الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢
كَسَدَتْ عُدَّتْ عُرُوضًا فَلَمْ تَجِبْ فِيهَا الزَّكَاةُ إلاَّ إذَا عُرِضَتْ لِلتِّجَارَةِ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي الْفُلُوسِ النُّحَاسِيَّةِ فَلاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهَا لِخُرُوجِهَا عَمَّا وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ مِنَ النَّعَمِ وَالأَْصْنَافِ الْمَخْصُوصَةِ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ فُلُوسٌ قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا، إلاَّ أَنْ يَكُونَ مُدِيرًا (مُتَاجِرًا بِهَا) فَيُقَوِّمُهَا كَالْعُرُوضِ، أَمَّا الْمُحْتَكِرُ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ ثَمَنِهَا، وَحِينَ تَكُونُ الْفُلُوسُ لِلتِّجَارَةِ ثُمَّ أَقَامَتْ - أَيْ بَقِيَتْ - عِنْدَ مَالِكِهَا سِنِينَ ثُمَّ بَاعَهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَلَيْسَ فِيهَا إلاَّ زَكَاةُ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ كَسَائِرِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ الْمُحْتَكَرَةِ. (١)
ثَانِيًا: رِبَوِيَّةُ الْفُلُوسِ:
٥ - اتَّجَهَ الْفُقَهَاءُ فِي رِبَوِيَّةِ الْفُلُوسِ الرَّائِجَةِ اتِّجَاهَاتٍ ثَلاَثَةً:
الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل الشَّيْخَيْنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهَا لَيْسَتْ أَثْمَانًا رِبَوِيَّةً وَأَنَّهَا كَالْعُرُوضِ.
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٠٠، وحاشية العدوي على الخرشي ٢ / ١٧٧، ١٧٩، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤٥٥، وتهذيب الفروق على هامش فروق القرافي ٣ / ٢٥٢، ومغني المحتاج ١ / ٣٩٨، وكشاف القناع ٢ / ٢٣٥، ومطالب أولي النهى ٢ / ٨٩، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٤٠١.
وَالاِتِّجَاهُ الثَّانِي: قَوْل مُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهَا رِبَوِيَّةٌ وَهِيَ كَالنُّقُودِ.
الاِتِّجَاهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهَا وَسَطٌ بَيْنَ الْعُرُوضِ وَالنُّقُودِ، فَهِيَ كَالنَّقْدِ فِي نَحْوِ الصَّرْفِ وَالرِّبَا، وَهِيَ كَالْعُرُوضِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا الاِتِّجَاهِ يُكْرَهُ التَّفَاضُل عِنْدَ بَيْعِ الْفُلُوسِ بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلًا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ، وَالْكَرَاهَةُ تَنْزِيهِيَّةٌ عَنِ الرِّبَا وَتُسْتَحَبُّ شُرُوطُ الصَّرْفِ.
أَمَّا إذَا كَانَتِ الْفُلُوسُ كَاسِدَةً غَيْرَ رَائِجَةٍ فَهِيَ عُرُوضٌ بِاتِّفَاقٍ. (١)
تَغْيِيرُ الْفُلُوسِ:
٦ - قَدْ تَتَغَيَّرُ الْفُلُوسُ بِمَا يَطْرَأُ عَلَيْهَا مِنْ كَسَادٍ أَوِ انْقِطَاعٍ أَوْ رُخْصِ قِيمَتِهَا وَغَلاَئِهَا، وَهَذَا مِمَّا يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ اعْتِمَادِهَا فِي سُوقِ التَّعَامُل.
وَتَكْسُدُ الْفُلُوسُ بِتَرْكِ التَّعَامُل بِهَا فِي جَمِيعِ الْبِلاَدِ، وَتَنْقَطِعُ بِأَنْ لاَ تُوجَدَ إلاَّ فِي أَيْدِي الصَّيَارِفَةِ أَوْ يُلْغِيَهَا السُّلْطَانُ، وَتَرْخُصُ
_________
(١) العناية شرح الهداية بهامش فتح القدير ٥ / ٢٨٧ ط بولاق، وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٨٠، وفتح القدير ٥ / ١٤، وتهذيب الفروق ٣ / ٢٥١ - ٢٥٢، وحاشية القليوبي وعميرة ٢ / ١٧٠ ومغني المحتاج ٢ / ٢٥، ٤ / ١٥٩، والمغني مع الشرح الكبير ٤ / ١٠٨ - ١٠٩، وكشاف القناع ٣ / ٢٦٤، وحاشية الدسوقي ٣ / ٥١٧، والمحلي على منهاج الطالبين ٢ / ١٧٠، ٣ / ٥٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٢.
