الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 51

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

لِرَبِّهِ وَإِلاَّ فَلاَ يُنْبَشُ، وَإِنْ بَلَعَ مَال الْغَيْرِ بِإِذْنِ رَبِّهِ أُخِذَ إذَا بَلِيَ الْمَيِّتُ، لأَِنَّ مَالِكَهُ هُوَ الْمُسَلِّطُ لَهُ عَلَى مَالِهِ بِالإِْذْنِ لَهُ، وَلاَ يُعْرَضُ لِلْمَيِّتِ قَبْل أَنْ يَبْلَى.

وَإِنْ بَلَعَ مَال نَفْسِهِ لَمْ يُنْبَشْ قَبْل أَنْ يَبْلَى، لأَِنَّ ذَلِكَ اسْتِهْلاَكٌ لِمَال نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ إلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَيُنْبَشُ وَيُشَقُّ جَوْفُهُ فَيُخْرَجُ وَيُوَفَّى دَيْنُهُ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمُبَادَرَةِ إلَى تَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ مِنَ الدَّيْنِ (١) .

ل - قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْقَبْرِ:

٢٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْقَبْرِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ لاَ تُكْرَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْقَبْرِ بَل تُسْتَحَبُّ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ مَرْفُوعًا قَال: مَنْ دَخَل الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ فِيهَا يس خَفَّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِهِمْ حَسَنَاتٌ (٢)، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَوْصَى إذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا.

قَال الشَّافِعِيَّةُ: يَقْرَأُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ.

قَال الْقَلْيُوبِيُّ: وَمِمَّا وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ أَنَّهُ مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الإِْخْلاَصِ إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً وَأَهْدَى

_________

(١) كشاف القناع ٢ / ٨٦، ٨٧، ١٤٥.

(٢) حديث أنس: " من دخل المقابر فقرأ فيها. . . ". أورده الزبيدي في إتحاف المتقين (١٠ / ٣٧٣) وعزاه إلى عبد العزيز صاحب الخلال.

ثَوَابَهَا إلَى الْجَبَّانَةِ غُفِرَ لَهُ ذُنُوبٌ بِعَدَدِ الْمَوْتَى فِيهَا.

وَرَوَى السَّلَفُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ يُعْطَى لَهُ مِنَ الأَْجْرِ بِعَدَدِ الأَْمْوَاتِ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ اللُّبَابِ: وَيَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنَ الْفَاتِحَةِ وَأَوَّل الْبَقَرَةِ إلَى الْمُفْلِحُونَ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَآمَنَ الرَّسُول، وَسُورَةِ يس، وَتَبَارَكَ الْمُلْكِ، وَسُورَةِ التَّكَاثُرِ وَالإِْخْلاَصِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ أَوْ سَبْعًا أَوْ ثَلاَثًا.

وَقَال الْبُهُوتِيُّ: قَال السَّامِرِيُّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَتِهَا.

وَصَرَّحَ الْحَصْكَفِيُّ بِأَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ إجْلاَسُ الْقَارِئِينَ عِنْدَ الْقَبْرِ، قَال: وَهُوَ الْمُخْتَارُ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إلَى كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَل السَّلَفِ، قَال الدَّرْدِيرُ: الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَجَعْل ثَوَابِهِ لِلْمَيِّتِ وَيَحْصُل لَهُ الأَْجْرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.

لَكِنْ رَجَّحَ الدُّسُوقِيُّ الْكَرَاهَةَ مُطْلَقًا (١) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ١ / ٦٠٥، ٦٠٧، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٢٣، والقليوبي وعميرة على شرح المحلي ١ / ٣٥١، وكشاف القناع ٢ / ١٤٧.

م - الصَّلاَةُ عَلَى الْقَبْرِ:

٢٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى جَوَازِ الصَّلاَةِ عَلَى قَبْرِ الْمَيِّتِ فِي الْجُمْلَةِ، عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (جَنَائِزُ ف ٣٧) .

ن - تَقْبِيل الْقَبْرِ وَاسْتِلاَمُهُ:

٢٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَقْبِيل الْقَبْرِ وَاسْتِلاَمِهِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى مَنْعِ ذَلِكَ وَعَدُّوهُ مِنَ الْبِدَعِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى الْكَرَاهَةِ.

