الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 44

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

وَالْحُدَيَّا. (١)

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى اسْتِحْبَابِ قَتْلِهَا، لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، لَكِنَّ الْحَنَابِلَةَ اسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الْكَلْبَ الْعَقُورَ وَقَالُوا بِوُجُوبِ قَتْلِهِ وَلَوْ كَانَ مُعَلَّمًا، لِيُدْفَعَ شَرُّهُ عَنِ النَّاسِ.

وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ تُقْتَل كَلْبَةٌ عَقَرَتْ مَنْ قَرُبَ مِنْ وَلَدِهَا أَوْ خَرَقَتْ ثَوْبَهُ، لأَِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَادَةً لَهَا، بَل تُنْقَل بَعِيدًا عَنْ مُرُورِ النَّاسِ دَفْعًا لِشَرِّهَا. كَمَا نَصُّوا عَلَى قَتْل الْكَلْبِ الأَْسْوَدِ الْبَهِيمِ وَلَوْ كَانَ مُعَلَّمًا، لأَمْرِهِ ﷺ بِقَتْلِهِ (٢) وَلاَ يُبَاحُ قَتْل غَيْرِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالأَْسْوَدِ الْبَهِيمِ مِنَ الْكِلاَبِ.

وَخَصَّ الشَّافِعِيَّةُ سُنِّيَّةَ قَتْل الْكَلْبِ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ أَمَّا غَيْرُ الْعَقُورِ فَلاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلاَ فَرْقَ فِي تِلْكَ الأَْحْكَامِ بَيْنَ الْحِل وَالْحَرَمِ وَالْمُحْرِمِ، وَغَيْرِ الْمُحْرِمِ.

وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ جَزَاءَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ. (٣)

_________

(١) حديث: " خمس فواسق يقتلن. . . " تقدم تخريجه ف٢.

(٢) حديث " أمره ﷺ بقتل الكلب الأسود. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٢٠٠) من حديث جابر.

(٣) فتح القدير ٢ / ٢٦٦، حاشية الدسوقي ٢ / ٧٤، الخرشي على خليل ٢ / ٣٦٦، حاشية الجمل على شرح المنهج ٢ / ٥١٢، كشاف القناع ٢ / ٤٣٩، ٦ / ٢٢٣، الإنصاف ٣ / ٤٨٨.

قَتْل الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الصَّلاَةِ:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ قَتْل الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الصَّلاَةِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اُقْتُلُوا الأَْسْوَدَيْنِ فِي الصَّلاَةِ: الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ، (١) قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ الْحَنَفِيُّ: الْحَدِيثُ بِإِطْلاَقِهِ يَشْمَل مَا إذَا احْتَاجَ إلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي ذَلِكَ أَوْ قَلِيلٍ، وَقِيل: بَل إذَا كَانَ قَلِيلًا. وَخَصَّ الْمَالِكِيَّةُ الْجَوَازَ فِي حَال مَا إذَا كَانَ الْعَقْرَبُ أَوِ الثُّعْبَانُ مُقْبِلَةً عَلَيْهِ، وَكَرِهُوا قَتْلَهَا فِي حَال عَدَمِ إقْبَالِهَا.

وَصَرَّحَ الدَّرْدِيرُ الْمَالِكِيُّ بِأَنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَبْطُل بِانْحِطَاطِهِ لأَِخْذِ حَجَرٍ يَرْمِيهَا بِهِ أَوْ لِقَتْلِهَا، لَكِنْ نَقَل الدُّسُوقِيُّ عَنِ الْحَطَّابِ أَنَّ الاِنْحِطَاطَ مِنْ قِيَامٍ لأَِخْذِ حَجَرٍ أَوْ قَوْسٍ مِنَ الْفِعْل الْكَثِيرِ الْمُبْطِل لِلصَّلاَةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ لِقَتْل عَقْرَبٍ لَمْ تَرُدَّهُ أَوْ لِطَائِرٍ أَوْ صَيْدٍ.