قِيمَتُهَا وَتَزِيدُ بِحَسَبِ مَا تُسَاوِيهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
فَإِذَا طَرَأَ مِثْل هَذِهِ الأُْمُورِ عَلَى الْفُلُوسِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي الذِّمَمِ، فَقَدْ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ قَضَاءِ هَذِهِ الدُّيُونِ عَلَى النَّحْوِ الآْتِي:
أَوَّلًا - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ:
٧ - الْفُلُوسُ النَّافِقَةُ إذَا اشْتَرَى بِهَا أَحَدٌ ثُمَّ كَسَدَتْ أَوِ انْقَطَعَتْ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَبْطُل، وَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ الْمَبِيعِ إنْ كَانَ قَائِمًا، فَإِنْ كَانَ هَالِكًا فَيَرُدُّ مِثْلَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَإِلاَّ فَيَرُدُّ قِيمَتَهُ، وَهَذَا إنْ كَانَ الْقَبْضُ حَاصِلًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَبِيعُ مَقْبُوضًا فَلاَ حُكْمَ لِهَذَا الْبَيْعِ أَصْلًا، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لاَ يَبْطُل الْبَيْعُ، لأَِنَّ الْمُتَعَذِّرَ إنَّمَا هُوَ التَّسْلِيمُ بَعْدَ الْكَسَادِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْفَسَادِ لاِحْتِمَال زَوَال الْكَسَادِ بِالرَّوَاجِ كَمَا لَوِ اشْتَرَى شَيْئًا بِالرَّطْبَةِ ثُمَّ انْقَطَعَ، فَإِذَا لَمْ يَتَقَرَّرْ بُطْلاَنُ الْبَيْعِ وَتَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَبُو يُوسُفَ مَعَ مُحَمَّدٍ فِي وَقْتِ الْقِيمَةِ، فَقَال أَبُو يُوسُفَ: تَجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْبَيْعِ، وَقَال مُحَمَّدٌ: تَجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْكَسَادِ وَهُوَ آخِرُ مَا يَتَعَامَل بِهِ النَّاسُ، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْفَتْوَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ، فَفِي الذَّخِيرَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ: أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ، وَفِي الْمُحِيطِ
وَالتَّتِمَّةِ وَالْحَقَائِقِ: الْفَتْوَى عَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ رِفْقًا بِالنَّاسِ.
وَلَوْ غَلَتِ الْفُلُوسُ فَالْبَيْعُ عَلَى حَالِهِ وَلاَ خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، أَمَّا إذَا رَخُصَتْ قِيمَتُهَا وَنَقَصَتْ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلدَّائِنِ إلاَّ الْمِثْل، وَبِهِ قَال أَبُو يُوسُفَ أَوَّلًا، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ هَذَا الْقَوْل لِيَقُول قَوْلًا ثَانِيًا وَهُوَ: أَنَّ عَلَى الْمَدِينِ قِيمَةَ الْفُلُوسِ يَوْمَ الْبَيْعِ، وَالْفَتْوَى عَلَى هَذَا الْقَوْل.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْخِلاَفِ فِي الْفُلُوسِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ بِسَبَبِ الْبَيْعِ الْمُؤَجَّل الثَّمَنِ يُقَال فِي الْفُلُوسِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ دَيْنًا بِسَبَبِ الْقَرْضِ وَالْمَهْرِ الْمُؤَجَّل وَشِبْهِهِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ يُؤَثِّرُ الاِنْقِطَاعُ وَالْكَسَادُ وَالرُّخْصُ وَالْغَلاَءُ فِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَدِينِ رَدُّ الْمِثْل، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَرُدُّ الْقِيمَةَ بِالذَّهَبِ يَوْمَ الْبَيْعِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَيَرُدُّ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْكَسَادِ أَوِ الاِنْقِطَاعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، أَمَّا فِي الرُّخْصِ فَيَجِبُ رَدُّ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَرْضِ. (١)
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: إنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحَال هُوَ: دَفْعُ النَّوْعِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مِنَ النُّقُودِ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا وَقَدْ أَفْتَى شَيْخُ ابْنِ عَابِدِينَ وَتَابَعَهُ ابْنُ عَابِدِينَ بِلُزُومِ الصُّلْحِ بَيْنَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٤٢ ط٢، فتح القدير ٥ / ٢٨٥، تنبيه الرقود على مسائل النقود لابن عابدين ضمن مجموعة رسائله ص٥٨ وبعدها.
الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي عَلَى نَوْعِ الْوَفَاءِ. (١)
هَذَا وَقَدْ أَوْرَدَ الْكَاسَانِيُّ صُوَرًا مِنْ صَرْفِ الْفُلُوسِ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ظَهَرَ اسْتِحْقَاقُ الْفُلُوسِ.
مِثَالُهُ: لَوِ اشْتَرَى بِدِرْهَمٍ فُلُوسًا وَتَقَابَضَا وَافْتَرَقَا، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتِ الْفُلُوسُ مِنْ يَدِهِ، وَأَخَذَهَا الْمُسْتَحِقُّ، فَإِنَّ الْعَقْدَ لاَ يَبْطُل لأَِنَّهُ بِالاِسْتِحْقَاقِ وَإِنِ انْتَقَضَ الْقَبْضُ وَالْتَحَقَ بِالْعَدَمِ إلاَّ أَنَّ الاِفْتِرَاقَ يَصِيرُ كَأَنَّهُ حَصَل عَنْ قَبْضِ الدَّرَاهِمِ دُونَ الْفُلُوسِ، وَهَذَا غَيْرُ مُوجِبٍ لِبُطْلاَنِ الْعَقْدِ، وَعَلَى بَائِعِ الْفُلُوسِ أَنْ يَنْقُدَ مِثْلَهَا، وَنَفْسُ الْحُكْمِ فِيمَا إذَا اُسْتُحِقَّ بَعْضُهَا، وَأُخِذَ قَدْرُ الْمُسْتَحَقِّ، فَعَلَى بَائِعِ الْفُلُوسِ أَنْ يَنْقُدَ مِثْل الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ، وَمِثْلُهُ لَوْ وَجَدَ بَعْضَ الْفُلُوسِ كَاسِدَةً يَرُدُّ الْبَائِعُ بِقَدْرِ الْكَاسِدِ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَبَضَ الْفُلُوسَ وَلَمْ يَنْقُدِ الدَّرَاهِمَ وَافْتَرَقَا ثُمَّ اُسْتُحِقَّتِ الْفُلُوسُ، فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ بِالْخِيَارِ: إنْ شَاءَ أَجَازَ نَقْدَ الْبَائِعِ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ، لأَِنَّ الإِْجَازَةَ اسْتَنَدَتْ إلَى وَقْتِ الْعَقْدِ فَجَازَ النَّقْدُ وَالْعَقْدُ، وَيَرْجِعُ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى بَائِعِ الْفُلُوسِ بِمِثْلِهَا، وَيَنْقُدُ الْمُشْتَرِي الدَّرَاهِمَ لِبَائِعِ الْفُلُوسِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُجِزْ وَأَخَذَ الْفُلُوسَ وَبَطَل الْعَقْدُ لأَِنَّهُ
_________
(١) تنبيه الرقود ص٦٤.
تَبَيَّنَ أَنَّ افْتِرَاقَهُمَا حَصَل لاَ عَنْ قَبْضٍ أَصْلًا. (١)
ثَانِيًا - مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ:
٨ - الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْفُلُوسَ إذَا قُطِعَ التَّعَامُل بِهَا أَوْ تَغَيَّرَتْ نَقْصًا أَوْ زِيَادَةً وَكَانَتْ ثَابِتَةً فِي الذِّمَّةِ بِسَبَبِ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّ لِلدَّائِنِ الْمِثْل.
