الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢ الصفحة 39

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢

الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ . (١) فَقَدْ جَعَل وِلاَيَةَ الإِْنْذَارِ وَالدَّعْوَةَ لِلْفُقَهَاءِ، وَهِيَ وَظِيفَةُ الأَْنْبِيَاءِ ﵈، وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ. (٢)

مَوْضُوعُ الْفِقْهِ:

٦ - مَوْضُوعُ عِلْمِ الْفِقْهِ هُوَ أَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْعِبَادِ، فَيُبْحَثُ فِيهِ عَمَّا يَعْرِضُ لأَِفْعَالِهِمْ مِنْ حِلٍّ وَحُرْمَةٍ، وَوُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَكَرَاهَةٍ. (٣)

نَشْأَةُ الْفِقْهِ وَتَطَوُّرُهُ:

٧ - نَشَأَ الْفِقْهُ الإِْسْلاَمِيُّ بِنَشْأَةِ الدَّعْوَةِ وَبَدْءِ الرِّسَالَةِ، وَمَرَّ بِأَطْوَارٍ كَثِيرَةٍ وَلَكِنَّهَا غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ مِنْ حَيْثُ الزَّمَنُ تَمَيُّزًا دَقِيقًا، إِلاَّ الطُّورَ الأَْوَّل وَهُوَ عَصْرُ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُ مُتَمَيِّزٌ عَمَّا بَعْدَهُ بِكُل دِقَّةٍ بِانْتِقَال النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الرَّفِيقِ الأَْعْلَى.

وَكَانَ مَصْدَرُ الْفِقْهِ فِي هَذَا الطُّورِ الْوَحْيَ، بِمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مِنْ أَحْكَامٍ، أَوْ بِمَا اجْتَهَدَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَحْكَامٍ كَانَ الْوَحْيُ أَسَاسَهَا، أَوْ كَانَ يُتَابِعُهَا بِالتَّسْدِيدِ، وَكَذَلِكَ

_________

(١) سورة التوبة / ٢٢.

(٢) المجموع ١ / ١٨، نهاية المحتاج ١ / ٦، المبسوط١ / ٢، بدائع الصنائع.، وحديث: " من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ١٦٤) ومسلم (٢ / ٧١٩) من حديث معاوية بن أبي سفيان.

(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٦ - ٢٧، وتخريج الفروع على الأصول ص١.

كَانَ اجْتِهَادُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ مَرَدُّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُقِرُّهُ أَوْ يُنْكِرُهُ. . وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ الْوَحْيُ مَصْدَرَ التَّشْرِيعِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ.

ثُمَّ تَتَابَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ أَطْوَارٌ مُتَعَدِّدَةٌ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي ف ١٣ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ مُقَدِّمَةِ الْجُزْءِ الأَْوَّل مِنَ الْمَوْسُوعَةِ الْفِقْهِيَّةِ.

الاِخْتِلاَفُ فِي أَحْكَامِ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ وَأَسْبَابُهُ:

٨ - كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقْضِي فِيمَا يُرْفَعُ إِلَيْهِ مِنْ وَقَائِعَ وَكَانَ يُقِرُّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ أَوْ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ كُل مَا قَضَى بِهِ أَوْ أَقَرَّهُ أَوْ أَنْكَرَهُ مَكْتُوبًا أَوْ بِمَشْهَدٍ مِنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ، فَرَأَى كُل صَحَابِيٍّ مَا يَسَّرَ اللَّهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ فَحَفِظَ وَعَرَفَ وَجْهَهُ، ثُمَّ تَفَرَّقَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْبِلاَدِ، وَصَارَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ قُدْوَةً لَهُ أَتْبَاعٌ، وَكَثُرَتِ الْوَقَائِعُ وَالْمَسَائِل فَاسْتُفْتُوا فِيهَا، فَأَجَابَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَسَبَ مَا حَفِظَهُ أَوِ اسْتَنْبَطَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِيمَا حَفِظَهُ أَوِ اسْتَنْبَطَهُ مَا يَصْلُحُ لِلْجَوَابِ اجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ (١) اسْتِنَادًا إِلَى حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ حِينَ بَعَثَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، وَقَال لَهُ: كَيْفَ

_________

(١) الإنصاف في بيان الخلاف لولي الله الدهلوي ص١٦ وما بعدها.