قَال الشَّافِعِيَّةُ: إنْ قُصِدَ بِتَقْبِيل الأَْضْرِحَةِ التَّبَرُّكُ لَمْ يُكْرَهْ.

وَقَال الْبُهُوتِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الْبِدَعِ (١) .

_________

(١) بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية ١ / ٢٦٧ ط مصطفى الحلبي ١٣٤٨هـ، المدخل لابن الحاج ١ / ٢٥٦ ط مصطفى الحلبي ١٩٦٠م، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٢ / ٢٠٦، وكشاف القناع ٢ / ١٤٠.

قَبْضٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي الْقَبْضِ لُغَةً: تَنَاوُل الشَّيْءِ بِجَمِيعِ الْكَفِّ، وَمِنْهُ قَبْضُ السَّيْفِ وَغَيْرِهِ، وَيُقَال: قَبَضَ الْمَال، أَيْ أَخَذَهُ، وَقَبَضَ الْيَدَ عَلَى الشَّيْءِ، أَيْ جَمَعَهَا بَعْدَ تَنَاوُلِهِ. وَمِنْ مَعَانِيهِ: الإِْمْسَاكُ عَنِ الشَّيْءِ، يُقَال: قَبَضَ يَدَهُ عَنِ الشَّيْءِ أَيْ جَمَعَهَا قَبْل تَنَاوُلِهِ، وَذَلِكَ إمْسَاكٌ عَنْهُ، وَمِنْهُ قِيل لإِمْسَاكِ الْيَدِ عَنِ الْبَذْل وَالْعَطَاءِ: قَبْضٌ.

وَيُسْتَعَارُ الْقَبْضُ لِتَحْصِيل الشَّيْءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُرَاعَاةُ الْكَفِّ، نَحْوُ: قَبَضْتُ الدَّارَ وَالأَْرْضَ مِنْ فُلاَنٍ: أَيْ حُزْتُهَا، وَيُقَال: هَذَا الشَّيْءُ فِي قَبْضَةِ فُلاَنٍ، أَيْ فِي مِلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ، وَقَدْ يُكَنَّى بِالْقَبْضِ عَنِ الْمَوْتِ. فَيُقَال: قُبِضَ فُلاَنٌ، أَيْ مَاتَ، فَهُوَ مَقْبُوضٌ (١) .

قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى

_________

(١) الصحاح للجوهري، ومفردات الراغب الأصفهاني، وبصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي ٤ / ٢٨٨، والمصباح المنير، ومعجم مقاييس اللغة، والمغرب للمطرزي.

: ﴿وَاَللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ (١) وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ (٢) فَإِنَّهُ تَجَوُّزٌ بِالْقَبْضِ عَنِ الإِْعْدَامِ، لأَِنَّ الْمَقْبُوضَ مِنْ مَكَانٍ يَخْلُو مِنْهُ مَحَلُّهُ كَمَا يَخْلُو الْمَحَل عَنِ الشَّيْءِ إذَا عُدِمَ (٣) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ حِيَازَةُ الشَّيْءِ وَالتَّمَكُّنُ مِنْهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّا يُمْكِنُ تَنَاوُلُهُ بِالْيَدِ أَمْ لَمْ يُمْكِنْ (٤)، قَال الْكَاسَانِيُّ: مَعْنَى الْقَبْضِ هُوَ التَّمْكِينُ وَالتَّخَلِّي وَارْتِفَاعُ الْمَوَانِعِ عُرْفًا وَعَادَةً حَقِيقَةً (٥)، وَقَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: قَوْلُهُمْ قَبَضْتُ الدَّارَ وَالأَْرْضَ وَالْعَبْدَ وَالْبَعِيرَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الاِسْتِيلاَءَ وَالتَّمَكُّنَ مِنَ التَّصَرُّفِ (٦) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - النَّقْدُ:

٢ - يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ (النَّقْدِ) بِمَعْنَى الإِْقْبَاضِ وَالتَّسْلِيمِ إذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمُعْطَى نُقُودًا، فَفِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ: نَقَدْتُ الرَّجُل

_________

(١) سورة البقرة / ٢٤٥.

