الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٣٢
مَنَاسِكَكُمْ، (١) أَمَّا الْفِعْل الْمُجَرَّدُ فَلاَ يَصْلُحُ لِلْبَيَانِ، لأَِنَّهُ بِذَاتِهِ سَاكِتٌ عَنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ فَلاَ تَتَعَيَّنُ وَاحِدَةٌ إِلاَّ بِدَلِيلٍ، قَال: اللَّهُمَّ إِلاَّ إِذَا تَكَرَّرَ الْفِعْل عِنْدَهُ فَيَحْصُل بِهِ الْبَيَانُ (٢) .
وُرُودُ قَوْلٍ وَفِعْلٍ بَعْدَ الْمُجْمَل:
٧ - إِذَا وَرَدَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ بَعْدَ الْمُجْمَل، وَكِلاَهُمَا صَالِحٌ لِبَيَانِهِ، فَإِنِ اتَّفَقَا فِي الْحُكْمِ وَعُلِمَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا فَهُوَ الْمُبَيِّنُ - قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا - وَالثَّانِي تَأْكِيدٌ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ فَلاَ يُقْضَى عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَنَّهُ الْمُبَيِّنُ بِعَيْنِهِ، بَل يُقْضَى بِحُصُول الْبَيَانِ بِوَاحِدٍ لَمْ يُطَّلَعْ عَلَيْهِ، وَهُوَ الأَْوَّل فِي الْوَاقِعِ وَنَفْسِ الأَْمْرِ، وَالثَّانِي تَأْكِيدٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُبَيِّنَ هُوَ الْقَوْل، سَوَاءٌ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْفِعْل أَمْ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ، كَأَمْرِهِ ﵊ الْقَارِنَ بَعْدَ تَشْرِيعِ الْحَجِّ أَنْ يَطُوفَ طَوَافًا وَاحِدًا، (٣) وَرُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَرَنَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ، (٤) وَيُحْمَل الْفِعْل
_________
(١) حديث: " خذوا عني مناسككم ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٤٣)، والبيهقي (٥ / ١٢٥) من حديث جابر واللفظ للبيهقي.
(٢) البحر المحيط ٣ / ٤٨٦ وما بعده، والتحصيل من المحصول ١ / ٤١٩.
(٣) حديث: " أمره القارن أن يطوف طوافًا واحدًا ". أخرجه الترمذي (٣ / ٢٧٥) من حديث ابن عمر، وقال: حديث حسن صحيح غريب.
(٤) حديث: " أنه قرن فطاف لهما طوافين ". أخرجه الدارقطني (٢ / ٢٥٨) من حديث ابن عمر، ثم ذكر أن في إسناده راويًا متروكًا.
عَلَى النَّدْبِ، لأَِنَّ دَلاَلَةَ الْقَوْل عَلَى الْبَيَانِ بِنَفْسِهِ، بِخِلاَفِ الْفِعْل، فَإِنَّهُ لاَ يَدُل إِلاَّ بِوَاسِطَةِ انْضِمَامِ الْقَوْل إِلَيْهِ. (١)
وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
تَعَارُضُ فِعْلَيْنِ:
٨ - إِذَا حَصَل مِنَ الرَّسُول ﷺ فِعْلاَنِ مُخْتَلِفَانِ، كَأَنْ صَامَ يَوْمَ السَّبْتِ مَثَلًا، ثُمَّ أَفْطَرَ فِي سَبْتٍ آخَرَ، فَلاَ يُقَال بِتَعَارُضِ هَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ، لأَِنَّهُ لاَ عُمُومَ لِلأَْفْعَال، أَمَّا إِذَا اقْتَرَنَ بِالْفِعْل الأَْوَّل مَا يَدُل عَلَى حُكْمِهِ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ، وَتَكَرَّرَ سَبَبُ الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ، فَالثَّانِي مِنَ الْفِعْلَيْنِ نَاسِخٌ لِمَا اسْتُفِيدَ مِنْ حُكْمِ الْفِعْل الأَْوَّل. (٢)
وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
فُقَّاع
انْظُرْ: أَشْرِبَة
فَقْد
انْظُرْ: مَفْقُود
_________
(١) البحر المحيط ٣ / ٤٨٨، والتحصيل من المحصول ١ / ٤١٩.
(٢) المصادر السابقة.
فَقْدُ الطَّهُورَيْنِ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْفَقْدُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ فَقَدَ الشَّيْءَ يَفْقِدُهُ فَقْدًا وَفِقْدَانًا وَفُقُودًا؛ أَيْ عَدِمَهُ، (١) وَالطَّهُورُ فِي اللُّغَةِ كُل مَاءٍ نَظِيفٍ، قَال ثَعْلَبٌ: الطَّهُورُ هُوَ الطَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ، وَقَال الأَْزْهَرِيُّ: الطَّهُورُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الطَّاهِرُ الْمُطَهِّرُ، وَقَال الزَّمَخْشَرِيُّ: الطَّهُورُ الْبَلِيغُ فِي الطَّهَارَةِ.