تَقْضِي؟ فَقَال: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَال: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَال: فَبِسُنَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ. قَال: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَجْتَهِدُ رَأْيِي. قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُول رَسُول اللَّهِ ﷺ. (١)

وَهَذَا مَنْشَأُ الاِخْتِلاَفِ فِي أَحْكَامِ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ.

وَيَقَعُ الاِخْتِلاَفُ فِي هَذَا عَلَى ضُرُوبٍ:

٩ - الأَْوَّل: أَنَّ صَحَابِيًّا سَمِعَ حُكْمًا فِي قَضِيَّةٍ أَوْ فَتْوَى وَلَمْ يَسْمَعْهُ الآْخَرُ، فَاجْتَهَدَ بِرَأْيِهِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا عَلَى وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَقَعَ اجْتِهَادُهُ مُوَافِقًا لِلْحَدِيثِ، مِثَالُهُ مَا وَرَدَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: إِنَّهُ أَتَاهُ قَوْمٌ فَقَالُوا: إِنَّ رَجُلًا مِنَّا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَجْمَعْهَا إِلَيْهِ حَتَّى مَاتَ، فَقَال عَبْدُ اللَّهِ: مَا سُئِلْتُ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ هَذِهِ، فَأْتُوا غَيْرِي، فَاخْتَلَفُوا إِلَيْهِ فِيهَا شَهْرًا، ثُمَّ قَالُوا لَهُ فِي آخِرِ ذَلِكَ: مَنْ نَسْأَل إِنْ لَمْ نَسْأَلْكَ وَأَنْتَ مِنْ جُلَّةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَلاَ نَجِدُ غَيْرَكَ؟ قَال: سَأَقُول

_________

(١) حديث معاذ حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن. أخرجه الترمذي (٣ / ٦٠٧) وقال: ليس إسناده عندي بمتصل.

فِيهَا بِجَهْدِ رَأْيِي، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بُرَآءٌ، أَرَى أَنْ أَجْعَل لَهَا صَدَاقَ نِسَائِهَا، لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرًا، قَال: وَذَلِكَ بِمَسْمَعِ أُنَاسٍ مِنْ أَشْجَعَ، فَقَامُوا فَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَضَيْتَ بِمَا قَضَى بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي امْرَأَةٍ مِنَّا، يُقَال لَهَا: بِرْوَعَ بِنْتُ وَاشِقٍ، قَال: فَمَا رُئِيَ عَبْدُ اللَّهِ فَرِحَ فَرْحَةً يَوْمَئِذٍ إِلاَّ بِإِسْلاَمِهِ (١) .

ثَانِيهَا: أَنْ يُفْتِيَ الصَّحَابِيُّ وَيَظْهَرَ الْحَدِيثُ عَلَى خِلاَفِ مَا أَفْتَى بِهِ، فَيَرْجِعَ عَنِ اجْتِهَادِهِ إِلَى الْحَدِيثِ، وَمِنْ هَذَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ كَانَ يُفْتِي أَنَّهُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلاَ صَوْمَ لَهُ، حَتَّى بَلَغَهُ حَدِيثُ عَائِشَة وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا لاَ عَنِ احْتِلاَمٍ ثُمَّ يَغْتَسِل وَيَصُومُ فَرَجَعَ عَنِ اجْتِهَادِهِ (٢) .

