الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 56

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

بَعْدِي مِنْكِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَال وَارِثٍ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا أَبَتِ، وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ، وَإِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ، فَمَنِ الأُْخْرَى؟ فَقَال أَبُو بَكْرٍ: ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ، أَرَاهَا جَارِيَةً (١)، قَالُوا: فَلَوْلاَ تَوَقُّفُ الْمِلْكِ فِي الْمَوْهُوبِ عَلَى الْقَبْضِ لَمَا قَال إنَّهُ مَال وَارِثٍ.

وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَضَى فِي الأَْنْحَال: أَنَّ مَا قُبِضَ مِنْهَا فَهُوَ جَائِزٌ، وَمَا لَمْ يُقْبَضْ فَهُوَ مِيرَاثٌ (٢)، وَرُوِيَ مِثْل ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَعَائِشَةَ ﵃ (٣)، وَلاَ يُعْرَفُ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلأَِنَّ انْتِفَاءَ الْعِوَضِ فِي الْهِبَةِ يُضَعِّفُ مِنْ سَبَبِيَّةِ الْعَقْدِ لإِضَافَةِ الْمِلْكِ لِلْمَوْهُوبِ، فَمِنْ أَجْل ذَلِكَ يَتَأَخَّرُ الْمِلْكُ إلَى أَنْ يَتَقَوَّى الْعَقْدُ بِالْقَبْضِ (٤) .

(ثَانِيًا) الْوَقْفُ:

٣٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ

_________

(١) أثر عائشة أخرجه مالك في الموطأ ٢ / ٧٥٢.

(٢) أثر عمر أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦ / ١٧٠) .

(٣) روى ذلك عنهم البيهقي في السنن الكبرى (٦ / ١٧٠) .

(٤) كشف الأسرار على أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري ٢ / ٦٩.

لِتَمَامِ الْوَقْفِ.

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، أَبُو يُوسُفَ، إلَى أَنَّ الْوَقْفَ إذَا صَحَّ زَال بِهِ مِلْكُ الْوَاقِفِ عَنْهُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ (١)

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، اشْتِرَاطَ الْقَبْضِ فِي الْجُمْلَةِ لِتَمَامِ الْوَقْفِ وَزَوَال مِلْكِيَّةِ الْوَقْفِ عَنِ الْوَاقِفِ (٢) .

وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّ الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ حَقِيقَةً، وَلاَ يَزُول مِلْكُهُ عَنْهُ إلاَّ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْ يُعَلِّقَهُ بِمَوْتِهِ (٣) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إنْ بَنَى شَخْصٌ سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ خَانًا لِيَسْكُنَهُ أَبْنَاءُ السَّبِيل، أَوْ رِبَاطًا لِلْمُجَاهِدِينَ، أَوْ خَلَّى أَرْضًا مَقْبَرَةً لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ بَنَى مَسْجِدًا لِلْمُصَلِّينَ، زَال مِلْكُهُ بِقَوْلِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَقَال مُحَمَّدٌ: إذَا اسْتَقَى النَّاسُ مِنَ السِّقَايَةِ وَسَكَنُوا الْخَانَ

_________

(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٨٣، والمغني ٥ / ٦٠٠، والكافي ٢ / ٤٥٥، نشر المكتب الإسلامي، والاختيار ٣ / ٤١ - ٤٢، والمبسوط ١٢ / ٣٥.

(٢) القوانين الفقهية ص٣٦٤ - ٣٦٥، نشر دار الكتاب العربي، والمغني ٥ / ٦٠٠٠، والكافي ٢ / ٤٥٥، والاختيار ٣ / ٤١، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٦٤ - ٣٦٥، والمبسوط ١٢ / ٣٥، ومغني المحتاج ٣ / ٣٨٣.

(٣) ابن عابدين ٣ / ٣٥٧، والهداية مع فتح القدير ٥ / ٤١٨، ٤٤٧، ٤٤٨.

وَالرِّبَاطَ وَدَفَنُوا فِي الْمَقْبَرَةِ وَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ مُسْلِمٌ زَال مِلْكُهُ عَنِ الْمَوْقُوفِ، وَلاَ يُزَال مِلْكُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يَحْكُمَ بِهِ الْحَاكِمُ.

وَلِلتَّفْصِيل (ر: وَقْفٌ) .