وَنَصُّوا عَلَى كَرَاهَةِ قَتْل غَيْرِ الْعَقْرَبِ وَالثُّعْبَانِ مِنْ طَيْرٍ أَوْ دُودَةٍ أَوْ نَحْلَةٍ مُطْلَقًا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ أَمْ لاَ.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى عَدَمِ بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ عِنْدَ قَتْل الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِيهَا إذَا كَانَ الْعَمَل

_________

(١) حديث: " اقتلوا الأسودين في الصلاة. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٥٦٦) والترمذي (٢ / ٢٣٤) من حديث أبي هريرة واللفظ لأبي داود وقال الترمذي: حسن صحيح.

قَلِيلًا، وَبُطْلاَنِهَا إنْ كَانَ كَثِيرًا، وَالْمَرْجِعُ فِي ضَابِطِ الْعَمَل الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ الْعَادَةُ، فَمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ قَلِيلًا لاَ يَضُرُّ، وَمَا يَعُدُّونَهُ كَثِيرًا يَضُرُّ، قَال النَّوَوِيُّ: قَال أَصْحَابُنَا: عَلَى هَذَا الْفَعْلَةُ الْوَاحِدَةُ كَالْخُطْوَةِ وَالضَّرْبَةِ قَلِيلٌ بِلاَ خِلاَفٍ، وَالثَّلاَثُ كَثِيرٌ بِلاَ خِلاَفٍ، وَفِي الاِثْنَيْنِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا قَلِيلٌ، وَاتَّفَقَ الأَْصْحَابُ عَلَى أَنَّ الْكَثِيرَ إنَّمَا يُبْطِل إذَا تَوَالَى، فَإِنْ تَفَرَّقَ لَمْ يَضُرَّ. (١)

_________

(١) فتح القدير ١ / ٢٩٦، حاشية الدسوقي ١ / ٢٨٤، المجموع للنووي ٤ / ٩٣، ٩٤، كشاف القناع ١ / ٣٧٦، مطالب أولي النهى ١ / ٤٨٤.

فَوْرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْفَوْرُ: مَصْدَرٌ لِلْفِعْل: فَارَ يَفُورُ فَوَرَانًا، يُقَال: فَارَتِ الْقِدْرُ تَفُورُ فَوَرَانًا، إذَا غَلَتْ، وَجَاشَتْ، وَفَارَ الْمَاءُ: نَبَعَ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي تَأْتِي أَوَّل الْوَقْتِ بِلاَ تَأْخِيرٍ. (١)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ وُجُوبُ أَدَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي أَوَّل أَوْقَاتِ الإِْمْكَانِ بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ الذَّمُّ بِالتَّأْخِيرِ عَنْهُ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

التَّرَاخِي:

٢ - التَّرَاخِي فِي اللُّغَةِ: التَّقَاعُدُ عَنِ الشَّيْءِ وَالتَّقَاعُسُ عَنْهُ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ كَوْنُ الأَْدَاءِ مُتَأَخِّرًا عَنْ أَوَّل وَقْتِ الإِْمْكَانِ إلَى مَظِنَّةِ الْفَوْتِ. (٣)

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي الضِّدِّيَّةُ.

_________

(١) لسان العرب، وتاج العروس.

(٢) التعريفات للجرجاني.

(٣) لسان العرب، والقاموس المحيط، والمصباح المنير، وكشاف اصطلاحات الفنون ٣ / ٥٩٤.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْفَوْرِ:

دَلاَلَةُ الأَْمْرِ عَلَى الْفَوْرِ:

