الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 53

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

دَيْنٌ، وَسَقَطَ لَهُ عَنْهُ دَيْنٌ غَيْرُهُ، وَقَدْ حُكِيَ الإِْجْمَاعُ عَلَى امْتِنَاعِ هَذَا، وَلاَ إجْمَاعَ فِيهِ، قَالَهُ شَيْخُنَا، وَاخْتَارَ جَوَازَهُ، وَهُوَ الصَّوَابُ (١) .

شُرُوطُ صِحَّةِ الْقَبْضِ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ أَهْلًا لِلْقَبْضِ:

١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ صُدُورُهُ مِنْ أَهْلٍ لَهُ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَكُونُ أَهْلًا لَهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْقَبْضِ صُدُورُهُ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِل غَيْرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ أَهْلِيَّةَ الشَّخْصِ لِلْقَبْضِ هِيَ نَفْسُهَا أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْعُقُودِ، فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ أَنْ يَكُونَ الْقَابِضُ عَاقِلًا، فَلاَ يَصِحُّ قَبْضُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يَعْقِل (٣)، أَمَّا الْبُلُوغُ، فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ فِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ دُونَ بَعْضٍ، وَتَصَرُّفَاتُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ غَيْرِ الْبَالِغِ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:

_________

(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (بعناية طه عبد الرؤوف سعد) ٢ / ٩.

(٢) مغني المحتاج ٢ / ١٢٨، والمجموع ٩ / ١٥٧، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٤ (مط. السنة المحمدية)، والمغني ٤ / ٣٢٩ (ط. دار المنار) .

(٣) بدائع الصنائع ٦ / ١٢٦.

النَّوْعُ الأَْوَّل: التَّصَرُّفَاتُ النَّافِعَةُ نَفْعًا مَحْضًا. كَمَا إذَا وُهِبَ الصَّبِيُّ، أَوْ تَصَدَّقَ أَحَدٌ عَلَيْهِ، أَوْ أَوْصَى لَهُ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ قَبْضِهِ بُلُوغُهُ إذَا كَانَ يَعْقِل اسْتِحْسَانًا (١) .

النَّوْعُ الثَّانِي: التَّصَرُّفَاتُ الضَّارَّةُ ضَرَرًا مَحْضًا كَتَبَرُّعَاتِهِ وَكَفَالَتِهِ بِالنَّفْسِ أَوْ بِالْمَال، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ تَصِحُّ تَصَرُّفَاتُهُ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِنْ قُبُوضٍ لاِشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ فِي صِحَّتِهَا (٢) .

النَّوْعُ الثَّالِثُ: التَّصَرُّفَاتُ الدَّائِرَةُ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ، كَبَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَإِجَارَتِهِ وَاسْتِئْجَارِهِ وَنِكَاحِهِ وَمَا شَاكَل ذَلِكَ، وَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ وَمَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِنْ قُبُوضٍ يَتَوَقَّفُ نَفَاذُهَا عَلَى إجَازَةِ وَلِيِّ الصَّغِيرِ، فَإِنْ أَجَازَهَا نَفَذَتْ، وَإِنْ رَدَّهَا بَطَلَتْ (٣) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ صُدُورُهُ مِمَّنْ يَتَمَتَّعُ بِأَهْلِيَّةِ الْمُعَامَلَةِ، بَل تَكْفِي الصِّفَةُ الإِْنْسَانِيَّةُ مَنَاطًا لاِعْتِبَارِهِ أَهْلًا لِلْقَبْضِ، فَيَصِحُّ قَبْضُ الصَّغِيرِ وَالْمَحْجُورِ، وَيَكُونُ قَبْضًا تَامًّا (٤) .

_________

(١) البدائع ٦ / ١٢٦، ١٤١، جامع أحكام الصغار (بهامش جامع الفصولين) ١ / ١٨١، كشف الأسرار على أصول البزدوي ٤ / ١٣٧٤، شرح المجلة للأتاسي ٣ / ٣٦٤، ٥٣٠.