(ثَالِثًا) الْقَرْضُ:

٣٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَدَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي الْقَرْضِ لِنَقْل الْمِلْكِيَّةِ إلَى الْمُسْتَقْرِضِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

(أَحَدُهَا) ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ وَغَيْرُهُمْ، إلَى أَنَّ الْمُقْتَرِضَ إنَّمَا يَمْلِكُ الْمَال الْمُقْرَضَ بِالْقَبْضِ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْمُسْتَقْرِضَ بِنَفْسِ الْقَبْضِ صَارَ بِسَبِيلٍ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْقَرْضِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمُقْرِضِ بَيْعًا وَهِبَةً وَصَدَقَةً وَسَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ، وَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُقْرِضِ، وَتِلْكَ أَمَارَاتُ الْمِلْكِ، إذْ لَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ لَمَا جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَبِأَنَّ الْقَرْضَ عَقْدٌ اجْتَمَعَ فِيهِ جَانِبُ الْمُعَاوَضَةِ وَجَانِبُ التَّبَرُّعِ، أَمَّا الْمُعَاوَضَةُ: فَلأَِنَّ الْمُسْتَقْرِضَ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ بَدَلٍ مُمَاثِلٍ عِوَضًا عَمَّا

_________

(١) رد المحتار ٥ / ١٦٤، والأشباه والنظائر لابن نجيم وحاشية الحموي عليه ٢ / ٢٠٤، وفتح العزيز ٩ / ٣٩١، ومغني المحتاج ٢ / ١٢٠، والمهذب ١ / ٣١٠، وكشاف القناع ٣ / ٢٥٧ ط. السنة المحمدية، والمحرر ١ / ٣٣٤، ومنتهى الإرادات ١ / ٣٩٧.

اسْتَقْرَضَهُ، وَأَمَّا التَّبَرُّعُ: فَلأَِنَّهُ يَنْطَوِي عَلَى تَبَرُّعٍ مِنَ الْمُقْرِضِ لِلْمُسْتَقْرِضِ بِالاِنْتِفَاعِ بِالْمَال الْمُسْتَقْرَضِ بِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، غَيْرَ أَنَّ جَانِبَ التَّبَرُّعِ فِي هَذَا الْعَقْدِ أَرْجَحُ، لأَِنَّ غَايَتَهُ وَثَمَرَتَهُ إنَّمَا هِيَ بَذْل مَنَافِعِ الْمَال الْمُقْرَضِ لِلْمُسْتَقْرِضِ مَجَّانًا، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لاَ يُقَابِلُهُ عِوَضٌ فِي الْحَال، وَلاَ يَمْلِكُهُ مَنْ لاَ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ، وَلِهَذَا كَانَ كَبَاقِي التَّبَرُّعَاتِ مِنْ هِبَاتٍ وَصَدَقَاتٍ، فَتَنْتَقِل الْمِلْكِيَّةُ فِيهِ بِالْقَبْضِ، لاَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَلاَ بِالتَّصَرُّفِ.

(وَالثَّانِي) لِلْمَالِكِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ يَمْلِكُ الْمَال الْمُقْرَضَ مِلْكًا تَامًّا بِالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَيَصِيرُ مَالًا مِنْ أَمْوَالِهِ، وَيُقْضَى لَهُ بِهِ. (١)

(وَالثَّالِثُ) لأَِبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ: وَهُوَ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ إنَّمَا يَمْلِكُ الْمَال الْمُقْرَضَ بِالتَّصَرُّفِ، فَإِذَا تَصَرَّفَ فِيهِ تَبَيَّنَ ثُبُوتُ مِلْكِهِ قَبْلَهُ، وَالْمُرَادُ بِالتَّصَرُّفِ: كُل عَمَلٍ يُزِيل الْمِلْكَ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالإِْعْتَاقِ وَالإِْتْلاَفِ، وَلاَ يَكْفِي الرَّهْنُ وَالتَّزْوِيجُ وَالإِْجَارَةُ وَطَحْنُ الْحِنْطَةِ وَخَبْزُ الدَّقِيقِ وَذَبْحُ الشَّاةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ (٢) .

_________

(١) الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ٢٢٦، والبهجة شرح التحفة ٢ / ٢٨٨.