أَمَّا إذَا عُدِمَتْ فَإِنَّ الْوَاجِبَ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْحُكْمِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْمَدِينِ الْمُمَاطِل وَغَيْرِهِ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ وُجُوبَ الْقِيمَةِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنِ الْمَدِينُ مُمَاطِلًا، فَإِنْ كَانَ مُمَاطِلًا فَإِنَّ لَهُ الأَْحَظَّ مِنْ أَخْذِ الْقِيمَةِ أَوْ مِمَّا آل إلَيْهِ الأَْمْرُ مِنَ السِّكَّةِ الْجَدِيدَةِ الزَّائِدَةِ عَنِ الْقَدِيمَةِ، وَهَذَا هُوَ الأَْظْهَرُ - كَمَا يَقُول الصَّاوِيُّ - بِسَبَبِ ظُلْمِ الْمَدِينِ بِمَطْلِهِ. وَذَكَرَ الْخَرَشِيُّ أَنَّ لَهُ قِيمَتَهَا وَقْتَ أَبْعَدِ الأَْجَلَيْنِ عِنْدَ تَخَالُفِ الْوَقْتَيْنِ مِنَ الْعَدَمِ وَالاِسْتِحْقَاقِ، فَلَوْ كَانَ انْقِطَاعُ التَّعَامُل بِهَا أَوْ تَغَيُّرُهَا نَقْصًا أَوْ غَلاَءً أَوَّل الشَّهْرِ الْفُلاَنِيِّ وَإِنَّمَا حَل الأَْجَل آخِرَهُ فَلَهُ الْقِيمَةُ آخِرَهُ، وَبِالْعَكْسِ بِأَنْ حَل الأَْجَل أَوَّلَهُ وَعَدِمَتْ آخِرَهُ فَإِنَّ لَهُ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْعَدَمِ. (٢)
وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلٌ شَاذٌّ فِي
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٤٢.
(٢) المدونة ٨ / ١٥٣، الخرشي ٥ / ٥٥، حاشية الدسوقي ٣ / ٤٠، بلغة السالك ٢ / ٢٣.
الْمَذْهَبِ وَهُوَ وُجُوبُ الْقِيمَةِ إذَا بَطَلَتِ الْفُلُوسُ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الصَّائِغِ وَمَعْزُوٌّ إلَى أَشْهَبَ، وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْل أَنَّ الْبَائِعَ دَفَعَ شَيْئًا مُنْتَفَعًا بِهِ لأَِخْذِ شَيْءٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ فَلاَ يُظْلَمُ بِإِعْطَاءِ مَا لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَقِيل: الْوَاجِبُ قِيمَةُ السِّلْعَةِ يَوْمَ دَفْعِهَا لاَ قِيمَةُ السِّكَّةِ الَّتِي انْقَطَعَتْ.
وَقَدْ قَال الرَّهُونِيُّ: ظَاهِرُ كَلاَمِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْل الْمَذْهَبِ وَصَرِيحُ كَلاَمِ آخَرِينَ مِنْهُمْ: أَنَّ الْخِلاَفَ السَّابِقَ مَحَلُّهُ إذَا قُطِعَ التَّعَامُل بِالسِّكَّةِ الْقَدِيمَةِ جُمْلَةً، وَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَتْ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ فَلاَ، ثُمَّ أَرْدَفَ الرَّهُونِيُّ قَائِلًا: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا إذَا لَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ جِدًّا حَتَّى يَصِيرَ الْقَابِضُ لَهَا كَالْقَابِضِ لِمَا لاَ كَبِيرَ مَنْفَعَةٍ فِيهِ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّل بِهَا الْمُخَالِفُ. (١)
ثَالِثًا - مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ:
٩ - الَّذِي عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْفُلُوسَ الثَّابِتَةَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ سَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ أَبْطَلَهَا السُّلْطَانُ فَلَيْسَ لِلدَّائِنِ إلاَّ مِثْل فُلُوسِهِ الَّتِي سَلَفَ أَوْ بَاعَ بِهَا حِينَ الْعَقْدِ.
وَنَفْسُ الْحُكْمِ يُقَال فِيمَا لَوْ رَخُصَتْ أَوْ
_________
(١) شرح الزرقاني على مختصر تحليل خليل وحاشية الرهوني عليه ٥ / ٦٠.