(٢) أصول البزدوي مع كشف الأسرار ٤ / ١٣٧٥ وما بعدها، وشرح المجلة للأتاسي ٣ / ٥٣٠، وانظر م٩٦٧ من مجلة الأحكام العدلية.

(٣) المراجع السابقة.

(٤) البهجة شرح التحفة ١ / ٢٠١.

الشَّرْطُ الثَّانِي: صُدُورُ الْقَبْضِ مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَتُهُ:

١٥ - الْقَبْضُ نَوْعَانِ: قَبْضٌ بِطَرِيقِ الأَْصَالَةِ، وَقَبْضٌ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ.

أ - أَمَّا الْقَبْضُ بِطَرِيقِ الأَْصَالَةِ: فَهُوَ أَنْ يَقْبِضَ الشَّخْصُ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ وِلاَيَةَ هَذَا الْقَبْضِ تَكُونُ لِمَنْ ثَبَتَتْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْقَبْضِ (١) .

ب - وَأَمَّا الْقَبْضُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ: فَوِلاَيَتُهُ تَثْبُتُ إمَّا بِتَوْلِيَةِ الْمَالِكِ، وَإِمَّا بِتَوْلِيَةِ الشَّارِعِ.

الْحَالَةُ الأُْولَى: وِلاَيَةُ النَّائِبِ فِي الْقَبْضِ بِتَوْلِيَةِ الْمَالِكِ:

١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ثُبُوتِ وِلاَيَةِ الْوَكِيل بِالْقَبْضِ، لأَِنَّ مَنْ مَلَكَ التَّصَرُّفَ فِي شَيْءٍ أَصَالَةً مَلَكَ التَّوْكِيل فِيهِ، وَالْقَبْضُ مِمَّا يَحْتَمِل النِّيَابَةَ، فَكَانَ قَبْضُ الْوَكِيل بِمَنْزِلَةِ قَبْضِ الْمُوَكِّل وَلاَ فَرْقَ، وَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْوَكِيل وَالْمُوَكِّل أَهْلًا لِلْقَبْضِ (٢) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لِلْوَكِيل بِالْقَبْضِ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ إنْ كَانَ مُوَكِّلُهُ قَدْ وَكَّلَهُ بِوَكَالَةٍ عَامَّةٍ، بِأَنْ

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٢٦، الأم ٣ / ١٢٤، ٤٨٢، (بولاق)، القوانين الفقهية ص ٣٩٩ (ط. دار العلم للملايين)، وشرح ميارة على التحفة ٢ / ١٤٣، وقواعد الأحكام ٢ / ١٥٩ (ط. المكتبة التجارية الكبرى) .

(٢) البدائع ٥ / ١٥٢، ٦ / ١٢٦، ١٤١، شرح المجلة للأتاسي ٣ / ١٣٥، ٤ / ٣١٣ وما بعدها، والشرح الكبير للدردير ٣ / ٣٧٧، ٢٤٤، والبهجة شرح التحفة ٢ / ٢٣٣، وشرح تنقيح الفصول للقرافي ص ٤٥٥، والتسهيل لابن جزي ١ / ٩٧، وتفسير البحر المحيط لأبي حيان ٢ / ٣٥٥.

قَال لَهُ وَقْتَ التَّوْكِيل بِالْقَبْضِ: اصْنَعْ مَا شِئْت، أَوْ مَا صَنَعْتَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيَّ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أَمَّا إذَا كَانَتِ الْوَكَالَةُ خَاصَّةً، بِأَنْ لَمْ يَقُل ذَلِكَ عِنْدَ التَّوْكِيل بِالْقَبْضِ، فَلَيْسَ لِلْوَكِيل أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ بِالْقَبْضِ، وَإِنْ فَعَل فَلاَ تَكُونُ لِمَنْ وَكَّلَهُ هَذِهِ الْوِلاَيَةُ، لأَِنَّ الْوَكِيل إنَّمَا يَتَصَرَّفُ بِحُدُودِ تَفْوِيضِ الْمُوَكِّل، فَيَمْلِكُ قَدْرَ مَا فَوَّضَ إلَيْهِ لاَ أَكْثَر (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَصِحُّ الشِّرَاءُ وَالْقَبْضُ لِلْمُوَكِّل، وَلاَ يَصِحُّ قَبْضُهُ لِنَفْسِهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا لِغَيْرِهِ فِي قَبْضِ حَقِّ نَفْسِهِ (٢) .