ثَالِثُهَا: أَنْ يَبْلُغَهُ الْحَدِيثُ لَكِنْ لاَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ غَالِبُ الظَّنِّ، وَمِنْ هَذَا مَا وَرَدَ

_________

(١) المغني لابن قدامة ٦ / ٧١٢، والإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ص ١٦ وما بعدها، ونهاية المحتاج ١ / ٣٥٠. وحديث ابن مسعود " أنه أتاه قوم. . . ". أخرجه النسائي ٦ / ١٢٢، ١٢٣.

(٢) سبل السلام ٢ / ١٦٥، وبيان أسباب الاختلاف لولي الله الدهلوي ص٢٣.، وحديث: " أن أبا هريرة أنه كان يفتي أنه من أصبح جنبًا. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ١٤٣) ومسلم (٢ / ٧٧٩ - ٧٨٠) .

أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ ﵂ شَهِدَتْ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهَا كَانَتْ مُطَلَّقَةً ثَلاَثًا فَلَمْ يَجْعَل لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ نَفَقَةً، وَلاَ سُكْنَى، فَرَدَّ عُمَرُ شَهَادَتَهَا، وَقَال: لاَ نَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ لِقَوْل امْرَأَةٍ لاَ نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أَوْ نَسِيَتْ: لَهَا النَّفَقَةُ، وَالسُّكْنَى (١) .

رَابِعُهَا: أَنْ لاَ يَصِل الْحَدِيثُ إِلَيْهِ أَصْلًا، مِنْ هَذَا مَا وَرَدَ أَنَّ عَائِشَة ﵂ بَلَغَهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، فَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لاِبْنِ عَمْرٍو هَذَا، يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، أَفَلاَ يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُءُوسَهُنَّ، لَقَدْ كُنْت أَغْتَسِل أَنَا وَرَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَلاَ أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلاَثَ إِفْرَاغَاتٍ (٢) .

١٠ - الثَّانِي: مِنْ أَسْبَابِ الاِخْتِلاَفِ: أَنْ يَرَى النَّاسُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَعَل فِعْلًا، فَحَمَلَهُ الْبَعْضُ عَلَى الْقُرْبَةِ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى الإِْبَاحَةِ.

_________

(١) الإنصاف في بيان سبب الاختلاف ص٦.، وحديث فاطمة بنت قيس " أنها شهدت عند عمر ابن الخطاب. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ١١١٨ - ١١١٩) .

(٢) الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ص٧. وحديث عائشة " أنها بلغها أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٢٦٠) .

مِثَالُهُ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ الأُْصُول فِي قِصَّةِ التَّحْصِيبِ - أَيِ النُّزُول بِالأَْبْطُحِ عِنْدَ النَّفْرِ - نَزَل رَسُول اللَّهِ ﷺ بِهِ (١): ذَهَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ ﵃ إِلَى أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَجَعَلاَهُ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ، وَذَهَبَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى وَجْهِ الاِتِّفَاقِ، وَلَيْسَ مِنَ السُّنَنِ.

١١ - الثَّالِثُ: السَّهْوُ وَالنِّسْيَانُ: كَأَنْ يَنْقُل صَحَابِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَمْرًا فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِالسَّهْوِ، مِنْ هَذَا مَا وَرَدَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُول: اعْتَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي رَجَبٍ، (٢) فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ فَقَضَتْ عَلَيْهِ بِالسَّهْوِ.

١٢ - الرَّابِعُ: اخْتِلاَفُ الضَّبْطِ، وَمِنْ هَذَا قَوْل ابْنِ عُمَرَ ﵄: إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ (٣)، فَقَضَتْ عَلَيْهِ عَائِشَةُ بِالْوَهْمِ.

١٣ - الْخَامِسُ: اخْتِلاَفُهُمْ فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ، وَمِنْ هَذَا: الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: لِتَعْظِيمِ الْمَلاَئِكَةِ، فَيَعُمُّ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، وَقَال

_________

(١) حديث نزول رسول الله ﷺ في الأبطح عند النفر. أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣٩١) .

