الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 43

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَنْقَلِبُ إحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ. (١)

وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِالآْثَارِ الْوَارِدَةِ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَفِيهَا قَوْلُهُمْ: اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ، وَيَذْكُرُونَ الأَْعْمَال: الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَالْحِلاَقِ، وَلَمْ يُسَمُّوهَا عُمْرَةً.

وَبِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لاَ بِالْعُمْرَةِ حَقِيقَةً، وَاعْتِبَارُ الْحَقِيقَةِ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، فَالْقَوْل بِانْقِلاَبِ إحْرَامِ الْحَجِّ إحْرَامَ عُمْرَةٍ تَغْيِيرٌ لِلْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، أَوْ كَمَا قَال الرَّمْلِيُّ (٢): لأَِنَّ إحْرَامَهُ انْعَقَدَ بِنُسُكٍ فَلاَ يَنْصَرِفُ لآِخَرَ، كَعَكْسِهِ أَيْ كَمَا لاَ يَنْصَرِفُ إحْرَامُ الْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ.

كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ فَائِتَ الْحَجِّ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْل مَكَّةَ يَتَحَلَّل بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْحِلاَقِ كَمَا يَتَحَلَّل أَهْل الآْفَاقِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إلَى الْحِل، وَلَوِ انْقَلَبَ إحْرَامُهُ إحْرَامَ عُمْرَةٍ وَصَارَ مُعْتَمِرًا لَلَزِمَهُ الْخُرُوجُ إلَى الْحِل، وَهُوَ التَّنْعِيمُ أَوْ غَيْرُهُ، وَالْحَال أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِانْقِلاَبِ إحْرَامِ فَائِتِ الْحَجِّ إلَى عُمْرَةٍ.

وَكَذَلِكَ فَائِتُ الْحَجِّ إذَا جَامَعَ قَبْل أَفْعَال الْعُمْرَةِ لِلتَّحَلُّل لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْعُمْرَةِ، وَلَوْ كَانَ عُمْرَةً لَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا كَالْعُمْرَةِ

_________

(١) البدائع ٢ / ٢٢٠، والمسلك المتقسط ص٢٨٤، ورد المحتار ٢ / ٢٥٩.

(٢) نهاية المحتاج ٢ / ٤٨٠.

الْمُبْتَدَأَةِ. (١)

وَبِأَنَّ هَذِهِ الأَْفْعَال فِي الْحَقِيقَةِ تَحَلُّلٌ لاَ عُمْرَةٌ بِدَلِيل عَدَمِ تَجْدِيدِ إحْرَامٍ لَهَا. (٢)

وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ وَمَنْ مَعَهُمْ عَلَى أَنَّ إحْرَامَ فَائِتِ الْحَجِّ يَنْقَلِبُ عُمْرَةً بِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيِّ السَّابِقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، وَفِيهِ " فَلْيُحِل بِعُمْرَةٍ ". (٣)

وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ فَسْخُ إحْرَامِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ مِنْ غَيْرِ فَوَاتٍ، فَمَعَ الْفَوَاتِ أَوْلَى (٤) .

أَحْكَامُ التَّحَلُّل لِمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ:

١٣ - لاَ تَحْتَاجُ أَعْمَال التَّحَلُّل لِفَائِتِ الْحَجِّ إلَى إحْرَامٍ جَدِيدٍ بِالْعُمْرَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لأَِنَّ إحْرَامَهُ بِالْحَجِّ بَاقٍ، لَكِنْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ التَّحَلُّل، فَيَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ بِنِيَّةِ التَّحَلُّل، (٥) وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ.

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقِيَاسُ مَذْهَبِهِمْ أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ يُوجِبُ عَلَى فَائِتِ الْحَجِّ أَنْ يَنْوِيَ فَسْخَ حَجِّهِ إلَى عُمْرَةٍ. وَلِلتَّفْصِيل (ر: إحْرَامٌ ف ١٢٧) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٢٠.

(٢) الدسوقي ٢ / ٩٦.

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٢٢٠، وحديث: " فليحل بعمرة. . . " سبق تخريجه ف٩.

(٤) المغني ٣ / ٥٢٧.

(٥) الدسوقي ٢ / ٩٥، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٨٠.

