الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢
فَضَل مِنْ مَالِهِ عَنْ وَارِثِهِ فَهُوَ فَيْءٌ.
(٩) الأَْرَاضِيُ الْمَغْنُومَةُ بِالْقِتَال وَهِيَ الأَْرَاضِيُ الزِّرَاعِيَّةُ عِنْدَ مَنْ يَرَى عَدَمَ تَقْسِيمِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (بَيْتُ الْمَال ف ٦) .
ج - تَخْمِيسُ الْفَيْءِ:
١١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إلَى أَنَّ الْفَيْءَ لاَ يُخَمَّسُ، وَإِنَّمَا كُلُّهُ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَنْ ذُكِرُوا مَعَهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْل الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل﴾ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَاَلَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (١) فَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ وَلَمْ يَذْكُرْ خُمُسًا وَلأَِنَّ الْخُمُسَ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْغَنَائِمِ، وَالْغَنِيمَةُ اسْمٌ لِلْمَال الْمَأْخُوذِ عَنْوَةً وَقَهْرًا بِإِيجَافِ الْخَيْل وَالرِّكَابِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا فِي الْفَيْءِ لِحُصُولِهِ فِي أَيْدِيهِمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَكَانَ مُبَاحًا مُلِكَ لاَ عَلَى سَبِيل الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، فَلاَ يَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ، وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلاَ نَحْفَظُ مِنْ أَحَدٍ قَبْل الشَّافِعِيِّ فِي الْفَيْءِ الْخُمُسَ كَخُمُسِ الْغَنِيمَةِ. كَمَا لَوْ صُولِحُوا عَلَى
_________
(١) سورة الحشر / ٧ - ١٠.
الضِّيَافَةِ فَإِنَّهُ لاَ حَقَّ لأَِهْل الْخُمُسِ فِي مَال الضِّيَافَةِ بَل يَخْتَصُّ بِهِ الطَّارِقُونَ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَالرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إلَى أَنَّ الْفَيْءَ يُخَمَّسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْل الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَْغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (٢)،
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ جَمِيعَ الْفَيْءِ لِهَؤُلاَءِ، وَهُمْ أَهْل الْخُمُسِ.
وَلَمَّا قَرَأَ عُمَرُ ﵁ الآْيَةَ قَال: اسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الآْيَةُ النَّاسَ فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إلاَّ لَهُ فِي هَذَا الْمَال حَقٌّ (٣)، وَجَاءَتِ الأَْخْبَارُ عَنْ عُمَرَ ﵁ دَالَّةً عَلَى اشْتِرَاكِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، كَيْ لاَ تَتَنَاقَضَ الآْيَةُ وَالأَْخْبَارُ وَتَتَعَارَضَ، وَفِي إيجَابِ الْخُمُسِ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ النُّصُوصِ وَتَوْفِيقٌ بَيْنَهَا، فَإِنَّ خُمُسَهُ لِلَّذِي سُمِّيَ فِي الآْيَةِ وَسَائِرَهُ يَنْصَرِفُ إلَى مَنْ فِي الْخَبَرِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١١٦، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٦٩، والمغني لابن قدامة ٦ / ٤٠٤، وبداية المجتهد لابن رشد ١ / ٣٤٣، وكشاف القناع ٣ / ١٠١.
(٢) سورة الحشر / ٧.
(٣) أثر عمر: " استوعبت هذه الآية الناس لم يبق أحد من المسلمين إلا له. . . ". أخرجه النسائي (٧ / ١٣٧) من حديث مالك بن أوس، وأصله في البخاري (فتح الباري ٦ / ١٩٧ - ١٩٨) ومسلم (٣ / ١٣٧٧ - ١٣٧٨) .
كَالْغَنِيمَةِ، وَلأَِنَّهُ مَالٌ مُشْتَرَكٌ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يُخَمَّسَ كَالْغَنِيمَةِ وَالرِّكَازِ، وَلأَِنَّ الْمِلْكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَثْبُتُ بِأَخْذِهِ، وَإِنَّمَا أُخِذَ عَلَى سَبِيل الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، فَكَانَ فِي حُكْمِ الْغَنَائِمِ (١) .
وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵁ قَال: لَقِيت عَمِّي وَمَعَهُ رَايَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَال: بَعَثَنِي رَسُول اللَّهِ إلَى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَآخُذَ مَالَهُ (٢) .
