الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢
وَالثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّ قَبْضَهُ يَكُونُ بِنَقْلِهِ وَتَحْوِيلِهِ (١)، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالْمَنْقُول وَالْعُرْفِ، فَأَمَّا الْمَنْقُول فَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَال: كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَنَشْتَرِي مِنْهُمُ الطَّعَامَ جُزَافًا، فَنَهَانَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ (٢)، وَقِيسَ عَلَى الطَّعَامِ غَيْرُهُ (٣)، وَأَمَّا الْعُرْفُ، فَلأَِنَّ أَهْلَهُ لاَ يَعُدُّونَ احْتِوَاءَ الْيَدِ عَلَيْهِ قَبْضًا مِنْ غَيْرِ تَحْوِيلٍ، إذِ الْبَرَاجِمُ لاَ تَصْلُحُ قَرَارًا لَهُ (٤) .
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ:
١٠ - أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَقْدِيرٌ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذَرْعٍ أَوْ عَدٍّ، كَمَنِ اشْتَرَى صُبْرَةَ حِنْطَةٍ مُكَايَلَةً أَوْ مَتَاعًا مُوَازَنَةً أَوْ ثَوْبًا مُذَارَعَةً أَوْ مَعْدُودًا بِالْعَدَدِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ اتَّفَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ قَبْضَهُ يَكُونُ بِاسْتِيفَائِهِ بِمَا يُقَدَّرُ فِيهِ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذَرْعٍ أَوْ عَدٍّ (٥) .
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٧٢، وروضة الطالبين ٣ / ٥١٥، والمغني ٤ / ١١٢، ٣٣٢ ط. دار المنار، وكشاف القناع ٣ / ٢٠٢.
(٢) حديث: " كنا نتلقى الركبان. . . ". أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (٤ / ٨) وأصله في البخاري (فتح الباري ٤ / ٣٤٧) ومسلم (٣ / ١١٦١) .
(٣) مغني المحتاج ٢ / ٧٢، والمغني ٤ / ٣٣٢.
(٤) المجموع شرح المهذب ٩ / ٢٨٢، والمغني ٤ / ١١٢.
(٥) مغني المحتاج ٢ / ٧٣، روضة الطالبين ٣ / ٥١٧ وما بعدها، فتح العزيز ٨ / ٤٤٨، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢ / ٨٢، ١٧١ ط. التجارية بمصر، والشرح الكبير للدردير ٣ / ١٤٤، كشاف القناع ٣ / ٢٠١، ٢٧٢.
وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ بِالإِْضَافَةِ إلَى ذَلِكَ نَقْلَهُ وَتَحْوِيلَهُ.
وَدَلِيل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ قَبْضَ الْمُقَدَّرَاتِ مِنَ الْمَنْقُولاَتِ إنَّمَا يَكُونُ بِتَوْفِيَتِهَا بِالْوَحْدَةِ الْقِيَاسِيَّةِ الْعُرْفِيَّةِ الْمُرَاعَاةِ فِيهَا مِنَ الْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الذَّرْعِ أَوِ الْعَدِّ فَهُوَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، صَاعُ الْبَائِعِ وَصَاعُ الْمُشْتَرِي (١)، وَقَوْلُهُ ﷺ: مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ (٢)، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحْصُل فِيهِ الْقَبْضُ إلاَّ بِالْكَيْل، فَتَعَيَّنَ فِيمَا يُقَدَّرُ بِالْكَيْل الْكَيْل، وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي (٣) .
١١ - وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: قَبْضُ الْمَنْقُول يَكُونُ بِالتَّنَاوُل بِالْيَدِ أَوْ بِالتَّخْلِيَةِ عَلَى وَجْهِ التَّمْكِينِ (٤) .
_________
(١) حديث: " نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان. . . ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٥٠) من حديث جابر، وأشار ابن حجر في التلخيص (٣ / ٢٧) إلى تضعيف إسناده، ثم خرجه عن صحابة آخرين، ونقل عن البيهقي أنه قواه بطرقه.
(٢) حديث: " من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله ". أخرجه مسلم (٣ / ١١٦٠) من حديث ابن عباس.
(٣) مغني المحتاج ٢ / ٧٣، المغني لابن قدامة ٤ / ١١١ ط. دار المنار، وكشاف القناع ٣ / ٢٠١.