وَالْمَاءُ الطَّهُورُ بِالْفَتْحِ: هُوَ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَيُزِيل النَّجَسَ. (٢)
وَالطَّهُورَانِ فِي الاِصْطِلاَحِ: الْمَاءُ وَالتُّرَابُ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَنْ فَقَدَ الطَّهُورَيْنِ: الْمَاءَ وَالتُّرَابَ، فِي حَقِّ الصَّلاَةِ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والمطلع على أبواب المقنع ص٦.
(٣) الدر المختار ١ / ١٦٨.
كَالْمَحْبُوسِ فِي مَكَانٍ قَذِرٍ لاَ يَجِدُ صَعِيدًا طَيِّبًا وَلاَ مَاءً يَتَوَضَّأُ مِنْهُ، وَمَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَنْ يُيَمِّمُهُ أَوْ يُوَضِّئُهُ، وَالْمَصْلُوبِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ فَقَطْ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، (١) لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، لأَِنَّ الْعَجْزَ فِي الشَّرْطِ لاَ يُوجِبُ تَرْكَ الْمَشْرُوطِ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَوِ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ.
وَلاَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ حِينَئِذٍ، إِذْ لاَ ضَرُورَةَ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفَرْضُ لِدَاعِي الضَّرُورَةِ إِلَيْهِ، قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَهَذِهِ الصَّلاَةُ تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ، وَلِهَذَا قَال فِي الْمَجْمُوعِ: تَبْطُل بِالْحَدَثِ وَالْكَلاَمِ وَنَحْوِهِمَا، وَبِهَذَا صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِذَا كَانَ يَرْجُو أَحَدَ الطَّهُورَيْنِ حَتَّى يَضِيقَ الْوَقْتُ، كَمَا قَال الأَْذْرَعِيُّ.
وَيُعِيدُ الصَّلاَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا وَجَدَ أَحَدَ الطَّهُورَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ، لأَِنَّ هَذَا الْعُذْرَ نَادِرٌ وَلاَ دَوَامَ لَهُ.
وَمَا سَبَقَ هُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَمُقَابِلُهُ أَقْوَالٌ:
_________
(١) حديث: " إذا أمرتكم بشيء. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ٢٥١)، ومسلم (٢ / ٩٧٥) من حديث أبي هريرة.
أَحَدُهَا: تَجِبُ الصَّلاَةُ بِلاَ إِعَادَةٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ، وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ، قَال: لأَِنَّهُ أَدَّى وَظِيفَةَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ.
ثَانِيهَا: يُنْدَبُ لَهُ الْفِعْل وَتَجِبُ الإِْعَادَةُ.
ثَالِثُهَا: يُنْدَبُ لَهُ الْفِعْل وَلاَ إِعَادَةَ.
رَابِعُهَا: يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلاَدَةً فَضَلَّتْهَا، فَبَعَثَ رَسُول اللَّهِ ﷺ رِجَالًا فِي طَلَبِهَا فَوَجَدُوهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَشَكَوْا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَل اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ (١)، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالإِْعَادَةِ، وَلأَِنَّهُ أَحَدُ شُرُوطِ الصَّلاَةِ، فَسَقَطَ عِنْدَ الْعَجْزِ كَسَائِرِ شُرُوطِهَا، وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ الَّذِي بِهِ حَدَثٌ أَكْبَرُ لاَ يَقْرَأُ فِي الصَّلاَةِ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ، قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: لاَ يَقْرَأُ مَنْ بِهِ حَدَثٌ أَكْبَرُ فِي الصَّلاَةِ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ عِنْدَ النَّوَوِيِّ، وَيُمْنَعُ مِنْ قِرَاءَتِهَا عِنْدَ الرَّافِعِيِّ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي الصَّلاَةِ مِنْ قِرَاءَةٍ وَغَيْرِهَا، فَلاَ يَقْرَأُ زَائِدًا عَلَى
_________
(١) حديث: " نزول آية التيمم ". أخرجه البخاري (٧ / ١٠٦) من حديث عائشة.