(٢) سورة الفرقان / ٤٦.

(٣) الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز للعز بن عبد السلام ص١٠٦.

(٤) القوانين الفقهية لابن جزي ص ٣٢٨ ط. الدار العربية للكتاب، والبهجة ١ / ١٦٨، وميارة على العاصمية ٢ / ١٤٤، وحدود ابن عرفة وشرحه للرصاع ص٤١٥.

(٥) بدائع الصنائع ٥ / ١٤٨.

(٦) الإشارة إلى الإيجاز للعز بن عبد السلام ص١٠٦.

الدَّرَاهِمَ، بِمَعْنَى أَعْطَيْتُهُ. . . فَانْتَقَدَهَا، أَيْ قَبَضَهَا (١) . وَقَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: النَّقْدُ خِلاَفُ الدَّيْنِ وَالْقَرْضِ (٢) .

وَإِنَّمَا سُمِّيَ إقْبَاضُ الدَّرَاهِمِ نَقْدًا لِتَضَمُّنِهِ - فِي الأَْصْل (٣) - تَمْيِيزَهَا وَكَشْفَ حَالِهَا فِي الْجَوْدَةِ وَإِخْرَاجِ الزَّيْفِ مِنْهَا مِنْ قِبَل الْمُعْطِي وَالآْخِذِ (٤) .

أَمَّا (بَيْعُ النَّقْدِ) فَهُوَ - كَمَا قَال ابْنُ جُزَيٍّ - أَنْ يُعَجِّل الثَّمَنَ وَالْمَثْمُونَ (٥) .

فَكُل نَقْدٍ قَبْضٌ وَلاَ عَكْسَ.

ب - الْحِيَازَةُ:

٣ - يَقُول أَهْل اللُّغَةِ: كُل مَنْ ضَمَّ إلَى نَفْسِهِ شَيْئًا فَقَدْ حَازَهُ حَوْزًا وَحِيَازَةً (٦) .

أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ، فَأَكْثَرُ مَا تُسْتَعْمَل هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِنَّهُمْ لَيَسْتَعْمِلُونَهُ افِي كُتُبِهِمْ بِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَعَمُّ مِنَ الآْخَرِ:

أ - أَمَّا بِالْمَعْنَى الأَْعَمِّ فَهِيَ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ وَالتَّمَكُّنُ مِنْهُ، وَهُوَ نَفْسُ مَعْنَى الْقَبْضِ عِنْدَ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ. قَال الْقَيْرَوَانِيُّ:

_________

(١) المصباح المنير والصحاح، وانظر المطلع للبعلي ص٢٣٤.

(٢) مشارق الأنوار للقاضي عياض ٢ / ٢٣.

(٣) القاموس المحيط، ولسان العرب، والمطلع ص٢٦٥.

(٤) معجم مقاييس اللغة، ولسان العرب.

(٥) القوانين الفقهية ص٢٥٤.

(٦) الصحاح للجوهري، الكليات للكفوي ٢ / ١٨٧ ط. دمشق.

لاَ تَتِمُّ هِبَةٌ وَلاَ صَدَقَةٌ وَلاَ حَبْسٌ إلاَّ بِالْحِيَازَةِ (١)، أَيْ إلاَّ بِالْقَبْضِ، وَقَال التَّسَوُّلِيُّ: الْحَوْزُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الشَّيْءِ الْمَحُوزِ (٢)، وَقَال الْحَسَنُ بْنُ رَحَّالٍ: الْحَوْزُ وَالْقَبْضُ شَيْءٌ وَاحِدٌ (٣) .