(٢) قول ابن عمر " أن رسول الله اعتمر في رجب ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٥٩٩) ومسلم (٢ / ٩١٧) .

(٣) حديث ابن عمر: " أن الميت يعذب ببكاء أهله ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ١٥١ - ١٥٢) ومسلم (٢ / ٦٤٢) .

قَائِل: لِهَوْل الْمَوْتِ، فَيَعُمُّهُمَا، وَقَال قَائِلٌ: مَرَّتْ جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَامَ لَهَا، (١) كَرَاهِيَةَ أَنْ تَعْلُوَ فَوْقَ رَأْسِهِ، فَيَخُصُّ الْكَافِرَ.

١٤ - السَّادِسُ: اخْتِلاَفُهُمْ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَمِنْهُ: نَهْيُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، (٢) فَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى عُمُومِ هَذَا الْحُكْمِ وَكَوْنِهِ غَيْرَ مَنْسُوخٍ، وَرَآهُ جَابِرٌ ﵁ " يَبُول قَبْل أَنْ يُتَوَفَّى بِعَامٍ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ "، (٣) فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ نَسْخٌ لِلنَّهْيِ الْمُتَقَدِّمِ، وَرَآهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄ " قَضَى حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِل الشَّامِ "، (٤) فَرَدَّ بِهِ قَوْلَهُمْ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَالُوا: إِنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالصَّحْرَاءِ، فَإِذَا كَانَ فِي الْمَرَاحِيضِ فَلاَ بَأْسَ بِالاِسْتِقْبَال وَالاِسْتِدْبَارِ. (٥)

_________

(١) حديث: " مرت جنازة يهودي على رسول الله ﷺ. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٦٦١) .

(٢) حديث: " النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٢٤٥)، ومسلم (١ / ٢٢٤) من حديث أبي أيوب.

(٣) حديث ابن عمر: " أن الميت يعذب بكاء أهله ". يتوفى بعام. . . " أخرجه الترمذي (١ / ١٥) وقال: حديث حسن غريب.

(٤) حديث ابن عمر أنه " رأى النبي ﷺ قضى حاجته مستدبر القبلة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٢٤٧)، ومسلم (١ / ٢٢٥) .

(٥) الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ص١٥ وما بعدها.

وَبِالْجُمْلَةِ اخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَأَخَذَ التَّابِعُونَ الْعِلْمَ مِنْهُمْ، فَأَقْبَل أَبْنَاءُ كُل قُطْرٍ عَلَى مَنْ نَزَل فِي قُطْرِهِمْ يَسْتَفْتُونَهُمْ، وَيَرْوُونَ عَنْهُمْ، وَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمْ، وَلَمْ تَكُنِ الصَّحَابَةُ سَوَاءً فِيمَا يَعْلَمُونَ، وَلَمْ يَكُنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْفَظُ كُل مَا يَحْفَظُهُ غَيْرُهُ، وَلَمْ يَكُونُوا سَوَاءً فِي اسْتِعْمَال الرَّأْيِ فِيمَا لاَ نَصَّ فِيهِ، وَلاَ فِي الأَْخْذِ بِأَخْبَارِ الآْحَادِ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَتَوَسَّعُ فِي الرَّأْيِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ الْوَرَعُ وَالاِحْتِيَاطُ عَلَى الْوُقُوفِ عِنْدَ النُّصُوصِ وَالتَّمَسُّكِ بِالآْثَارِ.