الْفَاتِحَةِ، وَلاَ يُسَبِّحُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَلاَ يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي طُمَأْنِينَةِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ جُلُوسٍ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِالْمُصَلِّينَ احْتِرَامًا لِلْوَقْتِ، فَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ إِنْ وَجَدَ مَكَانًا يَابِسًا، وَإِلاَّ فَيُومِئُ قَائِمًا، وَيُعِيدُ الصَّلاَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لاَ يَقْرَأُ، سَوَاءٌ كَانَ حَدَثُهُ أَصْغَرَ أَمْ أَكْبَرَ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لاَ يَنْوِي أَيْضًا، لأَِنَّهُ تَشَبُّهٌ بِالْمُصَلِّي وَلَيْسَ بِصَلاَةٍ.
وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ، وَهُوَ قَوْل الصَّاحِبَيْنِ، قَال التُّمُرْتَاشِيُّ: بِهِ يُفْتَى وَإِلَيْهِ صَحَّ رُجُوعُهُ.
وَقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ الْمَرْجُوعُ عَنْهُ أَنَّهُ يُؤَخِّرُهَا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى سُقُوطِ الصَّلاَةِ عَنْ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا فِي الْوَقْتِ، وَلاَ قَضَاؤُهَا فِي الْمُسْتَقْبَل إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَوِ التُّرَابَ، قَال الدُّسُوقِيُّ: وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ الأَْدَاءُ وَالْقَضَاءُ لأَِنَّ وُجُودَ الْمَاءِ وَالصَّعِيدِ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ أَدَائِهَا، وَقَدْ عُدِمَ، وَشَرْطُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ تَعَلُّقُ الأَْدَاءِ بِالْقَاضِي، وَهَذَا قَوْل مَالِكٍ، وَقَال أَصْبَغُ: يَقْضِي وَلاَ يُؤَدِّي، وَقَال أَشْهَبُ: يَجِبُ الأَْدَاءُ فَقَطْ، وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجِبُ الأَْدَاءُ وَالْقَضَاءُ احْتِيَاطًا. (١)
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٦٨، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ١٦٢، ومغني المحتاج ١ / ١٠٥، وكشاف القناع ١ / ١٧١.
فِقْه
التَّعْرِيفُ:
١ - الْفِقْهُ فِي اللُّغَةِ: الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ وَالْفَهْمُ لَهُ، وَالْفَطِنَةُ فِيهِ، وَغَلَبَ، عَلَى عِلْمِ الدِّينِ لِشَرَفِهِ، (١) قَال تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُول﴾، (٢) وَقِيل: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كُل مَعْلُومٍ تَيَقَّنَهُ الْعَالِمُ عَنْ فِكْرٍ. (٣)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: الْعِلْمُ بِالأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ، الْمُكْتَسَبُ مِنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ (٤) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الشَّرِيعَةُ:
٢ - الشَّرِيعَةُ وَالشِّرْعَةُ فِي اللُّغَةِ: مَوْرِدُ الْمَاءِ لِلاِسْتِسْقَاءِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِوُضُوحِهِ وَظُهُورِهِ، وَالشَّرْعُ مَصْدَرُ شَرَعَ بِمَعْنَى: وَضَحَ وَظَهَرَ، وَتُجْمَعُ عَلَى شَرَائِعَ، ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَال هَذِهِ
_________
(١) القاموس المحيط.
(٢) سورة هود / ٩١.
(٣) لسان العرب، والمصباح المنير، والبحر المحيط ١ / ١٩.
(٤) البحر المحيط للزركشي ١ / ٢١.
الأَْلْفَاظِ فِي الدِّينِ وَجَمِيعِ أَحْكَامِهِ، قَال تَعَالَى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَْمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾، (١) وَقَال سُبْحَانَهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ . (٢)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ مَا نَزَل بِهِ الْوَحْيُ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ الأَْحْكَامِ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقَائِدِ وَالْوِجْدَانِيَّاتِ وَأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ، قَطْعِيًّا كَانَ أَوْ ظَنِّيًّا. (٣)
وَبَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالْفِقْهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، يَجْتَمِعَانِ فِي الأَْحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ الَّتِي وَرَدَتْ بِالْكِتَابِ أَوْ بِالسُّنَّةِ أَوْ ثَبَتَتْ بِإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ، وَتَنْفَرِدُ الشَّرِيعَةُ فِي أَحْكَامِ الْعَقَائِدِ، وَيَنْفَرِدُ الْفِقْهُ فِي الأَْحْكَامِ الاِجْتِهَادِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ وَلَمْ يُجْمِعْ عَلَيْهِ أَهْل الإِْجْمَاعِ.
ب - أُصُول الْفِقْهِ:
٣ - أُصُول الْفِقْهِ: أَدِلَّتُهُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، لاَ مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيل. (٤)
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْفِقْهِ وَأُصُول الْفِقْهِ أَنَّ الْفِقْهَ يُعْنَى بِالأَْدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ لاِسْتِنْبَاطِ الأَْحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ مِنْهَا، أَمَّا أُصُول الْفِقْهِ فَمَوْضُوعُهُ
_________
(١) سورة الجاثية / ١٨.