٣ - بَحَثَ عُلَمَاءُ الأُْصُول فِي مَبْحَثِ الأَْمْرِ مُقْتَضَى الأَْمْرِ هَل صِيغَةُ الأَْمْرِ " افْعَل " وَمَا بِمَعْنَاهَا تَقْتَضِي الْفَوْرَ أَوِ التَّرَاخِيَ؟ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إنْ صَرَّحَ الآْمِرُ فِيهِ بِفِعْل الْمَأْمُورِ بِهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ الْمَأْمُورُ، أَوْ قَال: لَك التَّأْخِيرُ، فَهُوَ لِلتَّرَاخِي، وَإِنْ صَرَّحَ فِيهِ بِالتَّعْجِيل فَهُوَ لِلْفَوْرِ، وَإِنْ أَمَرَ مُطْلَقًا، أَيْ كَانَ مُجَرَّدًا عَنْ دَلاَلَةِ التَّعْجِيل أَوِ التَّأْخِيرِ وَجَبَ الْعَزْمُ عَلَى الْفَوْرِ عَلَى الْفِعْل قَطْعًا، وَهَل يَقْتَضِي الأَْمْرُ الْمُطْلَقُ الْفِعْل عَلَى الْفَوْرِ أَوْ يَجُوزُ التَّرَاخِي فِيهِ؟

اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَال قَائِلُونَ: هُوَ عَلَى التَّرَاخِي، وَلَهُ تَأْخِيرُهُ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي يَخْشَى فَوَاتَهُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْهُ. وَقَال آخَرُونَ: هُوَ عَلَى الْفَوْرِ، يَلْزَمُ عَلَى الْمَأْمُورِ فِعْلُهُ فِي أَوَّل أَحْوَال الإِْمْكَانِ. وَقَال قَوْمٌ: بِالْوَقْفِ. (١)

وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

الْفَوْرُ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ:

٤ - بِنَاءً عَلَى الاِخْتِلاَفِ فِي مُقْتَضَى دَلاَلَةِ الأَْمْرِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ أَدَاءِ بَعْضِ الْعِبَادَاتِ عَلَى

_________

(١) الفصول في الأصول ٢ / ١٥٣، والبحر المحيط ٢ / ٣٩٦، والمستصفى للغزالي ٢ / ٩.

الْفَوْرِ، أَوْ جَوَازِ تَأْخِيرِهَا إلَى وَقْتٍ يَخْشَى فَوَاتَهَا بِالتَّأْخِيرِ، وَمِنْ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ:

أ - الْحَجُّ:

٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ أَدَاءِ الْحَجِّ فِي أَوَّل أَحْوَال الإِْمْكَانِ، وَجَوَازِ التَّرَاخِي فِي أَدَائِهِ بَعْدَ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُخْتَارِ عِنْدَهُمْ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَدَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَلاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ أَوَّل أَوْقَاتِ الإِْمْكَانِ، وَهِيَ السَّنَةُ الأُْولَى عِنْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَيَأْثَمُ الْمُكَلَّفُ بِالتَّأْخِيرِ، وَيُفَسَّقُ بِهِ، وَتُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ إنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ: إنَّهُ يَجِبُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا مِنْ حَيْثُ الأَْدَاءُ، إنْ عَزَمَ عَلَى فِعْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَل، وَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ فَوْرًا، إلاَّ فِي حَالاَتٍ: كَأَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ فِي أَوَّل أَحْوَال الإِْمْكَانِ، أَوْ خَافَ مِنْ غَصْبٍ أَوْ تَلَفِ مَالٍ، أَوْ قَضَاءِ عَارِضٍ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَيْ (حَجٌّ ف ٥ وَأَمْرٌ ف ٧) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ١١٩، وابن عابدين ٢ / ١٤٠، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢، والمغني ٣ / ٢٤١ وما بعدها.

(٢) نهاية المحتاج ٣ / ٢٣٥، والأم للشافعي ٢ / ١١٧ - ١١٨، والمصادر السابقة.

ب - أَدَاءِ الزَّكَاةِ عَلَى الْفَوْرِ:

