الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 50

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ (١) .

قَال الْمَحَلِّيُّ: التَّجْصِيصُ التَّبْيِيضُ بِالْجِصِّ وَهُوَ الْجِيرُ.

قَال عَمِيرَةُ: وَحِكْمَةُ النَّهْيِ التَّزْيِينُ، وَزَادَ إضَاعَةَ الْمَال عَلَى غَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ (٢) .

١٧ - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى كَرَاهَةِ الْبِنَاءِ عَلَى الْقَبْرِ فِي الْجُمْلَةِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ (٣) .

وَسَوَاءٌ فِي الْبِنَاءِ بِنَاءُ قُبَّةٍ أَمْ بَيْتٌ أَمْ غَيْرُهُمَا.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَحْرُمُ لَوْ لِلزِّينَةِ، وَيُكْرَهُ لَوْ لِلإِْحْكَامِ بَعْدَ الدَّفْنِ.

وَفِي الإِْمْدَادِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ: وَالْيَوْمَ اعْتَادُوا التَّسْنِيمَ بِاللَّبِنِ صِيَانَةً لِلْقَبْرِ عَنِ النَّبْشِ وَرَأَوْا ذَلِكَ حَسَنًا، وَقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ.

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى حُرْمَةِ الْبِنَاءِ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ وَوُجُوبِ هَدْمِهِ.

قَال الْمَالِكِيَّةُ: إلاَّ إذَا كَانَ يَسِيرًا لِلتَّمْيِيزِ.

_________

(١) حديث جابر: " نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٧) .

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠١، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٢٤، وحاشية القليوبي وعميرة ١ / ٣٥٠، وكشاف القناع ٢ / ١٤٠.

(٣) حديث جابر تقدم تخريجه ف١٦.

كَمَا صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِحُرْمَةِ تَحْوِيزِ الْقَبْرِ - بِأَنْ يُبْنَى حَوْلَهُ حِيطَانٌ تُحْدِقُ بِهِ - وَوُجُوبِ هَدْمِ ذَلِكَ فِيمَا إذَا بُوهِيَ بِالْبِنَاءِ، أَوْ صَارَ مَأْوًى لأَِهْل الْفَسَادِ، أَوْ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، قَال الدُّسُوقِيُّ: الْبِنَاءُ عَلَى الْقَبْرِ أَوْ حَوْلَهُ فِي الأَْرَاضِي الثَّلاَثَةِ - وَهِيَ الْمَمْلُوكَةُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ بِإِذْنِ وَالْمَوَاتُ - حَرَامٌ عِنْدَ قَصْدِ الْمُبَاهَاةِ وَجَائِزٌ عِنْدَ قَصْدِ التَّمْيِيزِ وَإِنْ خَلاَ عَنْ ذَلِكَ كُرِهَ.

وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ فِي الْبِنَاءِ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ:

رِوَايَةٌ بِالْكَرَاهَةِ الشَّدِيدَةِ، لأَِنَّهُ تَضْيِيقٌ بِلاَ فَائِدَةٍ وَاسْتِعْمَالٌ لِلْمُسَبَّلَةِ فِيمَا لَمْ تُوضَعْ لَهُ.

وَرِوَايَةٌ بِالْمَنْعِ، صَوَّبَهَا الْبُهُوتِيُّ قَائِلًا: الْمَنْقُول فِي هَذَا مَا سَأَلَهُ أَبُو طَالِبٍ عَمَّنِ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَقْبَرَةِ، قَال: لاَ يُدْفَنُ فِيهَا، وَالْمُرَادُ لاَ يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ كَغَيْرِهِ.

وَقَال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ بَنَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ فِيهَا فَهُوَ غَاصِبٌ (١) .

وَكَرِهَ أَحْمَدُ الْفُسْطَاطَ وَالْخَيْمَةَ عَلَى الْقَبْرِ، لأَِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ " أَوْصَى حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَنْ لاَ تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا وَقَال الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠١، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٢٤، ٤٢٥، وحاشية القليوبي ١ / ٣٥٠، وكشاف القناع ٢ / ١٣٩، والإنصاف ٢ / ٥٤٩ - ٥٥٠.

عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَال: انْزِعْهُ يَا غُلاَمُ فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ (١) .

ط - تَعْلِيمُ الْقَبْرِ وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ:

١٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْلِيمِ الْقَبْرِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى جَوَازِ تَعْلِيمِ الْقَبْرِ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، لِمَا رُوِيَ " أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بِجِنَازَتِهِ، فَدُفِنَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إلَيْهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ فَحَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَال: أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي (٢) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ تَعْلِيمُ الْقَبْرِ بِأَنْ يُوضَعَ عِنْدَ رَأْسِهِ حَجَرٌ أَوْ خَشَبَةٌ وَنَحْوُهُمَا، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَكَذَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ (٣) .

١٩ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي الْكِتَابَةِ عَلَى الْقَبْرِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى كَرَاهَةِ الْكِتَابَةِ عَلَى الْقَبْرِ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ جَابِرٍ

_________

(١) كشاف القناع ٢ / ١٣٩.

(٢) حديث: " لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٥٤٣)، وحسنه ابن حجر في التلخيص (٢ / ١٣٣) .

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠١، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٢٥، وروضة الطالبين ٢ / ١٣٦، وحاشية القليوبي على شرح المحلي ١ / ٣٥١، وكشاف القناع ٢ / ١٣٨، ١٣٩.

قَال: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ (١) .

قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَإِنْ بُوهِيَ بِهَا حَرُمَ.

وَقَال الدَّرْدِيرُ: النَّقْشُ مَكْرُوهٌ وَلَوْ قُرْآنًا، وَيَنْبَغِي الْحُرْمَةُ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى امْتِهَانِهِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالسُّبْكِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالْكِتَابَةِ إنِ احْتِيجَ إلَيْهَا حَتَّى لاَ يَذْهَبَ الأَْثَرُ وَلاَ يُمْتَهَنَ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لأَِنَّ النَّهْيَ عَنْهَا وَإِنْ صَحَّ فَقَدْ وُجِدَ الإِْجْمَاعُ الْعَمَلِيُّ بِهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ النَّهْيَ عَنْهَا مِنْ طُرُقٍ ثُمَّ قَال هَذِهِ الأَْسَانِيدُ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَ الْعَمَل عَلَيْهَا فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ مَكْتُوبٌ عَلَى قُبُورِهِمْ وَهُوَ عَمَلٌ أَخَذَ بِهِ الْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ، وَيُتَقَوَّى بِمَا وَرَدَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَمَل حَجَرًا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَقَال: أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي (٢)، فَإِنَّ الْكِتَابَةَ طَرِيقٌ إلَى تَعَرُّفِ الْقَبْرِ بِهَا، نَعَمْ يَظْهَرُ أَنَّ مَحَل هَذَا الإِْجْمَاعِ الْعَمَلِيِّ عَلَى الرُّخْصَةِ فِيهَا مَا إذَا

_________

(١) حديث جابر: " نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٧) دون قوله: " وأن يكتب عليه "، فهو عند الترمذي (٣ / ٣٥٩) .

(٢) حديث: " أن رسول الله ﷺ " حمل حجرًا فوضعها على رأس عثمان ابن مظعون. . . ". تقدم تخريجه ف ١٨.

كَانَتِ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، حَتَّى يُكْرَهَ كِتَابَةُ شَيْءٍ عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ أَوِ الشِّعْرِ أَوْ إطْرَاءُ مَدْحٍ لَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ (١) .

ي - زِيَارَةُ الْقُبُورِ:

٢٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ زِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلرِّجَال، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إنِّي كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآْخِرَةَ (٢) .

وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل أَحْكَامِ الزِّيَارَةِ فِي مُصْطَلَحِ (زِيَارَةُ الْقُبُورِ ف ١)، كَمَا سَبَقَ تَفْصِيل أَحْكَامِ زِيَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُصْطَلَحِ (زِيَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ ف ٢) .