١٤ - وَتَخْتَلِفُ كَيْفِيَّةُ تَحَلُّل مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِاخْتِلاَفِ إحْرَامِهِ: إفْرَادًا كَانَ أَوْ تَمَتُّعًا أَوْ قِرَانًا.

فَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا وَفَاتَهُ الْحَجُّ يَتَحَلَّل بِأَفْعَال الْعُمْرَةِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ.

وَالْمُتَمَتِّعُ إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَتَحَلَّل مِنْ إحْرَامِهِ كَتَحَلُّل الْمُفْرِدِ أَيْضًا، وَيَبْطُل تَمَتُّعُهُ، لأَِنَّ شَرْطَ التَّمَتُّعِ وُجُودُ الْحَجِّ فِي سَنَةِ عُمْرَتِهِ وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُ التَّمَتُّعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ حَتَّى إنْ كَانَ سَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ لِتَمَتُّعِهِ يَفْعَل بِهِ مَا يَشَاءُ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لاَ يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ التَّمَتُّعِ (١)

وَإِنْ كَانَ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ قَارِنًا فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ يَتَحَلَّل كَمَا يَتَحَلَّل الْمُفْرِدُ، لاِنْدِمَاجِ أَفْعَال الْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ، وَتَفُوتُ الْعُمْرَةُ بِفَوَاتِ الْحَجِّ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ الْحُكْمِ بِأَنَّ الْعُمْرَةَ لاَ تَفُوتُ، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ بَل يَلْزَمُهُ إضَافَةً إلَى هَدْيِ التَّحَلُّل عِنْدَهُمْ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ.

وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ فِي التَّحَلُّل فَقَالُوا: كُل مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ وَفَاتَهُ الْحَجُّ يُؤْمَرُ لأَِجْل التَّحَلُّل أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْحِل ثُمَّ يَقُومُ بِأَفْعَال الْعُمْرَةِ وَيَتَحَلَّل، وَذَلِكَ لِيَجْمَعَ فِي

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٩٥، ١٩٦، والفواكه الدواني ١ / ٤٣٤ والمجموع ٨ / ٢٢٢، والمغني ٣ / ٤٠١.

إحْرَامِهِ لِتَحَلُّلِهِ بَيْنَ الْحِل وَالْحَرَمِ، وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَل مَكَّةَ مُعْتَمِرًا ثُمَّ أَرْدَفَ الإِْحْرَامَ بِالْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي مَكَّةَ وَفَاته الْحَجُّ يَخْرُجُ إلَى الْحِل وَيَعْمَل أَفْعَال الْعُمْرَةِ وَيَتَحَلَّل. (١)

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ قَدْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ وَيَسْعَى لَهَا، ثُمَّ يَطُوفُ طَوَافًا آخَرَ لِفَوَاتِ الْحَجِّ وَيَسْعَى لَهُ ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، وَسَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ حَجَّةٍ لاَ غَيْرُ، لِفَرَاغِ ذِمَّتِهِ مِنْ إحْرَامِ عُمْرَتِهِ.

وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَارِنَ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَعَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ طَوَافٌ وَسَعْيٌ لِعُمْرَتِهِ، وَطَوَافٌ وَسَعْيٌ لِحَجِّهِ، وَالْعُمْرَةُ لاَ تَفُوتُ، لأَِنَّ جَمِيعَ الأَْوْقَاتِ وَقْتُهَا، فَيَأْتِي بِهَا، وَأَمَّا الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ لِلْحَجِّ فَلأَِنَّ الْحَجَّةَ قَدْ فَاتَتْهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا وَفَائِتُ الْحَجِّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ لاَ يَتَحَلَّل إلاَّ بِأَفْعَال الْعُمْرَةِ، فَيَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ.

وَأَمَّا سُقُوطُ دَمِ الْقِرَانِ فَإِنَّ الْقِرَانَ يَجِبُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا الْجَمْعُ فَلاَ يَجِبُ الدَّمُ. (٢)

قَضَاءُ الْفَوَائِتِ فِي الْعِبَادَاتِ:

١٤ - يَتَرَتَّبُ عَلَى فَوَاتِ الْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ حُكْمَانِ: -

_________

(١) الدسوقي ٢ / ٩٤، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٨٠، والمغني ٣ / ٣٩٨، ٤٠٠.

(٢) البدائع ٢ / ٢٢١.