(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٣٩٦، وروضة الطالبين ٤ / ٣٥، وفتح العزيز ٩ / ٣٩١، ومغني المحتاج ٢ / ١٢٠، والمهذب ١ / ٣١٠، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٢٠، والتنبيه للشيرازي ص ٧٠.

وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلاَفِ بَيْنَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ، وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِيمَا إذَا هَلَكَتِ الْعَيْنُ الْمُقْرَضَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْل الْقَبْضِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ ضَمَانُهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الْمُقْرِضِ، وَيَكُونُ هَلاَكُهَا فِي عُهْدَتِهِ، لأَِنَّهَا لَمْ تَزَل فِي مِلْكِهِ، وَلَمْ يَمْلِكْهَا الْمُقْتَرِضُ بَعْدُ، فَلاَ تَنْشَغِل ذِمَّتُهُ بِعِوَضِهَا أَصْلًا، بَيْنَمَا يَكُونُ ضَمَانُهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمُقْتَرِضِ، وَهُوَ الَّذِي يَتَحَمَّل تَبِعَةَ هَلاَكِهَا، وَعَلَيْهِ رَدُّ بَدَلِهَا لأَِنَّهَا هَلَكَتْ فِي مِلْكِهِ.

كَمَا تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلاَفِ بَيْنَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ، فِيمَا إذَا اسْتَقْرَضَ شَخْصٌ مِنْ رَجُلٍ كُرًّا مِنْ حِنْطَةٍ وَقَبَضَهُ، ثُمَّ اشْتَرَى ذَلِكَ الْكُرَّ بِعَيْنِهِ مِنَ الْمُقْرِضِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى قَوْل الْجُمْهُورِ، لأَِنَّ الْمُقْتَرِضَ مَلَكَهُ بِنَفْسِ الْقَبْضِ، فَيَصِيرُ بِعَقْدِ الشِّرَاءِ التَّالِي مُشْتَرِيًا مِلْكَ نَفْسِهِ، أَمَّا عَلَى الْقَوْل الآْخَرِ فَالْكُرُّ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمُقْرِضِ، وَيَصِيرُ الْمُسْتَقْرِضُ مُشْتَرِيًا مِلْكَ غَيْرِهِ، فَيَصِحُّ (١) .

_________

(١) رد المحتار ٥ / ١٦٤ ط. الحلبي، وشرح المجلة للأتاسي ٢ / ٤٤٠.

رَابِعًا) الْعَارِيَّةُ:

٣٧ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ مَنَافِعَ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ لاَ تَنْتَقِل إلَى مِلْكِ الْمُسْتَعِيرِ، لاَ بِالْقَبْضِ وَلاَ بِغَيْرِهِ. لأَِنَّ الْعَارِيَّةُ عِنْدَهُمْ تُفِيدُ إبَاحَةَ الْمَنَافِعِ لِلْمُسْتَعِيرِ لاَ تَمْلِيكَهَا.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ لاِنْتِقَال مَنَافِعِ الْعَيْنِ الْمُعَارَةِ إلَى مِلْكِ الْمُسْتَعِيرِ، لأَِنَّ الإِْعَارَةَ تَبَرُّعٌ بِتَمْلِيكِ مَنَافِعِ الشَّيْءِ الْمُعَارِ، فَلاَ تُمْلَكُ إلاَّ بِالْقَبْضِ، كَالْهِبَةِ (١) .

(ر: إعَارَةٌ ف ١٤) .

(خَامِسًا) الْمُعَاوَضَاتُ الْفَاسِدَةُ:

٣٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ الْقَبْضِ نَاقِلًا لِلْمِلْكِيَّةِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ الْمَالِيَّةِ الْفَاسِدَةِ أَوْ غَيْرَ نَاقِلٍ (٢) .

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ كَالْبَاطِل، لاَ يَنْعَقِدُ أَصْلًا، وَلاَ يُفِيدُ الْمِلْكَ بَتَاتًا، سَوَاءٌ قَبَضَ الْعَاقِدُ الْبَدَل الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ مِلْكِيَّةَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَنْتَقِل فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ الْفَاسِدِ بِقَبْضِهِ بِرِضَا

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ٢١٤، ٧ / ٣٩٦، ولسان الحكام ص٨٧، وشرح المجلة للأتاسي ١ / ١٣٨، ٣ / ٣٠٩، ونهاية المحتاج ٥ / ١١٩، والمغني ٥ / ٢٢٧.

