الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 49

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

الْقَبْرِ لِلْحَاجَةِ مِنَ الْكَرَاهَةِ كَمَا إذَا كَانَ لاَ يَصِل إلَى قَبْرِ مَيِّتِهِ إلاَّ بِوَطْءِ قَبْرِ آخَرَ.

٣ - وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إلَى كَرَاهَةِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، لِمَا رَوَى أَبُو مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلاَ تُصَلُّوا إلَيْهَا (١)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ: لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى جَوَازِ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى كَرَاهَةِ الاِتِّكَاءِ عَلَى الْقَبْرِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ قَال: رَآنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ جَالِسًا عَلَى قَبْرٍ فَقَال: يَا صَاحِبَ الْقَبْرِ، انْزِل مِنْ عَلَى الْقَبْرِ لاَ تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ وَلاَ يُؤْذِيكَ (٣)، وَكَذَا يُكْرَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الاِسْتِنَادُ إلَيْهِ.

٤ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ التَّخَلِّي عَلَى

_________

(١) حديث: " لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها " أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٨) .

(٢) حديث: " لأن يجلس أحدكم على جمرة. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٧) .

(٣) حديث عمارة بن حزم " رآني رسول الله ﷺ جالسًا على قبر. . . ". أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣ / ٦١) وقال:، رواه الطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام وقد وثق.

الْقُبُورِ، لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَال: قَال النَّبِيَّ ﷺ: لأَنْ أَمْشِيَ عَلَى جَمْرَةٍ أَوْ سَيْفٍ، أَوْ أَخْصِفَ نَعْلِي بِرِجْلِي، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْشِيَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ، وَمَا أُبَالِي أَوَسْطَ الْقُبُورِ قَضَيْتُ حَاجَتِي أَوْ وَسْطَ السُّوقِ (١)، وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ حُرْمَةَ التَّخَلِّي بَيْنَهَا.

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ النَّوْمِ عِنْدَ الْقَبْرِ (٢) .

ب - كَيْفِيَّةُ حَفْرِ الْقَبْرِ:

أَقَل مَا يُجْزِئُ فِي الْقَبْرِ وَأَكْمَلُهُ:

٥ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ أَقَل مَا يُجْزِئُ فِي الْقَبْرِ حُفْرَةٌ تَكْتُمُ رَائِحَةَ الْمَيِّتِ وَتَحْرُسُهُ عَنِ السِّبَاعِ لِعُسْرِ نَبْشِ مِثْلِهَا غَالِبًا.

قَال الْبُهُوتِيُّ: لأَِنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَقْدِيرٌ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى مَا يَحْصُل بِهِ الْمَقْصُودُ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الأَْدْنَى أَنْ يُعَمِّقَ نِصْفَ الْقَامَةِ (٣) .

أَمَّا الأَْكْمَل: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالأَْكْثَرُ مِنَ

_________

(١) حديث: " لأن أمشي على جمرة أو سيف. . . ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٤٩٩) وجود إسناده المنذري في الترغيب (٤ / ٢٨٠) .

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٦، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٢٨، وروضة الطالبين ٢ / ١٣٩، والقليوبي وعميرة ١ / ٣٤٢، وكشاف القناع ٢ / ١٤٠.

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٩٩، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٢٩، وروضة الطالبين ٢ / ١٣٢، وكشاف القناع ٢ / ١٣٤.

الْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَوْسِيعُ الْقَبْرِ وَتَعْمِيقُهُ قَدْرَ قَامَةٍ وَبَسْطَةٍ، وَالْمُرَادُ قَامَةُ رَجُلٍ مُعْتَدِلٍ يَقُومُ وَيَبْسُطُ يَدَهُ مَرْفُوعَةً، فَقَدْ أَوْصَى عُمَرُ ﵁ أَنْ يُعَمَّقَ قَبْرُهُ قَامَةً وَبَسْطَةً (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ حَدَّ لأَِكْثَرِهِ لَكِنْ يُنْدَبُ عَدَمُ عُمْقِهِ.

وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَال: لاَ تُعَمِّقُوا قَبْرِي فَإِنَّ خَيْرَ الأَْرْضِ أَعْلاَهَا وَشَرَّهَا أَسْفَلُهَا (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إلَى أَنَّهُ يُسَنُّ تَعْمِيقُ الْقَبْرِ وَتَوْسِيعُهُ بِلاَ حَدٍّ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا وَأَحْسِنُوا (٣)، وَلأَِنَّ تَعْمِيقَ الْقَبْرِ أَنْفَى لِظُهُورِ الرَّائِحَةِ الَّتِي تَسْتَضِرُّ بِهَا الأَْحْيَاءُ، وَأَبْعَدُ لِقُدْرَةِ الْوَحْشِ عَلَى نَبْشِهِ وَآكَدُ لِسَتْرِ الْمَيِّتِ (٤) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الأَْحْسَنُ أَنْ يَكُونَ مِقْدَارَ قَامَةٍ، وَطُولُهُ عَلَى طُول قَدْرِ الْمَيِّتِ، وَعَرْضُهُ

_________

(١) روضة الطالبين ٢ / ١٣٢، وكشاف القناع ٢ / ١٣٤.