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْمَدِينَ بِطَعَامٍ إذَا دَفَعَ لِلدَّائِنِ دَرَاهِمَ وَقَال لَهُ: اشْتَرِ لِي بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ مِثْل الطَّعَامِ الَّذِي لَك عَلَيَّ، وَاقْبِضْهُ لِي، ثُمَّ اقْبِضْهُ لِنَفْسِك، فَفَعَل، صَحَّ الْقَبْضُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، لأَِنَّهُ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ وَالْقَبْضِ، ثُمَّ الاِسْتِيفَاءِ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ وَدِيعَةٌ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ عِنْدَ الدَّائِنِ وَأَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهَا عَنْ دَيْنِهِ (٣)

وَفِي هَذَا الْمَقَامِ تَعَرَّضَ الْفُقَهَاءُ لأَِحْكَامِ

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ٢٥.

(٢) المهذب ١ / ٣٠٩.

(٣) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢٣، وكشاف القناع ٣ / ٢٩٥، ٢٩٦ ط. مكة المكرمة.

ثَلاَثِ مَسَائِل:

الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى: وِلاَيَةُ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ وَإِقْبَاضِ الْمَبِيعِ:

١٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وِلاَيَةِ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ فِي أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ مِنَ الْمُشْتَرِي وَيُسَلِّمَ الْمَبِيعَ إلَيْهِ، عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:

(أَحَدُهَا) لِلْحَنَفِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّ لِلْوَكِيل بِالْبَيْعِ أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ وَيُسَلِّمَ الْمَبِيعَ لِلْمُشْتَرِي، لأَِنَّ فِي الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ إذْنًا بِالْقَبْضِ وَالإِْقْبَاضِ دَلاَلَةً (١) .

(وَالثَّانِي) لِلْمَالِكِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّ لِلْوَكِيل بِالْبَيْعِ أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ وَيُسَلِّمَ الْمَبِيعَ مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عُرْفٌ بِأَنَّ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ لاَ يَفْعَل ذَلِكَ (٢) .

(وَالثَّالِثُ) لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ: وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْقَبْضُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْعَقْدِ كَالصَّرْفِ وَالسَّلَمِ، فَلِلْوَكِيل عِنْدَئِذٍ وِلاَيَةُ الْقَبْضِ وَالإِْقْبَاضِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا كَمَا فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ، فَيَمْلِكُ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ قَبْضَ الثَّمَنِ الْحَال وَتَسْلِيمَ الْمَبِيعِ بَعْدَهُ إنْ لَمْ يَمْنَعْهُ الْمُوَكِّل مِنْ ذَلِكَ، لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ وَمُقْتَضَيَاتِهِ، فَكَانَ الإِْذْنُ فِي الْبَيْعِ إذْنًا فِيهِ دَلاَلَةً.

_________

(١) انظر م ٩٤٩، ٩٥٠، من مرشد الحيران، وم ١٥٠٣ من مجلة الأحكام العدلية.

(٢) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٣٨١، شرح ميارة على تحفة ابن عاصم ١ / ١٣٨، والبهجة شرح التحفة ١ / ٢١٣.

فَإِنْ نَهَاهُ الْمُوَكِّل عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، أَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا، فَلَيْسَ لِلْوَكِيل شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (١) .