٦ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ إلَى أَنَّ أَدَاءَ الزَّكَاةِ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ، حِينَ التَّمَكُّنِ مِنْ أَدَائِهَا، وَيَأْثَمُ الْمُكَلَّفُ بِتَأْخِيرِهَا بَعْدَ التَّمَكُّنِ، حَتَّى عِنْدَ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الأَْمْرَ الْمُطْلَقَ لاَ يَقْتَضِي الْفَوْرَ وَلاَ التَّرَاخِيَ، بَل مُجَرَّدَ طَلَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ، لأَِنَّ الأَْمْرَ بِالصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ مَعَهُ قَرِينَةُ إرَادَةِ الْفَوْرِ مِنْهُ، وَلأَِنَّهُ حَقٌّ لَزِمَ الْمُزَكِّيَ وَقَدَرَ عَلَى أَدَائِهِ، وَدَلَّتِ الْقَرِينَةُ عَلَى طَلَبِهِ، وَهِيَ حَاجَةُ الأَْصْنَافِ، وَهِيَ مُعَجَّلَةٌ، فَمَتَى لَمْ تَجِبْ عَلَى الْفَوْرِ لَمْ يَحْصُل الْمَقْصُودُ مِنَ الإِْيجَابِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ.

وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ عُلَمَائِهِمْ: أَنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي وَأَنِ افْتِرَاضَهَا عُمْرِيٌّ، لِمَا قُلْنَا: مِنْ أَنَّ مُطْلَقَ الأَْمْرِ لاَ يَقْتَضِي الْفَوْرَ فَيَجُوزُ لِلْمُكَلَّفِ تَأْخِيرُهُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) . (ر: زَكَاةٌ ف ١٢٥) .

ج - وُجُوبُ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ بِدُخُول الْوَقْتِ:

٧ - أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الصَّلَوَاتِ

_________

(١) فتح القدير ٢ / ١١٤ ط دار إحياء التراث العربي بيروت، ونهاية المحتاج ٣ / ١٣٥ ط شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، والمغني ٢ / ٥١٠، والإنصاف ٣ / ١٨٦.

الْخَمْسَ مُؤَقَّتَةٌ بِمَوَاقِيتَ مَعْلُومَةٍ، لاَ تَصِحُّ قَبْلَهَا، وَيَفُوتُ أَدَاؤُهَا بِخُرُوجِهَا، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِهَا أَوَّل أَوْقَاتِهَا فِي حَقِّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْل الْوُجُوبِ عِنْدَ دُخُول الْوَقْتِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهَا تَجِبُ فِي أَوَّل الْوَقْتِ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْل الْوُجُوبِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا بِشَرْطِ أَنْ يَعْزِمَ فِي أَوَّل الْوَقْتِ عَلَى فِعْلِهَا فِيهِ، أَيْ إنَّ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يُؤَخِّرَهَا إلَى أَنْ يَبْقَى مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ لأَِدَائِهَا فَقَطْ، فَيَجِبُ حِينَئِذٍ أَدَاؤُهَا فَوْرًا وَيَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهَا، وَلاَ يَأْثَمُ مَا بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُهَا وَإِنْ مَاتَ فِيهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (١) وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ، وَلأَِنَّ دُخُول الْوَقْتِ سَبَبُ الْوُجُوبِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ حِينَ وُجُودِهِ، وَلأَِنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهَا نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ، فَلَوْ لَمْ تَجِبْ لَصَحَّتْ بِدُونِ نِيَّةِ الْوَاجِبِ كَالنَّافِلَةِ، وَتُفَارِقُ النَّافِلَةَ فَإِنَّهَا لاَ يُشْتَرَطُ لَهَا ذَلِكَ، وَيَجُوزُ تَرْكُهَا غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى فِعْلِهَا، وَهَذِهِ إنَّمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا مَعَ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهَا، كَمَا تُؤَخَّرُ صَلاَةُ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ مُزْدَلِفَةَ عَنْ وَقْتِهَا، وَكَمَا تُؤَخَّرُ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ عَنْ وَقْتِهَا إذَا كَانَ مُشْتَغِلًا بِتَحْصِيل شُرُوطِهَا (٢) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ تَجِبُ الصَّلاَةُ فَوْرَ دُخُول

_________

(١) سورة الإسراء / ٧٨.

(٢) المغني ١ / ٣٧٣، ونهاية المحتاج ١ / ٣٥٨ - ٣٧٤.