(٢) سورة المائدة / ٤٨.
(٣) التوضيح على التنقيح ١ / ٦٩، ونهاية المحتاج ١ / ٣٢.
(٤) روضة الناظر لابن قدامة ١ / ٢٠ - ٢١.
الأَْدِلَّةُ الإِْجْمَالِيَّةُ مِنْ حَيْثُ وُجُوهُ دَلاَتِهَا عَلَى الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - تَعَلُّمُ الْفِقْهِ قَدْ يَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ كَتَعَلُّمِهِ مَا لاَ يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ الَّذِي تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ إِلاَّ بِهِ، كَكَيْفِيَّةِ الْوُضُوءِ وَالصَّلاَةِ، وَالصَّوْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ حَمَل بَعْضُهُمُ الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ (١) وَلاَ يَلْزَمُ الإِْنْسَانَ تَعَلُّمُ كَيْفِيَّةِ الْوُضُوءِ وَالصَّلاَةِ وَنَحْوِهِمَا إِلاَّ بَعْدَ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ لَوْ أَخَّرَ إِلَى دُخُول الْوَقْتِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَمَامِ تَعَلُّمِهَا مَعَ الْفِعْل فِي الْوَقْتِ، فَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَقْدِيمُ التَّعَلُّمِ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ، كَمَا يَلْزَمُ السَّعْيُ إِلَى الْجُمُعَةِ لِمَنْ بَعُدَ مَنْزِلُهُ قَبْل الْوَقْتِ (٢) لأَِنَّ مَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، ثُمَّ إِذَا كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْفَوْرِ كَانَ تَعَلُّمُ الْكَيْفِيَّةِ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى التَّرَاخِي كَالْحَجِّ فَتَعَلُّمُ الْكَيْفِيَّةِ عَلَى التَّرَاخِي
_________
(١) حديث: " طلب العلم فريضة على كل مسلم ". أخرجه ابن ماجه (١ / ٨) من حديث أنس بن مالك بإسناد ضعيف، وذكر السخاوي في المقاصد الحسنة (ص٢٧٥ - ٢٧٦) طرقًا أخرى وشواهد عن جماعة من الصحابة، ونقل عن المزي أنه حسنه، وعن العراقي أنه قال: صحح بعض الأئمة بعض طرقه.
(٢) المجموع للنووي ١ / ٢٤ - ٢٥، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٦ وما بعدها.
ثُمَّ مَا يَجِبُ وُجُوبَ عَيْنٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ هُوَ مَا يَتَوَقَّفُ أَدَاءُ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ غَالِبًا، دُونَ مَا يَطْرَأُ نَادِرًا، فَإِنْ حَدَثَ النَّادِرُ وَجَبَ التَّعَلُّمُ حِينَئِذٍ، أَمَّا الْبُيُوعُ وَالنِّكَاحُ وَسَائِرُ الْمُعَامَلاَتِ مِمَّا لاَ يَجِبُ أَصْلُهُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَعَلُّمُ أَحْكَامِهِ لِيَحْتَرِزَ عَنِ الشُّبُهَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ، وَكَذَا كُل أَهْل الْحِرَفِ، فَكُل مَنْ يُمَارِسُ عَمَلًا يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ لِيَمْتَنِعَ عَنِ الْحَرَامِ.
وَقَدْ يَكُونُ تَعَلُّمُ الْفِقْهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَهُوَ مَا لاَ بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهُ فِي إِقَامَةِ دِينِهِمْ، كَحِفْظِ الْقُرْآنِ وَالأَْحَادِيثِ وَعُلُومِهِمَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدْ يَكُونُ تَعَلُّمُ الْفِقْهِ نَافِلَةً، وَهُوَ التَّبَحُّرُ فِي أُصُول الأَْدِلَّةِ وَالإِْمْعَانُ فِيمَا وَرَاءَ الْقَدْرِ الَّذِي يَحْصُل بِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ، وَتَعَلُّمُ الْعَامِّيِّ نَوَافِل الْعِبَادَاتِ لِغَرَضِ الْعَمَل، لاَ مَا يَقُومُ بِهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ تَمْيِيزِ الْفَرْضِ مِنَ النَّفْل، فَإِنَّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي حَقِّهِمْ (١) .
فَضْل الْفِقْهِ:
٥ - وَرَدَتْ آيَاتٌ وَأَحَادِيثُ فِي فَضْل الْفِقْهِ وَالْحَثِّ عَلَى تَحْصِيلِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُل فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي
_________
(١) المجموع للنووي ١ / ٢٤ - ٢٥، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٩.