(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤١٩، ٤٢٩، وحاشية العدوي على الخرشي ٢ / ١٣٠، ١٤٥.

(٣) حديث: " احفروا وأعمقوا وأحسنوا ". أخرجه النسائي (٤ / ٨١) من حديث هشام بن عامر، وأخرجه الترمذي (٤ / ٢١٣) بلفظ مقارب وقال: " حديث حسن صحيح ".

(٤) كشاف القناع ٢ / ١٣٣، والإنصاف ٢ / ٥٤٥، والمغني ٢ / ٤٩٧.

عَلَى قَدْرِ نِصْفِ طُولِهِ (١) .

اللَّحْدُ وَالشَّقُّ:

٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ صِفَةَ اللَّحْدِ هِيَ أَنْ يُحْفَرَ فِي أَسْفَل حَائِطِ الْقَبْرِ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ الْمَيِّتَ وَيُجْعَل ذَلِكَ كَالْبَيْتِ الْمَسْقُوفِ.

وَأَمَّا صِفَةُ الشَّقِّ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ يُحْفَرُ فِي وَسْطِ الْقَبْرِ حَفِيرَةٌ يُوضَعُ الْمَيِّتُ فِيهَا وَيُبْنَى جَانِبَاهَا بِاللَّبِنِ أَوْ غَيْرِهِ وَيُسْقَفُ عَلَيْهَا.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الشَّقُّ هُوَ أَنْ يُحْفَرَ فِي أَسْفَل الْقَبْرِ أَضْيَق مِنْ أَعْلاَهُ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ الْمَيِّتَ ثُمَّ يُغَطَّى فَمُ الشَّقِّ.

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ اللَّحْدَ أَفْضَل مِنَ الشَّقِّ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا (٢) .

وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَال فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: أَلْحِدُوا لِي لَحْدًا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا صُنِعَ بِرَسُول اللَّهِ ﷺ (٣) .

قَال الْحَنَفِيَّةُ: فَإِنْ كَانَتِ الأَْرْضُ رِخْوَةً فَلاَ بَأْسَ بِالشَّقِّ.

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٩٩، والفتاوى الهندية ١ / ١٦٦.

(٢) حديث: " اللحد لنا والشق لغيرنا ". أخرجه الترمذي (٣ / ٣٥٤) من حديث ابن عباس، وقال: حديث حسن صحيح.

(٣) أثر سعد بن أبي وقاص " أنه قال في مرض موته. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٥) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَفْضَلِيَّةِ الشَّقِّ فِي الأَْرْضِ غَيْرِ الصُّلْبَةِ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إنْ كَانَتِ الأَْرْضُ رِخْوَةً لاَ يَثْبُتُ فِيهَا اللَّحْدُ شُقَّ لِلْحَاجَةِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَل فِيهَا اللَّحْدُ مِنَ الْجَنَادِل وَاللَّبِنِ وَالْحِجَارَةِ جُعِل وَلَمْ يُعْدَل إلَى الشَّقِّ (١) .

اتِّخَاذُ التَّابُوتِ فِي الدَّفْنِ:

٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي التَّابُوتِ إلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (دَفْنٌ ف ١١) .

ج - كَيْفِيَّةُ إدْخَال الْمَيِّتِ الْقَبْرَ وَوَضْعِهِ فِيهِ:

٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْخَل الْمَيِّتُ مِنْ قِبَل الْقِبْلَةِ بِأَنْ يُوضَعَ مِنْ جِهَتِهَا.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إنَّهُ لاَ بَأْسَ أَنْ يُدْخَل الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ مِنْ أَيِّ نَاحِيَةٍ كَانَ وَالْقِبْلَةُ أَوْلَى.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُوضَعَ الْمَيِّتُ عِنْدَ آخِرِ الْقَبْرِ ثُمَّ يُسَل مِنْ قِبَل رَأْسِهِ مُنْحَدِرًا.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (دَفْنٌ ف ٨)

_________

(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ١ / ٥٩٩، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤١٩، والفتاوى الهندية ١ / ١٦٥، وروضة الطالبين ٢ / ١٣٣، وكشاف القناع ٢ / ١٣٣.