أَوَّلُهُمَا: ارْتِكَابُ الإِْثْمِ فِي تَفْوِيتِ الْوَاجِبِ إذَا كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ.

ثَانِيهِمَا: تَعَلُّقُ الْوَاجِبِ بِالذِّمَّةِ وَوُجُوبُ قَضَائِهِ فَيَجِبُ قَضَاءُ الْوَاجِبِ الْفَائِتِ سَوَاءٌ كَانَ تَرْكُهُ خَطَأً أَوْ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ بِاتِّفَاقٍ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أَدَاءٌ ف ١٩) (وَقَضَاءُ الْفَوَائِتِ)

١٥ - أَمَّا النَّفَل، سَوَاءٌ مِنْهُ الْمُطْلَقُ أَوِ الْمُتَرَتِّبُ بِسَبَبٍ أَوْ وَقْتٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَضَائِهِ إذَا فَاتَ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: لاَ يُقْضَى شَيْءٌ مِنَ السُّنَنِ سِوَى سُنَّةِ الْفَجْرِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: النَّوَافِل قِسْمَانِ:

أَحَدُهُمَا غَيْرُ مُؤَقَّتٍ، وَهَذَا إذَا فَاتَ لاَ يُقْضَى.

وَالثَّانِي: مُؤَقَّتٌ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ: الصَّحِيحُ مِنْهَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ. (١)

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَقْوَالٌ، اخْتَارَ صَاحِبُ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ أَنَّهُ يُسَنُّ قَضَاءُ الرَّوَاتِبِ، إلاَّ مَا فَاتَ مَعَ فَرْضِهِ وَكَثُرَ فَالأَْوْلَى تَرْكُهُ، إلاَّ سُنَّةَ الْفَجْرِ فَيَقْضِيهَا مُطْلَقًا لِتَأَكُّدِهَا (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أَدَاءٌ ف ١٢٠) (وَقَضَاءُ الْفَوَائِتِ) .

_________

(١) المجموع ٤ / ٤١.

(٢) شرح منتهى الإرادات ١ / ٢٣٠.

فَوَاسِقُ

التَّعْرِيفُ:

١ - أَصْل الْفِسْقِ لُغَةً: الْخُرُوجُ عَنِ الأَْمْرِ، تَقُول الْعَرَبُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عَنْ قِشْرِهَا إذَا خَرَجَتْ.

وَقَدْ سَمَّى الشَّارِعُ بَعْضَ الْحَيَوَانَاتِ فَوَاسِقَ عَلَى سَبِيل الاِسْتِعَارَةِ امْتِهَانًا لَهُنَّ لِكَثْرَةِ خُبْثِهِنَّ وَأَذَاهُنَّ، وَهَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ هِيَ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْحَيَّةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ.

قَال الْخَطَّابِيُّ: أَصْل الْفِسْقِ الْخُرُوجُ عَنِ الاِسْتِقَامَةِ، وَالْجَوْرُ، وَبِهِ سُمِّيَ الْعَاصِي فَاسِقًا، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتُ فَوَاسِقَ عَلَى الاِسْتِعَارَةِ لِخُبْثِهِنَّ، وَقِيل: لِخُرُوجِهِنَّ عَنِ الْحُرْمَةِ فِي الْحِل وَالْحَرَمِ، أَيْ لاَ حُرْمَةَ لَهُنَّ بِحَالٍ. (١)

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة (فسق)، والمغرب ص٣٦٠.

(٢) فتح القدير ٢ / ٢٦٦.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَوَاسِقِ مِنْ أَحْكَامٍ:

الْفَوَاسِقُ مِنَ الدَّوَابِّ:

٢ - سَمَّى الشَّارِعُ بَعْضَ الدَّوَابِّ فَوَاسِقَ. وَذَلِكَ فِي قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: خَمْسُ فَوَاسِق يُقْتَلْنَ فِي الْحِل وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأَْبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ. وَالْحُدَيَّا. (١)