د - تَقْسِيمُ خُمُسِ الْفَيْءِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِتَخْمِيسِهِ:
١٢ - يُقْسَمُ مَال الْفَيْءِ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِتَخْمِيسِهِ:
السَّهْمُ الأَْوَّل الْمُضَافُ إلَى اللَّهِ عَزَّ جَل وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ، وَكَانَ ﷺ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، وَمَا فَضَل جَعَلَهُ فِي السِّلاَحِ عِدَّةً فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى وَفِي سَائِرِ الْمَصَالِحِ.
وَأَمَّا سَهْمُ اللَّهِ الَّذِي أَضَافَهُ إلَيْهِ - فَهُوَ لاِفْتِتَاحِ الْكَلاَمِ بِاسْمِهِ تَبَرُّكًا بِهِ، لاَ لإِفْرَادِهِ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١١٧، وروضة الطالبين ٦ / ٣٥٤، والمغني لابن قدامة ٦ / ٤٠٤.
(٢) حديث البراء بن عازب: " لقيت عمي ومعه راية. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٦٠٢ - ٦٠٤) والترمذي (٣ / ٦٣٤) واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي: حسن غريب.
بِسَهْمٍ، فَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى الدُّنْيَا وَالآْخِرَةَ (١) .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمُوا خَمَّسَ الْغَنِيمَةَ فَضَرَبَ ذَلِكَ الْخُمُسَ فِي خُمُسِهِ. . (٢) .
السَّهْمُ الثَّانِي: لِذَوِي الْقُرْبَى، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ دُونَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِيَّ نَوْفَلٍ - لأَِنَّ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيَّ الْمُطَّلِبِ لَمْ يُفَارِقُوا الرَّسُول ﷺ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلاَ إسْلاَمٍ، كَمَا قَال ﷺ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ (٣)، وَيَشْتَرِكُ فِيهِ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ وَصَغِيرُهُمْ، وَلاَ يُفَضَّل أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ إلاَّ بِالذُّكُورَةِ، فَلِلذَّكْرِ سَهْمَانِ وَلِلأُْنْثَى سَهْمٌ.
وَقَال الْمُزَنِيُّ: يُسَوَّى بَيْنَهُمَا، وَقَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ: الْمُدْلِي بِجِهَتَيْنِ يُفَضَّل عَلَى الْمُدْلِي بِجِهَةٍ.
السَّهْمُ الثَّالِثُ: لِلْيَتَامَى، وَالْيَتِيمُ الصَّغِيرُ الَّذِي لاَ أَبَ لَهُ وَقِيل: وَلاَ جَدَّ لَهُ قَبْل الْحُلُمِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ يُتْمَ بَعْدَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ١٢٤، والمغني لابن قدامة ٦ / ٤٠٦، ٤٠٧.
(٢) حديث ابن عباس قال: " كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة فضرب ذلك الخمس في خمسة ". أخرجه الطبراني في الكبير (١٢ / ١٢٤)، وقال الهيثمي في المجمع (٥ / ٣٤٠) فيه نهشل بن سعيد وهو متروك.
(٣) حديث: " بنو هاشم وبنو المطلب لم يفارقوا الرسول. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٢٤٤)، وأبو داود (٣ / ٣٨٣ - ٣٨٤)، من حديث جبير بن مطعم واللفظ له.
احْتِلاَمٍ (١) وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْفَقْرُ.
السَّهْمُ الرَّابِعُ: الْمَسَاكِينُ، وَالْمِسْكِينُ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَلاَ يَكْفِيهِ، وَيَدْخُل فِيهِ الْفَقِيرُ.
السَّهْمُ الْخَامِسُ: ابْنُ السَّبِيل وَهُوَ كُل مَنْ أَنْشَأَ سَفَرًا مِنْ بَلَدِهِ أَوْ بَلَدٍ كَانَ مُقِيمًا بِهِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي سَفَرِهِ، فَيُعْطَى مَنْ لاَ مَال لَهُ أَصْلًا، وَكَذَا مَنْ لَهُ مَالٌ فِي غَيْرِ الْبَلَدِ الْمُنْتَقِل إلَيْهِ مِنْهُ.
وَإِذَا فُقِدَ بَعْضُ الأَْصْنَافِ وُزِّعَ نَصِيبُهُ عَلَى الْبَاقِينَ كَالزَّكَاةِ.
١٣ - وَأَمَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ فَهِيَ لِلرَّسُول ﷺ فِي حَيَاتِهِ (٢) .