أَوَّل الْوَقْتِ عَلَى التَّعْيِينِ، إنَّمَا تَجِبُ فِي جُزْءٍ مِنَ الْوَقْتِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا التَّعْيِينُ إلَى الْمُصَلِّي مِنْ حَيْثُ الْفِعْل، حَتَّى إنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي أَوَّل الْوَقْتِ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَذَا فِي أَوْسَطِهِ، أَوْ آخِرِهِ، وَمَتَى لَمْ يُعَيِّنْ بِالْفِعْل حَتَّى بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يُصَلِّي فِيهِ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْيِينُ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلأَْدَاءِ فِعْلًا، حَتَّى يَأْثَمُ بِتَرْكِ التَّعْيِينِ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَتَعَيَّنُ الأَْدَاءُ بِنَفْسِهِ (١)

اُنْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَدَاءٌ ف ٧) .

د - قَضَاءُ النُّسُكِ عَلَى الْفَوْرِ:

٨ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إلَى أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ نُسُكَهُ بَعْدَ الإِْحْرَامِ بِهِ وَجَبَ قَضَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ، لِقَوْل جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ، بِأَنْ يَأْتِيَ بِالْعُمْرَةِ عَقِيبَ التَّحَلُّل مِنَ النُّسُكِ الْفَاسِدِ، وَبِالْحَجِّ فِي سَنَتِهِ إنْ أَمْكَنَهُ، بِأَنْ يَحْصُرَهُ الْعَدُوُّ بَعْدَ الإِْفْسَادِ فَيَتَحَلَّل، ثُمَّ يَزُول الإِْحْصَارُ، أَوْ يَتَحَلَّل كَذَلِكَ لِمَرَضٍ شُرِطَ التَّحَلُّل بِهِ، ثُمَّ شُفِيَ وَالْوَقْتُ بَاقٍ فَيَشْتَغِل بِالْقَضَاءِ، وَتَسْمِيَةُ مَا ذُكِرَ بِالْقَضَاءِ مَعَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي وَقْتِهِ، وَهُوَ الْعُمُرُ لاَ يُشْكِل عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ وَقْتَهُ الْعُمُرُ، لأَِنَّ الْقَضَاءَ هُنَا بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَتَى بِهِ مِنْ قَابِلٍ وُجُوبًا، لأَِنَّهُ بِالإِْحْرَامِ

_________

(١) بدائع الصنائع ١ / ٩٥، وفتح القدير ١ / ١٩١.

بِالأَْدَاءِ تَضَيَّقَ وَقْتُهُ.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ (١) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إحْرَامٌ ف ١٨٥) .

هـ - الْفَوْرُ فِي قَضَاءِ الصَّوْمِ:

٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ يَكُونُ عَلَى التَّرَاخِي، وَقَيَّدُوهُ بِمَا إذَا لَمْ يَفُتْ وَقْتُ قَضَائِهِ، بِأَنْ يُهِل رَمَضَانُ آخَرُ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ قَضَاءُ الصَّوْمِ عَلَى الْفَوْرِ، فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: يَوْمُ الشَّكِّ إنْ بَانَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْمُتَعَدِّي بِالْفِطْرِ، وَالْمُرْتَدُّ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى الإِْسْلاَمِ، وَتَارِكُ النِّيَّةِ لَيْلًا عَمْدًا (٢) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَوْمٌ ف ٨٦) .

و قَضَاءُ الصَّلاَةِ فَوْرًا:

١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ قَضَاءَ الصَّلاَةِ الْفَائِتَةِ يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ وَلاَ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا مَعَ الْقُدْرَةِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ بِعُذْرٍ كَنَوْمٍ، وَنِسْيَانٍ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا فَوْرًا، وَلَكِنْ يُسَنُّ لَهُ الْمُبَادَرَةُ بِقَضَائِهَا، أَمَّا إذَا

_________

(١) نهاية المحتاج ٣ / ٣٣١، والقليوبي ٢ / ١٣٦، والدسوقي ٦ / ٦٩، ومطالب أولي النهى ١ / ٩٤٣.

(٢) حاشية القليوبي ٢ / ٦٤، ونهاية المحتاج ٣ / ٢١١.