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْغُرَابَ مِنَ الْفَوَاسِقِ، لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ خَصُّوا ذَلِكَ بِالْغُرَابِ الَّذِي يَأْكُل الْجِيَفَ أَيِ النَّجَاسَاتِ مَعَ غَيْرِهَا، فَيَأْكُل الْحَبَّ تَارَةً وَالنَّجَاسَةَ أُخْرَى وَلَيْسَ مِنْهُ الْعَقْعَقُ، لأَِنَّهُ لاَ يُسَمَّى غُرَابًا، وَلاَ يَبْتَدِئُ بِالأَْذَى، وَكَذَا غُرَابُ الزَّرْعِ وَهُوَ الَّذِي يَأْكُل الزَّرْعَ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى عَدِّ الْغُرَابِ مِنَ الْفَوَاسِقِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ أَبْقَعَ وَهُوَ الَّذِي خَالَطَ سَوَادَهُ بَيَاضٌ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْغُرَابُ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا الأَْبْقَعُ وَهُوَ فَاسِقٌ مُحَرَّمٌ بِلاَ خِلاَفٍ، وَمِنْهَا الأَْسْوَدُ الْكَبِيرُ، وَيُقَال لَهُ: الْغُدَافُ الْكَبِيرُ. وَيُقَال: الْغُرَابُ الْجَبَلِيُّ، لأَِنَّهُ يَسْكُنُ الْجِبَال. وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الأَْصَحِّ، وَمِنْهَا: غُرَابُ الزَّرْعِ. وَهُوَ أَسْوَدُ صَغِيرٌ يُقَال لَهُ: الزَّاغُ، وَقَدْ يَكُونُ

_________

(١) حديث: " خمس فواسق يقتلن. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٣٥٥) ومسلم (٢ / ٨٥٦) من حديث عائشة واللفظ لمسلم.

مُحْمَرَّ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَهُوَ حَلاَلٌ عَلَى الأَْصَحِّ، وَمِنْهَا: غُرَابٌ آخَرُ صَغِيرٌ أَسْوَدُ، أَوْ رَمَادِيُّ اللَّوْنِ، وَقَدْ يُقَال لَهُ: الْغُدَافُ الصَّغِيرُ، وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الأَْصَحِّ، وَكَذَا الْعَقْعَقُ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ مَا يُبَاحُ أَكْلُهُ مِنَ الْغِرْبَانِ لَيْسَ مِنَ الْفَوَاسِقِ، فَلاَ يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يُبَاحُ أَكْل الْعَقْعَقِ وَالْقَاقِ وَغُرَابِ الْبَيْنِ وَالْغُرَابِ الأَْبْقَعِ. (١) كَمَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحِدَأَةَ مِنَ الْفَوَاسِقِ. (٢)

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْعَقْرَبَ مِنَ الْفَوَاسِقِ، قَال الْخَرَشِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: وَيَلْحَقُ بِهَا الرُّتَيْلاَ، وَهِيَ دَابَّةٌ صَغِيرَةٌ سَوْدَاءُ رُبَّمَا قَتَلَتْ مَنْ لَدَغَتْهُ، وَالزُّنْبُورُ وَهُوَ ذَكَرُ النَّحْل. (٣)

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدِّ الْحَيَّةِ مِنَ الْفَوَاسِقِ.

قَال الْعَدَوِيُّ الْمَالِكِيُّ: وَيَدْخُل فِيهَا الأَْفْعَى، وَهِيَ حَيَّةٌ رَقْشَاءُ دَقِيقَةُ الْعُنُقِ (٤) .

_________

(١) فتح القدير ٢ / ٢٦٦، حاشية الدسوقي ٢ / ٧٤، الخرشي على خليل ٢ / ٣٦٦، روضة الطالبين ٣ / ٢٧٢، القليوبي وعميرة ٢ / ١٣٧، كشاف القناع ٢ / ٤٣٩، ٥ / ١٩٠.

(٢) فتح القدير ٢ / ٢٦٦، حاشية الدسوقي ٢ / ٧٤، نهاية المحتاج ٣ / ٣٣٣، كشاف القناع ٢ / ٤٣٩.

(٣) فتح القدير ٢ / ٢٦٦، حاشية ابن عابدين ٢ / ٢١٩، حاشية الدسوقي ٢ / ٧٤، الخرشي على خليل ٢ / ٣٦٦، حاشية القليوبي على المحلي ٢ / ١٣٧، كشاف القناع ٢ / ٤٣٩.

(٤) فتح القدير ٢ / ٢٦٦، ابن عابدين ٢ / ٢١٩، حاشية الدسوقي ٢ / ٧٤، العدوي على الخرشي ٢ / ٣٦٦، حاشية القليوبي ٢ / ١٣٧، كشاف القناع ٢ / ٤٣٩.