ب - أَمَّا الْحِيَازَةُ بِالْمَعْنَى الأَْخَصِّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَعَرَّفَهَا أَبُو الْحَسَنِ الْمَالِكِيُّ بِقَوْلِهِ: الْحِيَازَةُ هِيَ وَضْعُ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفُ فِي الشَّيْءِ الْمَحُوزِ كَتَصَرُّفِ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَالْهَدْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ (٤)، وَقَال الْحَطَّابُ: الْحِيَازَةُ تَكُونُ بِثَلاَثَةِ أَشْيَاءَ، أَضْعَفُهَا: السُّكْنَى وَالاِزْدِرَاعُ، وَيَلِيهَا: الْهَدْمُ وَالْبُنْيَانُ وَالْغَرْسُ وَالاِسْتِغْلاَل. وَيَلِيهَا: التَّفْوِيتُ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالنِّحْلَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْوَطْءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يَفْعَلُهُ الرَّجُل إلاَّ فِي مَالِهِ (٥) .

وَالْقَبْضُ مُرَادِفٌ لِلْحِيَازَةِ بِالْمَعْنَى الأَْعَمِّ.

ج - الْيَدُ:

٤ - يَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ (الْيَدِ) بِمَعْنَى

_________

(١) الرسالة (تحقيق محمد أبو الأجفان) ص٢٢٨، والتاودي على تحفة ابن عاصم ١ / ١٦٨.

(٢) شرح التسولي على التحفة ١ / ١٦٨.

(٣) حاشية الحسن بن رحال على شرح تحفة ابن عاصم ١ / ١٠٩، والقوانين الفقهية ص ٣٢٨.

(٤) كفاية الطالب الرباني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني ٢ / ٣٤٠.

(٥) مواهب الجليل ٦ / ٢٢٢.

حَوْزِ الشَّيْءِ وَالْمُكْنَةُ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ وَالاِنْتِفَاعِ بِهِ، فَيَقُولُونَ: بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ فِي النِّتَاجِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ (١)، وَيُرِيدُونَ بِذِي الْيَدِ الْحَائِزَ الْمُنْتَفِعَ، جَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قُلْت: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ سِلْعَةً فِي يَدَيَّ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لَهُ، وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَادَّعَيْتُ أَنَّهَا لِي، وَهِيَ فِي يَدَيَّ، وَأَقَمْتُ الْبَيِّنَةَ؟ قَال لِي مَالِكٌ: هِيَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ إذَا تَكَافَأَتِ الْبَيِّنَتَانِ (٢) .

وَالصِّلَةُ أَنَّ الْيَدَ تَدُل عَلَى الْقَبْضِ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقَبْضِ:

كَيْفِيَّةُ الْقَبْضِ:

٥ - تَخْتَلِفُ كَيْفِيَّةُ قَبْضِ الأَْشْيَاءِ بِحَسَبِ اخْتِلاَفِهَا فِي نَفْسِهَا، وَهِيَ فِي الْجُمْلَةِ نَوْعَانِ: عَقَارٌ وَمَنْقُولٌ.

أ - كَيْفِيَّةُ قَبْضِ الْعَقَارِ:

٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ قَبْضَ الْعَقَارِ يَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ وَالتَّمْكِينِ مِنَ الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ. فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ بِأَنْ مَنَعَهُ شَخْصٌ آخَرُ مِنْ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ، فَلاَ تُعْتَبَرُ التَّخْلِيَةُ قَبْضًا (٣) .

_________

(١) مجلة الأحكام العدلية م. ١٧٥٩، وجامع الفصولين ١ / ١٠٧.

(٢) المدونة ١٣ / ٣٧.

(٣) رد المحتار ٤ / ٥٦١ وما بعدها، و٢٦٣ من المجلة العدلية، وم٤٣٥ من مرشد الحيران، روضة الطالبين ٣ / ٥١٥، مغني المحتاج ٢ / ٧١، المجموع شرح المهذب ٩ / ٢٧٦، منح الجليل ٢ / ٦٨٩، مواهب الجليل ٤ / ٤٧٧، كشاف القناع ٣ / ٢٠٢ ط. أنصار السنة المحمدية، المغني ٤ / ٣٣٣، ٥ / ٥٩٦ ط. المنار ١٣٦٧هـ.

وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ: ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ الْعَقَارُ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ فِيهِ تَقْدِيرٌ، أَمَّا إذَا كَانَ مُعْتَبَرًا فِيهِ - كَمَا إذَا اشْتَرَى أَرْضًا مُذَارَعَةً - فَلاَ تَكْفِي التَّخْلِيَةُ وَالتَّمْكِينُ، بَل لاَ بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الذَّرْعِ (١) .