(٢) وهي العقود التي تقوم على أساس إنشاء حقوق والتزامات مالية بين العاقدين، كالبيع والإجارة والسلم ونحوها.

صَاحِبِهِ، وَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْقَابِضِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ (١) .

الْعُقُودُ الَّتِي يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي صِحَّتِهَا:

(أَوَّلًا) الصَّرْفُ:

٣٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ عَقْدِ الصَّرْفِ التَّقَابُضُ فِي الْبَدَلَيْنِ قَبْل التَّفَرُّقِ (٢)، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُتَصَارِفَيْنِ إذَا افْتَرَقَا قَبْل أَنْ يَتَقَابَضَا أَنَّ الصَّرْفَ فَاسِدٌ (٣) .

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَى عُبَادَةَ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ. (٤)

_________

(١) رد المحتار ٥ / ٤٩، ٩٩ وما بعدها ط. الحلبي، ومواهب الجليل ٤ / ٣٨٠، والمغني ٤ / ٢٢٩، والمجموع ٩ / ٣٧٧ وما بعدها.

(٢) بدائع الصنائع ٥ / ٢١٥، ورد المحتار ٥ / ٢٥٨ ط. الحلبي، وأحكام القرآن للجصاص ١ / ٥٥٤، وروضة الطالبين ٣ / ٣٧٩، والأم ٣ / ٣٦ ط بولاق، وفتح العلي المالك لعليش ٢ / ١١٠، وكشاف القناع ٣ / ٢١٧، والمغني ٤ / ٥١ ط. دار المنار، ومنتهى الإرادات ١ / ٣٨٠.

(٣) المغني ٤ / ٥١، وتكملة المجموع للسبكي ١٠ / ٦٩، وكشاف القناع ٣ / ٢١٧ ط. السنة المحمدية.

(٤) حديث عبادة بن الصامت: " الذهب بالذهب والفضة بالفضة. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢١١) .

وَبِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنَّهُ قَال: لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلاَ تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلاَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ وَالآْخَرُ نَاجِزٌ، وَإِنِ اسْتَنْظَرَكَ حَتَّى يَلِجَ بَيْتَهُ فَلاَ تُنْظِرْهُ، إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءَ أَيِ الرِّبَا (١) .

لِهَذَا إذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْمُتَصَارِفَيْنِ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ وَأَرَادَا الاِفْتِرَاقَ، لَزِمَهُمَا دِيَانَةً أَنْ يَتَفَاسَخَا الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا قَبْل التَّفَرُّقِ كَيْ لاَ يَأْثَمَا بِتَأْخِيرِ الْعِوَضَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، لأَِنَّ الشَّارِعَ نَهَى عَنْ هَذَا الْعَقْدِ إلاَّ يَدًا بِيَدٍ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رِبًا إلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، فَمَتَى لَمْ يَحْصُل هَذَا الشَّرْطُ حَصَل الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ رِبَا النَّسَاءِ، وَهُوَ حَرَامٌ، وَفِي التَّفَاسُخِ قَبْل التَّفَرُّقِ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ، فَلاَ تَلْزَمُهُمَا شُرُوطُهُ (٢) .

لَكِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمَالِكِيَّةِ اسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الأَْصْل الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ - هُوَ اشْتِرَاطُ التَّقَابُضِ قَبْل التَّفَرُّقِ لِصِحَّةِ الصَّرْفِ - مَا لَوْ تَفَرَّقَا قَبْل التَّقَابُضِ غَلَبَةً، أَيْ بِمَا يُغْلَبَانِ عَلَيْهِ أَوْ أَحَدُهُمَا، كَنِسْيَانٍ أَوْ غَلَطٍ أَوْ سَرِقَةٍ مِنَ الصَّرَّافِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَال الشَّيْخُ عُلَيْشٌ:

_________

(١) أثر ابن عمر: أخرجه البيهقي، ومالك، وعبد الرزاق في مصنفه، (انظر نصب الراية ٤ / ٥٦، والسنن الكبرى للبيهقي ٥ / ٢٨٤) .

(٢) المجموع شرح المهذب للنووي ٩ / ٤٠٤، وتكملة المجموع للسبكي ١٠ / ١٤.