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْفَأْرَ مِنَ الْفَوَاسِقِ.

قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ فَرْقَ بَيْنَ الأَْهْلِيَّةِ وَالْوَحْشِيَّةِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الضَّبَّ وَالْيَرْبُوعَ لَيْسَا مِنَ الْفَوَاسِقِ، لأَِنَّهُمَا لاَ يَبْدَآنِ بِالأَْذَى.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: وَيَلْحَقُ بِالْفَأْرَةِ ابْنُ عُرْسٍ وَمَا يَقْرِضُ الثِّيَابَ مِنَ الدَّوَابِّ.

وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: الْفَأْرُ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا الْجُرَذُ، وَالْخُلْدُ، وَفَأْرَةُ الإِْبِل، وَفَأْرَةُ الْمِسْكِ، وَفَأْرَةُ الْغَيْطِ، وَحُكْمُهَا فِي تَحْرِيمِ الأَْكْل وَجَوَازِ الْقَتْل سَوَاءٌ (١) .

كَمَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ مِنَ الْفَوَاسِقِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَلْبِ غَيْرِ الْعَقُورِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْكَلْبَ غَيْرَ الْعَقُورِ لَيْسَ مِنَ الْفَوَاسِقِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ مِنْهَا. (٢)

٣ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَل يَلْحَقُ بِالْفَوَاسِقِ غَيْرُهَا مِنَ الدَّوَابِّ الَّتِي تُشَارِكُهَا فِي الْمَعْنَى أَمْ لاَ؟

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، إلَى

_________

(١) فتح القدير ٢ / ٢٦٧، ابن عابدين ٢ / ٢١٩، حاشية الدسوقي ٢ / ٧٤، الخرشي على خليل ٢ / ٣٦٦، نهاية المحتاج ٣ / ٣٣٣، كشاف القناع ٢ / ٤٣٩، فتح الباري ٤ / ٣٩

(٢) فتح القدير ٢ / ٢٦٧، ابن عابدين ٢ / ٢١٩، حاشية الدسوقي ٢ / ٧٢، الخرشي على خليل ٢ / ٣٦٦، نهاية المحتاج ٣ / ٣٣٣، حاشية الجمل ٢ / ٥٢٢، كشاف القناع ٢ / ٤٣٩، الإنصاف ٣ / ٤٨٨.

أَنَّهُ يَلْحَقُ بِالْفَوَاسِقِ غَيْرُهَا مِنَ الدَّوَابِّ الَّتِي تُشَارِكُهَا فِي الْمَعْنَى، فَأَلْحَقُوا بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ مَثَلًا: الذِّئْبَ وَالأَْسَدَ وَالنَّمِرَ وَالْفَهْدَ، وَقَال الْخَرَشِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ (بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ) هُوَ عَادِيُّ السِّبَاعِ مِنْ أَسَدٍ وَفَهْدٍ وَنَمِرٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي لَهَبِ بْنِ أَبِي لَهَبٍ: اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ. . . فَجَاءَ الأَْسَدُ فَانْتَزَعَهُ فَذَهَبَ بِهِ.

(١) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى عَدَمِ الإِْلْحَاقِ وَالاِقْتِصَارِ عَلَى الْخَمْسَةِ، إلاَّ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوا بِهَا الْحَيَّةَ وَالذِّئْبَ لِثُبُوتِ الْخَبَرِ.

قَال صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: الْقِيَاسُ عَلَى الْفَوَاسِقِ مُمْتَنِعٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَال الْعَدَدِ، وَاسْمُ الْكَلْبِ لاَ يَقَعُ عَلَى السَّبُعِ عُرْفًا (٢) .

قَتْل الْفَوَاسِقِ:

٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى جَوَازِ قَتْل الْفَوَاسِقِ مِنَ الدَّوَابِّ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الْحِل وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ وَالْغُرَابُ الأَْبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ

_________

(١) حديث: " اللهم سلط عليه كلبك. . . ". أخرجه الحاكم (٢ / ٥٣٩) من حديث أبي عقرب، وحسنه ابن حجر في فتح الباري (٤ / ٣٩) .

(٢) فتح القدير ٢ / ٢٦٨، الخرشي على خليل ٢ / ٣٦٦، نهاية المحتاج ٣ / ٣٣٣، القليوبي وعميرة ٢ / ١٣٧، كشاف القناع ٢ / ٤٣٩.