٢) روضة الطالبين ٥ / ٣٧٦، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٣ (مط. السنة المحمدية) .
مَشْغُولَةً بِمَتَاعٍ لِلْبَائِعِ، فَلاَ يَصِحُّ الْقَبْضُ حَتَّى يُسَلِّمَهَا فَارِغَةً (١) .
(وَالثَّانِي) لِلْمَالِكِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْقَبْضِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْبُوضُ غَيْرَ مَشْغُولٍ بِحَقِّ غَيْرِهِ إلاَّ فِي دَارِ السُّكْنَى، فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ قَبْضِهَا إخْلاَؤُهَا (٢) .
(وَالثَّالِثُ) لِلْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، وَيَصِحُّ قَبْضُ الشَّيْءِ الْمَشْغُول بِحَقِّ غَيْرِهِ، فَلَوْ خَلَّى الْبَائِعُ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَبَيْنَ الدَّارِ الْمُبَاعَةِ، وَفِيهَا مَتَاعٌ لِلْبَائِعِ صَحَّ الْقَبْضُ، لأَِنَّ اتِّصَالَهَا بِمِلْكِ الْبَائِعِ لاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَبْضِ (٣) .
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْمَقْبُوضُ مُنْفَصِلًا مُتَمَيِّزًا:
٢٩ - هَذَا الشَّرْطُ قَال بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْبُوضُ مُنْفَصِلًا مُتَمَيِّزًا عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ، فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ اتِّصَال الأَْجْزَاءِ، فَلاَ يَصِحُّ الْقَبْضُ.
وَعَلَى هَذَا: فَلَوْ رَهَنَ أَوْ وَهَبَ الأَْرْضَ بِدُونِ الْبِنَاءِ أَوْ بِدُونِ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ، أَوِ الزَّرْعَ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٣ / ١٧، ورد المحتار ٤ / ٥٦٢، ٥ / ٦٩٠ ط. الحلبي، بدائع الصنائع ٦ / ١٢٥، ١٤٠، ومجمع الضمانات للبغدادي ص٢١٩، ٢٣٨، وفتح العزيز ٨ / ٤٤٢، والمجموع شرح المهذب ٩ / ٢٧٦، ومغني المحتاج ٢ / ٧٢.
(٢) الشرح الكبير للدردير ٣ / ١٤٥، ومنح الجليل ٢ / ٦٨٩.
(٣) المغني ٤ / ٣٣٣ ط. دار المنار، وكشاف القناع ٣ / ٢٠٢ مط. أنصار السنة المحمدية.
وَالشَّجَرَ بِدُونِ الأَْرْضِ، أَوِ الشَّجَرَ بِدُونِ الثَّمَرِ، أَوِ الثَّمَرَ بِدُونِ الشَّجَرِ، فَلاَ يَصِحُّ الْقَبْضُ وَلَوْ سَلَّمَ الْكُل، لأَِنَّ الْمَرْهُونَ أَوِ الْمَوْهُوبَ الْمُرَادَ قَبْضُهُ مُتَّصِلٌ بِغَيْرِهِ اتِّصَال الأَْجْزَاءِ، وَهَذَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْقَبْضِ (١) .
وَسَبَبُ اشْتِرَاطِهِمْ هَذَا الشَّرْطَ أَنَّ اتِّصَال الشَّيْءِ بِحَقِّ الْغَيْرِ يَمْنَعُ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ وَيَحُول دُونَهُ، وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ لاَ يَصِحُّ قَبْضُهُ وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَال (٢) .
الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ لاَ يَكُونَ الْمَقْبُوضُ حِصَّةً شَائِعَةً:
٣٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ عَدَمِ الشُّيُوعِ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يَصِحُّ قَبْضُ الْحِصَّةِ الشَّائِعَةِ، لأَِنَّ الشُّيُوعَ لاَ يُنَافِي صِحَّةَ الْقَبْضِ، إذْ لَوْ كَانَ الْقَبْضُ غَيْرَ مُتَحَقِّقٍ فِي الْحِصَّةِ الشَّائِعَةِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِ كُل وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي حِصَّتِهِ، لَكَانَ كُل شَرِيكَيْنِ فِي مِلْكٍ شَائِعٍ غَيْرَ قَابِضَيْنِ لَهُ، وَلَوْ كَانَا غَيْرَ قَابِضَيْنِ لَهُ لَكَانَ مُهْمَلًا لاَ يَدَ لأَِحَدٍ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَمْرٌ يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ وَالْعِيَانُ، أَمَّا الشَّرْعُ، فَلأَِنَّهُ جَعَل
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٢٥، ١٤٠، والفتاوى الهندية ٣ / ١٧.
(٢) رد المحتار ٦ / ٤٧٩ ط. الحلبي.
تَصَرُّفَهُمَا فِيهِ تَصَرُّفَ ذِي الْمِلْكِ فِي مِلْكِهِ، وَأَمَّا الْعِيَانُ، فَلِكَوْنِهِ عِنْدَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّةً يَتَّفِقَانِ عَلَيْهَا، أَوْ عِنْدَهُمَا مَعًا يَنْتَفِعَانِ بِهِ وَيَسْتَغِلاَّنِهِ (١) .
غَيْرَ أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى صِحَّةِ قَبْضِ الْحِصَّةِ الشَّائِعَةِ، وَعَدَمِ مُنَافَاةِ الشُّيُوعِ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ قَبْضِ الْحِصَّةِ الشَّائِعَةِ:
أ - فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ قَبْضَ الْحِصَّةِ الشَّائِعَةِ يَكُونُ بِقَبْضِ الْكُل.