(وَالرَّابِعُ) لِلْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّ لِلْوَكِيل بِالْبَيْعِ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ، لأَِنَّ إطْلاَقَ الْوَكَالَةِ بِالْبَيْعِ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ، لِكَوْنِهِ مِنْ تَمَامِهِ، بِخِلاَفِ قَبْضِ الثَّمَنِ، فَلَيْسَ لِلْوَكِيل أَنْ يَقْبِضَهُ، لأَِنَّ الْبَائِعَ قَدْ يُوَكِّل بِالْبَيْعِ مَنْ لاَ يَأْتَمِنُهُ عَلَى الثَّمَنِ (٢) .

وَاسْتَثْنَى ابْنُ الْقَيِّمِ مِنَ الْحُكْمِ بِسَلْبِ وِلاَيَةِ قَبْضِ الثَّمَنِ مِنَ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ مَا إذَا كَانَتِ الْعَادَةُ الْجَارِيَةُ قَبْضَ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ أَثْمَانَ الْمَبِيعَاتِ، فَقَال: وَلَوْ وَكَّل غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا فِي بَيْعِ شَيْءٍ، وَالْعُرْفُ قَبْضُ ثَمَنِهِ، مَلَكَ ذَلِكَ (٣) .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وِلاَيَةُ الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ فِي قَبْضِ الْحَقِّ.

١٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وِلاَيَةِ الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ وَإِثْبَاتِ الْحَقِّ فِي قَبْضِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ

(أَحَدُهُمَا) لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَزُفَرَ وَهُوَ الْقَوْل الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَبِهِ أَخَذَتْ مَجَلَّةُ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ:

_________

(١) روضة الطالبين ٤ / ٣٠٧، ٣٠٩، ومغني المحتاج ٢ / ٢٢٥، وفتح العزيز للرافعي ١١ / ٣٢ - ٣٥.

(٢) كشاف القناع ٣ / ٤٠٠ وما بعدها (مط. السنة المحمدية) والمغني ٥ / ٩٢ وما بعدها (ط. دار المنار) .

(٣) إعلام الموقعين ٢ / ٣٩٣ (تحقيق محمد عبد الحميد) .

وَهُوَ أَنَّ الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ لاَ يَكُونُ وَكِيلًا بِالْقَبْضِ، وَلاَ تَثْبُتُ لَهُ وِلاَيَتُهُ، لأَِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنَ الْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ تَثْبِيتُ الْحَقَّ، وَلَيْسَ كُل مَنْ يُرْتَضَى لِتَثْبِيتِ حَقٍّ يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ، فَقَدْ يُوثَقُ عَلَى الْخُصُومَةِ مَنْ لاَ يُوثَقُ عَلَى الْمَال. وَأَيْضًا فَلأَِنَّ الإِْذْنَ فِي تَثْبِيتِ الْحَقِّ لَيْسَ إذْنًا فِي قَبْضِهِ مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ وَلاَ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ، إذِ الإِْثْبَاتُ لاَ يَتَضَمَّنُ الْقَبْضَ، وَلَيْسَ الْقَبْضُ مِنْ لَوَازِمِهِ أَوْ مُتَعَلِّقَاتِهِ، بِخِلاَفِ مَسْأَلَةِ الْوَكِيل بِالْبَيْعِ، فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ وَقَبْضَ الثَّمَنِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ وَمُقْتَضَيَاتِهِ، وَقَدْ أَقَامَهُ الْمُوَكِّل مُقَامَ نَفْسِهِ فِيهَا (١) .

(وَالثَّانِي) لأَِبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ: وَهُوَ أَنَّ لِلْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ أَنْ يَقْبِضَ الْحَقَّ بَعْدَ إثْبَاتِهِ، لأَِنَّهُ لَمَّا وَكَّلَهُ بِالْخُصُومَةِ فِي مَالٍ، فَقَدِ ائْتَمَنَهُ عَلَى قَبْضِهِ، لأَِنَّ الْخُصُومَةَ فِيهِ لاَ تَنْتَهِي إلاَّ بِالْقَبْضِ، فَكَانَ التَّوْكِيل بِهَا تَوْكِيلًا بِالْقَبْضِ (٢) .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وِلاَيَةُ الْعَدْل فِي قَبْضِ الْمَرْهُونِ:

١٩ - إذَا اتَّفَقَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى أَنْ يُجْعَل

_________

(١) المهذب ١ / ٣٥٨، وكشاف القناع ٣ / ٤٠٢ (مط. السنة المحمدية)، والمغني لابن قدامة ٥ / ٩١ (ط. دار المنار)، وبدائع الصنائع ٦ / ٢٥، ورد المحتار ٥ / ٥٢٩ (ط. مصطفى الحلبي)، وشرح المجلة للأتاسي ٤ / ٥١٥ وما بعدها.

