الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢
الصَّلاَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُل فَاهُ فِي الصَّلاَةِ. (١)
وَالتَّلَثُّمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ تَغْطِيَةُ الْفَمِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: هُوَ تَغْطِيَةُ الْفَمِ وَالأَْنْفِ.
وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَا يَصِل لآِخِرِ الشَّفَةِ السُّفْلَى. (٢)
ج) تَقْبِيل الْفَمِ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ تَقْبِيل الْفَمِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرَّجُل مَعَ الرَّجُل، أَوِ الْمَرْأَةُ مَعَ الْمَرْأَةِ.
قَال الْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّهُ قَل أَنْ يَقَعَ كَرَامَةً.
وَالْكَرَاهَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَرَاهَةٌ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا يَكُونُ عَنْ شَهْوَةٍ، أَمَّا إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمَبَرَّةِ وَالإِْكْرَامِ فَجَائِزٌ.
وَمَنَعَ الْحَنَابِلَةُ أَنْ يُقَبِّل الرَّجُل مَحَارِمَهُ عَلَى الْفَمِ مُطْلَقًا.
وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا إنْ كَانَ بِلاَ حَاجَةٍ وَلاَ شَفَقَةٍ، وَأَجَازُوهُ إنْ كَانَ لَهُمَا.
وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ تَقْبِيل ابْنَتِهِ أَوْ أُخْتِهِ أَوْ أُمِّهِ
_________
(١) حديث: " نهى أن يغطي الرجل فاه. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٤٢٣) والحاكم (١ / ٣٥٣) وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٣٩، حاشية الدسوقي ١ / ٢١٨، المجموع ٣ / ١٧٩، كشاف القناع ١ / ٢٧٥.
فَمَهُ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ، أَمَّا تَقْبِيل الزَّوْجِ فَمَ زَوْجَتِهِ وَالْعَكْسُ فَجَائِزٌ بِالاِتِّفَاقِ. (١)
فَهْدٌ
اُنْظُرْ: أَطْعِمَةٌ
فَوَائِتُ
اُنْظُرْ: قَضَاءُ الْفَوَائِتِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٤٤، والبناية في شرح الهداية ٩ / ٣٢٦، والفواكه الدواني ٢ / ٤٢٥، وروض الطالب ٣ / ١١٤، وحواشي الشرواني وابن القاسم العبادي على تحفة المحتاج ٧ / ٢٠٢، وكشاف القناع ٥ / ١٦، والآداب الشرعية لابن مفلح ٢ / ٢٧٥، ٢٧٩.
فَوَات
التَّعْرِيفُ:
١ - الْفَوَاتُ لُغَةً: مَصْدَرُ فَاتَ الأَْمْرُ يَفُوتُهُ فَوْتًا وَفَوَاتًا: ذَهَبَ عَنْهُ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا بِمَعْنَى السَّبْقِ، تَقُول: فَاتَنِي فُلاَنٌ بِكَذَا: أَيْ سَبَقَنِي بِهِ. (١)
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ خُرُوجُ الْعَمَل الْمَطْلُوبِ شَرْعًا عَنْ وَقْتِهِ الْمُحَدَّدِ لَهُ شَرْعًا. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: فَائِتُ الْحَجِّ هُوَ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ ثُمَّ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَلَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنْهُ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الأَْدَاءُ:
٢ - الأَْدَاءُ لُغَةً: الإِْيصَال، وَفِي اصْطِلاَحِ الْجُمْهُورِ مِنَ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ: الأَْدَاءُ فِعْل بَعْضٍ، وَقِيل: كُل مَا دَخَل وَقْتُهُ قَبْل خُرُوجِهِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا.
_________
(١) القاموس المحيط للفيروز آبادي، والنهاية، والمفردات للراغب الأصفهاني.
(٢) المسلك المتقسط للقاري ص٢٨٣، وبدائع الصنائع ٢ / ١٣٣ - ١٣٦.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: الأَْدَاءُ تَسْلِيمُ عَيْنِ مَا ثَبَتَ بِالأَْمْرِ.
وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي التَّعْرِيفِ التَّقْيِيدُ بِالْوَقْتِ لِيَشْمَل أَدَاءَ الزَّكَاةِ وَالأَْمَانَاتِ، وَالْمَنْذُورَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ، كَمَا أَنَّهُ يَعُمُّ فِعْل الْوَاجِبِ وَالنَّفَل. (١)
وَالأَْدَاءُ خِلاَفُ الْفَوَاتِ.