فَإِذَا قَبَضَهُ كَانَ مَا عَدَا حِصَّتِهِ أَمَانَةً فِي يَدِهِ لِشَرِيكِهِ، لأَِنَّ قَبْضَ الشَّيْءِ يَعْنِي وَضْعَ الْيَدِ عَلَيْهِ وَالتَّمَكُّنَ مِنْهُ، وَفِي قَبْضِهِ لِلْكُل وَضْعٌ لِيَدِهِ عَلَى حِصَّتِهِ وَتَمَكُّنٌ مِنْهَا.
قَالُوا: وَلاَ يُشْتَرَطُ لِذَلِكَ إذْنُ الشَّرِيكِ إذَا كَانَ الشَّيْءُ مِمَّا يُقْبَضُ بِالتَّخْلِيَةِ. أَمَّا إذَا كَانَ مِمَّا يُقْبَضُ بِالنَّقْل وَالتَّحْوِيل، فَيُشْتَرَطُ إذْنُ الشَّرِيكِ، لأَِنَّ قَبْضَهُ بِنَقْلِهِ، وَنَقْلُهُ لاَ يَتَأَتَّى إلاَّ بِنَقْل حِصَّةِ شَرِيكِهِ مَعَ حِصَّتِهِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي مَال الْغَيْرِ بِدُونِ إذْنِهِ لاَ يَجُوزُ.
فَإِنْ أَبَى الشَّرِيكُ الإِْذْنَ، فَلِمُسْتَحِقِّ قَبْضِهِ أَنْ يُوَكِّل شَرِيكَهُ فِي قَبْضِ حِصَّتِهِ،
_________
(١) الأم ٣ / ١٢٥، ١٦٩ (ط بولاق)، وفتح العزيز ٨ / ٤٥٩، وشرح التاودي على تحفة ابن عاصم ١ / ١٧٨، ٢ / ٢٣٤، والبهجة شرح التحفة ٢ / ٢٣٥، والمغني ٤ / ٣٣٣، ٥ / ٥٩٦ ط. دار المنار، وكشاف القناع ٣ / ٢٠٢، ٤ / ٢٥٧ مط. السنة المحمدية.
فَيَصِحُّ الْقَبْضُ، فَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْهُ قَبَضَ لَهُ الْحَاكِمُ، أَوْ نَصَبَ مَنْ يَقْبِضُ لَهُمَا، فَيَنْقُلُهُ لِيَحْصُل الْقَبْضُ، لأَِنَّهُ لاَ ضَرَرَ عَلَى الشَّرِيكِ فِي ذَلِكَ، وَيَتِمُّ بِهِ عَقْدُ شَرِيكِهِ (١) .
ب - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: قَبْضُ الْحِصَّةِ الشَّائِعَةِ يَكُونُ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا كَمَا كَانَ صَاحِبُهَا يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا مَعَ شَرِيكِهِ، إلاَّ فِي الْمَرْهُونِ الَّذِي يَكُونُ الشَّرِيكُ فِيهِ الرَّاهِنَ، فَيُشْتَرَطُ قَبْضُ الْكُل كَيْ لاَ تَجْتَمِعَ يَدُ الرَّاهِنِ وَيَدُ الْمُرْتَهِنِ مَعًا، سَوَاءٌ أَذِنَ الشَّرِيكُ الرَّاهِنُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ، فَلَوْ وَهَبَ رَجُلٌ نِصْفَ دَارِهِ، وَهُوَ سَاكِنٌ فِيهَا، فَدَخَل الْمَوْهُوبُ لَهُ فَسَاكَنَهُ فِيهَا، وَصَارَ حَائِزًا بِالسُّكْنَى وَالاِرْتِفَاقِ بِمَنَافِعِ الدَّارِ، وَالْوَاهِبُ مَعَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يَفْعَلُهُ الشَّرِيكَانِ فِي السُّكْنَى، فَذَلِكَ قَبْضٌ تَامٌّ، وَكَذَلِكَ كُل مَنْ وَهَبَ جُزْءًا مِنْ مَالٍ أَوْ دَارٍ، وَتَوَلَّى احْتِيَازَ ذَلِكَ مَعَ وَاهِبِهِ، وَشَارَكَهُ فِي الاِغْتِلاَل وَالاِرْتِفَاقِ، فَهُوَ قَبْضٌ (٢) .
لَكِنْ لَوْ رَهَنَ شَخْصٌ نِصْفَ دَارِهِ شَائِعًا لَمْ يَتِمَّ الْقَبْضُ إلاَّ بِقَبْضِ الْمُرْتَهِنِ جَمِيعِهَا لِئَلاَّ تَجُول يَدُ الرَّاهِنِ فِيهَا (٣)، أَمَّا لَوْ كَانَ النِّصْفُ غَيْرُ الْمَرْهُونِ لِغَيْرِ الرَّاهِنِ فَيَحْصُل الْقَبْضُ
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٤٠٠، وكشاف القناع ٣ / ٢٠٢، ٤ / ٢٥٧.
(٢) شرح ميارة على تحفة ابن عاصم ٢ / ١٤٦.
(٣) شرح التاودي على التحفة ١ / ١٧٨، وشرح ميارة على التحفة ١ / ١١٦.