(٢) بدائع الصنائع ٦ / ٢٥، ورد المحتار ٥ / ٥٢٩ (ط. مصطفى البابي الحلبي) .

الْمَرْهُونُ فِي يَدِ عَدْلٍ (١)، فَهَل يَكُونُ لِلْعَدْل وِلاَيَةُ قَبْضِهِ؟

اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

(أَحَدُهُمَا) لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ أَنَّ لِلْعَدْل أَنْ يَقْبِضَ الْمَرْهُونَ، وَيَكُونُ قَبْضُهُ بِمَنْزِلَةِ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ، وَلاَ فَرْقَ، لأَِنَّ كُلًّا مِنَ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ قَدْ لاَ يَثِقُ بِصَاحِبِهِ، فَاحْتِيجَ إلَى الْعَدْل، وَكَمَا يَتَوَلَّى الْعَدْل الْحِفْظَ فَإِنَّهُ يَتَوَلَّى الْقَبْضَ، وَبِهَذَا قَال الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ.

وَلأَِنَّ الْعَدْل نَائِبٌ عَنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَكَانَ قَبْضُهُ بِمَنْزِلَةِ قَبْضِ الْوَكِيل فِي سَائِرِ الْعُقُودِ.

ثُمَّ إنَّ مِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ يَدَ الْعَدْل كَيَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَأَنَّهُ وَكِيلُهُ بِالْقَبْضِ: أَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ مَتَى شَاءَ أَنْ يَفْسَخَ الرَّهْنَ وَيُبْطِل يَدَ الْعَدْل وَيَرُدَّهُ إلَى الرَّاهِنِ، وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ إبْطَال يَدِ الْعَدْل، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَدْل وَكِيلٌ لِلْمُرْتَهِنِ (٢) .

_________

(١) العدل: هو من رضي الراهن والمرتهن في أن يكون المرهون بيده، وقد سمي بذلك لعدالته في نظرهما. انظر الدر المختار ٦ / ٥٠٢ مع حاشية رد المحتار عليه، وجاء في م ٧٠٥ من مجلة الأحكام العدلية " العدل هو الذي ائتمنه الراهن والمرتهن وسلماه وأودعاه الرهن ".

(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٣٧، ١٤١ وما بعدها، ورد المحتار ٦ / ٥٠٣، (ط. الحلبي) وشرح المجلة للأتاسي ٣ / ١٩٨ وما بعدها، والأم ٣ / ١٦٩، ومغني المحتاج ٢ / ١٣٣، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ٢١٦، والتسهيل لابن جزي ١ / ٩٧، وتفسير القرطبي ص ١٢١٨ (ط. الشعب)، والمغني ٤ / ٣٥١ (ط. دار المنار)، وكشاف القناع ٣ / ٢٨٢، (مط. السنة المحمدية) .

(وَالثَّانِي) لاِبْنِ شُبْرُمَةَ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَقَتَادَةَ وَالْحَكَمِ وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ: وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَدْل أَنْ يَقْبِضَهُ، وَإِنْ قَبَضَهُ فَلاَ يَكُونُ الْقَبْضُ مُعْتَبَرًا، قَال الْقُرْطُبِيُّ: وَرَأَوْا ذَلِكَ تَعَبُّدًا (١) .