د - تَغْطِيَةُ الْقَبْرِ حِينَ الدَّفْنِ:

٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَغْطِيَةُ قَبْرِ الْمَرْأَةِ حِينَ الدَّفْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَغْطِيَةِ قَبْرِ الرَّجُل. وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (دَفْنٌ ف ١٠)

هـ - الْجُلُوسُ عِنْدَ الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ:

١٠ - قَال الطَّحَاوِيُّ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَفَنَ الْمَيِّتَ الْجُلُوسُ عِنْدَ قَبْرِهِ بِقَدْرِ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهُ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (جَنَائِزُ ف ٤٥) .

و دَفْنُ أَكْثَرَ مِنْ مَيِّتٍ فِي الْقَبْرِ:

١١ - الأَْصْل أَنَّهُ لاَ يُدْفَنُ أَكْثَرُ مِنْ مَيِّتٍ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْفِنُ كُل مَيِّتٍ فِي قَبْرٍ وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ فِعْل الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، إلاَّ لِلضَّرُورَةِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ ادْفِنُوا الاِثْنَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ (١) .

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ دَفْنِ أَكْثَرَ مِنْ مَيِّتٍ فِي الْقَبْرِ لِغَيْرِ الضَّرُورَةِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى الْكَرَاهَةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى الْحُرْمَةِ.

_________

(١) حديث: " ادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد ". أخرجه الترمذي (٤ / ٢١٣) من حديث هشام بن عامر، وقال: " حديث حسن صحيح ".

قَال الْقَلْيُوبِيُّ: الْكَرَاهَةُ هُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ شَيْخُ الإِْسْلاَمِ وَغَيْرُهُ وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ وَشَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ أَنَّهُ حَرَامٌ وَلَوْ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ أَوِ الْمَحْرَمِيَّةِ أَوِ الصِّغَرِ، وَلَوْ دُفِنَ لَمْ يُنْبَشْ (١) .

وَقَدْ سَبَقَ كَيْفِيَّةُ وَضْعِهِمْ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ فِي مُصْطَلَحِ (دَفْنٌ ف ١٤) .

ز - تَسْنِيمُ الْقَبْرِ وَتَسْطِيحُهُ:

١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ تَسْنِيمَ الْقَبْرِ - أَيْ جَعْل التُّرَابِ مُرْتَفِعًا عَلَيْهِ كَسَنَامِ الْجَمَل - مَنْدُوبٌ، لِمَا وَرَدَ عَنْ سُفْيَانِ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا (٢) .

قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُرْفَعُ قَدْرَ شِبْرٍ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: قَدْرَ شِبْرٍ أَوْ أَكْثَرَ شَيْئًا قَلِيلًا.

وَقَال الْبُهُوتِيُّ: لِيُعْرَفَ أَنَّهُ قَبْرٌ فَيُتَوَقَّى، وَيُتَرَحَّمَ عَلَى صَاحِبِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رُفِعَ قَبْرُهُ عَنِ الأَْرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ (٣)، وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَال: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَة فَقُلْتُ: يَا أُمَّاهُ، اكْشِفِي

_________

(١) الاختيار لتعليل المختار ١ / ٩٦، وحاشية ابن عابدين ١ / ٥٩٨، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٢٢، والقليوبي وعميرة ١ / ٣٤١، ٣٤٢، وكشاف القناع ٢ / ١٤٣.

(٢) حديث سفيان التمار أنه رأى قبر النبي ﷺ مُسنَّمًا. أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢٥٥) .

(٣) حديث جابر: " أن النبي ﷺ رفع قبره عن الأرض قدر شبر ". أخرجه البيهقي (٣ / ٤١٠) ورجح إرساله.

لِي عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ ﵄، فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلاَثَةِ قُبُورٍ، لاَ مُشْرِفَةٍ وَلاَ لاَطِئَةٍ، مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ (١) .

قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَإِنْ زِيدَ عَلَى التَّسْنِيمِ أَيْ مِنْ حَيْثُ كَثْرَةُ التُّرَابِ بِحَيْثُ يَكُونُ جِرْمًا مُسَنَّمًا عَظِيمًا فَلاَ بَأْسَ بِهِ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِكَرَاهَةِ رَفْعِهِ فَوْقَ شِبْرٍ لِحَدِيثِ أَبِي الْهَيَّاجِ الأَْسَدِيِّ قَال: قَال لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلاَ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَنْ لاَ تَدَعَ تِمْثَالًا إلاَّ طَمَسْتَهُ، وَلاَ قَبْرًا مُشْرِفًا إلاَّ سَوَّيْتَهُ (٢) .