غَلَتِ الْفُلُوسُ لَيْسَ لَهُ إلاَّ الْمِثْل، وَهَذَا هُوَ رَأْيُ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَجْهًا فِي الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْبَائِعَ بِالْفُلُوسِ الَّتِي أَبْطَلَهَا السُّلْطَانُ: إنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ بِذَلِكَ النَّقْدِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ قَبْل الْقَبْضِ. (١)
رَابِعًا - مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ:
١٠ - يَذْهَبُ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ مَبْلَغَ الْقَرْضِ لَوْ كَانَ فُلُوسًا فَأَبْطَلَهَا السُّلْطَانُ وَتُرِكَتِ الْمُعَامَلَةُ بِهَا كَانَ لِلْمُقْرِضِ قِيمَتُهَا وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا سَوَاءٌ كَانَتْ قَائِمَةً فِي يَدِهِ أَوِ اسْتَهْلَكَهَا، وَيُقَوِّمُهَا كَمْ تُسَاوِي يَوْمَ أَخَذَهَا ثُمَّ يُعْطِيهِ، وَسَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، فَإِذَا لَمْ يُبْطِلْهَا السُّلْطَانُ وَجَبَ رَدُّ الْمِثْل، سَوَاءٌ رَخُصَتْ أَوْ غَلَتْ أَوْ كَانَتْ بِحَالِهَا. (٢)
_________
(١) الأم ٣ / ٣٣ طبعة دار المعرفة، وقطع المجادلة ضمن كتاب الحاوي ١ / ٩٧، والمجموع شرح المهذب ٩ / ٢٨٢.
(٢) المغني والشرح الكبير ٤ / ٣٦٥، ٣٥٨، مطالب أولي النهى ٣ / ٢٤١.
فَمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْفَمُ مِنَ الإِْنْسَانِ: فَتْحَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي الْوَجْهِ وَرَاءَهَا تَجْوِيفٌ يَحْتَوِي عَلَى جِهَازَيِ الْمَضْغِ وَالنُّطْقِ.
وَيُسْتَعْمَل لِغَيْرِ الإِْنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ مَجَازًا، فَيُقَال: فَمُ الْقِرْبَةِ وَفَمُ التُّرْعَةِ، لِمَدْخَل الْمَاءِ، وَفَمُ الْوَادِي: أَوَّلُهُ. (١)
وَفِي الْكُلِّيَّاتِ: الْفَمُ هُوَ الْوِعَاءُ الْكُلِّيُّ لأَِعْضَاءِ الْكَلاَمِ فِي الإِْنْسَانِ، وَالتَّصْوِيتِ فِي سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الْمُصَوِّتَةِ، وَالشَّفَتَانِ غِطَاؤُهُ (٢) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْفَمِ:
يَتَعَلَّقُ بِالْفَمِ مِنَ الأَْحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ مَا يَأْتِي:
أ - غَسْل الْفَمِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل:
٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ الشَّفَتَيْنِ - وَهُوَ مَا يَظْهَرُ عِنْدَ انْضِمَامِهِمَا - جُزْءٌ مِنَ الْوَجْهِ،
_________
(١) المعجم الوسيط، والمصباح المنير
(٢) الكليات للكفوي ٣ / ٣٥٥.
وَمِنْ ثَمَّ يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل. (١)
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ غَسْل بَاطِنِ الْفَمِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - إلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ غَسْل بَاطِنِ الْفَمِ فِي الْوُضُوءِ، بَل يُسَنُّ وَذَلِكَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْغُسْل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِفَرْضِيَّةِ غَسْل الْفَمِ - الْمَضْمَضَةِ - فِي الْغُسْل. (٢)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْفَمَ مِنَ الْوَجْهِ، فَتَجِبُ الْمَضْمَضَةُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل (٣) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الْمَضْمَضَةُ وَالاِسْتِنْشَاقُ مِنَ الْوُضُوءِ الَّذِي لاَ بُدَّ مِنْهُ (٤) .
وَفِي حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ ﵁: إذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ. (٥)
ب) تَغْطِيَةُ الْفَمِ فِي الصَّلاَةِ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّلَثُّمِ فِي
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٦، والفتاوى الهندية ١ / ٤، وجواهر الإكليل ١ / ٣٨، وكشاف القناع ١ / ٩٦.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ١٠٢، والفتاوى الهندية ١ / ٦، ١٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٩٧، ١٣٦، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ١ / ٤٣، ٦٣.
(٣) كشاف القناع ١ / ٩٦.
(٤) حديث: " المضمضة والاستنشاق من. . . ". أخرجه الدارقطني (١ / ٨٤) وأعله بأن الصواب إرساله.
(٥) حديث: " إذا توضأت فمضمض ". أخرجه أبو داود (١ / ١٠٠) .