ب - الْقَضَاءُ:
٣ - مِنْ مَعَانِي الْقَضَاءِ فِي اللُّغَةِ: الأَْدَاءُ يُقَال: قَضَيْتُ الْحَجَّ وَالدَّيْنَ: أَدَّيْتُهُ، قَال تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾، (٢) أَيْ أَدَّيْتُمُوهَا، فَالْقَضَاءُ هُنَا بِمَعْنَى الأَْدَاءِ. وَاسْتَعْمَل الْعُلَمَاءُ الْقَضَاءَ فِي الْعِبَادَةِ الَّتِي تُفْعَل خَارِجَ وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ شَرْعًا، وَالأَْدَاءَ إذَا فُعِلَتْ فِي الْوَقْتِ الْمَحْدُودِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ لَكِنَّهُ اصْطِلاَحٌ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ. (٣)
وَالْفَوَاتُ يَكُونُ سَبَبًا لِلْقَضَاءِ.
ج - الإِْحْصَارُ:
٤ - الإِْحْصَارُ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ.
وَاصْطِلاَحًا: هُوَ الْمَنْعُ مِنْ إتْمَامِ أَرْكَانِ
_________
(١) التوضيح والتلويح ١ / ١٦١ - ١٦٢ وكشف الأسرار عن أصول البرذوي ١ / ١٣٥ - ١٣٦.
(٢) سورة البقرة / ٢٠٠.
(٣) المصباح المنير.
الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ. (١)
وَالإِْحْصَارُ سَبَبٌ لِلْفَوَاتِ.
د - الإِْفْسَادُ:
٥ - الإِْفْسَادُ لُغَةً: ضِدُّ الإِْصْلاَحِ. (٢)
وَاصْطِلاَحًا: جَعْل الشَّيْءِ فَاسِدًا، سَوَاءٌ وُجِدَ صَحِيحًا ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْمُفْسِدُ، كَمَا لَوِ انْعَقَدَ الْحَجُّ صَحِيحًا ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا يُفْسِدُهُ، كَالْجِمَاعِ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، أَوْ وُجِدَ الْفَسَادُ مَعَ الْعَقْدِ، كَبَيْعِ الطَّعَامِ قَبْل قَبْضِهِ. (٣)
وَالإِْفْسَادُ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْفَوَاتِ.
مَا يَحْصُل بِهِ الْفَوَاتُ فِي الْعِبَادَاتِ:
٦ - الْعِبَادَاتُ الْمُحَدَّدَةُ بِوَقْتٍ تَفُوتُ بِذَهَابِ الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ لَهَا مِنْ غَيْرِ أَدَاءٍ، وَتَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ - أَيْ تُصْبِحُ دَيْنًا ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ - إلَى أَنْ تُقْضَى.
وَلِلتَّفْصِيل (ر: أَدَاءٌ ف ٧) .
٧ - الْعِبَادَاتُ الْوَاجِبَةُ الْمُطْلَقَةُ: كَالْكَفَّارَاتِ، وَالنُّذُورِ الْمُطْلَقَةِ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ وُجُوبِ أَدَائِهَا، هَل هُوَ عَلَى الْفَوْرِ، أَوْ عَلَى التَّرَاخِي، لَكِنَّ الْجَمِيعَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ يَتَضَيَّقُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ فِي زَمَانٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الأَْدَاءِ قَبْل مَوْتِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ غَالِبِ ظَنِّهِ.
_________
(١) نهاية المحتاج ٢ / ٤٧٣.
(٢) لسان العرب.
(٣) المنثور للزركشي ٣ / ٧، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٩٩.
وَلِلتَّفْصِيل (ر: أَدَاءٌ ف ٨) .
وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُطْلَقَ يَفُوتُ الْمُكَلَّفَ بِوَفَاتِهِ. (١)
فَوَاتُ الْحَجِّ:
٨ - اُخْتُصَّ الْحَجُّ بِأَنَّ لِفَوَاتِهِ حَالَيْنِ:
الأُْولَى: وَفَاةُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ قَبْل أَدَائِهِ، وَذَلِكَ سَوَاءٌ عَلَى الْقَوْل بِوُجُوبِهِ عَلَى التَّرَاخِي، أَوْ عَلَى الْفَوْرِ. (٢)
الثَّانِيَةُ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ يَفُوتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بِحَيْثُ لاَ يُدْرِكُ شَيْئًا مِنْهُ فِي وَقْتِهِ الْمُحَدَّدِ وَمَكَانِهِ الْمُحَدَّدِ، وَلَوْ سَاعَةً لَطِيفَةً، أَيْ أَدْنَى فَتْرَةٍ مِنَ الزَّمَنِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ إطْلاَقِهِمْ " فَوَاتُ " أَوْ " فَاتَهُ الْحَجُّ ".