هـ - مَصْرِفُ الْفَيْءِ وَمَا يَخُصُّ الرَّسُول بَعْدَ وَفَاتِهِ:
١٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْفَيْءَ وَمَا يَخُصُّ الرَّسُول ﷺ مِنَ الْخُمُسِ، سَوَاءٌ أَكَانَ خُمُسَ الْفَيْءِ عِنْدَ مَنْ قَال بِهِ، أَمْ خُمُسَ الْغَنِيمَةِ لِسُقُوطِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﵊، يُوضَعُ فِي بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ وَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِمُ الْعَامَّةِ.
_________
(١) حديث: " لا يتم بعد احتلام ". أخرجه أبو داود (٣ / ٢٩٣ - ٣٩٤) من حديث علي، وحسن إسناده النووي في رياض الصالحين (٦٠٩) .
(٢) روضة الطالبين ٦ / ٣٥٨، وكشاف القناع ٣ / ١٠١، والمغني لابن قدامة ٦ / ٤١٠، ونيل الأوطار للشوكاني ٨ / ٧٣.
وَذَكَرَ أَحْمَدُ الْفَيْءَ فَقَال: فِيهِ حَقٌّ لِكُل الْمُسْلِمِينَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَقَال عُمَرُ ﵁: " فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إلاَّ لَهُ فِي هَذَا الْمَال حَقٌّ (١) .
وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى أَنَّ مَال الْفَيْءِ مَوْقُوفٌ عَلَى اجْتِهَادِ الأَْئِمَّةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَهْل الْفَيْءِ هُمْ أَهْل الْجِهَادِ وَمَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِهِمْ، لأَِنَّ ذَلِكَ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ لِحُصُول النُّصْرَةِ وَالْمَصْلَحَةِ بِهِ، فَلَمَّا مَاتَ صَارَتْ بِالْخَيْل وَالْجُنْدِ وَمَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَيَكُونُ لَهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، لأَِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الأَْئِمَّةِ فِي الْمَال الْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ، أَنَّهُ يَكُونُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً أَنَّ الإِْمَامَ إنَّمَا أَشْرَكَ قَوْمَهُ فِي الْمَال الْمَبْعُوثِ إلَيْهِ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ لأَِنَّ هَيْبَتَهُ بِسَبَبِ قَوْمِهِ، فَكَانَتْ شَرِكَةً بَيْنَهُمْ، وَأَمَّا هَيْبَةُ الرَّسُول ﷺ فَكَانَتْ بِمَا نُصِرَ مِنَ الرُّعْبِ لاَ بِأَصْحَابِهِ، كَمَا قَال ﵊ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ (٢) لِذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ لِنَفْسِهِ (٣) .
_________
(١) أثر عمر: " فلم يبقَ أحد من المسلمين. . . ". تقدم ف١١.
(٢) حديث: " نصرت بالرعب مسيرة شهر ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٤٣٦) ومسلم (١ / ٣٧٠) من حديث جابر واللفظ للبخاري.
(٣) بدائع الصنائع ٧ / ١١٦، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٩٠، وروضة الطالبين ٦ / ٣٥٤، والمغني لابن قدامة ٦ / ٤١٤، ٤٨٥، وكشاف القناع ٣ / ١٠٠ - ١٠١، والقوانين الفقهية ص١٠١، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص١٣٦.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (بَيْتُ الْمَال ف ١٢ - ١٣ - ١٤) .
١٥ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْفَيْءِ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ يُصْرَفُ بَعْدَهُ ﷺ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي:
أ - خُمُسُ خُمُسِ الْفَيْءِ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَسَدِّ الثُّغُورِ وَعِمَارَةِ الْحُصُونِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالأَْئِمَّةِ وَيُقَدَّمُ الأَْهَمُّ فَالأَْهَمُّ.
ب - أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ تُصْرَفُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ لِلْمُرْتَزِقَةِ الْمُرْصَدَيْنِ لِلْجِهَادِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي أَنَّهَا لِلْمَصَالِحِ وَالثَّالِثُ أَنَّهَا تُقْسَمُ كَمَا يُقْسَمُ الْخُمُسُ (١) .
ثَانِيًا: الْفَيْءُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي:
١٦ - وَأَمَّا الْفَيْءُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَهُوَ رُجُوعُ الزَّوْجِ إلَى جِمَاعِ زَوْجَتِهِ الَّذِي مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْهُ بِالْيَمِينِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ أَوِ الْوَعْدِ بِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ، فَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَيْءِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) هُوَ الْجِمَاعُ، وَسُمِّيَ الْجِمَاعُ مِنَ
_________
(١) روضة الطالبين ٦ / ٣٥٥ - ٣٥٦.
(٢) سورة البقرة / ٢٢٦ - ٢٢٧.