ك - نَبْشُ الْقَبْرِ:

٢١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَنْعِ نَبْشِ الْقَبْرِ إلاَّ لِعُذْرٍ وَغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنَ الأَْعْذَارِ الَّتِي تُجِيزُ نَبْشَ الْقَبْرِ كَوْنَ الأَْرْضِ مَغْصُوبَةً أَوِ الْكَفَنِ مَغْصُوبًا أَوْ سَقَطَ مَالٌ فِي الْقَبْرِ، وَعِنْدَهُمْ تَفْصِيلٌ فِي هَذِهِ الأَْعْذَارِ.

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُعَدُّ عُذْرًا وَغَرَضًا صَحِيحًا سِوَى هَذِهِ الأَْعْذَارِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠١ - ٦٠٢، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٢٥، وحاشية القليوبي وعميرة على المحلي ١ / ٣٥٠، وروضة الطالبين ٢ / ١٣٦، وكشاف القناع ٢ / ١٤٠.

(٢) حديث: " إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٧٢)، وأحمد (٥ / ٣٥٤) من حديث بريدة إلا أن مسلمًا ليس في روايته: فزوروها. . . الخ.

فَمِنَ الْعُذْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَعَلُّقُ حَقِّ الآْدَمِيِّ بِهِ كَأَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ مَغْصُوبَةً أَوْ أُخِذَتْ بِشُفْعَةٍ أَوْ سَقَطَ فِي الْقَبْرِ مَتَاعٌ أَوْ كَفَنٌ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ، أَوْ دُفِنَ مَعَهُ مَالٌ، قَالُوا: وَلَوْ كَانَ الْمَال دِرْهَمًا، أَمَّا لَوْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا إذَا دُفِنَ بِلاَ غُسْلٍ أَوْ صَلاَةٍ أَوْ وُضِعَ عَلَى غَيْرِ يَمِينِهِ أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ لاَ يُنْبَشُ بَعْدَ إهَالَةِ التُّرَابِ (١) .

وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ مَنْعِ النَّبْشِ خَمْسَ مَسَائِل:

الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ الْكَفَنُ مَغْصُوبًا سَوَاءٌ مِنَ الْمَيِّتِ أَوْ غَيْرِهِ فَيُنْبَشُ إنْ أَبَى رَبُّهُ أَخْذَ قِيمَتِهِ وَلَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَيِّتُ.

الثَّانِيَةُ: إذَا دُفِنَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِدُونِ إذْنِهِ، وَعِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ. قَال ابْنُ رُشْدٍ: لِلْمَالِكِ إخْرَاجُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ طَال الزَّمَنُ أَمْ لاَ.

وَقَال اللَّخْمِيُّ: لَهُ إخْرَاجُهُ إنْ كَانَ بِالْفَوْرِ، وَأَمَّا مَعَ الطُّول فَلَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهُ وَجُبِرَ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ.

وَقَال ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: إنْ كَانَ بِالْقُرْبِ فَلَهُ إخْرَاجُهُ، وَإِنْ طَال فَلَهُ الاِنْتِفَاعُ بِظَاهِرِ الأَْرْضِ وَلاَ يُخْرِجُهُ.

_________

(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ١ / ٦٠٢، وفتح القدير ١ / ٤٧٢ ط الأميرية ١٣١٥هـ.

الثَّالِثَةُ: إنْ نُسِيَ مَعَهُ مَالٌ لِغَيْرِهِ وَلَوْ قَل، أَوْ لَهُ وَشَحَّ الْوَارِثُ وَكَانَ لَهُ بَالٌ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَيِّتُ، وَإِلاَّ أُجْبِرَ غَيْرُ الْوَارِثِ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ أَوِ الْمِثْل وَلاَ شَيْءَ لِلْوَارِثِ.

الرَّابِعَةُ: عِنْدَ الضَّرُورَةِ فِي دَفْنِ غَيْرِهِ فَيُنْبَشُ.

الْخَامِسَةُ: عِنْدَ إرَادَةِ نَقْلِهِ عِنْدَ تَوَافُرِ شُرُوطِ النَّقْل (١) .

وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ النَّبْشَ لِلضَّرُورَةِ فَقَطْ، وَمِنَ الضَّرُورَةِ عِنْدَهُمْ: لَوْ دُفِنَ بِلاَ غُسْلٍ فَيَجِبُ نَبْشُهُ تَدَارُكًا لِغُسْلِهِ الْوَاجِبِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ.