وَلِلتَّفْصِيل (ر: حَجٌّ ف ١٢٣) .
٩ - وَالأَْصْل فِي الْحُكْمِ بِفَوَاتِ الْحَجِّ بِفَوَاتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ هُوَ قَوْلُهُ ﷺ: الْحَجُّ عَرَفَةَ مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ. (٣)
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَالاِسْتِدْلاَل بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَعَل الْحَجَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ،
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٢١، والمسلك المتقسط ص٢٨٥.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٢٢١.
(٣) حديث: " الحج عرفة. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٢٢٨) والحاكم (١ / ٤٦٤) من حديث عبد الرحمن بن يعمر، وصححه ووافقه الذهبي.
فَإِذَا وُجِدَ فَقَدْ وُجِدَ الْحَجُّ، وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ لاَ يَكُونُ مَوْجُودًا وَفَائِتًا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَعَل تَمَامَ الْحَجِّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّمَامُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ النُّقْصَانِ، لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يَثْبُتُ بِالْوُقُوفِ وَحْدَهُ، فَيَدُل عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْخُرُوجُ عَنِ احْتِمَال الْفَوَاتِ. (١)
وَقَوْلُهُ ﷺ: مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتُ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيُحِل بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ. (٢) وَبِذَلِكَ ثَبَتَتِ الآْثَارُ عَنِ الصَّحَابَةِ، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: مَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ قَبْل أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَأْتِ الْبَيْتَ فَلْيَطُفْ بِهِ سَبْعًا وَيَطَّوَّفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، ثُمَّ لِيَحْلِقْ أَوْ يُقَصِّرْ إنْ شَاءَ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيُهُ فَلْيَنْحَرْهُ قَبْل أَنْ يَحْلِقَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ فَلْيَحْلِقْ أَوْ يُقَصِّرْ ثُمَّ لِيَرْجِعْ إلَى أَهْلِهِ (٣) .
وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الأَْنْصَارِيَّ ﵁ خَرَجَ حَاجًّا، حَتَّى
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٢٠.
(٢) حديث: " من وقف بعرفات بليل. . . " أخرجه الدارقطني (٢ / ٢٤١) من حديث ابن عمر، ثم ذكر تضعيف أحد رواته.
(٣) أثر ابن عمر: " من لم يدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر. . . " أخرجه البيهقي (٥ / ١٧٤) .
إذَا كَانَ بِالنَّازِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ ضَلَّتْ رَاحِلَتُهُ، فَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يَوْمَ النَّحْرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَال لَهُ عُمَرُ: اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ.
كَمَا رُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآْثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ.
قَال ابْنُ رُشْدٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، وَأَنَّهُ مَنْ فَاتَهُ فَعَلَيْهِ حَجٌّ مِنْ قَابِلٍ (١) . وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَإِنَّهَا لاَ تَفُوتُ بَعْدَ الإِْحْرَامِ بِهَا بِالإِْجْمَاعِ، لأَِنَّهَا غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ، إنَّمَا تَفُوتُ بِفَوَاتِ الْعُمُرِ. (٢)
(ر: عُمْرَةٌ) .
تَحَلُّل مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ:
١٠ - لَمَّا كَانَ لِلْحَجِّ وَقْتٌ مُحَدَّدٌ مِنَ الْعَامِ لاَ يُؤَدَّى فِي غَيْرِهِ، وَلاَ يَكُونُ الْحَجُّ فِي الْعَامِ إلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَمَّا كَانَ الإِْحْرَامُ بِالْحَجِّ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، وَلَهُ مَحْظُورَاتٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهَا، وَيَشُقُّ تَحَمُّلُهَا زَمَنًا طَوِيلًا، فَقَدْ شُرِعَ لِمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِفَوَاتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَنْ يَتَحَلَّل بِأَعْمَال الْعُمْرَةِ مِنْ إحْرَامِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَجُّ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا،
_________
(١) بداية المجتهد ١ / ٣٣٥.