الْمُولِي فَيْئَةً، لأَِنَّهُ رَجَعَ إلَى فِعْل مَا تَرَكَهُ.
وَقَدْ حَدَّدَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ ذَلِكَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ وَطِئَ قَبْل انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ انْحَل الإِْيلاَءُ وَلَزِمَهُ جَزَاءُ يَمِينِهِ، فَإِنْ كَانَتْ بِاَللَّهِ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ طَلاَقًا وَقَعَ، وَإِنْ كَانَ عِتْقًا لَزِمَهُ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إيلاَءٌ ف ٢٠ وَمَا بَعْدَهَا) .
فَيْئَةٌ
اُنْظُرْ: إيلاَءٌ
فِيلٌ
اُنْظُرْ: أَطْعِمَةٌ
_________
(١) بدائع الصنائع ٣ / ١٦١، ١٦٢، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٧٩، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٩٨.
قَائِدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْقَائِدُ فِي اللُّغَةِ: نَقِيضُ السَّائِقِ، وَقَادَ الرَّجُل الْفَرَسَ قَوْدًا مِنْ بَابِ قَال، وَقِيَادًا بِالْكَسْرِ وَقِيَادَةً، وَالْقَوْدُ: أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ أَمَامَ الدَّابَّةِ آخِذًا بِقِيَادِهَا أَوْ مِقْوَدِهَا، وَيُقَال: قَادَ الْجَيْشَ أَيْ: رَأْسَهُ وَدَبَّرَ أَمْرَهُ، وَالْقَائِدُ: مَنْ يَقُودُ الْجَيْشَ، وَجَمْعُهُ: قَادَةٌ وَقُوَّادٌ، وَالْمَصْدَرُ الْقِيَادَةُ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
السَّائِقُ:
٢ - السَّوْقُ فِي اللُّغَةِ: أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ خَلْفَ الدَّابَّةِ، يُقَال: سُقْتُ الدَّابَّةَ أَسُوقُهَا سَوْقًا، وَسَوْقُ الإِْبِل: جَلْبُهَا وَطَرْدُهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: سَاقَ الصَّدَاقَ إلَى امْرَأَتِهِ أَيْ حَمَلَهُ إلَيْهَا.
_________
(١) لسان العرب، المصباح المنير، المعجم الوسيط.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى فِي التَّنْزِيل: ﴿وَجَاءَتْ كُل نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ (١)، وَالْجَمْعُ سَاقَةٌ (٢) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْقَائِدِ وَالسَّائِقِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَوَجَّهُ بِالشَّيْءِ إلَى الأَْمَامِ، إلاَّ أَنَّ الْقَائِدَ يَكُونُ فِي الأَْمَامِ وَالسَّائِقَ فِي الْخَلْفِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقَائِدِ:
أَوَّلًا: قَائِدُ الْجَيْشِ:
أ - حُكْمُ تَوْلِيَتِهِ وَصِفَاتُهُ:
٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى الْجَيْشِ قَائِدًا، وَأَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَائِدُ رَجُلًا ثِقَةً فِي دِينِهِ، مُعَافًى فِي بَدَنِهِ شُجَاعًا فِي نَفْسِهِ يَثْبُتُ عِنْدَ الْهَرَبِ، وَيَتَقَدَّمُ عِنْدَ الطَّلَبِ، حَسَنَ الإِْنَابَةِ، ذَا رَأْيٍ فِي السِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ، لِيَسُوسَ الْجَيْشَ عَلَى اتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ فِي الطَّاعَةِ، وَتَدْبِيرِ الْحَرْبِ فِي انْتِهَازِ الْفُرَصِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الْجِهَادِ، وَمَكَائِدِ الْحَرْبِ، وَإِدَارَةِ الْمَعَارِكِ، وَأَنْ يَكُونَ عَادِلًا فِي تَعَامُلِهِ مَعَ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْجَيْشِ، لاَ يُمَالِئُ مَنْ نَاسَبَهُ، أَوْ وَافَقَ رَأْيَهُ أَوْ مَذْهَبَهُ عَلَى مَنْ بَايَنَهُ فِي نَسَبٍ، أَوْ خَالَفَهُ فِي رَأْيٍ، أَوْ مَذْهَبٍ، فَيَظْهَرُ مِنْ أَحْوَال الْمُبَايَنَةِ
_________
(١) سورة ق / ٢١.
(٢) لسان العرب، المصباح المنير، المفردات في غريب القرآن، المغرب في ترتيب المعرب، والمعجم الوسيط.