(٤) لسان الحكام لابن الشحنة ص٣١١، وشرح المجلة للأتاسي ٢ / ٢٠٠ وما بعدها، ومجلة الأحكام العدلية م ٢٧٢، ٢٧٣، ٢٧٤، ٢٧٥.
جَاءَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: " تَسْلِيمُ الْعُرُوضِ يَكُونُ بِإِعْطَائِهَا لِيَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِوَضْعِهَا عِنْدَهُ أَوْ بِإِعْطَاءِ الإِْذْنِ لَهُ بِالْقَبْضِ مَعَ إرَاءَتِهَا لَهُ (١) ".
وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: رَجُلٌ بَاعَ مَكِيلًا فِي بَيْتٍ مُكَايَلَةً أَوْ مَوْزُونًا مُوَازَنَةً، وَقَال: خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَهُ، وَدَفَعَ إلَيْهِ الْمِفْتَاحَ، وَلَمْ يَكِلْهُ وَلَمْ يَزِنْهُ، صَارَ الْمُشْتَرِي قَابِضًا.
وَتَسْلِيمُ الْمَبِيعِ هُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ الْمُشْتَرِي مِنْ قَبْضِهِ بِغَيْرِ حَائِلٍ، وَكَذَا التَّسْلِيمُ فِي جَانِبِ الثَّمَنِ (٢) .
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ عَلَى اعْتِبَارِ التَّخْلِيَةِ مَعَ التَّمْكِينِ فِي الْمَنْقُولاَتِ قَبْضًا بِأَنَّ تَسْلِيمَ الشَّيْءِ فِي اللُّغَةِ مَعْنَاهُ جَعْلُهُ سَالِمًا خَالِصًا لاَ يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَهَذَا يَحْصُل بِالتَّخْلِيَةِ، وَبِأَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ لاَ بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ سَبِيلٌ لِلْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي فِي وُسْعِهِ هُوَ التَّخْلِيَةُ وَرَفْعُ الْمَوَانِعِ، أَمَّا الإِْقْبَاضُ فَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ، لأَِنَّ الْقَبْضَ بِالْبَرَاجِمِ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ لِلْقَابِضِ، فَلَوْ تَعَلَّقَ وُجُوبُ التَّسْلِيمِ بِهِ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِالْوَاجِبِ، وَهَذَا لاَ
_________
(١) مجلة الأحكام العدلية م ٢٧٤.
(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ١٦.
يَجُوزُ (١) .
وَقَدْ وَافَقَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ الْحَنَفِيَّةَ عَلَى اعْتِبَارِ التَّخْلِيَةِ فِي الْمَنْقُول قَبْضًا، وَذَلِكَ لِحُصُول الاِسْتِيلاَءِ بِالتَّخْلِيَةِ، إذْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْقَبْضِ، وَقَدْ حَصَل بِهَا (٢) .
تَقْسِيمُ الْقَبْضِ مِنْ حَيْثُ الْمَشْرُوعِيَّةُ:
١٢ - قَسَّمَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ وَالْقَرَافِيُّ الْقَبْضَ كَتَصَرُّفٍ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ مَشْرُوعِيَّتُهُ وَالإِْذْنُ فِيهِ إلَى ثَلاَثَةِ أَضْرُبٍ (٣) .
(الضَّرْبُ الأَْوَّل) قَبْضٌ بِمُجَرَّدِ إذْنِ الشَّرْعِ دُونَ إذْنِ الْمُسْتَحِقِّ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ:
مِنْهَا: قَبْضُ وُلاَةِ الأُْمُورِ وَالْحُكَّامِ الأَْعْيَانَ الْمَغْصُوبَةَ مِنَ الْغَاصِبِ، وَقَبْضُهُمْ أَمْوَال الْمَصَالِحِ وَالزَّكَاةَ وَحُقُوقَ بَيْتِ الْمَال، وَقَبْضُهُمْ أَمْوَال الْغَائِبِينَ وَالْمَحْبُوسِينَ الَّذِينَ لاَ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ حِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، وَقَبْضُهُمْ أَمْوَال الْمَجَانِينِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ بِسَفَهٍ وَنَحْوِهِمْ.
وَمِنْهَا: قَبْضُ مَنْ طَيَّرَتِ الرِّيحُ ثَوْبًا، ثُمَّ
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٤٤.
(٢) المغني ٤ / ١١١ ط، المنار، الإفصاح لابن هبيرة ص٢٢٤ ط. الطباخ بحلب.