وَقَدْ تَكُونُ الْغَلَبَةُ بِحَيْلُولَةِ سَيْلٍ أَوْ نَارٍ أَوْ عَدُوٍّ قَبْل التَّقَابُضِ (١) وَقَالُوا بِعَدَمِ بُطْلاَنِ الصَّرْفِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (٢) .

(ثَانِيًا) بَيْعُ الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ بِبَعْضِهَا:

٤٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ بَيْعِ الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ بِجِنْسِهَا الْحُلُول وَانْتِفَاءُ النَّسِيئَةِ، وَكَذَا إذَا بِيعَتْ بِغَيْرِ جِنْسِهَا، وَكَانَ الْمَالاَنِ الرِّبَوِيَّانِ تَجْمَعُهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، إلاَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ ثَمَنًا وَالآْخَرُ مُثَمَّنًا، كَبَيْعِ الْمَوْزُونَاتِ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ (٣) .

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَْصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ. (٤)

غَيْرَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ هَذَا عَلَى

_________

(١) التاج والإكليل ٤ / ٣٠٧، ومنح الجليل ٢ / ٥٠٨.

(٢) القوانين الفقهية ص٢٧٦ (دار العلم للملايين)، وبداية المجتهد ٢ / ١٦٤ ط الجمالية.

(٣) أحكام القرآن للجصاص ١ / ٥٥٢، والأم ٣ / ٢٦، ٣١ ط بولاق، وروضة الطالبين ٣ / ٣٧٨ وما بعدها، والدر المختار مع رد المحتار ٥ / ١٧٢ ط. الحلبي، وبداية المجتهد ٢ / ١٠٧ ط الجمالية ١٣٢٩ هـ)، والمنتقى للباجي ٥ / ٣، وكشاف القناع ٣ / ٢١٥، وما بعدها ط السنة المحمدية، والمغني ٤ / ٩ وما بعدها ط. دار المنار.

(٤) تقدم تخريجه ف٣٩.

اشْتِرَاطِ الْحُلُول وَانْتِفَاءِ النَّسِيئَةِ، اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ قَبْل التَّفَرُّقِ مِنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ فِي بَيْعِ جَمِيعِ الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ بِبَعْضِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ قَبْل التَّفَرُّقِ مِنَ الْمَجْلِسِ فِي الصَّرْفِ وَغَيْرِهِ، فَلَوْ تَفَرَّقَا قَبْل التَّقَابُضِ بَطَل الْعَقْدُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ النَّهْيَ عَنِ النَّسِيئَةِ ثَبَتَ فِي الصَّرْفِ وَغَيْرِهِ مِنْ بَيْعِ الرِّبَوِيَّاتِ بِبَعْضِهَا، وَتَحْرِيمُ النَّسَاءِ وَوُجُوبُ التَّقَابُضِ مُتَلاَزِمَانِ، إذْ مِنَ الْمُحَال أَنْ يَشْتَرِطَ الشَّارِعُ انْتِفَاءَ الأَْجَل فِي بَيْعِ جَمِيعِ الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ، وَيَكُونُ تَأْجِيل التَّقَابُضِ فِي بَعْضِهَا جَائِزًا، وَلاَ يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ: يَدًا بِيَدٍ وَهَاءَ وَهَاءَ فِي شَأْنِ بَيْعِ الأَْمْوَال الرِّبَوِيَّةِ السِّتَّةِ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمُبَيَّنَةِ فِي الْحَدِيثِ إنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ اشْتِرَاطُ التَّقَابُضِ فِيهَا جَمِيعًا (١) .

الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ قَبْل التَّفَرُّقِ إلاَّ فِي الصَّرْفِ، أَمَّا فِي غَيْرِهِ - كَبَيْعِ حِنْطَةٍ بِشَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ حِنْطَةٍ - فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ التَّعْيِينُ دُونَ التَّقَابُضِ، لأَِنَّ الْبَدَل فِي غَيْرِ الصَّرْفِ يَتَعَيَّنُ بِمُجَرَّدِ التَّعْيِينِ

_________

(١) فتح العزيز ٨ / ١٦٥ وما بعدها، وروضة الطالبين ٣ / ٣٧٨ وما بعدها، والمنتقى للباجي ٤ / ٢٦٠، ٥ / ٣، والإشراف للقاضي عبد الوهاب ١ / ٢٥٦، وكشاف القناع ٣ / ٢١٦، والمغني ٤ / ٩.