أَهَمُّ مَرَاكِزِ الْفِقْهِ:

١٥ - تَرَتَّبَ عَلَى تَفَرُّقِ الصَّحَابَةِ فِي الأَْمْصَارِ وَاخْتِلاَفِ مَنَاهِجِهِمْ فِي الْفَتْوَى وَالاِجْتِهَادِ - لِمَا سَبَقَ بَيَانُهُ مِنْ أَسْبَابٍ - وَأَخْذِ التَّابِعِينَ فِي كُل مِصْرٍ عَمَّنْ نَزَل بِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ - تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ وُجُودُ اتِّجَاهَاتٍ فِقْهِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِنْ أَشْهَرِهَا الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل الَّذِي سَادَ فِي الْحِجَازِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَالاِتِّجَاهُ الثَّانِي الَّذِي ظَهَرَ فِي الْعِرَاقِ بِالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَمِنْ هَذَيْنِ الاِتِّجَاهَيْنِ كَانَ غَالِبُ الْفِقْهِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُقَدِّمَةِ الْمَوْسُوعَةِ الْفِقْهِيَّةِ (الْجُزْءُ الأَْوَّل ف ١٦ وَمَا بَعْدَهَا) .

فَقِيرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْفَقِيرُ فِي اللُّغَةِ ضِدُّ الْغَنِيِّ، وَهُوَ مَنْ قَل مَالُهُ، وَالْفَقْرُ ضِدُّ الْغِنَى. (١)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهُ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ: مَنْ لاَ يَمْلِكُ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ، أَوْ يَجِدُ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ مَالٍ أَوْ كَسْبٍ لاَ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ.

وَعَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ: بِأَنَّهُ مَنْ يَمْلِكُ دُونَ نِصَابٍ، مِنَ الْمَال النَّامِي، أَوْ قَدْرَ نِصَابٍ غَيْرِ نَامٍ مُسْتَغْرَقٍ فِي حَاجَتِهِ.

وَعَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّهُ مَنْ يَمْلِكُ شَيْئًا لاَ يَكْفِيهِ قُوتَ عَامِهِ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْمِسْكِينُ:

٢ - الْمِسْكِينُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ: مَنْ لاَ

_________

(١) المصباح المنير، ولسان العرب.

(٢) ابن عابدين ٢ / ٥٨، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٩٢، وحاشية القليوبي ٣ / ١٩٥، ومغني المحتاج ٣ / ١٠٦، وكشاف القناع ٢ / ٢٧١ - ٢٧٢.

يَمْلِكُ شَيْئًا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: مَنْ قَدَرَ عَلَى مَالٍ أَوْ كَسْبٍ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَلاَ يَكْفِيهِ، وَقَال قَوْمٌ: إنَّ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ صِنْفٌ وَاحِدٌ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: مَنْ يَجِدُ مُعْظَمَ الْكِفَايَةِ أَوْ نِصْفَهَا مِنْ كَسْبٍ أَوْ غَيْرِهِ. (١)

وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنَ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ اسْمٌ يُنْبِئُ عَنِ الْحَاجَةِ، وَأَنَّ كِلَيْهِمَا مِنْ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ.

مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَقِيرِ مِنْ أَحْكَامٍ:

الْفَقِيرُ الَّذِي تُعْطَى لَهُ الزَّكَاةُ:

٣ - يُشْتَرَطُ فِي الْفَقِيرِ الَّذِي تُعْطَى لَهُ الزَّكَاةُ الشُّرُوطُ الآْتِيَةُ:

أ - الإِْسْلاَمُ: فَلاَ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَى كَافِرٍ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، (٢) لِحَدِيثِ مُعَاذٍ ﵁: خُذْهَا مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِمْ (٣) أَمَرَ ﵊ بِوَضْعِ الزَّكَاةِ فِي فُقَرَاءِ مَنْ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ، وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَلاَ يَجُوزُ فِي غَيْرِهِمْ.

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ٥٨، ومغني المحتاج ٣ / ١٠٦، المحلي مع القليوبي ٣ / ١٠٠، ١٩٥، ١٩٩، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٩٢، وكشاف القناع ٢ / ٢٧٢.

(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٤٩، نهاية المحتاج ٦ / ١٥٩، كشاف القناع ٢ / ٢٨٩، مواهب الخليل ٢ / ٣٤٣.

(٣) حديث معاذ: " خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٢٦١) ومسلم (١ / ٥٠) من حديث ابن عباس.