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: وِلاَيَةُ النَّائِبِ فِي الْقَبْضِ بِتَوْلِيَةِ الشَّارِعِ:

٢٠ - وِلاَيَةُ النَّائِبِ فِي الْقَبْضِ بِتَوْلِيَةِ الشَّارِعِ هِيَ وِلاَيَةُ مَنْ يَلِي مَال الْمَحْجُورِ فِي قَبْضِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمَحْجُورُ، وَهَذِهِ الْوِلاَيَةُ لَيْسَتْ بِتَوْلِيَةِ الْمُسْتَحِقِّ، لاِنْتِفَاءِ أَهْلِيَّتِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ بِتَوْلِيَةِ الشَّارِعِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (٢) .

وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْوَالِدَ يَحُوزُ لِوَلَدِهِ إذَا كَانُوا صِغَارًا (٣) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَمِنْ ذَلِكَ وِلاَيَةُ مَنْ يَعُول

_________

(١) تفسير القرطبي ص ١٢١٨ (ط. دار الشعب)، وبدائع الصنائع ٦ / ١٣٧، المغني ٤ / ٣٥١، بداية المجتهد ٢ / ٢٣٠، الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب ٢ / ٥.

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ١٥٢، ٦ / ١٢٦، والأم ٣ / ١٢٤، ٢٨٤ ط بولاق، وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢ / ٨٠ مط. الحسينية، والشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي عليه ٤ / ١٠٧، والمغني ٥ / ٦٠١ ط. دار المنار.

(٣) الأم ٣ / ٢٨٤، سنن البيهقي ٦ / ١٧٠.

الصَّغِيرَ وَيَكْفُلُهُ فِي قَبْضِ مَا يُوهَبُ إلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَاهِبُ هُوَ أَوْ غَيْرَهُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ قَرِيبًا أَمْ غَيْرَ قَرِيبٍ (١) .

وَقَال ابْنُ جُزَيٍّ: وَيَحُوزُ لِلْمَحْجُورِ وَصِيُّهُ، وَيَحُوزُ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ الْحُرِّ الصَّغِيرِ مَا وَهَبَهُ لَهُ هُوَ مَا عَدَا الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، وَمَا وَهَبَهُ لَهُ غَيْرُهُ مُطْلَقًا (٢) .

٢١ - وَيَلْحَقُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ فِي الْحُكْمِ وِلاَيَةُ الشَّخْصِ فِي قَبْضِ اللُّقَطَةِ، وَمَال اللَّقِيطِ، وَالثَّوْبُ الَّذِي أَلْقَتْهُ الرِّيحُ فِي دَارِهِ، وَحَقُّهُ إذَا ظَفِرَ بِهِ، وَوِلاَيَةُ الْحَاكِمِ فِي قَبْضِ أَمْوَال الْغَائِبِينَ وَالْمَحْبُوسِينَ الَّذِينَ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى حِفْظِهَا لِتُحْفَظَ لَهُمْ، وَوِلاَيَتُهُ فِي قَبْضِ الْمَال الْمُودَعِ إذَا مَاتَ الْمُودِعُ وَالْمُودَعُ وَوَرَثَةُ الْمُودَعِ غَائِبُونَ، وَوِلاَيَتُهُ فِي قَبْضِ أَمْوَال الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَالزَّكَوَاتِ، وَكَذَا وِلاَيَةُ الْمُضْطَرِّ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ طَعَامِ الأَْجَانِبِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ مَا يَدْفَعُ بِهِ ضَرُورَتَهُ (٣) .

وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِوِلاَيَةِ الْقَبْضِ لِلْغَيْرِ مَا يَأْتِي:

وِلاَيَةُ قَبْضِ الْمَهْرِ:

٢٢ - فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً فَوِلاَيَةُ قَبْضِ مَهْرِهَا لِمَنْ يَنْظُرُ

_________

(١) مرشد الحيران م (٨٤) .

(٢) القوانين الفقهية ص ٣٧٤ ط. الدار العربية للكتاب.

(٣) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢ / ٧١ (ط. المكتبة التجارية الكبرى)، وشرح تنقيح الفصول ص ٤٥٥ وما بعدها، والذخيرة للقرافي ١ / ١٥٢.