(٢) المسلك المتقسط ص٢٨٥.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَوَاتُ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَهَذَا التَّحَلُّل وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، حَتَّى إنَّهُ لَوْ بَقِيَ مُحْرِمًا إلَى الْعَامِ الْقَادِمِ وَصَابَرَ الإِْحْرَامَ، فَحَجَّ بِذَلِكَ الإِْحْرَامِ لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى هَذَا بِمَا سَبَقَ مِنَ الأَْدِلَّةِ وَالآْثَارِ حَتَّى قِيل: هُوَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ. (١)
وَلأَِنَّ مُوجَبَ إحْرَامِ حَجِّهِ تَغَيَّرَ شَرْعًا بِالْفَوَاتِ، فَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ غَيْرُ مُوجَبِهِ (٢) وَعَلَّل الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لِئَلاَّ يَصِيرَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ. (٣)
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ لِلْعَامِ الْقَابِل، وَإِنْ شَاءَ تَحَلَّل، وَالتَّحَلُّل أَفْضَل مُطْلَقًا حَسَبَ ظَاهِرِ الْحَنَابِلَةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إنْ دَخَل مَكَّةَ أَوْ قَارَبَهَا فَالأَْفْضَل لَهُ التَّحَلُّل، وَكُرِهَ إبْقَاءُ إحْرَامِهِ، فَإِنْ هَذَا مَحَلُّهُ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْهَا فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى الإِْحْرَامِ وَالإِْحْلاَل عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. (٤) وَاسْتَدَلُّوا عَلَى هَذَا التَّخْيِيرِ بِمَا قَالَهُ ابْنُ قُدَامَةَ: إنَّ تَطَاوُل الْمُدَّةِ بَيْنَ الإِْحْرَامِ وَفِعْل
_________
(١) المجموع ٨ / ٢٣٤.
(٢) المسلك المتقسط ص٢٨٤.
(٣) المجموع ٨ / ٢٣٤، ونهاية المحتاج للرملي ٢ / ٤٨٩، ٤٨٠، ط بولاق وهذا بناء على مذهب الشافعية أنه لا يصح الإحرام بالحج في غير أشهر الحج، كما سبق في الإحرام (ف ٣٤) .
(٤) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٩٥، والمغني ٣ / ٥٢٩.
النُّسُكِ لاَ يَمْنَعُ إتْمَامَهُ كَالْعُمْرَةِ، وَالْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ (١) .
كَيْفِيَّةُ تَحَلُّل مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ:
١١ - يَظَل الْحَاجُّ الَّذِي فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ عَلَى إحْرَامِهِ، وَاجْتِنَابِ مَحْظُورَاتِهِ وَمُرَاعَاةِ أَحْكَامِهِ وَتَلْبِيَتِهِ، حَتَّى يَتَحَلَّل مِنْ إحْرَامِهِ.
وَيَحْصُل التَّحَلُّل لِمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ أَوْ تَقْصِيرِهِ، بِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ، وَهَذِهِ هِيَ أَفْعَال الْعُمْرَةِ.
١٢ - لَكِنْ هَل هَذِهِ الأَْفْعَال هِيَ عَمْرَةٌ حَقِيقِيَّةٌ أَمْ لاَ؟
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهَا أَفْعَال عُمْرَةٍ، وَلَيْسَتْ عُمْرَةً حَقِيقِيَّةً، لِذَلِكَ عَبَّرُوا بِقَوْلِهِمْ " أَفْعَال عُمْرَةٍ " كَمَا ذَكَرْنَا " وَبِعَمَل عُمْرَةٍ " وَلاَ يَنْقَلِبُ إحْرَامُهُ عُمْرَةً، بَل إنَّ إحْرَامَهُ بِالْحَجِّ بَاقٍ إلَى أَنْ يَتَحَلَّل بِأَفْعَال الْعُمْرَةِ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَال ابْنُ حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ. (٢)
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَجْعَل إحْرَامَهُ بِعُمْرَةٍ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ (٣)، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ مِنَ
_________
(١) المغني ٣ / ٥٢٩.
(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٩٥، وبدائع الصنائع ٢ / ٢٢٠، ومغني المحتاج ١ / ٥٣٧، والمغني ٣ / ٥٢٩.
(٣) المغني ٣ / ٥٢٩.