قَالُوا: وَالْمُشْرِفُ مَا رُفِعَ كَثِيرًا، بِدَلِيل مَا سَبَقَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ " لاَ مُشْرِفَةٍ وَلاَ لاَطِئَةٍ " وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ بِكَرَاهَةِ التَّسْنِيمِ وَنَدْبِ التَّسْطِيحِ، أَيْ يُجْعَل عَلَيْهِ سَطْحٌ كَالْمِصْطَبَةِ وَلَكِنْ لاَ يُسَوَّى ذَلِكَ السَّطْحُ بِالأَْرْضِ بَل يُرْفَعُ كَشِبْرٍ، وَقِيل يُرْفَعُ قَلِيلًا بِقَدْرِ مَا يُعْرَفُ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ تَسْطِيحَ الْقَبْرِ

_________

(١) حديث القاسم بن محمد: " دخلت على عائشة. . . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٥٣٩) . والحاكم (١ / ٣٦٩) وصححه ووافقه الذهبي. والمشرفة: المرتفعة غاية الارتفاع، واللاطئة: المستوية على وجه الأرض، والمبطوحة: المسواة المبسوطة على الأرض، قاله ابن الملك: (عون المعبود ٩ / ٣٩ نشر دار الفكر) .

(٢) حديث أبي الهياج عن علي أنه قال له: " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٦) .

أَفْضَل مِنْ تَسْنِيمِهِ (١) .

١٣ - وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ فِي بِلاَدِ الْكُفَّارِ فَلاَ يُرْفَعُ قَبْرُهُ بَل يُخْفَى لِئَلاَّ يَتَعَرَّضُوا لَهُ.

قَال الْبُهُوتِيُّ: تَسْوِيَةُ قَبْرِ الْمُسْلِمِ بِالأَْرْضِ وَإِخْفَاؤُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْلَى مِنْ إظْهَارِهِ وَتَسْنِيمِهِ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يُنْبَشَ فَيُمَثَّل بِهِ (٢) .

ح - تَطْيِينُ الْقَبْرِ وَتَجْصِيصُهُ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ:

١٤ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يُرَشَّ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ مَاءٌ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَل ذَلِكَ بِقَبْرِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ (٣)، وَأَمَرَ بِهِ فِي قَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ (٤) .

وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنْ يُوضَعَ عَلَيْهِ حَصًى صِغَارٌ، لِمَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَشَّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءَ (٥)، وَلأَِنَّ ذَلِكَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠١، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤١٨، وحاشية العدوي على الخرشي ٢ / ١٢٩، وروضة الطالبين ٢ / ١٣٦، ١٣٧، والقليوبي وعميرة على شرح المحلي ١ / ٣٤١، وكشاف القناع ٢ / ١٣٨.

(٢) المصادر السابقة.

(٣) حديث: " أن رسول الله ﷺ رش على قبر سعد بن معاذ ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٤٩٥)، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (١ / ٢٧٤) .

(٤) حديث: " أن النبي ﷺ أمر برش قبر عثمان بن مظعون ". أخرجه البزار، (كشف الأستار ١ / ٣٩٧)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣ / ٤٥): " رجاله موثقون إلا أن شيخ البزار محمد بن عبد الله لم أعرفه ".

(٥) حديث: " أن النبي ﷺ رش على قبر ابنه إبراهيم ". أخرجه الهيثمي (٣ / ٤١١) معضلًا.

أَثْبَتُ لَهُ وَأَبْعَدُ لِدُرُوسِهِ، وَأَمْنَعُ لِتُرَابِهِ مِنْ أَنْ تُذْهِبَهُ الرِّيَاحُ.

قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَيَحْرُمُ رَشُّهُ بِالْمَاءِ النَّجِسِ، وَيُكْرَهُ بِمَاءِ الْوَرْدِ (١) .

١٥ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَطْيِينِ الْقَبْرِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي الْمُخْتَارِ - وَالْحَنَابِلَةُ إلَى جَوَازِ تَطْيِينِ الْقَبْرِ، وَنَقَل التِّرْمِذِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالتَّطْيِينِ.

قَال النَّوَوِيُّ: وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ جَمَاهِيرُ الأَْصْحَابِ.

وَدَلِيل الْجَوَازِ قَوْل الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي وَصْفِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ " مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ " (٢) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إلَى كَرَاهَةِ تَطْيِينِ الْقَبْرِ.

قَال الدُّسُوقِيُّ: أَكْثَرُ عِبَارَاتِهِمْ فِي تَطْيِينِهِ مِنْ فَوْقٍ، وَنَقَل ابْنُ عَاشِرٍ عَنْ شَيْخِهِ أَنَّهُ يَشْمَل تَطْيِينَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (٣) .

١٦ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ تَجْصِيصِ الْقَبْرِ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ نَهَى

_________

(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ١ / ٦٠١، وحاشية القليوبي وعميرة على المحلى ١ / ٣٥١، وروضة الطالبين ٢ / ١٣٦، وكشاف القناع ٢ / ١٣٨.

(٢) حديث القاسم بن محمد تقدم تخريجه ف١٢.

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠١، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٢٤، وحاشية القليوبي ١ / ٣٥٠، وروضة الطالبين ٢ / ١٣٦، وكشاف القناع ٢ / ١٣٨.