(٣) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ٢ / ٧١ ط. المكتبة التجارية بمصر، وشرح تنقيح الفصول للقرافي ص٤٥٥ وما بعدها. (بعناية ط عبد الرؤوف سعد) .
أَلْقَتْهُ فِي حِجْرِهِ أَوْ دَارِهِ، وَمِنْهَا: قَبْضُ الْمُضْطَرِّ مِنْ طَعَامِ الأَْجَانِبِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ لِمَا يَدْفَعُ بِهِ ضَرُورَتَهُ، وَمِنْهَا: قَبْضُ الإِْنْسَانِ حَقَّهُ إذَا ظَفِرَ بِهِ بِجِنْسِهِ.
(وَالضَّرْبُ الثَّانِي) قَبْضُ مَا يَتَوَقَّفُ جَوَازُ قَبْضِهِ عَلَى إذْنِ مُسْتَحِقِّهِ، كَقَبْضِ الْمَبِيعِ بِإِذْنِ الْبَائِعِ، وَقَبْضِ الْمُسْتَامِ، وَالْقَبْضِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَقَبْضِ الرُّهُونِ وَالْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْعَوَارِيِّ وَالْوَدَائِعِ، وَقَبْضِ جَمِيعِ الأَْمَانَاتِ.
(وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ) قَبْضٌ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنَ الشَّرْعِ وَلاَ مِنَ الْمُسْتَحِقِّ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ مَعَ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِهِ، كَقَبْضِ الْمَغْصُوبِ، فَيَأْثَمُ الْغَاصِبُ، وَيَضْمَنُ مَا قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلاَ إذْنٍ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، كَمَنْ قَبَضَ مَالًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَالُهُ، فَإِذَا هُوَ لِغَيْرِهِ، قَال الْقَرَافِيُّ: فَلاَ يُقَال إنَّ الشَّرْعَ أَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ، بَل عَفَا عَنْهُ بِإِسْقَاطِ الإِْثْمِ (١)، وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ إثْمَ عَلَيْهِ، وَلاَ إبَاحَةَ فِيهِ، وَهُوَ فِي ضَمَانِهِ.
الْقَبْضُ الْحُكْمِيُّ:
١٣ - الْقَبْضُ الْحُكْمِيُّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ يُقَامُ مُقَامَ الْقَبْضِ الْحَقِيقِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَحَقِّقًا حِسًّا فِي الْوَاقِعِ، وَذَلِكَ لِضَرُورَاتٍ وَمُسَوِّغَاتٍ
_________
(١) شرح تنقيح الفصول ص٤٥٦.
تَقْتَضِي اعْتِبَارَهُ تَقْدِيرًا وَحُكْمًا، وَتَرْتِيبَ أَحْكَامِ الْقَبْضِ الْحَقِيقِيِّ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي حَالاَتٍ ثَلاَثٍ:
الْحَالَةُ الأُْولَى: عِنْدَ إقْبَاضِ الْمَنْقُولاَتِ بِالتَّخْلِيَةِ مَعَ التَّمْكِينِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا الطَّرَفُ الآْخَرُ حَقِيقَةً، حَيْثُ إنَّهُمْ يَعُدُّونَ تَنَاوُلَهَا بِالْيَدِ قَبْضًا حَقِيقِيًّا، وَالْقَبْضَ بِالتَّخْلِيَةِ قَبْضًا حُكْمِيًّا، بِمَعْنَى أَنَّ الأَْحْكَامَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَيْهِ كَأَحْكَامِ الْقَبْضِ الْحَقِيقِيِّ (١) .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا وَجَبَ الإِْقْبَاضُ وَاتَّحَدَتْ يَدُ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ وَقَعَ الْقَبْضُ بِالنِّيَّةِ (٢)، قَال الْقَرَافِيُّ: وَمِنَ الإِْقْبَاضِ أَنْ يَكُونَ لِلْمَدْيُونِ حَقٌّ فِي يَدِ رَبِّ الدَّيْنِ، فَيَأْمُرَهُ بِقَبْضِهِ مِنْ يَدِهِ لِنَفْسِهِ، فَهُوَ إقْبَاضٌ بِمُجَرَّدِ الإِْذْنِ، وَيَصِيرُ قَبْضُهُ لَهُ بِالنِّيَّةِ، كَقَبْضِ الأَْبِ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ مَال وَلَدِهِ إذَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ (٣) .