قَال النَّوَوِيُّ: وَلِلصَّلاَةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ وَخُشِيَ فَسَادُهُ لَمْ يَجُزْ نَبْشُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ.

وَلَوْ دُفِنَ فِي أَرْضٍ أَوْ ثَوْبٍ مَغْصُوبَيْنِ، فَيَجِبُ نَبْشُهُ وَإِنْ تَغَيَّرَ لِيُرَدَّ كُلٌّ عَلَى صَاحِبِهِ إذَا لَمْ يَرْضَ بِبَقَائِهِ، وَفِي الثَّوْبِ وَجْهٌ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ النَّبْشُ لِرَدِّهِ لأَِنَّهُ كَالتَّالِفِ فَيُعْطَى صَاحِبُهُ قِيمَتَهُ.

وَلَوْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَالٌ فَيَجِبُ نَبْشُهُ لأَِخْذِهِ، قَال النَّوَوِيُّ: هَكَذَا أَطْلَقَهُ أَصْحَابُنَا، وَقَيَّدَ أَبُو إسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ الْوُجُوبَ بِالطَّلَبِ

_________

(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٢٨، والخرشي على مختصر خليل ٢ / ١٤٤ - ١٤٥.

فَعِنْدَ عَدَمِ الطَّلَبِ يَجُوزُ وَلاَ يَجِبُ، قَال الْقَلْيُوبِيُّ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَوْ بَلَعَ مَال نَفْسِهِ حَرُمَ نَبْشُهُ وَشَقُّ جَوْفِهِ لإِخْرَاجِهِ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ وَلَوْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، أَوْ مَال غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَطْلُبْهُ صَاحِبُهُ أَوْ ضَمِنُوهُ لِصَاحِبِهِ وَإِلاَّ وَجَبَ.

وَلَوْ دُفِنَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فَيَجِبُ نَبْشُهُ وَتَوْجِيهُهُ لِلْقِبْلَةِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ.

وَلَوْ دُفِنَتِ امْرَأَةٌ حَامِلٌ رُجِيَ حَيَاةُ جَنِينِهَا فَتُنْبَشُ وَيُشَقُّ جَوْفُهَا.

وَلَوْ دُفِنَ فِي مَسْجِدٍ فَيُنْبَشُ مُطْلَقًا وَيُخْرَجُ مِنْهُ (١) .

وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ نَبْشَ الْقَبْرِ لِتَدَارُكِ الْوَاجِبِ وَلِلْغَرَضِ الصَّحِيحِ.

فَمِنَ النَّبْشِ لِتَدَارُكِ الْوَاجِبِ مَا لَوْ دُفِنَ قَبْل الْغُسْل فَيَلْزَمُ نَبْشُهُ وَيُغَسَّل تَدَارُكًا لِوَاجِبِ الْغُسْل، مَا لَمْ يُخَفْ تَفَسُّخُهُ أَوْ تَغَيُّرُهُ.

وَلَوْ دُفِنَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَيْضًا يُنْبَشُ وَيُوَجَّهُ إلَيْهَا تَدَارُكًا لِذَلِكَ الْوَاجِبِ.

وَلَوْ دُفِنَ قَبْل الصَّلاَةِ عَلَيْهِ يُنْبَشُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، لِيُوجَدَ شَرْطُ الصَّلاَةِ وَهُوَ عَدَمُ الْحَائِل، وَقَال ابْنُ شِهَابٍ وَالْقَاضِي: لاَ يُنْبَشُ وَيُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ لإِمْكَانِهَا عَلَيْهِ.

وَلَوْ دُفِنَ قَبْل تَكْفِينِهِ يُخْرَجُ وَيُكَفَّنُ، لِمَا

_________

(١) القليوبي وعميرة ١ / ٣٥٢.

رَوَى سَعِيدٌ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ رِجَالًا قَبَرُوا صَاحِبًا لَهُمْ لَمْ يُغَسِّلُوهُ، وَلَمْ يَجِدُوا لَهُ كَفَنًا، ثُمَّ لَقُوا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ فَأَخْبَرُوهُ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُخْرِجُوهُ مِنْ قَبْرِهِ ثُمَّ غُسِّل وَكُفِّنَ وَحُنِّطَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كُفِّنَ بِحَرِيرٍ هَل يُنْبَشُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: قَال فِي الإِْنْصَافِ: الأَْوْلَى عَدَمُ نَبْشِهِ احْتِرَامًا لَهُ.