كَمَا اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْعَقَارُ قَرِيبًا، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَلاَ تُعْتَبَرُ التَّخْلِيَةُ قَبْضًا، وَهُوَ رَأْيُ الصَّاحِبَيْنِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ، خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرِ الْقُرْبَ وَالْبُعْدَ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْبِ فِي الدَّارِ بِأَنْ تَكُونَ فِي الْبَلَدِ، ثُمَّ إنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْعَقَارَ إذَا كَانَ لَهُ قُفْلٌ، فَيَكْفِي فِي قَبْضِهِ تَسْلِيمُ الْمِفْتَاحِ مَعَ تَخْلِيَتِهِ، بِحَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ فَتْحُهُ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ (٢) .

وَقَدْ أَلْحَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الثَّمَرَ عَلَى الشَّجَرِ بِالْعَقَارِ فِي اعْتِبَارِ التَّخْلِيَةِ مَعَ ارْتِفَاعِ الْمَوَانِعِ قَبْضًا لَهُ، لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَى ذَلِكَ وَتَعَارُفِهِمْ عَلَيْهِ (٣) .

ب - كَيْفِيَّةُ قَبْضِ الْمَنْقُول:

٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ قَبْضِ الْمَنْقُول

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٧٣، روضة الطالبين ٣ / ٥١٧.

(٢) رد المحتار ٤ / ٥٦١ وما بعدها ط. الحلبي، والفتاوى الهندية ٣ / ١٦ وما بعدها، والحموي على الأشباه والنظائر ١ / ٣٢٧، وانظر م ٢٧٠، ٢٧١، من المجلة العدلية، وم ٤٣٥، ٤٣٦ من مرشد الحيران.

(٣) شرح معاني الآثار ٤ / ٣٦، والمغني ٤ / ٣٣٣، ط. المنار وقواعد الأحكام لابن عبد السلام ٢ / ٨١، ١٧٢.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَنْقُولاَتِ فِيمَا يُعْتَبَرُ قَبْضًا لَهَا، حَيْثُ إنَّ بَعْضَهَا يُتَنَاوَل بِالْيَدِ عَادَةً وَبَعْضَهَا الآْخَرَ لاَ يُتَنَاوَل، وَمَا لاَ يُتَنَاوَل بِالْيَدِ نَوْعَانِ،

أَحَدُهُمَا: لاَ يُعْتَبَرُ فِيهِ تَقْدِيرٌ فِي الْعَقْدِ،

وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ فِيهِ، فَتَحْصُل لَدَيْهِمْ فِي الْمَنْقُول ثَلاَثُ حَالاَتٍ:

الْحَالَةُ الأُْولَى:

٨ - أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُتَنَاوَل بِالْيَدِ عَادَةً، كَالنُّقُودِ وَالثِّيَابِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْحُلِيِّ وَمَا إلَيْهَا، وَقَبْضُهُ يَكُونُ بِتَنَاوُلِهِ بِالْيَدِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) .

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ:

٩ - أَنْ يَكُونَ مِمَّا لاَ يُعْتَبَرُ فِيهِ تَقْدِيرٌ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذَرْعٍ أَوْ عَدٍّ، إمَّا لِعَدَمِ إمْكَانِهِ وَإِمَّا مَعَ إمْكَانِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُرَاعَ فِيهِ، كَالأَْمْتِعَةِ وَالْعُرُوضِ وَالدَّوَابِّ وَالصُّبْرَةِ جُزَافًا، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ اخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ مَعَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي كَيْفِيَّةِ قَبْضِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا لِلْمَالِكِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي قَبْضِهِ إلَى الْعُرْفِ (٢) .

_________

(١) المجموع للنووي ٩ / ٢٧٦، ومغني المحتاج ٢ / ٧٢، والذخيرة للقرافي ١ / ١٥٢، والمغني ٤ / ٣٣٢، وكشاف القناع ٣ / ٢٠٢.

(٢) شرح الخرشي ٥ / ١٥٨، الشرح الكبير للدردير ٣ / ١٤٥ ط. مصطفى محمد.