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: اعْتِبَارُ الدَّائِنِ قَابِضًا حُكْمًا وَتَقْدِيرًا لِلدَّيْنِ إذَا كَانَتْ ذِمَّتُهُ مَشْغُولَةً بِمِثْلِهِ (٤) لِلْمَدِينِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَال الثَّابِتَ فِي
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٤٤، وم ٢٦٣، ٤٦٢ من مجلة الأحكام العدلية، ورد المحتار ٤ / ٥٦١، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية لعلي حيدر ٢ / ٢١٧.
(٢) تنقيح الفصول وشرحه للقرافي ص٤٥٦، وانظر قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ٢ / ٧٢ (ط. المكتبة التجارية الكبرى بمصر) .
(٣) شرح تنقيح الفصول للقرافي ص٤٥٦.
(٤) أي بمثله في الجنس والصفة ووقت الأداء.
الذِّمَّةِ إذَا اسْتَحَقَّ الْمَدِينُ قَبْضَ مِثْلِهِ مِنْ دَائِنِهِ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ أَوْ بِأَحَدِ مُوجِبَاتِ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مَقْبُوضًا حُكْمًا مِنْ قِبَل ذَلِكَ الْمَدِينِ. وَشَوَاهِدُ ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِ الْفُقَهَاءِ عَدِيدَةٌ، مِنْهَا:
أ - اقْتِضَاءُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الآْخَرِ:
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيَجُوزُ اقْتِضَاءُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الآْخَرِ، وَيَكُونُ صَرْفًا بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ فِي قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ (١)، وَقَال الأُْبِّيُّ الْمَالِكِيُّ: لأَِنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الصَّرْفِ الْمُنَاجَزَةُ، وَصَرْفُ مَا فِي الذِّمَّةِ أَسْرَعُ مُنَاجَزَةً مِنْ صَرْفِ الْمُعَيَّنَاتِ، لأَِنَّ صَرْفَ مَا فِي الذِّمَّةِ يَنْقَضِي بِنَفْسِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول وَالْقَبْضِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَصَرْفُ الْمُعَيَّنَاتِ لاَ يَنْقَضِي إلاَّ بِقَبْضِهِمَا مَعًا، فَهُوَ مُعَرَّضٌ لِلْعُدُول، فَصَرْفُ مَا فِي الذِّمَّةِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: كُنْتُ أَبِيعُ الإِْبِل بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، فَأَتَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَال: لاَ بَأْسَ أَنْ
_________
(١) المغني لابن قدامة ٤ / ٥٤ (ط. مكتبة الرياض الحديثة) .
(٢) شرح الأبي على صحيح مسلم ٤ / ٢٦٤.
تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ (١) .
قَال الشَّوْكَانِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الاِسْتِبْدَال عَنِ الثَّمَنِ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ بِغَيْرِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا غَيْرُ حَاضِرَيْنِ جَمِيعًا، بَل الْحَاضِرُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ غَيْرُ اللاَّزِمِ، فَدَل عَلَى أَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ كَالْحَاضِرِ (٢) .
ب - الْمُقَاصَّةُ:
إذَا انْشَغَلَتْ ذِمَّةُ الدَّائِنِ بِمِثْل مَا لَهُ عَلَى الْمَدِينِ فِي الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ وَوَقْتِ الأَْدَاءِ، بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَدِينِ مُقَابَلَةً بِالْمِثْل مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَقَابُضٍ بَيْنَهُمَا، وَيَسْقُطُ الدَّيْنَانِ إذَا كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْمِقْدَارِ، لأَِنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ يُعْتَبَرُ مَقْبُوضًا حُكْمًا، فَإِنْ تَفَاوَتَا فِي الْقَدْرِ، سَقَطَ مِنَ الأَْكْثَرِ بِقَدْرِ الأَْقَل، وَبَقِيَتِ الزِّيَادَةُ، فَتَقَعُ الْمُقَاصَّةُ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَيَبْقَى أَحَدُهُمَا مَدِينًا لِلآْخَرِ بِمَا زَادَ (٣) . (ر: مُقَاصَّةٌ)
ج - تَطَارُحُ الدَّيْنَيْنِ صَرْفًا:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالسُّبْكِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ لَوْ
_________
(١) حديث ابن عمر: " كنت أبيع الإبل بالبقيع. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٦٥١)، ونقل ابن حجر في التلخيص (٣ / ٢٥) إعلاله بالوقف عن جماعة من العلماء.