وَمِنَ النَّبْشِ لِلْغَرَضِ الصَّحِيحِ تَحْسِينُ الْكَفَنِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَال: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُول بَعْدَمَا أُدْخِل حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ (١)، وَدَفَنَهُ فِي بُقْعَةٍ خَيْرٍ مِنْ بُقْعَتِهِ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا فَيَجُوزُ نَبْشُهُ لِذَلِكَ وَلِمُجَاوَرَةِ صَالِحٍ لِتَعُودَ عَلَيْهِ بَرَكَتُهُ وَكَإِفْرَادِهِ فِي قَبْرٍ عَمَّنْ دُفِنَ مَعَهُ، لِقَوْل جَابِرٍ: دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ وَفِي رِوَايَةٍ كَانَ أَبِي أَوَّل قَتِيلٍ، يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآْخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْد سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ (٢) .

وَلَوْ دُفِنَ فِي مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ كَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ

_________

(١) حديث جابر: " أتى النبي ﷺ عبد الله بن أبي سلول. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢١٤) ومسلم (٤ / ٢١٤٠) .

(٢) قوله: " دفن مع أبي رجل، فلم تطب نفسي. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢١٤، ٢١٥) بروايتيه.

فَيُنْبَشُ وَيُخْرَجُ تَدَارُكًا لِلْعَمَل بِشَرْطِ الْوَاقِفِ لِتَعْيِينِ الْوَاقِفِ الْجِهَةَ لِغَيْرِ ذَلِكَ.

وَإِنْ دُفِنَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِلاَ إذْنِ رَبِّهِ، فَلِلْمَالِكِ إلْزَامُ دَافِنِهِ بِنَقْلِهِ لِيَفْرُغَ لَهُ مِلْكُهُ عَمَّا شَغَلَهُ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، قَالُوا: وَالأَْوْلَى لِلْمَالِكِ تَرْكُهُ حَتَّى يَبْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ.

وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ عُرْفًا أَوْ رَمَاهُ رَبُّهُ فِيهِ نُبِشَ وَأُخِذَ ذَلِكَ مِنْهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ وَضَعَ خَاتَمَهُ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَال خَاتَمِي، فَدَخَل وَأَخَذَهُ، وَكَانَ يَقُول: أَنَا أَقْرَبُكُمْ عَهْدًا بِرَسُول اللَّهِ ﷺ (١)، قَال أَحْمَدُ: إذَا نَسِيَ الْحَفَّارُ مِسْحَاتَهُ فِي الْقَبْرِ جَازَ أَنْ يُنْبَشَ.

وَإِنْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ غُصِبَ وَطَلَبَهُ رَبُّهُ لَمْ يُنْبَشْ وَغَرِمَ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ، لإِمْكَانِ دَفْعِ الضَّرَرِ مَعَ عَدَمِ هَتْكِ حُرْمَتِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْغُرْمُ لِعَدَمِ تَرِكَةٍ نُبِشَ الْقَبْرُ وَأُخِذَ الْكَفَنُ إنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ وَارِثٌ أَوْ غَيْرُهُ بِبَذْل قِيمَةِ الْكَفَنِ وَإِنْ بَلَعَ مَال غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَكَانَ مِمَّا تَبْقَى مَالِيَّتُهُ كَخَاتَمٍ وَطَلَبَهُ رَبُّهُ لَمْ يُنْبَشْ وَغَرِمَ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ صَوْنًا لِحُرْمَتِهِ مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْغُرْمُ نُبِشَ الْقَبْرُ وَشُقَّ جَوْفُهُ إنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ وَارِثٌ أَوْ غَيْرُهُ بِبَذْل قِيمَةِ الْمَال

_________

(١) حديث: " أن المغيرة بن شعبة وضع خاتمه في قبر النبي ﷺ. . . ". أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢ / ٣٠٢)، وقال الذهبي في تاريخ الإسلام (قسم السيرة - ص٥٨٢) هذا حديث منقطع.