(٢) نيل الأوطار ٥ / ١٥٧.
(٣) مرشد الحيران م ٢٢٤ - ٢٢٦، ٢٣٠، ٢٣١.
كَانَ لِرَجُلٍ فِي ذِمَّةِ آخَرَ دَنَانِيرُ، وَلِلآْخَرِ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ، فَاصْطَرَفَا بِمَا فِي ذِمَّتَيْهِمَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ الصَّرْفُ، وَيَسْقُطُ الدَّيْنَانِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى التَّقَابُضِ الْحَقِيقِيِّ - مَعَ أَنَّ التَّقَابُضَ فِي الصَّرْفِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ - وَذَلِكَ لِوُجُودِ التَّقَابُضِ الْحُكْمِيِّ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ التَّقَابُضِ الْحِسِّيِّ، قَالُوا: لأَِنَّ الذِّمَّةَ الْحَاضِرَةَ كَالْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اشْتَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنَانِ قَدْ حَلاَّ مَعًا، فَأَقَامُوا حُلُول الأَْجَلَيْنِ فِي ذَلِكَ مُقَامَ النَّاجِزِ بِالنَّاجِزِ، أَيِ الْيَدِ بِالْيَدِ (١) .
قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اشْتَرَى مَا فِي ذِمَّتِهِ، وَهُوَ مَقْبُوضٌ لَهُ بِمَا فِي ذِمَّةِ الآْخَرِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عِنْدَ الآْخَرِ وَدِيعَةٌ فَاشْتَرَاهَا بِوَدِيعَتِهِ عِنْدَ الآْخَرِ.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَنَصُّوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ صَرْفِ مَا فِي الذِّمَّةِ إذَا لَمْ يُحْضِرْ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا النَّقْدَ الْوَارِدَ عَلَيْهِ عَقْدُ الصَّرْفِ، لأَِنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ (٢) .
_________
(١) رد المحتار ٤ / ٢٣٩ (بولاق ١٢٧٢هـ)، والزرقاني على خليل ٥ / ٢٣٢، ومواهب الجليل ٤ / ٣١٠، والاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية ص ١٢٨، وطبقات الشافعية لابن السبكي ١٠ / ٢٣١، والأبي على مسلم ٤ / ٢٦٤.
(٢) الأم ٣ / ٣٣، تكملة المجموع للسبكي ١٠ / ١٠٧، شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٠٠، المبدع ٤ / ١٥٦، / ٥٣ المغني ٤ / ٥٣ (ط. مكتبة الرياض الحديثة)، كشاف القناع ٣ / ٢٥٧ (م ط. الحكومة بمكة المكرمة)، ونظرية العقد لابن تيمية ص٢٣٥.
د - جَعْل الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ رَأْسَ مَال السَّلَمِ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ جَعْل الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ رَأْسَ مَال السَّلَمِ، لأَِنَّ ذَلِكَ افْتِرَاقٌ عَنْ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (١) .
وَذَهَبَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمِ إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ لِرَجُلٍ فِي ذِمَّةِ آخَرَ دِينَارًا، فَجَعَلَهُ سَلَمًا فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ السَّلَمُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى قَبْضٍ حَقِيقِيٍّ لِرَأْسِ مَال السَّلَمِ - مَعَ اتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ عَلَى وُجُوبِ تَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَال مُعَجَّلًا لِصِحَّةِ السَّلَمِ - وَذَلِكَ لِوُجُودِ الْقَبْضِ الْحُكْمِيِّ لِرَأْسِ مَال السَّلَمِ، وَهُوَ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ، فَكَأَنَّ الدَّائِنَ بَعْدَ عَقْدِ السَّلَمِ قَبَضَهُ مِنْهُ ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ، فَصَارَ مُعَجَّلًا حُكْمًا فَارْتَفَعَ الْمَانِعُ الشَّرْعِيُّ.
قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي كُرِّ حِنْطَةٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِي ذِمَّتِهِ، فَقَدْ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ
_________
(١) رد المحتار ٤ / ٢٠٩ بولاق ١٢٧٢ هـ، وتبيين الحقائق ٤ / ١٤٠، ونهاية المحتاج ٤ /! ٨٠، وفتح العزيز ٩ / ٢١٢، وبدائع الصنائع ٧ / ٣١٥٥ مط. الإمام، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٢١، المغني ٤ / ٣٢٩ ط، مكتبة الرياض الحديثة.